تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

شباب الصحابة / الطبعة الثانية

د. محمد بن عبدالله الدويش

 المقدمة
 لماذا سير شباب الصحابة؟
 السابقة في الإسلام
 العناية بحفظ القرآن وتعلمه
 طلب العلم
 العبادة
 الزهد والورع
 الدعوة إلى الله
 علو المنزلة عند صاحب الرسالة
 المبادرة الذاتية
 الإنفاق في سبيل الله
 الجهاد والبطولة
 الشهادة في سبيل الله
 المواقف المشهودة
 الرياضة لدى شباب الصحابة
 احتمال الشدائد في سبيل الله
 ثناء القرآن عليهم
 التوبة
 الزواج المبكر
 حسن الخلق
 محبة النبي صلى الله عليه وسلم وخدمته
 الخاتمة  
 ملحق بأسماء شباب الصحابة
 المراجع والمصادر
 أين أنا من هؤلاء؟

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد:
فيتطلع اليوم جيل الصحوة المبارك وهو يسعى لبناء نفسه وتربيتها إلى نماذج ومثل يقتدي بها، والافتقار للقدوة فطرة في النفس الإنسانية إذ يترك النموذج العملي والصورة الحية من الأثر في النفس ما لا يتركه الخطاب النظري المجرد.
ولأجل ذلك جاء الحديث عن القصص في القرآن الكريم كثيراً، وجاء الأمر بالاعتبار والاتعاظ بها: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ). [يوسف: 3]. (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). [يوسف: 111].
وما كان اختيار الله سبحانه وتعالى ذاك الجيل الأول ليكون فرطاً للأمة. [فرط فروطاً سبق وتقدم، والفرط: المتقدم في طلب الماء انظر: معجم المقاييس 4/ 491، واللسان 7/ 367]. وحاملاً للرسالة - لم يكن هذا الاختيار عبثاً، كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلّم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلّم ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ". [رواه أحمد 3599].
وكما قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: "من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلّم ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة". [أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/ 305- 306].
فما أحوج شباب الأمة اليوم للعودة إلى تاريخ أسلافهم وقراءة سيرهم، وبالأخص سير الشباب منهم ليقارن حاله بحالهم، وليعرف ماكان عليه أولئك فيسعى للتشبه والاقتداء بهم فمن تشبه بقوم فهو منهم.
ومن هنا جاءت هذه المحاولة لفتح صفحة من حياة شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم وإبرازها أمام شباب الصحوة وجيلها المبارك.
ففي هذا البحث المتواضع قمت بجمع سير شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم ، وأخذ الدروس منها، وسرت فيه على الخطوات الآتية:
أولاً: اعتبرت في ذلك من لم يتجاوز (25) سنة، واخترت هذه المرحلة لأنها في الأغلب تمثل في وقتنا الحاضر سن الشباب الذين يعيشون في مراحل التعليم، والذين هم المخاطبون بهذه السلسلة. [وقد يرى البعض رأياً آخر في تحديد السن، وستبقى المسألة ليست محل اتفاق، والأهم في نظري أن يحدد الباحث اصطلاحاً واضحاً ويلتزمه].
ثانياً: قمت باستعراض كتاب الإصابة، والطبقات، وسير أعلام النبلاء، واستخراج من ينطبق عليه هذا الشرط، وأوردت في نهاية البحث قائمة مختصرة بأسمائهم، وما يدل على كونهم ضمن هذه المرحلة.
ثالثاً: قمت بالبحث في كتب السيرة والسنة عن مواقف هؤلاء وتصنيفها موضوعياً، وقد حرصت قدر الإمكان على أن تكون المواقف الواردة مما يغلب على الظن أنها حدثت أثناء هذه المدة، بالاعتماد على حوادث السيرة المؤرخة، أما ما كان خالياً من الإشارة إلى الفترة فمن كان غالب حياته مع النبي صلى الله عليه وسلّم في هذه الفترة اعتمدت هذه الروايات، ومن كان بخلاف ذلك لم أعتمد منها إلا ما دلت القرائن على دخوله ضمنها.
رابعاً: التزمت في الروايات والأحاديث المرفوعة ألا أورد إلا ما وجدت نصاً لأحد أئمة الحديث المعتبرين على تصحيحه - واعتمدت كثيراً على تصحيحات الألباني - وتركت الإشارة لذلك اختصاراً.
أما فيما يتعلق بوفيات الصحابة وأعمارهم فقد اكتفيت بما نص عليه علماء السير والتراجم، ما لم يكن لذلك معارض أقوى منه، إذ يصعب في مثل ذلك التزام منهج المحدثين. [انظر: في تفصيل الموقف من مرويات السيرة: السيرة النبوية الصحيحة، أكرم ضياء العمري، ص 39- 40].
خامساً: حيث إن المقصود ليس سرد الروايات فقط فقد رأيت في التعليق عليها وأخذ الدروس أن لا أفصل الدروس بنقاط مرقمة بل أدمجها وأسوقها مساقاً واحداً محافظاً على استقلال نصوص الروايات؛ ولهذا جاءت العبر والتوجيهات مفرقة في ثنايا البحث.
سادساً: حيث إن مثل هذا البحث يتطلب جهداً ووقتاً وخبرة أشعر أن ما بذلته لا يتناسب مع ذلك فلابد أن يكون هناك قصور وتجاوز وخطأ، وأنه مهما بقيت لدي مسودة البحث فلن أتوقف عن التعديل والحذف والإضافة، بل إني أجزم أنه ستكون هناك ثغرات وأخطاء وقصور، فالمأمول من إخواني القراء المشاركة بالملاحظة والتأييد حتى يخرج هذا البحث بصورة أفضل.
سابعاً: لا شك أن الدعوة المحمدية كانت للناس كافة، الرجال والنساء، والشيب والشباب، والصغار والكبار، ونحن إذ نفتح هذه الصفحة من سير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم لا يعني أن نهمل سير الباقين ممن كان لهم في نصرة الإسلام قدم راسخة، وفضل وسبق لا ينكر، إنما هي محاولة لتسليط الضوء على هذا الجانب الذي يحتاجه شباب اليوم حاجة ماسة.
وفي الختام أسجل شكري وتقديري للإخوة الأفاضل الذين أعانوني على هذا البحث، فأسأل الله أن يثيبهم وأن يجعل ذلك في موازين حسناتهم، إنه سميع مجيب، وأن يجعل هذا الجهد خالصاً لوجهه، وأن يحقق الثمرة المرجوة منه.

محمد بن عبد الله الدويش
ص ب52960 الرياض 11573
الرياض 21/ 3/ 1417هـ

 للأعلى


لماذا سير شباب الصحابة؟

لاشك أن قراءة المرء في سير الصالحين وعلى رأسهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أمر لا يجادل مجادل في أهميته وضرورته، لكن قد يتساءل متسائل: وما قيمة تخصيص الحديث والبحث بالشباب دون سائر الصحابة؟
وهو تساؤل جدير بأن يجاب عليه في بداية هذا البحث.
إن البحث في ذلك له نتائج عدة منها:
أولاً: أن الشاب قد يرى نفسه على حال من الصلاح والتقوى والعبادة أو الاجتهاد في طلب العلم الشرعي أو الجهاد في سبيل الله عز وجل، أو أي عمل آخر، ويرى أنه قد فاق أقرانه وأنه قد جاوز ما عليه كبار السن والرجال، فقد يكون ذلك مدخلاً للشيطان ليوقع في نفسه العجب والبطر، وهذا عنوان الهلاك وبداية الضلال حمانا الله منه.
لكنه حين يقرأ سير القوم ويطلع على أحوالهم يدرك أنه مهما فعل فهناك من فاقه وسبقه فيحتقر نفسه وعمله ويتطلع للمزيد.
بل كيف يعجب الشاب بعمل ويدل به على مولاه سبحانه، وهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلّم لن ينجيه عمله كما قال: "لن ينجي أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة، وسددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا". [رواه البخاري 6463، ومسلم 2816].

ثانياً: أن قراءة السير والأمثلة الواقعية لها الأثر الفعال في النفوس، إذ هي نماذج أكثر رسوخاً وتأثيراً، وليس أدل على ذلك من كثرة إيراد القرآن الكريم لقصص الأنبياء والأمم السابقة، وفيها النماذج الضالة للحذر منها، وفيها النماذج الخيرة للتأسي بها، كما ذكر القرآن قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، وقصة أصحاب الكهف، وأصحاب الأخدود.
وكما ذكر النبي صلى الله عليه وسلّم قصة التائب من بني إسرائيل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، وقصة أصحاب الغار، وقصة الغلام المؤمن، وغيرها كثير.

ثالثاً: سيطرت على مجتمعات المسلمين النظرة الدونية للشباب واحتقارهم، واعتبارهم كالأطفال لاوزن لهم ولاقيمة، وهي قضية لن تحتاج إلى عناء لاكتشافها والتعرف عليها، فيكفيك لإدراك ذلك المشاركة في مناسبة اجتماعية، أو زيارة أحد الآباء في منزله، لتدرك من ذلك كيف ينظر المجتمع إلى الشباب ويتعامل معهم.
وينعكس أثر هذه النظرة على الشباب أنفسهم فيضعون أنفسهم حيث ينظر الناس إليهم ويطول أمد الطفولة والصبوة لديهم.
لذا فإن قراءة الآباء لسير شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم ستغير حتماً من نظرتهم لأبنائهم وسترفع من تطلعهم، وقراءة الأبناء لهذه السير ستدفعهم إلى تجاوز هذه النظرة التي يواجههم بها المجتمع.

رابعاً: ورث المجتمع المسلم المعاصر اليوم ضمن تركة الهزيمة والتخلف مفاهيم تربوية غربية غريبة عليه وبعيدة عنه، وتحولت إلى جزء من تفكير الناس فانصرفوا عن المراجعة والمناقشة لهذه المفاهيم.
ومن ذلك النظرة للمراهق إذ لا يرى علم النفس الغربي في المراهق إلا الطيش والخفة، ولا يعرف عنه إلا الانحراف والجنوح حين سيطر عليه مفهوم (أزمة المراهقة) وانتقلت هذه العدوى إلى المسلمين وورثوها كما ورثوا غيرها.
والعجيب أنه في الوقت نفسه الذي بدأ علم النفس المعاصر يعيد نظرته للمراهق. [انظر: على سبيل المثال: سيكولوجية المراهق المسلم المعاصر لعبد الرحمن العيسوي]. لايزال كثير من الآباء المسلمين يعتبر ابنه معذوراً في كل ما يقارف ويفعل إذ هو مراهق.
إن قراءة سير شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم الذين يعيشون في هذه المرحلة التي يصفها هؤلاء بأنها سن المراهقة تعطي الدليل القاطع أن الجزء الأكبر من مشكلة المراهقين في مجتمعاتنا إنما هو نتاج وضع تربوي واجتماعي ومؤثرات معاصرة أكثر منه مرحلة ملازمة لكل من عاش هذا السن.
ونحن إذ نقول ذلك لا ننكر أن للمراهق طبيعته الخاصة، ومشكلاته التي ليست لغيره، لكن الأمر ليس كما يصوره علم النفس المعاصر، وكما يسيطر على نظرة الكثير من الآباء اليوم.
وما أجدرنا أن نلتزم الأسماء الشرعية فنعتبرها مرحلة (البلوغ) أو (التكليف الشرعي) وفيها يجري على الشاب ما يجري على سائر الرجال.

خامساً: من خصائص الشاب في هذه المرحلة (القابلية للاستهواء) فيتعلق الشاب بالنماذج ويعجب بها، ويستثمر الأعداء هذه الخصلة فيبرزون أمام الشباب العديد من النماذج التي تستهويهم وتأسرهم "وهذا الاستعداد الشديد للاستهواء في تلك المرحلة من العمر لم يخلقه الله عبثاً، ولم يخلقه ليكون مشكلة للإنسان ولا ليكون في ذاته مصدر خطر عليه، ولكنه - ككل ما أودع في الفطرة من الطاقات والاستعدادات - يؤدي مهمته في البناء السليم للنفس حين يوجه التوجيه الصالح". [منهج التربية الإسلامية لمحمد قطب 2/ 241].
لذا فإن العناية بإبراز هذه النماذج أمام الشاب يخدم جانباً فطرياً مهماً لديهم، ويحميهم في الوقت نفسه ويوفر لهم البديل دون أبطال الرياضة والفن وغيرهم.

سادساً: لقد قامت الصحوة الإسلامية اليوم بقدراتها المتواضعة بجهد تربوي رائع، فأخذت بأيدي الشباب وانتشلتهم من براثن المؤثرات الفاسدة، ولا تزال بحمد الله اليوم مؤسسات الصحوة التربوية تقدم لنا المزيد.
لكن نقص الخبرة، وقلة الدراسات التربوية المتاحة تجعل المساحة المتاحة للاجتهاد والتجارب الشخصية تتجاوز مداها الفعلي.
ومن ذلك: أن كل مرب لابد أن ترتسم في ذهنه صورة يتطلع للوصول بالشباب إليها، فكيف يتصور المربي حدود هذه الصورة؟ أو بعبارة أخرى ما الهدف والمستوى الذي يريد الوصول إليه؟.
إننا كثيراً ما نصبح أسرى تجاربنا ومداركنا الشخصية، فيستمد كل مرب من تاريخه وتجاربه السابقة صورة يتطلع إليها، فيرى أنه حين يصل بطلابه إلى المرحلة التي وصل إليها زيد أو عمرو فقد بلغ الغاية.
ويرى أن القدر المرضي من الجدية هو ما وصل إليه فلان، وأن منتهى الصبر والتضحية هو ما بلغه فلان.... الخ.
إن استعراض هذه النماذج من سير شباب الصحابة - رضوان الله عليهم - يساهم في رسم صور يتطلع المربون إلى الاقتراب منها بأنفسهم وبمن يقومون على تربيته وتوجيهه، وإن لم يصلوا بالضرورة إليها فإنها تظل تحفز همهم وتستثير عزائمهم، وفي ذلك تربية لهم وصقل لمواهبهم.

 للأعلى


السابقة في الإسلام

حين جاء النبي صلى الله عليه وسلّم بهذا الدين وصدع بدعوته في وجه قومه، استنكف أهل مكة واستكبروا، وكان منطقهم في مواجهة دعوة التوحيد: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ* وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ). [ص: 5 - 6].
وفي هذا الوسط الذي شرق بدعوة التوحيد ورفضها كان ممن بادر لمتابعة النبي صلى الله عليه وسلّم بعض شبان الصحابة، فعددٌ ممن أسلم في أول الإسلام كان ممن هو دون سن العشرين أو فوقها بقليل.
فمن السابقين الأولين للإسلام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومنهم سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - الذي قال عن نفسه: "ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام". [رواه البخاري 3727].
وقال - رضي الله عنه -: "إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومالنا طعام إلا ورق الشجر حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، لقد خبت إذاً وضل عملي". [رواه البخاري 3728، ومسلم 2966].
والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله - رضي الله عنهما - كانا من السابقين.
وكان ممن أسلم قبل دخول دار الأرقم خباب بن الأرت، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مظعون، وقدامة بن مظعون، ومسعود بن الربيع - رضي الله عنهم - جميعاً.
وإياس، وعاقل، وخالد، وعامر أبناء بكير كانوا أول من بايع في دار الأرقم.
وأما من أسلم في دار الأرقم فهم كثر، ولا يزال الأمر في مرحلة الاستضعاف.
بل والأرقم بن أبي الأرقم - رضي الله عنه - الذي اتخذ النبي صلى الله عليه وسلّم داره لتكون مقراً للمسلمين في مكة كان حين أسلم شاباً.
وكان من السابقين للإسلام عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ، إذ يقول عن نفسه: "لقد رأيتني سادس ستة، وما على ظهر الأرض مسلم غيرنا". [أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/ 126 والحاكم 3/ 313، وصححه ووافقه الذهبي. وانظر: السير 1/ 464].
ولنستمع لقصته كما يرويها هو إذ يقول: كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأبو بكر، فقال: "يا غلام، هل من لبن؟ قال: قلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال: فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص قال: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله، علمني من هذا القول، قال: فمسح رأسي وقال: يرحمك الله فإنك غليم معلم". [حبذا أن يقف عند هذا الثناء النبوي - وهو كثير في السيرة النبوية- بعض المربين الذين يسيطر عليهم هاجس خوف الغرور على طلابهم فيعوقهم عن أي خطوة للثناء والتشجيع].
وفي رواية: "فأتاه أبو بكر بصخرة منقورة، فاحتلب فيها فشرب وشرب أبو بكر وشربت، قال: ثم أتيته بعد ذلك قلت: علمني من هذا القرآن، قال: إنك غلام معلم. قال: فأخذت من فيه سبعين سورة". [رواه أحمد 3597، 3598].
ولا يقف الأمر عند من أسلم من أهل مكة، بل وأوائل السابقين للإسلام من الأنصار كذلك، فها هو إياس بن معاذ الأنصاري - رضي الله عنه - يسبق قومه في الإسلام، كما روى ذلك محمود بن لبيد قال: "لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله، بعثني إلى العباد؛ أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال: إياس بن معاذ: يا قوم، هذا والله خير مما جئتم له. فأخذ أبو الحيسر حفنة من البطحاء، فضرب وجهه بها، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فسكت وقام وانصرفوا، فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك.
قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه، فكانوا لا يشكون أنه مات مسلماً". [رواه ابن إسحاق وأحمد 5/ 427 والحاكم في المستدرك 3/ 180، وقال في الإصابة 1/ 314: رواه جماعة عن ابن إسحاق هكذا، وهو من صحيح حديثه].
وفي حديث جابر رضي الله عنه في روايته لقصة بيعة العقبة: "... فلما نظر العباس - رضي الله عنه - في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم هؤلاء أحداث".
فماذا يعني هذا الأمر وما دلالاته؟
إنه يعني أولاً: أن الظاهرة ليست ظاهرة فردية شاذة بل هي ظاهرة عامة غالبة، فهذه أسماء من اهتدينا لمعرفة سنه، أما من لم ترو لنا كتب السير اسمه وشيئاً من شأنه، أو لم يذكر ما يدل على سنه فهم أكثر بكثير، إذ هناك طائفة كثيرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم لا تذكر كتب السير ما يدل على أعمارهم وقتذاك، ومنهم الشباب قطعاً.

وهو يعني ثانياً: صدق اليقين والتوجه لدى هؤلاء، إنه حين يسلم شاب أو يأتي لذكره حديث في المدينة ربما فسر ذلك أنه استجابة لوضع المجتمع ومسايرة لأهله ووالديه، أما هنا فالأمر يختلف تماماً فأول من وقف في وجه هؤلاء هم أهلهم وذووهم وآباؤهم وأمهاتهم، بل وقف المجتمع بأسره في وجههم ومع ذلك فقد ثبتوا وصمدوا في وجه كل الأعاصير.
وقد يقول قائل: إن الشباب وحدثاء الأسنان تأسرهم المظاهر ويأخذ بلبهم البريق الخادع فيتبعون كل داع وناعق، وهي مقولة قوم نوح له: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ). [هود: 27] فهذا إن صح لا يمكن أن يكون له نصيب أمام هذا الجيل المبارك.
لقد دخل أولئك في الإسلام وصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلّم يعيش مرحلة الاضطهاد والمضايقة هو ومن آمن معه، وتحملوا ما أصابهم ولم تحفظ لنا السير نماذج ممن ارتد من الذين دخلوا الإسلام في عصر الدعوة المكية إلا ما ندر.
إن كل من يدخل الإسلام في تلك الفترة كان يدرك تمام الإدراك أنه سيدفع الثمن الباهض مقابل اتخاذه هذا القرار، وهو يعرف كيف واجه من سبقه وتحملوا من صنوف الإيذاء والقهر ما لا يطيقه إلا الأشاوس من الرجال.

وهو يعني ثالثاً: دلالة لها أهمية بالغة في شأن طبيعة الدعوة إلى الله عز وجل والمستجيبين لها؛ إذ إن عامة المستجيبين للدعوة هم من الشباب وهذا يحتم على الدعوة الإسلامية المعاصرة أن تهتم بالشباب، وتعنى بتوجيه الدعوة إليهم؛ إذ هم أكثر استجابة وإقبالاً، وهم رجال المستقبل وقادته بإذن الله عز وجل.
إن جيل الكبار - من غير المستجيبين لأمر الله - قد تشرب معاني ورثها وتأصلت لديه فصار اقتلاعها أمراً صعباً، فمنطق (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ). [الزخرف: 22]. يسيطر على أمثال هؤلاء، فيحجبهم عن الحقيقة وقد رأوها رأي العين.

وهو رابعاً: دليل على خطأ مقولة أولئك الذين يصورون الدعوة الإسلامية المعاصرة بأن معظم أتباعها من الشباب الأغرار الذين لا تجربة لهم ولا خبرة بل يسيرون خلف كل ناعق، ويتبعون من دعاهم لخير وشر.
إن الشباب لاشك أسرع استجابة لداعي الشر، لكنهم أكثر استعداداً وقبولاً في الوقت نفسه لداعي الخير وأرق أفئدة، وكفى بسيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم شاهداً على ذلك.
بل الأمر لا يقف عند حدود هذه الأمة فهي سنة في الأمم المسلمة السابقة أن الشباب لهم ما ليس لغيرهم.
ومن ذلك ما حكاه الله سبحانه وتعالى عن أهل الكهف: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى* وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً). [الكهف: 13 - 14].
فإذ أعلن هؤلاء إيمانهم وعبوديتهم لله سبحانه وتعالى كانوا في مجتمع يعج بالشرك والضلالة وكان هؤلاء وحدهم الذين نور الله قلوبهم بالهداية: (هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً). [الكهف: 15].
وحدثنا صلى الله عليه وسلّم عن نبأ قوم سابقين في حديث صهيب - رضي الله عنه-: "كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه...." وذكر صلى الله عليه وسلّم من شأنه ودعوته وإيمان الناس على يديه، وهو لا يزال غلاماً صغيراً، فمن يجرؤ حينئذ على أن يصمه ودعوته بأنه غر، أو مراهق، أو شاب متحمس؟!
وقال تبارك وتعالى عن دعوة موسى عليه السلام: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ). [يونس: 83].
قال ابن كثير رحمه الله حول هذه الآية: "يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى عليه السلام مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون من الذرية وهم الشباب على وجل وخوف منه ومن ملئه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر، لأن فرعون لعنه الله كان جباراً عنيداً مسرفاً في التمرد والعتو، وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه خوفاً شديداً". [تفسير ابن كثير 2/ 622].
وها هو إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - رحمه الله - يؤكد هذا المعنى، فحين روى في مسنده حديث سمرة بن جندب - رضي الله عنه -: "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" سأله ابنه عبد الله عن تفسير هذا الحديث فقال: الشيخ لا يكاد أن يسلم، والشاب (أي). [هكذا في المسند]. يسلم كأنه أقرب إلى الإسلام من الشيخ، قال: الشرخ الشباب". [المسند 20166].
فليعمم هؤلاء النتيجة وليقولوا إن النبي صلى الله عليه وسلّم كان أتباعه السابقون الأولون من الأغرار الأحداث، وأهل الكهف كذلك، وأصحاب الأخدود ساروا وراء شاب متحمس طائش فحصدت نفوسهم، وأريقت تلك الدماء في عشية واحدة - إما أن يقولوا بذلك - أو أن يراجعوا أصلهم، ويعيدوا نظرتهم.
نعم: إن الشباب حين يفتقدون العلم والانضباط الشرعي، وحين لايجدون القيادة الواعية التي توجههم ويثقون بها قد ينزلقون إلى مزالق خطرة، أما حين يهيئ الله لهم قيادة واعية فإنها تستثمر طاقتهم وتوجه حماستهم لنصرة الدين وإحقاق الحق وإبطال الباطل.
ولهذا قال ابن شوذب رحمه الله: "إن من نعمة الله على الشاب إذا تنسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها". [رواه ابن بطه في الإبانة 43].
وقال عمرو بن قيس الملائي: "إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، وإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه؛ فإن الشاب على أول نشوءه". [رواه ابن بطه في الإبانة 44].
وقال أيضاً: "إن الشاب لينشأ، فإن آثر أن يجالس أهل العلم كاد أن يسلم، وإن مال إلى غيرهم كاد أن يعطب". [رواه ابن بطه في الإبانة 45].

 للأعلى


العناية بحفظ القرآن وتعلمه

القرآن دستور الأمة وأساس نهضتها، وبه أنقذها الله من الظلمات إلى النور، لذا فقد كان أول ما عني به شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم هو القرآن وحفظه وتعلمه.
لقد كان الحرص الذي تمتع به أولئك - رضوان الله عليهم - مدعاة لأن يفوقوا غيرهم حتى يأمر النبي صلى الله عليه وسلّم باستقراء القرآن من أربعة، ثلاثة منهم من الشباب وهم معاذ، وابن مسعود، وسالم - رضي الله عنهم - إذ يقول: "استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل". قال: لا أدري بدأ بأُبيّ أو بمعاذ. [روا ه البخاري 3758، ومسلم 2464].
ويشهد أنس - رضي الله عنه - مع معاذ لشاب آخر هو زيد بن ثابت - رضي الله عنه - بأنه قد وعى القرآن وجمعه فيقول: "جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم أربعة كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت". [رواه البخاري 3810، ومسلم 2465].
وكان عمرو بن سلمة - رضي الله عنه - وهو من صغار الصحابة حريصاً على تلقي القرآن، فكان يتلقى الركبان ويسألهم ويستقرئهم حتى فاق قومه أجمع، وأهَّله ذلك لإمامتهم، ولنستمع لذلك من روايته - رضي الله عنه - إذ يقول: "كنا على حاضر فكان الركبان - وقال إسماعيل مرة: الناس - يمرون بنا راجعين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأدنو منهم فأسمع حتى حفظت قرأناً، وكان الناس ينتظرون بإسلامهم فتح مكة، فلما فتحت جعل الرجل يأتيه فيقول: يا رسول الله، أنا وافد بني فلان وجئتك بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام قومه فرجع إليهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: قدّموا أكثركم قرأناً. قال: فنظروا وإني لعلى حِواء عظيم. [الحِواء: بيوت مجتمعة من الناس على ماء، والجمع أحوية. النهاية 1/ 465]. فما وجدوا فيهم أحداً أكثر قرأناً مني، فقدموني وأنا غلام...". [رواه أحمد 20356].
ونلمس الحرص نفسه عند زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فيأتي قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم مفاخرين بما حصَّل صاحبهم، يحدثنا عن ذلك فيقول: إن قومه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلّم: "هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فأعجب ذلك النبي صلى الله عليه وسلّم، وقال: يا زيد، تعلم لي كتاب يهود؛ فإني والله ما آمن يهود على كتابي.
قال زيد: فتعلمت كتابهم ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب". [رواه البخاري تعليقاً، وأحمد 21673].
وآخر أيضاً جاوز العاشرة بقليل وهو البراء بن عازب - رضي الله عنه - يقول: "فلم يقدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى قرأت سوراً من المفصل". [طبقات ابن سعد 4/ 271].
وسبق في قصة ابن مسعود - رضي الله عنه - قوله: "ثم أتيته بعد ذلك قلت: علمني من هذا القرآن قال: إنك غلام معلم، قال: فأخذت من فيه سبعين سورة". [رواه أحمد 3598].
وابن عباس - رضي الله عنه - يقول عن نفسه: "توفي رسول صلى الله عليه وسلّم وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم". [رواه البخاري 5035]. (والمحكم هو المفصل).
بل قال في رواية أخرى عن نفسه: "سلوني عن التفسير، فإني حفظت القرآن وأنا صغير". [أورده الحافظ في الفتح، وقال: وأخرجه ابن سعيد وغيره بإسناد صحيح عنه].
وقال محمد بن إسحاق عن مجمع بن جارية: "كان حدثاً قد جمع القرآن". [الإصابة 5/ 577].
ويحمد النبي صلى الله عليه وسلّم ربه تبارك وتعالى أن جعل في أمته مثل سالم مولى أبي حذيفة - رضي الله عنه - فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: أبطأت على النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: "ما حبسك يا عائشة" قالت: يا رسول الله، إن في المسجد رجلاً ما رأيت أحداً أحسن قراءة منه، قال: فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك". [رواه أحمد 25374، وابن ماجه 1338].
إن هذا ليمثل أعظم دافع لشبابنا بأن يغتنموا سني شبابهم في حفظ كتاب الله تبارك وتعالى والعناية به، كيف لا وقد رتب الشرع على ذلك الفضائل العظيمة.
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلّم: "مثل الذي يقرأ الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران". [رواه البخاري 4937].
وقد جعل الشرع حامل القرآن مقدماً على الناس، فهو أحقهم بالإمامة في الصلاة إذ قال صلى الله عليه وسلّم: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة..". [رواه مسلم 673].
ولا يقف التقديم عند حد الحياة بل حتى بعد موته فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلّم يجمع بين رجلين من قتلى أحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟" فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، فقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة...". [رواه البخاري 1353].
وتعلو درجة حامل القرآن يوم القيامة حين يدخل الجنة فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها". [رواه وأبو داود 1464، الترمذي 2914].
إن هذه النصوص وغيرها كانت تدفع شباب الرعيل الأول للعناية بالقرآن وتعلمه وتعاهده، فما أجدر شبابنا بالسير على نهجهم واقتفاء أثرهم.
ويزداد سرور المرء اليوم وهو يرى الشباب المسلم الغض قد بدأ يتوافد على حلق حفظ القرآن، ويثني ركبه في المساجد ويقضي نفيس أوقاته في ذلك، فيدرك أن ذلك بادرة خير وأمارة صلاح بإذن الله، وعلامة على السير على منهج السلف.

الأمر لا يقف عند مجرد الحفظ:
ولم يكن الأمر لدى شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم في تعلم القرآن واقفاً عند مجرد حفظه وإقامة حروفه بل كانوا يتعلمون أحكامه وحدوده.
يحدثنا عن ذلك أحدهم وهو ابن مسعود - رضي الله عنه - إذ يقول: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن". [أخرجه الطبري في تفسيره 1/ 35. وانظر: حاشية سير أعلام النبلاء 1/ 490].
ونحن اليوم إذ نشهد هذا الإقبال من الشباب على حفظ كتاب الله والمسارعة في ذلك والمسابقة فيه، نتمنى أن ينضم لذلك العناية بتدارس القرآن والتعرف على معانيه والقيام بحقوقه.
إن الحفظ وسيلة إلى ما بعده من المداومة على التلاوة والقراءة والتدبر والوقوف عند المعاني، ومن ثم أخذ النفس بها والالتزام بما دلت عليه.
ومن فقه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم في هذا الأمر موقف ابن عباس - رضي الله عنهما - إذ قدم رجل على عمر فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: ياأمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقلت - ابن عباس -: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة، قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه، فانطلقت إلى منزلي مكتئباً حزيناً، فقلت: قد كنت نزلت من هذا بمنزلة ولا أراني إلا سقطت من نفسه، فاضطجعت على فراشي، حتى عادني نسوة من أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك، قيل لي: أجب أمير المؤمنين، فخرجت فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفاً؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت فإني أستغفر الله وأتوب إليه وأنزل حيث أحببت، قال: لتخبرني، فقلت: متى مايسارعوا هذه المسارعة، يحيفوا، ومتى مايحيفوا يختصموا، ومتى مايختصموا يختلفوا، ومتى مايختلفوا يقتتلوا، قال: لله أبوك لقد كنت أكاتمها الناس حتى جئت بها. [أخرجه عبد الرزاق في المصنف 20368. وفي هذا الأثر درسان: درس لطالب العلم في الأدب مع الأكابر، ودرس للمعلم في التواضع، وسعة الصدر لرأي تلاميذه، وقبول الحق ممن جاء به].

تعليم القرآن:
ويدرك الشباب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أن حفظ القرآن وتعلمه يتطلب منهم أن يقوموا بواجب التعليم، كما أخبر صلى الله عليه وسلّم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". [رواه البخاري 5027].
ولهذا بعث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أحدهم وهو مجمع بن جارية - رضي الله عنه - لأهل الكوفة يعلمهم القرآن. [الإصابة 5/ 577].

 للأعلى


طلب العلم

إن طلب العلم لا غنى عنه لأي شاب يريد عبادة ربه تبارك وتعالى والاستقامة على دينه، فضلاً عمن يريد الدعوة لدين الله.
ولقد كان شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم يدركون أهمية العلم وفضله، بل وضرورته، ولذا حفظت لنا سيرهم المواقف العديدة من حرصهم على العلم وعنايتهم به، وهي مواقف يصعب استقصاؤها، لكني أشير إلى أهم ما وقفت عليه من خلال المظاهر الآتية:

المبادرة والحرص على التعلم والسماع:
فها هو أحد شباب الصحابة وهو عبد الله بن الحارث - رضي الله عنه - يقول: أنا أول من سمع النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: "لا يبول أحدكم مستقبل القبلة" وأنا أول من حدث الناس بذلك. [رواه أحمد 17717، 17718].
إنها صورة من صور المبادرة في سماع العلم وتبليغه، وهو حين يكون أول سامع وأول مبلغ فلم يكن ذاك في مجتمع غافل بعيد عن العلم والعناية به، بل في مجتمع العلم والعلماء.
وكان عمرو بن سلمة - رضي الله عنه - وهو من صغار الصحابة حريصاً على تلقي العلم، فكان يتلقى الركبان ويسألهم ويستقرئهم حتى فاق قومه أجمع وأهَّله ذلك لإمامتهم، كما سبق قبل قليل في حفظ القرآن.
ويحكي لنا أحدهم وهو عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قرأ في الركعتين قبل الفجر وبعد المغرب بضعاً وعشرين مرة، أو بضع عشرة مرة: (قل يا أيها الكافرون). و (قل هو الله أحد)". [رواه أحمد 2/ 58 5214].
وفي إحدى روايات الحديث يقول: "رأيت رسول الله..".
إن هذا الاستقصاء والحرص دليل على مبلغ العناية بالتعلم، وحين ندرك أن ذلك كان في صلاة النافلة، وفي قراءة سرية نعلم مبلغ الجهد الذي بذله - رضي الله عنهما - في تتبع ذلك.
ولهذا كانوا يحرصون على تتبع أحواله صلى الله عليه وسلّم كما حكى زيد بن خالد - رضي الله عنه - إذ قال: "لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة". [رواه مسلم 765].

حفظ العلم:
إن هذا الحرص على التحصيل والتعلم لم يكن شعوراً داخلياً فحسب بل نتج عنه التحصيل والحفظ والإدراك.
وهذه شهادة من عمران بن حصين - رضي الله عنه - في الحفظ لأبي قتادة في حديثه الطويل؛ إذ حدث أحد الرواة عنه وهو عبد الله بن رباح فقال: إني لأحدث هذا الحديث في مسجد الجامع إذ قال عمران بن حصين: انظر أيها الفتى كيف تحدث فإني أحد الركب تلك الليلة قال: قلت فأنت أعلم بالحديث، فقال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار، قال: حدث فأنتم أعلم بحديثكم قال فحدثت القوم فقال عمران: "لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدا حفظه كما حفظته". [رواه مسلم 681].
والنعمان بن بشير - رضي الله عنه - يذكر عن نفسه أنه حفظ ما لم يحفظه غيره إذ يقول: "أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة - العشاء - ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصليها لسقوط القمر لثالثة - غياب القمر ليلة الثالث من الشهر -". [رواه الترمذي 165، والنسائي 528، وأبو داود 419].

تخصيصه صلى الله عليه وسلّم لهم بالوصية والتعليم:
ومادام هؤلاء بهذا القدر من الحرص على العلم، والإقبال عليه والشغف به فقد عني صلى الله عليه وسلّم بتعليمهم؛ فتحفل السنة النبوية بالعديد من المواقف التعليمية التي يخص فيها صلى الله عليه وسلّم أحداً من هؤلاء بوصية أو موعظة أو تعليم حكمة، ومن ذلك:
تعليمه صلى الله عليه وسلّم لمعاذ - رضي الله عنه - مسألة من أعظم المسائل في التوحيد فيقول - رضي الله عنه -: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلّم على حمار يقال عفير، فقال: "يا معاذ، هل تدري حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟" قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً". [رواه البخاري 2856، ومسلم 30].
ولعظم شأن هذا الحديث لا يجد من صنف أو تحدث في توحيد الله مناصاً من إيراده والاستشهاد به.
ومرة أخرى يعلم صلى الله عليه وسلّم معاذاً - رضي الله عنه - باباً من أبواب الخير فيقول له: "ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟" قال: وما هو؟ قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله". [رواه أحمد 22057].
ويوصي صلى الله عليه وسلّم عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - وصية بالغة عظيمة، يرويها لنا بنفسه فيقول: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". [رواه البخاري 6416].
ومن ذلك تعليمه صلى الله عليه وسلّم للحسن - رضي الله عنه - دعاء القنوت. فيقول: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلّم كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت". [رواه الترمذي 464، والنسائي 1745، وأبو داود 1425، وابن ماجه 1178].
وعلَّمَ البراءَ بن عازب - رضي الله عنه - دعاءً للنوم فقال: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به. قال: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلّم فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت". [رواه البخاري 247، ومسلم 2710].
وروى شداد بن أوس - رضي الله عنه - حديث سيد الاستغفار: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" قال: "ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة". [رواه البخاري 6306، والحديث يدل على قيمة تلقي العلم عن أهله، فمن كان أستاذه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه].
وفي رواية للترمذي أنه صلى الله عليه وسلّم قال له: "ألا أدلك على سيد الاستغفار؟". [رواه الترمذي 3393].
إن كثيراً ممن يقرأ هذه النصوص يدرك منها حرص النبي صلى الله عليه وسلّم على تعليم أصحابه، وهو معنى صحيح بلا شك.
لكنها تدل بالإضافة إلى ذلك على حرص الشباب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم على التعلم وطلب العلم، فالعلم لا يبذل إلا لمن يريده ويحرص عليه.

كتابة العلم:
وتميز بعضهم بالحرص على كتابة العلم إذ كانت الكتابة وسيلة لحفظه وضبطه، فن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب". [رواه البخاري 113].
ويحدثنا هو - رضي الله عنه - عن ذلك فيقول: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلّم أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق". [رواه أحمد، وأبو داود 3646، والدارمي 490].

الحرص على السؤال:
ومن صور حرصهم على العلم - رضوان الله عليهم - السؤال، فتحفل السنة النبوية بالعديد من النصوص التي فيها سؤالهم له صلى الله عليه وسلّم عن مسائل من العلم وإجابته لهم صلى الله عليه وسلّم ومن ذلك:
ما يرويه لنا معاذ - رضي الله عنه - قال: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلّم في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، قال: لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت".
ولما كان صلى الله عليه وسلّم مدركاً لحرصه - رضي الله عنه - زاده مما لم يسأل عنه - ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير؟: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل. قال ثم تلا: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ...) حتى بلغ: (... يَعْمَلُونَ). [ السجدة: 16- 17] ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت له: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال: كف عليك هذا. فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم". [رواه أحمد 22077، والترمذي 2616].
ويسأل أنس بن مالك - رضي الله عنه - النبي صلى الله عليه وسلّم عن الرجل يرقد عن الصلاة أو يغفل عنها، قال: "ليصلها إذا ذكرها". [رواه أحمد 13267].
وحين تواجه أحدَهم واقعةٌ يبادر بالسؤال عن الحكم الشرعي فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال أتى النبي صلى الله عليه وسلّم فتى شاب من بني سلمة فقال: إني رأيت أرنباً فحذفتها، ولم تكن معي حديدة أذكيها بها، وإني ذكيتها بمروة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم: "كل". [رواه أحمد 14499].
وحين تفوت أحدَهم سنة عن النبي صلى الله عليه وسلّم يسأل غيره عنها كما يحكي لنا عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه في يوم فتح مكة "دخل صلى الله عليه وسلّم على ناقة لأسامة بن زيد، حتى أناخ بفناء الكعبة، فدعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فجاء به ففتح، فدخل النبي صلى الله عليه وسلّم وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فأجافوا عليهم الباب ملياً، ثم فتحوه، قال عبد الله - ابن عمر -: فبادرت الناس، فوجدت بلالاً على الباب قائماً، فقلت: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ قال: بين العمودين المقدمين، قال: ونسيت أن أسأله: كم صلى؟". [رواه أحمد 2/ 33 4890].
ويبلغ السؤال عن مسائل العلم عند بعضهم قدراً من الأهمية يجعله يبادر فيه كما يحكي لنا ابن عمر - رضي الله عنهما - عن نفسه قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلّم وهو يريد أن يدخل حجرته فأخذت بثوبه، فسألته فقال: "إذا أخذت واحداً منهما بالآخر فلا يفارقنك وبينك وبينه بيع". [رواه أحمد 5554].

العلم أهم حوائجهم:
والسؤال عن العلم أولى عند بعضهم من حوائجه الخاصة فحين قدم قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ومعهم شاب هو عبد الله بن واقد السعدي وكان أصغرهم سألوه حوائجهم أما هو فكان له شأن آخر، فلنستمع إليه يحدثنا عن حاجته:
وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في وفد كلنا يطلب حاجته، وكنت آخرهم دخولاً على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقلت: يا رسول الله، إني تركت من خلفي وهم يزعمون أن الهجرة قد انقطعت، قال: "لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار".
وفي رواية: "فدخل أصحابي فقضى حاجتهم، وكنت آخرهم دخولاً، فقال: حاجتك".... [رواه أحمد 22387، والنسائي 4172].

الفهم والفقه:
والعلم لا يقف عند مجرد الحفظ والسؤال، بل لابد من الفقه والفهم؛ إذ هو الوسيلة لأن يتحول العلم إلى عمل ويبدو أثره على صاحبه، لذا فقد كان لشباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم نصيب ورصيد من ذلك، سأل صلى الله عليه وسلّم أصحابه يوماً، فقال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي؟. فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة. قال عبد الله: فاستحييت، فقالوا: يا رسول الله، أخبرنا بها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: هي النخلة". [رواه البخاري 131، ومسلم 2811].
وعن علي - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، قال: فلما خرجوا قال: وجد عليهم في شيء فقال: قال لهم: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن تطيعوني؟ قال: قالوا: بلى، قال: فقال: اجمعوا حطباً ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فهمَّ القوم أن يدخلوها، قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي صلى الله عليه وسلّم فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوا، قال: فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فأخبروه فقال لهم: "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً إنما الطاعة في المعروف". [رواه أحمد 624، وهو في الصحيحين دون موضع الشاهد].
إن هذا الشاب مع فقهه وفهمه - رضي الله عنه - يضرب لنا مثلاً في التأني وعدم التعجل في إصدار الأحكام، وأن تكون مواقف المرء موزونة بميزان الشرع الدقيق، لقد تعارض لديه أمر النبي صلى الله عليه وسلّم بطاعة هذا الأمير، وكونه قد اتبع النبي صلى الله عليه وسلّم فراراً من النار، فلم يقل لا نطيعه، إنما قال: لا تعجلوا حتى تلقوا النبي صلى الله عليه وسلّم فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوا.
فما أجدر طالب العلم أن يتحلى بالاتزان والتأني في إصدار الأحكام، ومراعاة الأمر من جميع جوانبه.
ويناقش أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أحد أصحابه فيقره صلى الله عليه وسلّم على ما ذهب إليه، فعنه - رضي الله عنه - قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال رجل: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم هو مسجدي، وفي رواية: فقال رجل من بني خدرة.
وقد بينت رواية مسلم أن الرجل من بني خدرة هو أبو سعيد، إذ هو الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلّم فسأله، فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا" لمسجد المدينة، قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره. [رواه مسلم 1398].
إن الفهم والفقه هو الذي يعين على تحول العلم إلى عمل، واستثمار هذا العلم والاستفادة منه، وهو الذي يعين على الانضباط وعدم الجمود على ظاهر نص لم يفهمه المرء ولم يفقهه ومعارضة النصوص الأخرى به.
ولهذا أثنى المعلم الأول صلى الله عليه وسلّم على أولئك الذين يفقهون فعن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به". [رواه البخاري 79، ومسلم 2282].

شهادته صلى الله عليه وسلّم لهم بالعلم:
ويعطي صلى الله عليه وسلّم شهادة عظيمة - وهو الذي لا ينطق عن الهوى - بأن أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام هو أحد شباب الصحابة - رضوان الله عليهم - ألا وهو معاذ بن جبل.
وشهادة لآخر من الشبان هو زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فيشهد له صلى الله عليه وسلّم أنه أفرض الأمة. يقول صلى الله عليه وسلّم: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". [رواه الترمذي 3790، وابن ماجه 155].
ومن جوانب عناية هؤلاء بالعلم، وسبقهم في تحصيله أن غالب المكثرين في الرواية هم من الشباب كجابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - جميعاً.
ولئن كان من أسباب تميز هؤلاء بكثرة الرواية تأخر موتهم فهل هذا وحده هو السبب الأوحد؟. إننا حين ندرك أن الكثير من الصحابة غيرهم تأخر موتهم ومع ذلك لم تبلغ مروياتهم مبلغ هؤلاء، ندرك أن ثمت سبباً آخر يضاف لذلك ألا وهو عناية هؤلاء وحرصهم على السماع منه صلى الله عليه وسلّم أو السماع ممن سمع منه من كبار الصحابة، ويتضح ذلك من خلال سيرتهم وحرصهم على تتبع أحواله صلى الله عليه وسلّم.
الاجتهاد وتحمل المشاق:
العلم مطلب نفيس لا يستطال ولا يدرك براحة الجسد، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم كانوا من أكثر الناس إدراكاً لهذه الحقيقة، وإليك هذا الشاهد من جلد وصبر حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - كما يروي ذلك بنفسه فيقول:
لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجباً لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي عليه السلام من ترى؟ فترك ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح علي التراب، فيخرج فيراني، فيقول: ياابن عم رسول الله، ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي، فقال: هذا الفتى أعقل مني. [رواه الطبراني كما في المجمع 9/ 277، وقال: رجاله رجال الصحيح].

تعلم الإيمان:
عن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه – قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلّم ونحن فتيان حزاورة. [الحَزَوَّر هو الغلام إذا اشتد وقوي وخدم، وهو الذي قارب البلوغ. اللسان 4/ 187]. فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً". [رواه ابن ماجه 61].
فهو يذكر لنا - رضي الله عنه - جانباً مهماً من جوانب التعلم التي قد غفل عنها كثير من طلبة العلم اليوم، فأهملوا تعلم الإيمان ومسائله، وشعروا أن العلم إنما يتمثل في تعلم مسائل الأحكام وحدها، والعناية بجمع آراء الرجال واختلافهم حول مثل هذه المسائل، ونسي أولئك أصل الأصول وأساس الأسس، لذا فلا نعجب حين ندرك هذا الخلل أن نرى عدم التوافق بين ما يحمله بعض الناس من العلم وبين سلوكه وسمته.
ولقد كان السلف - رضوان الله عليهم - يعنون بذلك فها هو ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: "ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم خشية الله". [جامع بيان العلم وفضله 2/ 52].
ومالك رحمه الله يقول: "العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء وليس بكثرة المسائل". [جامع بيان العلم وفضله 2/ 52].
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: "هذا أوان يختلس العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء"، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله، وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئه نساءنا وأبناءنا، فقال: "ثكلتك أمك يازياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم؟" قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، قال: قلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت أخبرتك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً. [رواه الدارمي 288]. فهل يعد الخشوع اليوم علماً؟
وقال عبد الأعلى التيمي: "من أوتي من العلم ما لايبكيه لخليق أن لا يكون أوتي علماً ينفعه، لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم قرأ القرآن (إن الذين أوتوا العلم... إلى قوله... يبكون). [الإسراء: 107 - 109]". [أخرجه الدارمي 291].
وقيل لسعد بن إبراهيم: "من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه". [أخرجه الدارمي 295].

التأدب في طلب العلم وتوقير أهله:
إن الطالب قد تسيطر عليه العناية بتحصيل العلم وحرصه عليه فينسى ما رواء ذلك ويقع في سوء الأدب مع من يعلمه.
أما الشباب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم فلهم مع ذلك شأن آخر فعنايتهم - رضوان الله عليهم - بالسؤال وحرصهم عليه لم تكن لتخرجهم عن حدود الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلّم فها هو أحدهم وهو البراء بن عازب - رضي الله عنه - يقول: "إن كان لتأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن شيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب". [رواه أبو يعلى].
ومن صور ذلك ما سبق من أدب ابن عباس - رضي الله عنهما - وتوسده الباب وامتناعه عن طرقه.
ولهذا عني أهل العلم ببيان آداب طالب العلم مع من يعلمه العلم، فيجدر بالشاب أن يتعلم مثل هذه الآداب ويلزم نفسه بها.

 للأعلى


العبادة

لقد كان شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم وهم تلاميذ مدرسة النبوة قدوة لمن بعدهم في العبادة والاجتهاد فيها.
ومما حفظته لنا السير من عبادتهم - رضوان الله عليهم - ما حدث به النعمان ابن بشير - رضي الله عنه - على منبر حمص إذ قال: "قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، قال: وكنا ندعو السحور الفلاح...". [رواه أحمد 18432].
إن شهود النعمان بن بشير - رضي الله عنه - هذه الصلاة مع ما وصف من حالها وهو صغير ليعطي الشاب المسلم الدافع والعزيمة للتأسي بهم - رضوان الله عليهم - والاجتهاد في عبادة ربه.
ومع شاب آخر من شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم وهو عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فيقول: كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلّم إذا رأى رؤيا قصها على النبي صلى الله عليه وسلّم ، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي صلى الله عليه وسلّم ، وكنت غلاماً أعزب، وكنت أنام في المسجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلّم ، فرأيت في المنام كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فلقيهما ملك آخر فقال لي: لن تراع، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل" قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً. [رواه البخاري 3738- 3739].
وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - زوجه أبوه امرأة فكان يتعاهدها، فتقول له: نعم الرجل لم يكشف لنا كنفاً ولم يطأ لنا فراشاً - تشير إلى اعتزاله - فاشتكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فكان معه الحوار الطويل حول الصيام وختم القرآن وقيام الليل، وكان مما قاله - رضي الله عنه -: "دعني أستمتع من قوتي ومن شبابي".
وإنكار النبي صلى الله عليه وسلّم عليه ليس منصباً على حرصه على العبادة، إنما لكونه قد حمل نفسه مالا تطيق، ولهذا فلا غنى للشاب عن التوازن وألا يحمل نفسه مالا تطيق، وفي الوقت نفسه ينبغي ألا يكون ذلك حاملاً له على إهمال العبادة وعدم العناية بها.
وكان محمد بن طلحة - رضي الله عنه - يلقب بالسجاد لكثرة صلاته وشدة اجتهاده في العبادة، ولقد وصفه قاتله بذلك حين رفع عليه السيف فقال له محمد: نشدتك بحم، فأنشأ يقول:

وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
ضممت إليه بالقناة قميصه فخر صريعاً لليدين وللفم
على غير ذنب أن ليس تابعاً علياً ومن لايتبع الحق يَظْلم
يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم.

[أسد الغابة 5/ 93- 94].

وكان عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - صواماً قواماً كما قال عنه ابن عمر - رضي الله عنهما - "أما والله إن كنت ما علمت صواماً قواماً وصولاً للرحم". [رواه مسلم 2545].

العبادة لا تفارقهم حتى في البيوت:
ولقد عمر أولئك - رضوان الله عليهم - بيوتهم بالعبادة والطاعة، فكانوا أسعد الناس بوصية النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر". [رواه مسلم 780].
حين سئل نافع رحمه الله عما يفعله ابن عمر - رضي الله عنهما - في منزله قال: لا تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما. [رواه ابن سعد، وانظر:. سير أعلام النبلاء 3/ 215].
واليوم يشعر كثير من الشباب الصالحين أن بقاءه في منزله يكون مدعاة للزلل ومواقعة المعصية فلعل مما يعينه على تجاوز هذه المشكلة أن يأخذ بهذا الهدي النبوي فيكون له نصيب من عبادة الله في بيته ليعتاد العبادة وتصبح ديدناً له وشأناً.

وحتى في السفر:
والعبادة عند شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم ليست في حال الإقامة فحسب بل حتى في السفر فعن ابن أبي مليكة رحمه الله قال: "صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شطر الليل، فسأله أيوب كيف كانت قراءته؟ قال: قرأ (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ). [ق: 19] فجعل يرتل ويكثر في ذلك النشيج". [سير أعلام النبلاء 3/ 342].
والأمر في السفر لا يقتصر على الصلاة بل يمتد إلى الصيام إذ يقول حمزة بن عمرو الأسلمي - رضي الله عنه -: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله: "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه". [رواه مسلم 1121 وفي رواية للبخاري 1943: "وكان كثير الصيام"]. وفي بعض روايات الحديث "إني رجل كثير الصيام، أفأصوم في السفر؟".
والشاهد من هذا الحديث ليس مجرد الصيام في السفر، إنما هو في عناية هذا الصحابي رضي الله عنه بالصيام، كما توضح ذلك الرواية الأخرى، والصيام من العبادات التي يحتاجها كل مسلم والشباب بالأخص إذ أوصاهم صلى الله عليه وسلّم بذلك في قوله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". [رواه البخاري 5065 ومسلم 1400].

الحرص على أعمال الخير:
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة"، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلّم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلّم مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلّم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال: نعم قال: أنس وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله، إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثم ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول لك ثلاث مرار: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، قال: فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق". [رواه أحمد 3/ 166].
وسأل أنس - رضي الله عنه - النبي صلى الله عليه وسلّم أن يشفع له، كما يحدثنا هو عن ذلك: سألت النبي صلى الله عليه وسلّم أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: "أنا فاعل" قال قلت: يا رسول الله، فأين أطلبك؟ قال: "اطلبني أول ما تطلبني على الصراط"، قال قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: "فاطلبني عند الميزان"، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: "فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن". [رواه الترمذي 2433، وأحمد 12831].
واليوم لسنا بحاجة إلى أن نتبع فلاناً لننظر ماذا يفعل، ولن نستطيع أن نسأل النبي صلى الله عليه وسلّم أن يشفع لنا ونسأله أين نلقاه، لكن أبواب الخير وطرقه والأسباب التي يحصل بها المرء بإذن الله على الشفاعة قد بينها لنا صلى الله عليه وسلّم أتم بيان، فلم يبق إلا العمل.
ومن رحمة الله بعبادة أن وسع لهم أبواب التقرب والعبادة من تلاوة وذكر وصيام وصدقة، فيشعر المسلم أن أبواب الخير واسعة، ومجالات الإحسان ليست قاصرة على نوع من أنواع الطاعات.
فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة".
قال حسان: "فعددنا ما دون منيحة العنز، من رد السلام، وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة". [رواه البخاري 2631].

 للأعلى


الزهد والورع

وفي الورع والزهد كان لشباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم نصيب وافر، فيشهد المفضل الغلابي لاثنين من شباب الصحابة بأنهما من أزهد الأنصار، وهما عمير بن سعد وشداد بن أوس - رضي الله عنهما - فيقول: "زهاد الأنصار ثلاثة: أبو الدرداء، وشداد بن أوس، وعمير بن سعد". [سير أعلام النبلاء 2/ 105].
ويشهد عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - لابن عمر - رضي الله عنهما - بالورع والتقوى فيقول: "لقد رأيتنا ونحن متوافرون وما فينا شاب هو أملك لنفسه من ابن عمر". [سير أعلام النبلاء 3/ 211].
ويشهد له بالزهد والبعد عن الدنيا إذ يقول: "إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر". [سير أعلام النبلاء 3/ 211].
ويثنِّي على هذه الشهادة صحابي آخر هو جابر - رضي الله عنه - فيقول: "ما منا أحد أدرك الدنيا إلا وقد مالت به إلا ابن عمر". [سير أعلام النبلاء 3/ 211].
وها هو طاووس رحمه الله يقول: "ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس". [سير أعلام النبلاء 3/ 350].
وقال: "ما رأيت أحداً أشد تعظيماً لحرمات الله من ابن عباس". [سير أعلام النبلاء 3/ 342].
وقال ابن سعد عن قثم بن عباس - رضي الله عنه -: "وكان قثم ورعاً فاضلاً". [الطبقات الكبرى. الطبقة الخامسة 1/ 214].
إن الزهد أمارة على حقارة الدنيا في قلب صاحبها؛ الدنيا التي لا تعني المال وحده، بل هي كل متاع عاجل لا يعدو المال أن يكون واحداً من أصنافه وألوانه.
والورع حاجز يحول بين المرء وبين كثير مما تدفعه له نفسه خشية الوقوع في المحظور وارتكاب الحرام، وما أهون الامتناع عن المعصية عند أولئك الذين يتورعون عما يشتبهون فيه ويلتبس أمره عليهم.
والنفس أبية عصية تحتاج إلى مجاهدة وترويض، فهذه المراتب لا تكتسب بالتمني ولا تدرك بين يوم وليلة، بل هي نتاج تربية للنفس وأطر لها على الحق، وأخذ بزمامها عن الباطل.

الخوف من الله والبكاء من خشيته:
لقد أثنى الله تبارك وتعالى على الذين يبكون من خشيته ووصف عباده الصالحين الذين أوتوا العلم بأنهم (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً). [الإسراء: 109] ووصفهم بأنهم (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً). [مريم: 58].
وجاءت السنة النبوية بفضله فمن ذلك: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله". [رواه الترمذي 1639، والنسائي 3107، وابن ماجه 2774].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم". [رواه الترمذي 1633].
وحيث كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أخشى الأمة لله بعد نبيها صلى الله عليه وسلّم فقد كانوا من أرق الناس أفئدة، وأكثرهم دمعة، فمن ذلك ماذكره أهل السير عن عبد الله ابن حنظلة - رضي الله عنه - أن سمع قارئاً يقرأ (ومن فوقهم غواش). [الأعراف: 41] فبكى حتى ظنوا أن نفسه ستخرج، ثم قام، فقيل: ياأبا عبد الرحمن، اقعد، فقال: منع من ذكر جهنم القعود، ولا أدري لعلي أحدهم. [أسد الغابة 3/ 220].
ولم يكن أولئك - رضي الله عنهم - يقتصرون على الخوف وحده، فقد كانوا يجمعون بين الخوف والرجاء، فعن أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلّم دخل على شاب وهو في الموت فقال: "كيف تجدك؟" قال: والله يا رسول الله أني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف". [رواه الترمذي 983، وابن ماجه 4261].

استعظام الذنوب:
إن المؤمن التقي الذي يخاف ربه ويخشاه يستعظم معصيته، وتشق عليه وإن استهان بها الناس، وقد كان هذا الجيل المبارك يعيش هذا الشعور الذي يحدثنا عنه أحد الشباب وهو أنس بن مالك - رضي الله عنه - فيقول: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلّم من الموبقات". [رواه البخاري 6492].
ويؤكد هذا المعنى شاب آخر هو أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - فيقول: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الموبقات". [رواه أحمد 1001].
ويقف المسلم أمام هذا الأثر مشدوهاً متسائلاً. يقول ذلك أنس وأبو سعيد - رضي الله عنهما - للتابعين مصورين النسبة بين رؤية أولئك لذنوبهم ورؤية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، ويتساءل في نفسه: ماذا عسى أن تكون ذنوب أولئك التابعين؟ وكيف تكون النسبة بين رؤيتنا لذنوبنا وتقصيرنا وبين ذاك الجيل؟ وماذا عسى أنساً وأبا سعيد - رضي الله عنهما - أن يقولا لو رأيا ما نحن عليه؟.
ويصور آخر وهو عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - نفس المؤمن حين يواقع الخطأ هذا التصوير فيقول: "لنفس المؤمن أشد ارتكاضاً من الخطيئة من العصفور حين يقذف به". [رواه ابن المبارك في الزهد 72].
ولعلك تشاركني الفهم أن هناك فرقاً بين ما يراه عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - خطيئة وبين ما نراه نحن كذلك.
إن استعظام الذنب يتولد منه لدى صاحبه استغفار وتوبة، وبكاء وندم، وإلحاح على الله عز وجل بالدعاء وسؤاله تخليصه من شؤمه ووباله، وما يلبث أن يولد دافعاً قوياً يمكِّن صاحبه من الانتصار على شهوته والسيطرة على هواه.
أما أولئك الذين يحتقرون الذنب فيشعر أحدهم بالندم ويعزم على التوبة، لكنها عزيمة ضعيفة سرعان ما تنهار مرة أخرى أمام دواعي المعصية.

 للأعلى


الدعوة إلى الله

لقد كان مما أدركه شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أن انتماءهم لهذا الدين يحتم عليهم أن يعيشوا قضيته، وأن يكون لهم دور في الدعوة إليه وتعبيد الناس لربهم عز وجل، خاصة وقد كانوا يعيشون في مرحلة استضعاف للمسلمين وغربة للدين.
وقد كانوا - رضوان الله عليهم - وهم السابقون للخيرات يدركون عظم منزلة من يدعو إلى الله عز وجل فهو أحسن الناس قولاً كما قال أصدق القائلين (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ). [فصلت: 33].
وهم أسعد الناس بفضيلة الداعي إلى الخير التي حض عليها الداعي الأول صلى الله عليه وسلّم إذ قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً". [رواه مسلم 2674].
ومن صور مشاركة شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم في الدعوة موقف فتيان بني سلمة مع عمرو بن الجموح - رضي الله عنه - ، فكان قد تأخر إسلامه، وكان له صنم يقال له مناف، وكان فتيان بني سلمة قد آمنوا، فكانوا يمهلون، حتى إذا ذهب الليل دخلوا بيت صنمه فيطرحونه في أنتن حفرة منكساً، فإذا أصبح عمرو غمه ذلك، فيأخذه ويغسله ويطيبه، ثم يعودون لمثل فعلهم فأبصر عمرو شأنه وأسلم، وقال أبياتاً منها:

والله لو كنت إلهاً لم تكن  *** أنت وكلب وسط بئر في قرن
أف لمثواك إلهاً مستدن *** الآن فتشناك عن شر الغبن.

[انظر: سيرة ابن هشام2/ 97- 98. وأسد الغابة4/ 195. وانظر: سير أعلام النبلاء 1/ 254].
إن هذا الأسلوب ليس هو الأسلوب الأوحد الذي ينبغي أن يسلكه الدعاة في كل وقت وموقف، وهو هنا كان الأفضل والأولى بدليل النتيجة، لكنه ربما لم يكن مناسباً في موطن آخر.
فيجدر بشباب اليوم أن يدركوا أن لكل مقام مقالاً، ولكل موطن الأسلوب الذي قد لا يسوغ في الموطن الآخر، فينبغي أن نضع هذه القضية نصب أعيننا ونحن ندرس تجارب السلف، بل ونحن نقرأ التجارب الحية التي تمر بنا، فلا يقودنا نجاح أسلوب في موطن من المواطن إلى أن نعممه في كل مناسبة.
وحين كان المسلمون مستضعفين بمكة يستخفون بإسلامهم من أذى قريش أرادوا أن يسمعوهم القرآن، فكان أول من انتدب لذلك أحد الشباب وهو عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه - فكان هو أول من جهر بالقرآن في مكة. [سيرة ابن هشام 1/ 341].

للشباب دور في دعوة يهود:
عن سلمة بن سلامة بن وقش - وكان من أصحاب بدر - قال: "كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يوماً من بيته قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلّم بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سناً علي بردة مضطجعاً فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائناً، إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به لود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه وأن ينجو من تلك النار غداً، قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إلي وأنا من أحدثهم سناً فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلّم وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغياً وحسداً فقلنا: ويلك يا فلان ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى وليس به". [رواه أحمد 15874].

تكليفه صلى الله عليه وسلّم الشباب بدعوة قومهم:
وقد كان صلى الله عليه وسلّم يكلف الشباب بالدعوة إلى الله تعالى، فعن مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - قال: "أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم رحيماً رفيقاً، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه قال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم، وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم". [رواه البخاري 631].
فأين هذا التوجيه النبوي الكريم من حال أولئك القاعدين المتخاذلين، والذين يبررون قعودهم بتوظيف ما أوتوا من علم في أن يثبطوا غيرهم عن الدعوة إلى الله ونشر الخير لدى الناس، بحجة أن الدعوة قضية لا يقوم بها إلا الأكابر، وحتى إنكار المنكر فهو عند بعض هؤلاء قضية تحتاج إلى فقيه عالم بالناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد!
نعم إن تصدر الأغرار لما لا يحسنون لا يسوغ بحال، والدين الإسلامي ليس ميداناً مباحاً لكل متحدث وناعق، لكن حين يدعو الإنسان لما يعلم من أمور الدين وما يحسن فهو واجب ينبغي أن يتربى الناشئة عليه، وأن يسيروا عليه كما كان صلى الله عليه وسلّم يربي شباب أصحابه على ذلك.
إن بعض الأخيار والغيورين تدفعهم الغيرة على الدين إلى قصر قضية الدعوة وإنكار المنكرات على فئة خاصة من الناس تملك قدراً من العلم ربما لا يوجد في عصرنا إلا لدى آحاد من الناس، وقد غاب عن هؤلاء التفريق بين التصدر للدعوة والانتصاب للناس، وبين الجهد المحدود الذي يقوم به كل مسلم في الدعوة إلى معروف يعلمه، أو إنكار منكر لا يجهل حرمته.
فيجدر بالشباب المتأسين بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم السائرين على نهجهم أن يتخذوا الدعوة إلى الله سبيلاً، وأن يساهموا في نشر الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمعاتهم.
إن هناك ألواناً من الفساد والانحراف قد تفشت في مجتمعات المسلمين وانتشرت انتشار النار في الهشيم، وهي من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، فلا يسوغ لأحد من المسلمين العالمين بها القعود عن الدعوة إلى تصحيحها وإنكارها.
وهو باب عظيم من أبواب الخير تسلكه حين تأخذ بيد زميل لك في المدرسة، أو جار لك في الحي، فتتحدث وإياه حول قضية التوبة والرجوع إلى الله، وتفتح الأمل أمامه، وتقنعه بأنه قادر على أن يبدل حاله وأن يتدارك نفسه قبل فوات الأوان، أو أن تهدي له كتاباً أو شريطاً، أو تمسك بقلمك لتخط له رسالة مناصحة وإقناع، فهل هذا أخي الشاب أمرٌ في غاية الصعوبة؟ أم هل تظن أن هذا يحتاج إلى رجل متعمق في المعقول والمنقول؟.
وحين تسأل نفسك: كم هم الشباب الذين زاملتهم وعشت وإياهم ولم يسمعوا مني دعوة أو نصيحة أو كلمة؟ تدرك عظم الفرص التي قد تكون فوتها على نفسك.
وحين يسمع الشاب أحد زملائه يطلق كلمة نابية، أو يجاهر بفعل لا يليق بالمسلم، فيأخذ بيده ويوجه له النصيحة، أليس هذا من إنكار المنكر والدعوة التي تجب على كل مسلم أياً كان علمه وشأنه؟.
وعلى المدى الأبعد والأوسع ينبغي أن يدرك الشباب أن مسئولية الدعوة إلى الله تتطلب منهم العناية بإعداد أنفسهم بتعلم العلم الشرعي، وتزكية النفس وإصلاحها، والوعي بالدعوة وأساليبها وواقع مجتمعاتهم لعل الله أن يكتب الخير على يديهم بإذنه.

 للأعلى


علو المنزلة عند صاحب الرسالة

لقد كان لجمع من شبان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم منزلة عالية عند صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلّم ، ولاشك أن تحقيق رضا النبي صلى الله عليه وسلّم سبيل لرضا الله تعالى عنهم، وكثيراً ما يقرن الله سبحانه وتعالى ذلك في كتابه.
وهذه إشارات إلى جوانب من ذلك:
 
أولاً: حبه لهم:
أسامة حِبُّ النبي صلى الله عليه وسلّم:
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلّم بعثاً وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمارته، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده". [رواه البخاري 3730].
ولهذا حين أهم قريشاً شأنُ المخزومية التي سرقت قالوا: "من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟". [رواه البخاري 3732].
وها هو ابن عمر - رضي الله عنهما - يعبر عن هذا المعنى فعن عبد الله بن دينار قال: نظر ابن عمر يوماً - وهو في المسجد - إلى رجل يسحب ثيابه من ناحية المسجد، فقال: انظر من هذا، ليت هذا عندي، قال له إنسان: أما تعرف هذا يا أبا عبد الرحمن؟ هذا محمد بن أسامة، قال: فطأطأ ابن عمر رأسه ونقر بيده في الأرض، ثم قال: "لو رآه رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأحبه". [رواه البخاري 3734].

الحسن والحسين وحبه لهما:
وهو أمر يحدثنا عنه حب النبي صلى الله عليه وسلّم أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - إذ حدث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه كان يأخذه والحسن فيقول: "اللهم أحبهما فإني أحبهما". [رواه البخاري 3735].
ويروي البراء - رضي الله عنه - هذا عنه صلى الله عليه وسلّم فيقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلّم والحسن بن علي على عاتقه يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه". [رواه البخاري 3749].
وقد كان هو وأخوه ريحانتي النبي صلى الله عليه وسلّم في الدنيا، فحين سأل رجل عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عن المحرم - قال شعبة: أحسبه يقتل الذباب - فقال: أهل العراق يسألون عن الذباب، وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "هما ريحانتاي في الدنيا؟". [رواه البخاري 3753].

الزبير من أحب الناس له صلى الله عليه وسلّم:
حين أصاب عثمان - رضي الله عنه - رعاف شديد سنة الرعاف حبسه عن الحج وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش قال: استخلف، قال: وقالوه، قال: نعم، قال: ومن؟ فسكت، فدخل عليه رجل آخر - أحسبه الحارث - فقال استخلف، فقال عثمان: وقالوا؟ فقال: نعم، قال: ومن هو؟ فسكت، قال: فلعلهم قالوا الزبير؟ قال: نعم، قال: "أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ". [رواه البخاري 3717].

حبه صلى الله عليه وسلّم لصبيان الأنصار:
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلّم النساء والصبيان مقبلين، قال: حسبت أنه قال من عرس فقام النبي صلى الله عليه وسلّم ممثلاً: "فقال اللهم أنتم من أحب الناس إلي"وفي رواية: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومعها صبي لها فكلمها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إلي مرتين". [رواه البخاري 3785/ 3786، ومسلم 2508].

ثانياً: اهتمامه بهم:
لقد كان صلى الله عليه وسلّم يولي أولئك الشباب اهتماماً وعناية تليق بهم، ومن صور اهتمامه صلى الله عليه وسلّم بهم إجابته لدعوتهم، فعن عبد الله بن بسر المازني - رضي الله عنهما - قال: "بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أدعوه إلى الطعام، فجاء معي، فلما دنوت المنزل أسرعت فأعلمت أبوي... الحديث". [رواه أحمد 17695].
إن أمر بسر - رضي الله عنه - لولده بدعوة النبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن ناشئاً من قلة شأن النبي صلى الله عليه وسلّم لديه بل كان نتيجة النظرة الطبيعية لابنه وهو في مثل هذا السن، وها هو النبي صلى الله عليه وسلّم يعرف للشاب قدره فيأتي معه، ويستجيب للدعوة.
والموقف يتكرر مع أبي طلحة وأنس بن مالك - رضي الله عنهما - فعن أنس - رضي الله عنه – "أن أم سليم أمه عمدت إلى مد من شعير جشَّتْهُ وجعلت منه خطيفة وعصرت عكة عندها، ثم بعثتني إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فأتيته وهو في أصحابه فدعوته، قال: ومن معي؟! فجئت فقلت: إنه يقول ومن معي، فخرج إليه أبو طلحة قال: يا رسول الله، إنما هو شيء صنعته أم سليم فدخل فجيء به وقال أدخل علي عشرة فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال أدخل علي عشرة فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال أدخل علي عشرة حتى عد أربعين، ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلّم، ثم قام فجعلت أنظر هل نقص منها شيء". [رواه البخاري 5450، ومسلم 2040].
لقد كانت البيئة التربوية تمارس أثرها الفعال في صنع تلك النفوس العالية السامقة، وكانت تترك آثارها واضحة على ذلك الجيل المبارك.
وهي وحدها لم تكن لتتولد منها هذه النظرة لو لم تصاحبها نفوس مستعدة ومتأهلة من أولئك الشباب، ولو لم تكشف التجارب والأحداث أنهم كانوا على مستوى المسئولية وما يراد منهم فعلاً.
ومن إجابته صلى الله عليه وسلّم لدعوتهم أن أبا أسيد الساعدي - رضي الله عنه - دعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في عرسه، فكانت امرأته خادمهم يومئذ وهي العروس". [رواه أحمد 16068].
ويتجاوز الأمر إجابة دعوتهم، فقد دعا جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - إلى طعامه فعنه - رضي الله عنه - قال: كنت جالساً في داري فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأشار إلي فقمت إليه فأخذ بيدي فانطلقنا حتى أتى بعض حجر نسائه فدخل ثم أذن لي فدخلت الحجاب عليها فقال: "هل من غداء؟" فقالوا: نعم، فأتي بثلاثة أقرصة فوضعن على نبي. [مائدة من خوص، روي بتِّي والبت كساء من وبر أو صوف فلعله منديل وضع عليه هذا الطعام. شرح النووي لمسلم13/ 251].
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قرصاً فوضعه بين يديه، وأخذ قرصاً آخر فوضعه بين يدي، ثم أخذ الثالث فكسره باثنين فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يدي، ثم قال: "هل من أدم؟! قالوا: لا، إلا شيء من خل، قال: هاتوه فنعم الأدم هو". [رواه مسلم 2052].
ولقد كان صلى الله عليه وسلّم وهو في مجالسه التي يحضرها كبار القوم يعرف للشباب قدرهم فعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال أتي النبي صلى الله عليه وسلّم بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: "يا غلام، أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟" قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحداً يا رسول الله، فأعطاه إياه. [رواه البخاري 2351، ومسلم 2030].
وحين يمرض أحدهم يعوده فعن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: أصابني رمد، فعادني النبي صلى الله عليه وسلّم ، قال: فلما برأت خرجت، قال فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أرأيت لو كانت عيناك لما بهما. [أي أصيبتا بسوء كفقد إبصارهما الفتح الرباني 19/ 135]. ما كنت صانعاً؟" قلت: لو كانت عيناي لما بهما صبرت واحتسبت، قال: "لو كانت عيناك لما بهما ثم صبرت واحتسبت للقيت الله عز وجل ولا ذنب لك". [رواه أحمد 19369، وأبو داود 3102 مختصراً].
ولعلك تشاركني الشعور أن زيداً - رضي الله عنه - ربما فرح بهذا المرض الذي كان سبباً في عيادة النبي صلى الله عليه وسلّم له وسؤاله عنه، ثم في دعائه له وبشارته له بالخير.
وفي الحج أخر صلى الله عليه وسلّم الإفاضة من عرفة من أجل أسامة ينتظره، فجاء غلام أسود أفطس، فقال أهل اليمن: إنما جلسنا لهذا! فلذلك ارتدوا - يعني أيام الردة -. [الطبقات 4/ وانظر: السير 2/ 500].
إن أولئك الذين اعترضوا على تأخيره صلى الله عليه وسلّم الناس من أجل أسامة لم يكونوا يدركون هذا القلب العظيم الذي يسع أمثال هؤلاء الفتيان في مثل هذا الموضع، ولم يكونوا يدركون موضع أسامة من صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلّم فهو حبه وابن حبه.
وأولئك الذين لهم مواقف مشهودة كانوا يحظون بالعناية والاهتمام من صاحب القلب الرحيم صلى الله عليه وسلّم فها هو سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - يقول: "أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلّم مراراً، ومسح على وجهي مراراً، واستغفر لي مراراً عدد ما في يدي من الأصابع". [أخرجه الطبراني كما في المجمع 9/ 363. وانظر: السير 3/ 330].

ثالثاً: تقديمهم وتصديرهم:
إن المسئوليات والمهام في المجتمع المسلم لا تعرف اعتباراً غير الكفاءة والتأهل، لذا فأنت حين تقرأ التاريخ الإسلامي ستجد مواقف من تحميل المسئوليات والتولية خولفت فيها القواعد المرعية عند كثير من المجتمعات التي كبلتها هذه الاعتبارات، فقعدت بها عن استثمار فرص مهمة والاستفادة من طاقات منتجة.
ولقد كان لشباب الصحابة وصغارهم نصيب من ذلك، فمن تأهل منهم لتحمل المسئولية والأمانة حُمِّل إياها، وهذا يعكس أموراً عدة منها:
1 - ثقة الرسول صلى الله عليه وسلّم بأصحابه وتربيتهم على ذلك.
2 - أن الشباب يملكون القدرات الكثيرة، ويحملون الاستعداد للقيام بالمهام العظام.
3 - وهو يعكس أيضاً ما كان عليه أولئك الشباب من تأهل وجدية واستعداد لمعالي الأمور؛ إذ لم تكن تلك الأدوار لتعطى إياهم وهم ليسوا أهلاً لها.
وحين نتصفح السيرة النبوية سنرى قائمة من المواقف المتفاوتة والتي تحمَّل فيها الشباب أدواراً مهمة ومنها:

الإمامة والإمارة:
فحين أراد النبي صلى الله عليه وسلّم أن ينصب إماماً لبعض من وفدوا عليه طبَّق المقياس الشرعي فسأل عن أكثرهم قرآناً فإذا هو عمرو بن سَلِمَة الجرمي - رضي الله عنه - فنصب إماماً لهم وهو غلام صغير، وبقيت هذه المسئولية لديه فكان كما قال - رضي الله عنه -: "فما شهدت مجمعاً من جرم إلا كنت إمامهم، وأصلي على جنائزهم إلى يومي هذا". [رواه أحمد 20355].
وأنت قد لا تدرك قيمة هذه المسئولية إلا حين تضيف لذلك أنه أول إمام لقومه في الإسلام، وأنه كان يؤم قومه أجمع وليس مسجداً من مساجد الأحياء، وأنه قد شرفه بذلك النبي صلى الله عليه وسلّم. كل ذلك يجعل منها مسئولية ليست كسائر المسئوليات.
وأقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - معاذ بن الحارث بن الأرقم يصلي التراويح. [الإصابة 6/ 110].
وحين قدم عليه صلى الله عليه وسلّم وفد ثقيف وكان فيهم عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه - وهو أصغر الوفد سناً ولاه عليهم وأمره بإمامتهم، ووجهه قائلاً: "أم قومك، فمن أم قوماً فليخفف، فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء". [الحديث في مسلم 468، وأصل القصة عند الطبراني كما في المجمع 9/ 371، وعند ابن سعد 6/ 47].
وولى صلى الله عليه وسلّم عتاب بن أسيد أميراً على مكة وكان عمره حين استعمل نيفاً وعشرين سنة، وأثبت - رضي الله عنه - أنه أهل لهذه الإمارة فعن عمرو بن أبي عقرب قال: سمعت عتاب بن أسيد، وهو مسند ظهره إلى بيت الله، يقول: "والله ما أصبت في عملي هذا الذي ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا ثوبين معقدين كسوتهما مولاي كيسان". [الإصابة 4/ 356].
ويعرف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأحدهم فضله فيقول: "وددت لو أن لي رجلاً مثل عمير أستعين به في أعمال المسلمين".
إن تولية النبي صلى الله عليه وسلّم لهؤلاء لم يكن إهمالاً لشأن الولاية على المسلمين واستخفافاً بقدرهم، ولم يكن إرضاء لعواطف ومشاعر الشباب، إنما لأن مثل هذا الرجل كان في هذا الموطن هو الأصلح، ولو صار الأصلح هو الأكبر سناً فسيكون الأولى بالإمارة دون شك.
والعبرة في ذلك أن هؤلاء الشباب كانوا يملكون من الصفات مايؤهلهم لذلك، ولكن لو كان هذا الشاب قليل العلم والخبرة محدود التفكير، فلا يسوغ أن يتحمل من أمور المسلمين مالايطيق.

الاطلاع على أسرار المسلمين:
حين قدم النبي صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة كان زيد بن ثابت - رضي الله عنه - من شباب الصحابة المسابقين للعلم فبز أقرانه وفاقهم، فعن خارجة بن زيد أن أباه زيداً أخبره أنه لما قدم النبي صلى الله عليه وسلّم المدينة قال زيد ذهب بي إلى صلى الله عليه وسلّم فأعجب بي، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة فأعجب ذلك النبي صلى الله عليه وسلّم وقال: "يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهود على كتابي" قال زيد: فتعلمت كتابهم ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه وأجيب عنه إذا كتب. [رواه أحمد 5/ 186، والترمذي 2715، وأبو داود 3645].
ولقد كانت مهمة صعبة تلك التي اختير لها زيد - رضي الله عنه - ، إذ سوف يصبح مطلعاً على كل ما يرد من النبي صلى الله عليه وسلّم لليهود، أو ما يرد منهم إليه، وهي أسرار مهمة في حياة المسلمين يطلع عليها - رضي الله عنه - وهو لمِّا يبلغ العشرين بعد، ويثق صلى الله عليه وسلّم بأمانته وقدرته على نقل كلامه لليهود، ونقل كلامهم له كما هو في الواقع.

كتابة الوحي:
ولم يقف الأمر عند هذا الحد مع زيد بن ثابت - رضي الله عنه - بل تجاوزه إلى ما هو أعظم من ذلك فيأتمنه صلى الله عليه وسلّم على ما هو أهم من ذلك كله، بل ما يخص حياة المسلمين والأمة أجمع وليس أهل عصره فقط.
فاختاره صلى الله عليه وسلّم لكتابة الوحي، ويقبس أبو بكر من هذا الهدي النبوي ويتكئ على هذا التوثيق من صاحب الرسالة ليكلفه - رضي الله عنه - بجمع القرآن فيقول له: "يا زيد إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فتتبع القرآن فاجمعه". فيشعر زيد - رضي الله عنه - إذ ذاك بثقل المسئولية وعظم التبعة، فيقول: "فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن". [رواه البخاري 4679].

قيادة الجيش:
ومن أعظم هذه المواقف التي يتجلى فيها هذا الأمر توليته صلى الله عليه وسلّم أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - مهمة صعبة عظيمة ينوء بها الرجال الأشاوس فضلاً عن الشباب.
وكان قد أمرَّه بذلك في سرية الحرقات من جهينة كما قال - رضي الله عنه -: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟" قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. [رواه البخاري 4269، ومسلم 96].
وأورد البخاري رحمه الله هذا الحديث في باب [بعث النبي صلى الله عليه وسلّم أسامة إلى الحرقات من جهينة] ثم أورد بعد هذا الحديث بسنده قول سلمة - رضي الله عنه -: "غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلّم سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرة علينا أبو بكر، ومرة علينا أسامة". [رواه البخاري 4270].
ولقد كان صلى الله عليه وسلّم مربياً عظيماً يدرك أن أصحابه حين يقع أحدهم في الخطأ وينبه عليه سيتجاوزه، لذا وبعد هذه الواقعة أمره صلى الله عليه وسلّم على جيش أكبر من ذلك، ألا وهو الجيش الذي سيغزو الروم وشعر بعض الناس أن هذه المهمة ربما ينوء بها أسامة - رضي الله عنهما - ، وأنه لو ولي غيره كان أولى فبين النبي صلى الله عليه وسلّم ذلك لهم، كما روى هذا الخبر أحد الشباب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم - وهو ابن عمر - رضي الله عنهما - - أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعث بعثاً وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمارته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده". [رواه البخاري 4469، ومسلم 2426].
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على جيش، كما روى ذلك عمران بن حصين - رضي الله عنهما - قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم جيشاً، واستعمل عليهم علي بن أبي طالب؛ فمضى في السرية... ". [أخرجه الترمذي 3712].

إمارة السرايا وحمل اللواء:
وفي فتح مكة حمل لواء أشجع أحد الشبان من الصحابة، ألا وهو معقل بن سنان الأشجعي. [سير أعلام النبلاء 2/ 576].
وأحد الذين حملوا راية جهينة يوم الفتح كان من الشباب وهو معبد بن خالد الجهني - رضي الله عنه -.
وحمل اللواء في بدر أحد الشبان وهو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
وأرسل أبا قتادة - رضي الله عنه - طليعة كما روى عنه ابنه عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلّم بعثه في طليعة قبل غيقة وودان وهو محرم، وأبو قتادة غير محرم. [رواه أحمد 22678، وأصله في الصحيحين دون موضع الشاهد].
وأرسل أحد الشبان في سرية وهو حمزة بن عمرو الأسلمي، كما روى ذلك أبو داود في سننه عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمره على سرية، قال: فخرجت فيها، وقال: "إن وجدتم فلاناً فأحرقوه بالنار"، فوليت فناداني فرجعت إليه، فقال: "إن وجدتم فلاناً فاقتلوه ولا تحرقوه؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار". [رواه أبو داود 2673، وأحمد 16040].
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلّم سار المسلمون على هذا المنهج والمسلك، ففي معركة من معارك الإسلام الفاصلة، وفي لقاء عدو من أعداء المسلمين الأشاوس ألا وهم الروم، في معركة اليرموك شهد حبيب بن مسلمة أحد صغار الصحابة هذه الغزوة أميراً وقد كان عمره في تبوك أحد عشر عاماً، وكان له نكاية في العدو، ويقال له: حبيب الروم لكثرة دخوله بغزوهم. [سير أعلام النبلاء 2/ 189].

التولية على المال:
قد تكون المسئوليةُ حملَ لواء في معركة، أو قيادة سرية أو كتيبة وهي مسئولية لا ينبغي أن يتولاها إلا من يستحقها فعلاً، لكنها قد تكون غير ذلك كالتولية على المال، حفظاً أو قسمة، وهي لا تقل عن سابقتها، وحيث كان شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم مؤهلين لذلك فما الذي يمنع من توليهم هذه المهام؟
لأجل ذلك ولى المسلمون زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قسمة الغنائم يوم اليرموك. [سير أعلام النبلاء 2/ 427].
وولى أبو بكر - رضي الله عنه - أحدَهم على الزكاة كما روى ثمامة بن عبد الله بن أنس أن أنساً - رضي الله عنه - حدثه: أن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلّم على المسلمين...". [رواه البخاري 1454].

ولاية الحسبة:
وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل على سوق المدينة أحد الشباب، وهو السائب بن يزيد - رضي الله عنه - ومعه سليمان بن أبي خيثمة وعبد الله بن عتبة بن مسعود. [الإصابة 3/ 23].
إن هذه المواقف تحمل في طياتها أموراً عدة منها:
1 - أن الشباب قادرون على تحمل الكثير من المسئوليات والأعباء خلاف ما نتصوره الآن عنهم.
2 - أن أولئك - رضوان الله عليهم - كانوا على قدر من الأمانة والتربية والقدرة حتى حملهم المسلمون تلك المسئوليات، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلّم وصحابته يجازفون في تحميل المسئولية من لا يطيقها.
3 - أن المسئولية مع ماتعكسه من ثقة وائتمان فهي تعكس العمل والطاقة الفعالة لدى هؤلاء، ولقد كان يترتب على تلك المسئوليات الشعور بالعبء والعمل الجاد المتواصل، وهو ما عبر عنه أحدهم وهو زيد بن ثابت - رضي الله عنه - إذ قال: "فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن". [رواه البخاري 4679].
إن هذه المواقف لن يقف أثرها على الشاب حين يقرأها على تمني أن يكون قد شارك في مثل هذه المسئوليات والأدوار، إنما يسعى إلى أن يحقق في نفسه تلك الصفات التي اتصف بها سلف الأمة من أقرانه، ويسعى للاقتراب منهم عل خفاً يقع على خف.

رابعاً: الثقة بهم وائتمانهم:
ومن ذلك: أمره صلى الله عليه وسلّم لأسماء بن حارثة - رضي الله عنه - بتبليغ قومه صيام عاشوراء، فعن يحيى بن هند بن حارثة، عن أبيه - وكان من أصحاب الحديبية، وأخوه الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلّم يأمر قومه بصيام يوم عاشوراء، وهو أسماء بن حارثة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعثه فقال: "مر قومك فليصوموا هذا اليوم" قال: أرأيت إن وجدتهم قد طعموا؟ قال: "فليتموا بقية يومهم". [رواه أحمد16721].
إن الثقة فيهم من رسول الله صلى الله عليه وسلّم لتعطي أعظم الدليل على أن الشباب في مثل هذه السن يمكن أن يرقوا إلى مثل هذا المستوى فهل يعقل شباب الأمة اليوم ومن يقوم على تربيتهم هذا الأمر؟ ثم إنه يعكس أيضاً ذلك القدر من الأمانة والكفاءة التي وصل إليها أولئك الشباب حتى استحقوا ثقة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلّم.
وهذا الخبر يظهر لنا فقهه - رضي الله عنه - وفطنته، فحين أمره صلى الله عليه وسلّم بأمر قومه بالصيام تبادر لذهنه أنهم قد يكونوا لم يصوموا وطعموا في جزء من النهار فماذا يفعل في هذه الحالة؟

دار الأرقم:
من الذي قرأ شيئاً في السيرة ولم يعرف عن دار الأرقم؟ أو لم يسمع: أسلم فلان قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلّم دار الأرقم، وبايع فلان النبي صلى الله عليه وسلّم في دار الأرقم؟
فلمن تنسب هذه الدار؟ إنها دار الأرقم بن أبي الأرقم - رضي الله عنه - الذي كان عمره حينها قريباً من عشرين سنة، يختارها صلى الله عليه وسلّم لتكون موطناً لاجتماعه بأصحابه ولقائه بهم ليختفوا عن قريش وكيدها وتآمرها.

استشارتهم:
وتبلغ ثقته صلى الله عليه وسلّم بشباب أصحابه أن يستشير أحدهم في قضية خطرة وخاصة، ففي حادثة الإفك التي اتهمت فيها زوجه عائشة - رضي الله عنها - ، وصار الحديث يموج في المدينة يستدعي صلى الله عليه وسلّم أحد الشباب من الصحابة كما تحدثنا صاحبة الشأن - رضي الله عنها: "ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله"0
وأثبت أسامة - رضي الله عنهما - حينها أنه أهل للاستشارة، والثقة في أم المؤمنين - رضي الله عنها - ، تقول عائشة في حديثها: "قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: يا رسول الله، هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً...". [رواه مسلم 2770].
ومتى استشير أسامة - رضي الله عنه - في هذه القضية؟ استشير وكبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم متوافرون، ليبني لنا صلى الله عليه وسلّم منهجاً في الاستشارة في أمورنا كلها.
إن العمل والإبداع ليس حكراً على الجهد البدني الجسمي، بل هو يأخذ مدى أبعد من ذلك، ليشمل استثمار كل طاقة منحها الله الإنسان من بدن ونشاط، وعقل وفكر ومشاعر وعواطف، لتوظف تلك الطاقة في خدمة الأمة، لذا كانت مواقف شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم شاملة ذلك كله.

المحالفة في بيت أنس:
ويختار صلى الله عليه وسلّم بيت أحد الشباب ليكون مكاناً لمحالفة ولقاء تاريخي ألا وهو المحالفة بين المهاجرين والأنصار، فعن أنس رضي الله عنه أنه قال: "حالف رسول صلى الله عليه وسلّم بين الأنصار وقريش في داري التي بالمدينة". [رواه البخاري 7341، ومسلم 2529].

خامساً: تحمل الأدوار الصعبة:
ربما كانت بعض المهام تحمل في طياتها قدراً من الإغراء بالتصدر والظهور أمام الناس وإن كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم هم أبعد الناس عن ذلك كله ، وهم - رضوان الله عليهم - أهل الورع والخشية، وهم أعرف الناس بقدر النفوس وأدوائها، لكننا حين نقرأ السيرة النبوية فإننا سنرى أننا أمام أدوار تحمل من الصعوبة والمخاطرة أكبر بكثير من الثمن الذي تدفعه لصاحبها من التصدر - لو كان يبحث عن ذلك - ومع ذلك لا يتردد شباب أصحابه صلى الله عليه وسلّم في تحملها.

الموقف الأول:
أسلم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو ما يزال صبياً في بدء الإسلام بل هو أول من أسلم من الصبيان، وأدرك - رضي الله عنه - أن المرحلة التي كان يعيشها من تاريخ الدعوة تقتضي منه أن يساهم في حمل أعباء الدعوة، ويشارك في البلاغ.
ومن المواقف التي وقفها - رضي الله عنه - ما يرويه لنا أبو ذر - رضي الله عنه - في قصة إسلامه حين سأل علياً - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال له علي: "فإنه حق وهو رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فإذا أصبحت فاتبعني؛ فإني إن رأيت شيئاً نزلت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلّم ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه". [رواه مسلم 2474].
لقد كان علي - رضي الله عنه - يدرك خطورة هذا الموقف وهذا العمل، ويعلم تمام العلم ما هي عقوبة هذه الجريمة الشنيعة بمقاييس قريش آنذاك.

الموقف الثاني:
ومع علي - رضي الله عنه - في موقف آخر أشد صعوبة وأعظم مخاطرة، ففي حادث الهجرة تآمرت قريش على النبي صلى الله عليه وسلّم كما قال تعالى (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ). [الأنفال: 30] وتجعل قريش آنذاك لمن يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلّم حياً أو ميتاً مائة ناقة، وتستنفر قريش طاقتها وقوتها، ويهب الناس للفوز بهذه الجائزة، ويقرر صلى الله عليه وسلّم أن يخرج بعد أن أذن الله له بالهجرة.
وفي مثل هذه الظروف الصعبة كان الموقف يتطلب أن لا يعلم أحد عن ذلك، وأن تقتصر دائرة من يعلم - ولو كان من المسلمين - على من يتطلب الأمر مشاركته.
عن عمرو بن ميمون قال إني لجالس إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا أبا عباس إما أن تقوم معنا وإما أن يخلونا هؤلاء قال فقال ابن عباس: "بل أقوم معكم " قال: وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى، قال: فابتدءوا فتحدثوا فلا ندري ما قالوا قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: "أف وتف وقعوا في رجل له عشر، وقعوا في رجل قال له النبي صلى الله عليه وسلّم لأبعثن رجلاً لا يخزيه الله أبداً يحب الله ورسوله قال فاستشرف لها من استشرف قال أين علي....قال وشرى علي نفسه، لبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلّم ثم نام مكانه، قال: وكان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلّم فجاء أبو بكر وعلي نائم قال: وأبو بكر يحسب أنه نبي الله قال فقال يا نبي الله قال فقال له علي إن نبي الله صلى الله عليه وسلّم قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، قال فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، قال: وجعل علي يرمى بالحجارة كما كان يرمى نبي الله وهو يتضور قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح ثم كشف عن رأسه فقالوا إنك للئيم كان صاحبك نرميه فلا يتضور وأنت تتضور وقد استنكرنا ذلك ". [رواه أحمد 3062].

الموقف الثالث:
ومع حادث الهجرة نفسه نرى شاباً آخر من شبان الصحابة يدخل في الأمر، ويشارك في دور هام، ألا وهو عبد الله بن أبي بكر - رضي الله عنهما -.
ففي حديث عائشة - رضي الله عنها - الطويل في سياق قصة الهجرة: "...ثم لحق أبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمراً يكادان فيه إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام...". [رواه البخاري 3905].

توليهم المهام:
عن أنس - رضي الله عنه -: "أن نفراً من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها؟. فقالوا: بلى. فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحوا فقتلوا الراعي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم فبعث في آثارهم فأدركوا، فجيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا... وفي رواية.... وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم، وبعث معهم قائفاً يقتص أثرهم". [رواه مسلم 1617].
وهل تظن أن دلالة هذا الحدث تقف عند مجرد تعويدهم وتربيتهم على المشاركة الفعالة في قضايا مجتمعهم؟ أم أنها تتجاوز ذلك لتدل على الثقة بهم في مثل هذه المواقف الحاسمة؟.
فما أجدر المربين لجيل الشباب اليوم أن يقفوا طويلاً عند هذه المواقف ليدركوا سراً مهماً من أسرار نجاح ذلك الجيل المبارك.

حرصه صلى الله عليه وسلّم على دعوتهم:
عن أنس - رضي الله عنه - قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلّم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلّم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: "أسلم"، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلّم فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلّم وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار". [رواه البخاري 1356].
إن إنقاذ امرئ من النار مهما كان شأنه مطلب ومكسب، ومع أن هذا الشاب في حال الاحتضار ولا يؤمل أن يقدم خدمة للدعوة، أو نصراً للدين، مع ذلك دعاه صلى الله عليه وسلّم إلى الدخول في الدين، وخمد الله حين تحقق له ذلك.
وحين يجعل المسلم هدفاً له في الحياة أن ينقذ أحداً من النار فإنه يقدم عملاً صالحاً من أفضل الأعمال، ويتأسى بنبيه صلى الله عليه وسلّم.

 للأعلى


المبادرة الذاتية

كثيرٌ من الناس يملك الاستعداد للقيام ببعض الأدوار التي تملى عليه وفق خطوات محددة، لكنه يقف عند هذا الحد، ويطرح التساؤل في كل مناسبة وكل حين: ماذا يعمل؟ وما واجبه؟ ويعتذر عن القيام بأي دور بأنه لم يتلق توجيهاً وتكليفاً.
ولكن أتظن أن شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم كانوا كذلك أم أنهم كانوا أهل مبادرة، وكان دور السؤال والاستشارة هو الانضباط والإتقان للعمل لا أن يكون عائقاً ومثبطاً؟
فمع بعض مواقفهم التي تجيب على هذا التساؤل.

الموقف الأول:
حين قدم أبو ذر - رضي الله عنه - إلى مكة وكان يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلّم وهو يدرك خطورة الأمر أتى المسجد فالتمس النبي صلى الله عليه وسلّم ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه - يعني الليل - فاضطجع فرآه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، فظل ذلك اليوم ولا يرى النبي صلى الله عليه وسلّم حتى أمسى فعاد إلى مضجعه، فمر به علي فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه فذهب به معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك، فأقامه علي معه، ثم قال له: ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدني فعلت، ففعل، فأخبره، فقال: فإنه حق وهو رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإذا أصبحت فاتبعني...". [رواه البخاري 3861، ومسلم 2474].
إنه موقف يقفه علي - رضي الله عنه - وهو لا يزال شاباً دون العشرين من عمره، وينتج عن هذا الموقف أن يُدلَّ أبو ذر - رضي الله عنه - على مكان النبي صلى الله عليه وسلّم ويدخل الإسلام.

الموقف الثاني:
حين مات النبي صلى الله عليه وسلّم ماج الناس واضطربوا وحق لهم ذلك، وفي ذلك الموقف رأى الأنصار أنهم أحق من يتولى الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقام خطباؤهم في ذلك، فما كان من أحد شبان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم إلا أن قام ووقف موقفه الرائع - رضي الله عنه -.
فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم قام خطباء الأنصار فجعل منهم من يقول: يا معشر المهاجرين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان إذا استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان: أحدهما منكم والآخر منا، قال: فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك، قال: فقام زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فقال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان من المهاجرين، وإنما الإمام يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلّم " فقام أبو بكر فقال: "جزاكم الله خيراً من حي يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم، ثم قال: "والله لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم". [رواه أحمد 21672].
إن مواطن الفتن واضطراب الأمور تتطلب من يجمع بين الخصلتين معاً: الفقه والعلم، والحزم والمبادرة، فحين يفتقد العلم تسير الأهواء بالناس وتتشعب بهم، وحين تفقد المبادرة فقد تفوت الفرصة؛ إذ يبادر أهل الأهواء والأغراض.
فها هو أحد الشباب النجباء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم يجمع بينهما، ويبادر الناس في هذا الموطن، ولا غرو فقد كان أمين النبي صلى الله عليه وسلّم على الوحي.

الموقف الثالث:
عن علي - رضي الله عنه - قال: تقدم يعني عتبة بن ربيعة، وتبعه ابنه وأخوه فنادى: من يبارز؟، فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث" فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة. [رواه أبو داود 2665].
إنها مبادرة لا للقيام بخدمةٍ أو أداء عمل، بل للقتال والمبارزة والموت، إنه صراع مع أشاوس وطغاة قريش يتصدى له شباب الأنصار، وحين رفض رجال قريش مبارزتهم، انتدب لهم فيمن انتدب أحد الشباب من المهاجرين وهو علي - رضي الله عنه - فجرَّع قرينه كأس الموت، ولا غرو وهو القائل - رضي الله عنه -:

أنا الذي سمتني أمي حيدرة
كليث غابات كريه المنظرة
أوفيهم بالصاع كيل السندرة

 للأعلى


الإنفاق في سبيل الله

أول ما نزل النبي صلى الله عليه وسلّم المدينة بركت ناقته في مربد لغلامين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم وصار هذا موضع المسجد، فاختارا - رضي الله عنهما - أن يهباه للنبي صلى الله عليه وسلّم.
ففي حديث الهجرة الطويل "...ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلّم بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربداً للتمر لسهيل وسهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين بركت به راحلته: "هذا إن شاء الله المنزل" ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما...". [رواه البخاري 3906].
وها هو أحدهم حين ورث من أمه مالاً تطيب نفسه به يسأل النبي صلى الله عليه وسلّم عن الصدقة به، فعن عقبة بن عامر أن غلاماً أتى النبي صلى الله عليه وسلّم - وفي رواية - سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وتركت حلياً أفأتصدق به عنها؟ قال: "أمك أمرتك بذلك؟" قال: لا، قال: "فأمسك عليك حلي أمك". [رواه أحمد 4/ 157].
وعبيد الله بن عباس - رضي الله عنهما - يُشهد له بالسخاء والجود، قال ابن سعد: "وكان سخياً جواداً، فقال بعض أهل العلم: كان عبد الله وعبيدالله ابنا عباس إذا قدما مكة، أوسعهم عبد الله علماً، وأوسعهم عبيدالله طعاماً، وكان عبيدالله رجلاً تاجراً". [طبقات ابن سعد الطبقة الخامسة. تحقيق: محمد السلمي 1/ 214].
وفي غزوة الخندق حين اشتدت الكربة بالمسلمين تألم جابر - رضي الله عنه - لما أصاب النبي صلى الله عليه وسلّم فصارت له قصة لها شأن يحدثنا عنها فيقول:
إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلّم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: "أنا نازل" ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلّم المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل أو أهيم، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلّم شيئاً ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلّم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: "كم هو؟" فذكرت له قال: "كثير طيب"، قال: "قل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي"، فقال: قوموا فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلّم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم فقال: "ادخلوا ولا تضاغطوا" فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية، قال: "كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة". [رواه البخاري 4101، ومسلم 2039].
إن بعض القراء من أعزائنا الشباب ربما لا يدركون قيمة المال عند أهله؛ إذ هم يعيشون في كنف أهليهم ويُنْفَق عليهم، أما أولئك فقد كانوا - رضوان الله عليهم - يجودون بالمال وهم لا يجدون إلا القليل، بل ربما بات أحدهم طاوياً وأنفق قوته وقوت عياله في سبيل الله.
فما أجمل أن يربي الشاب نفسه على الجود والإنفاق، والعبرة ليست بمقدار ما ينفق المرء بل بتلك النية الصادقة التي يجود صاحبها بالقليل الذي يتيسر له وهو كثير عند الله الذي لا يضيع أجر المحسنين.
ويعلِّم صلى الله عليه وسلّم أصحابَه هذا السلوك إذ يقول لهم: "ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله يوم القيامة ليس بين الله وبينه ترجمان، ثم ينظر فلا يرى شيئاً قدامه، ثم ينظر بين يديه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة". [رواه البخاري 6539، ومسلم 1016].
وفي رواية: ذكر النبي صلى الله عليه وسلّم النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه، قال شعبة أما مرتين فلا أشك ثم قال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجد فبكلمة طيبة". [رواه البخاري 6023، ومسلم 1016].

 للأعلى


الجهاد والبطولة

وحيث كانت حياة الرعيل الأول حياة جهاد وبذل في سبيل الله، وكانت هذه القضية هي الشغل الشاغل للمجتمع المسلم؛ إذ كان إقرار هذا الدين في ذاك المجتمع الغارق في الشرك والضلال يتطلب رصيداً من الجهاد والبذل والدماء، فقد أخذ شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم من ذلك بنصيب وافر، وأبوا أن يستأثر غيرهم بفضيلة الجهاد.
وهانحن نرى أنه في كل غزوة يستعرض صلى الله عليه وسلّم الجيش فيرد الصغار، لذا فأنت تقرأ كثيراً في السيرة: "استصغر فلان في غزوة كذا وكذا".
فحفظت لنا كتب السير أنه في غزوة بدر استُصْغِر البراء بن عازب، ورافع بن خديج - رضي الله عنهما -.
وفي غزوة أحد استصغر أبو سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت - وقيل في بدر - وعرابة بن أوس، وأسيد بن ظهير بن رافع، وسعد بن بجير - رضي الله عنهم -.
فهؤلاء الذين حُفِظَت أحوالهم في تلك الغزوات، فهناك بلا شك من لم يرد ذكره، وهناك طائفة كبيرة ممن أجيزوا وحضروا تلك المواقع.
ومن هؤلاء رافع بن خديج فقد استصغر في بدر وأجيز في أحد، وابن عمر فقد استصغر في أحد وأجيز في الخندق - رضي الله عنهما -.
وكان عمير بن أبي وقاص - رضي الله عنه - في بدر يتوارى لئلا يراه النبي صلى الله عليه وسلّم فلما رآه رده فبكى وأجازه". [سيأتي تفصيل القصة في الشهادة].
وهناك من كان يرغب في المشاركة لكن يعوقه عن ذلك علمه بأنه لن يجاز.
ولا تقف البراهين على جهاد هؤلاء وبذلهم عند حدود ما يرويه أهل الأخبار، بل يبقى في أجسادهم أثر ذلك ليصبح شامة يعتز بها وأنعم بذلك.
فيحكي عروة عن الزبير - رضي الله عنه -: "كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف، إحداهن في عاتقه، إن كنت لأدخل أصابعي فيها، ضرب ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك". [رواه البخاري 3973].
وحين رأى إسماعيل في يد عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - ضربة على ساعدة سأله: ماهذه؟ قال: ضربتها يوم حنين، قال له: أشهدت معه حنيناً، قال: نعم وقبل ذلك". [رواه أحمد 19155].
وفي أول موقف يحضره رافع بن خديج، في أحد حيث استصغر في بدر أصابه سهم فانتزعه، فبقي النصل في لحمه إلى أن مات". [سير أعلام النبلاء 1/ 180].
وتتجاوز الآثار ذلك لتبقى على أسيافهم وسلاحهم، فعن عروة بن الزبير قال قال لي عبد الملك بن مروان حين قتل عبد الله بن الزبير: ياعروة، هل تعرف سيف الزبير؟ قلت: نعم، قال: فما فيه؟ قلت: فيه فلة فلها يوم بدر، قال: صدقت، [بهن فلول من قراع الكتائب] ثم رده على عروة. [رواه البخاري 3973].
والاستطراد وتتبع كتب السير في حصر من شارك من الشباب في الغزوات يطول أمره، لكن الأمر لا يقف عند حد مجرد المشاركة - وإن كان بحد ذاته أمراً له دلالته التي لا ينبغي أن تغيب عن شباب أمتنا ومن يقوم على تربيتهم ورعايتهم - فيتجاوز ذلك إلى مواقف بطولية رائعة حفظها لنا التاريخ.
ومن ذلك موقف لسلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - يحدثنا هو فيه عن نفسه إذ يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم هوازن قال: فبينما نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ثم انتزع طلقاً من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء، قال سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته إلى الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلّم والناس معه فقال: "من قتل الرجل؟". قالوا: ابن الأكوع، قال: "له سلبه أجمع". [رواه مسلم 1754، ورواه البخاري 3051 مختصراً].

سلمة وموقف آخر:
وهي ليست حادثة يتيمة، أو حماسة طارئة أنتجت هذا الموقف بل هانحن نراه - رضي الله عنه - يسجل موقفاً آخر يحدثنا أيضاً فيه هو عن نفسه فيقول:
خرجنا مع أبي بكر بن قحافة - رضي الله عنه - أمَّره رسول الله صلى الله عليه وسلّم علينا قال: غزونا فزارة فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر، فعرسنا قال: فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر، فشننا الغارة فقتلنا على الماء من قتلنا، قال سلمة: ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه الذرية والنساء نحو الجبل وأنا أعدو في آثارهم، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، قال فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر - رضي الله عنه - حتى أتيته على الماء، وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم، معها ابنة لها من أحسن العرب، قال: فنفلني أبو بكر ابنتها، فما كشفت لها ثوباً حتى قدمت المدينة، ثم بت فلم أكشف لها ثوباً قال: فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلّم في السوق فقال لي: "يا سلمة هب لي المرأة" قال: فقلت: يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوباً، قال: سكت رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتركني، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلّم في السوق فقال: "يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك" قال: قلت: يا رسول الله، والله أعجبتني ما كشفت لها ثوباً، وهي لك يا رسول الله، قال: فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى أهل مكة، وفي أيديهم أسارى من المسلمين، ففداهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم بتلك المرأة. [رواه أحمد 16508].
ومرة أخرى مع سلمة - رضي الله عنه - في غزوة الحديبية حيث يروي لنا الموقف بنفسه فيقول"قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم الحديبية.... ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا إلى بعض، قال: وكنت تبيعاً لطلحة بن عبيدالله أحس فرسه، وأسقيه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجراً إلى الله ورسوله، فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها واضطجعت في ظلها فأتاني أربعة من أهل مكة، فجعلوا وهم مشركون يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فتحولت عنهم إلى شجرة أخرى وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك، إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا آل المهاجرين قتل ابن زُنَيم، فاخترطت سيفي فشددت على الأربعة فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثاً، ثم قلت: والذي أكرم محمداً لا يرفع رجل منكم رأسه إلا ضربت عنقه الذي - يعني فيه عيناه - فجئت أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وجاء عمي بابن مكرز يقود ه فرسه، يقود سبعين حتى وقفناهم فنظر إليهم فقال: "دعوهم يكون لهم بدو الجور" وعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنزلت (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم). [الفتح: 24] ثم رجعنا إلى المدينة... ". [رواه أحمد 16524، ومسلم 1807].

شاب يقود موقعة وحده:
ولا يقف الأمر عند سلمة - رضي الله عنه - عند هذا الحد فقبل هذه الغزوة - هوازن - كان له موقف رائع، وكان بطل قصة ممتعة من حوادث السيرة ألا وهي غزوة ذي قرد ومع بقية الحديث السابق الذي يرويه هو بنفسه - رضي الله عنه - إذ يقول فيه: "... ثم قدمنا المدينة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم بظهره مع رباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة أنديه مع الظهر، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر النبي صلى الله عليه وسلّم فاستاقه أجمع وقتل راعيه، قال: فقلت: يا رباح، خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيدالله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن المشركين قد أغاروا على سرحه، قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثاً: يا صباحاه، ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز أقول:

أنا ابن الأكوع *** واليوم يوم الرضَّع

فألحق رجلاً منهم فأصك سهماً في رحله حتى خلص السهم إلى كتفه، قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع، قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة، فجلست في أصلها، ثم رميته، فعقرت به حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة، قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا خلفته وراء ظهري وخلوا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحاً يستخفون، ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً من الحجارة يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابه، حتى أتوا متضايقاً من ثنية، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون [يعني يتغدون] وجلست على رأس قرن، قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح والله ما فارقنا منذ غلس، يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا، قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلي منهم أربعة إلى الجبل، قال: فلما أمكنوني من الكلام، قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قال: أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلّم لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني، قال أحدهم: أنا أظن، قال: فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلّم يتخللون الشجر، قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي، قال: فأخذت بعنان الأخرم، قال: فولوا مدبرين، قلت: يا أخرم، احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابه، قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال: فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن، قال: فعقر عبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعبد الرحمن فطعنه فقتله، فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلّم لتبعتهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم ولا غبارهم شيئاً، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد ليشربوا منه وهم عطاش، قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم فحليتهم عنه [يعني أجليتهم عنه] فما ذاقوا منه قطرة، قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية، قال: فأعدو فألحق رجلاً منهم فأصكه بسهم في نغص كتفه، قال: قلت:

وأنا ابن الأكوع *** واليوم يوم الرضَّع

قال: يا ثكلته أمه، أكوعه بكرة، قال: قلت: نعم يا عدو نفسه أكوعك بكرة، قال: وأردوا فرسين على ثنية، قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، قال: ولحقني عامر بسطيحة. [إناء من جلد. انظر: شرح النووي لمسلم 12/ 423] فيها مذقة من لبن، وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وشربت، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو على الماء الذي حليتهم عنه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد أخذ تلك الإبل وكل شيء استنقذته من المشركين وكل رمح وبردة، وإذا بلال يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلّم من كبدها وسنامها، قال: فقلت: يا رسول الله خلني فأنتخب من القوم مائة رجل فأتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى بدت نواجذه في ضوء النار، فقال: "يا سلمة، أتراك كنت فاعلاً؟" قلت: نعم والذي أكرمك، فقال: إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان، قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزوراً، فلما كشفوا جلدها، رأوا غباراً فقالوا: أتاكم القوم فخرجوا هاربين...".
لقد كان هذا الموقف العظيم من سلمة - رضي الله عنه - موقفاً يستحق الإشادة والاهتمام، لذا فقد كافأه صلى الله عليه وسلّم مكافأة لها قيمتها قال: "فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة. ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلّم سهمين سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لي جميعاً، ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلّم وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة". [رواه مسلم 1807، ورواه البخاري مختصراً 3041].
فقد جمع له صلى الله عليه وسلّم بين أنواع من التكريم: ثناؤه عليه، وإعطاؤه سهمين من الغنيمة، وإردافه إياه.

خير الفرسان وخير الرجال شابان:
لقد قال صلى الله عليه وسلّم بعد هذه الغزوة خير رجالتنا سلمة، وخير فرساننا أبوقتادة، وكلاهما من شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم فهنيئاً لهما هذه الخيرية وهذه الشهادة من النبي صلى الله عليه وسلّم.

سبعة أبيات ضحية جهاد سلمة:
في إحدى السرايا التي شارك فيها سلمة - رضي الله عنه - يروي عن نفسه "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم علينا أبا بكر رضي الله عنه فغزونا ناسا من المشركين فبيتناهم نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة أمت أمت، قال سلمة فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أهل أبيات من المشركين". [رواه أحمد 16504، وأبو داود 2638، وابن ماجه 2840].

لم تعد البطولة حكراً على سلمة:
ومع تلك البطولات التي سطرها سلمة - رضي الله عنه - فهل تظن أن التاريخ سيعجز عن صفحات شاغرة ليسجل فيها مآثر بطولية لغيره من شباب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم ؟.
فهاهما شابان حديثة أسنانهما يسجلان هذا الموقف الفذ وفي أول غزوة ومواجهة حاسمة مع المشركين فعن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما - أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قال قلت: نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخي ، قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، والذي نفسه بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلما قال، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأخبراه، فقال: "أيكما قتله؟" فقال كل واحد منهما: أنا قتلت، فقال: "هل مسحتما سيفيكما؟"، قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء. [رواه البخاري 3141، ومسلم 1752، واللفظ له، وقد اختلف في تسمية الغلامين والنتيجة والمؤدى واحد].
وتعجب وأنت تقرأ هذا النموذج الفذ للهمة العالية لهذين الغلامين التي لم تقف عند حد المشاركة في الغزوة، بل طمحت نفوسهما إلى الإطاحة برأس الكفر والضلال، وهذا أمر لم يقتصر على الشعور والحماس، بل بدا مصداق ذلك في تمريغ الضال وتجريعه كأس الموت.

القراء وبئر معونة:
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان شباب من الأنصار سبعين رجلاً يقال لهم القراء، قال: كانوا يكونون في المسجد، فإذا أمسوا انتحوا ناحية من المدينة فيتدارسون ويصلون، يحسب أهلوهم أنهم في المسجد، ويحسب أهل المسجد أنهم في أهليهم حتى إذا كانوا في وجه الصبح استعذبوا من الماء واحتطبوا من الحطب فجاءوا به فأسندوه إلى حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلّم جميعاً، فأصيبوا يوم بئر معونة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلّم على قتلتهم خمسة عشر يوماً في صلاة الغداة". [رواه أحمد 13468، وهو في الصحيحين دون موضع الشاهد].
ولهذا وجد عليهم صلى الله عليه وسلّم وحق له، ففي رواية "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم وجد على سرية ما وجد على السبعين الذين أصيبوا يوم بئر معونة . [رواه مسلم 677، وهي في البخاري 3170 بمعناه].
 
رصيد من المشاركة في الجهاد:
ويحدثنا أحد أولئك الذين استصغروا في بعض الغزوات وهو البراء بن عازب - رضي الله عنه - عن جهاده ومشاركته مع النبي صلى الله عليه وسلّم فيقول: "غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم خمس عشرة غزوة". [الطبقات 4/ 272، والطيالسي 2/ 141، وانظر: سير أعلام النبلاء 3/ 195].
ومثله شاب آخر هو عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - فيقول: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم سبع غزوات نأكل الجراد". [رواه البخاري 5495، ومسلم 1952].
وآخر ممن استصغر يحدث عنه أحد تلامذته فيقول: سمعت أبا سعيد - رضي الله عنه - أربعاً، قال: "سمعت من النبي صلى الله عليه وسلّم ، وكان غزا مع النبي صلى الله عليه وسلّم ثنتي عشرة غزوة". [رواه البخاري 1189].
أما سلمة - رضي الله عنه - فحدث عن مشاركته قائلاً: "غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلّم سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرة علينا أبو بكر، ومرة علينا أسامة". [رواه البخاري 4271، ومسلم 1815].
وزيد بن أرقم - رضي الله عنه - يحدث عنه عبد الله بن يزيد فيقول: خرج يستسقي بالناس فصلى ركعتين ثم استسقى قال فلقيت يومئذ زيد بن أرقم وقال: ليس بيني وبينه غير رجل أو بيني وبينه رجل، قال: فقلت له: كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ قال: تسع عشرة، فقلت: كم غزوت أنت معه؟ قال سبع عشرة غزوة، قال: فقلت: فما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العسير أو العشير. [رواه البخاري 3949، ومسلم 1254].
إن هذه غيض من فيض، ونماذج من بعض ما وقفنا عليه مما حفظته لنا كتب السيرة، وما لم نقف عليه، أو يحفظ لنا فهو كثير.
إن ذلك كله ليدل على أن مشاركة هؤلاء - رضوان الله عليهم - في الجهاد لم تكن مواقف فردية، أو نتاج حماسة واندفاع مرة أو مرتين، بل هو دأب لهم وشأن فهل من مشمر ومقتد بهم؟

شاب ينتزع راية المشركين:
وفي غزوة بدر التي شارك فيها خيار الأمة، وصار من مناقب أي صاحب للرسول صلى الله عليه وسلّم شهوده بدراً، في تلك الغزوة قام أحد الشباب وهو أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري بانتزاع راية المشركين، وأسر العباس بن عبدا لمطلب - رضي الله عنه. [سير أعلام النبلاء 2/ 537].

أحد الشباب من أسد الله ورسوله:
هذه شهادة من أبي بكر - رضي الله عنه - لأحد شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم بمحضره، ويقره عليها صلى الله عليه وسلّم فنترك صاحب الشأن يحدثنا عن موقفه:
عن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من المسلمين، فاستدرت حتى أتيته من ورائه، حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا وجلس النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" فقمت فقلت: من يشهد لي؟، ثم جلست، ثم قال: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه"، فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال الثالثة مثله، فقمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "ما لك يا أبا قتادة؟" فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلبه عندي فأرضه عني، فقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: لاهاً الله إذاً لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم يعطيك سلبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: صدق. فأعطاه فبعت الدرع فابتعت به مخرفاً في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. [رواه البخاري3142، ومسلم 1751].

 للأعلى


الشهادة في سبيل الله

لقد كانت مشاركة الشباب الفاعلة في صفوف الجهاد سبباً لأن يختار الله من بينهم شهداء في سبيله، وهو اصطفاء واختيار منه تبارك وتعالى كما قال في كتابه (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء). [آل عمران: 140] فهي نعمة واصطفاء منه سبحانه وتعالى، والله تبارك وتعالى لا يمنح هذا الفضل إلا من يستحقه.
وللشهداء عند الله منزلة عظيمة، فهم أحياء والناس يحسبونهم أمواتاً (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين). [آل عمران: 169- 171]، إنهم يتساءلون عمن وراءهم من إخوانهم، بل إنهم يسألون الله الرجعة إلى دار الدنيا، لاشوقاً إلى حطامها ومتاعها الفاني، بل ليقتلوا في سبيل الله مرة أخرى.
ولذا يروي لنا أحد الشباب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم حديثاً عظيماً في فضل الشهادة في سبيل الله فعن المقدام بن معد يكرب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه". [رواه أحمد 13117، والترمذي1663، وابن ماجه 2799].
ويبشر صلى الله عليه وسلّم أحدهم بالشهادة ألا وهو طلحة بن عبيدالله فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيدالله". [رواه الترمذي 3739، وابن ماجه 125].
عن أنس - رضي الله عنه - قال أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى ترى ما أصنع؟ فقال: "ويحك أوهبلت؟ أوجنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس". [رواه البخاري 3982].
وكأن عمير بن أبي وقاص - رضي الله عنه - كان يعلم يوم بدر أنه على موعد مع الشهادة في سبيل الله فيصر على المشاركة، ولنستمع لقصته كما يحكيها أخوه سعد - رضي الله عنه - فيقول: "رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوم بدر يتوارى، فقلت: مالك ياأخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلّم فيستصغرني فيردني وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال: فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فاستصغره فرده، فبكى فأجازه، فكان سعد يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره فقتل وهو ابن ست عشرة سنة". [أخرجه ابن سعد 1/ 110- 111].
وممن استشهد في بدر معوذ بن الحارث - رضي الله عنه -.
فهل حدثت نفسك أخي الكريم أن ترحل مع هؤلاء كما رحلوا، وأن تفوز بالشهادة في سبيل الله عز وجل؟
إن هناك الكثير ممن يطير به الشوق نحو إدراك فضل الشهادة ومراتب الشهداء، لكن الفرص قد لاتتهيأ له، لذا فقد قال صلى الله عليه وسلّم: "من سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه". [رواه مسلم1909].
هذا الحديث رواه سهل بن حنيف - رضي الله عنه - ويروي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلّم أحد الشباب ألا وهو معاذ بن جبل إذ يروي عنه صلى الله عليه وسلّم: "من سأل الله القتل في سبيل الله صادقاً من قلبه، أعطاه الله أجر شهيد، وإن مات على فراشه". [رواه الترمذي 1654].
إن مجرد الأمنية أمر سهل، لكن الأمنية الصادقة التي يعلم تبارك وتعالى نية صاحبها هي التي توصل لهذه المنزلة، وهي تفرض على صاحبها أن يعد نفسه ويهيئها، فهذه المنازل لا مكان فيها للجبناء الضعفاء.

 للأعلى


المواقف المشهودة

حفلت السيرة النبوية بمواقف مشهودة عظيمة، ومواطن بذل فاضلة، لذا كان علماء السير حين يترجمون لأحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم يذكرون هذه المشاهد التي شهدها - رضي الله عنه -.
وما كان لشباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم وهم السباقون إلى الخير أن يدعو هذه الصفحات الناصعة خالية من منجزاتهم ومشاركاتهم، ومن هنا فإنك حين تضع أمامك قائمة بهذه المواقف فلن تعدم أن تجد أسماء هؤلاء في كل موطن وموقف ، ومن هذه المواطن:
1 - بيعة العقبة الثانية التي قال عنها كعب بن مالك - رضي الله عنه -: "ولقد شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلّم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها". [رواه البخاري 3889، ومسلم 2769].
فممن شهد العقبة من شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم معاذ بن جبل - رضي الله عنه - وكان عمره حينها دون العشرين، وأبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري وعمره عشرون عاماً، وسلمة بن سلامة بن وقش، و معاذ ابن عفراء كلاهما شهدا العقبتين، وجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، وأبو مسعود البدري.
2 - وفي غزوة بدر أول مواجهة بين النبي صلى الله عليه وسلّم وقريش، وسماها تبارك وتعالى (يوم الفرقان يوم التقى الجمعان). وسارت بفضائلها الركبان وقال صلى الله عليه وسلّم عمن شهدها: "لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم". [رواه البخاري 3983، ومسلم 2494].
وكان ممن شهد بدراً من شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أبو اليسر، ومعاذ بن جبل، ومعاذ ومعوذ، وعمير بن أبي وقاص واستشهد فيها، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن خولة، ومعتب بن عوف، و معمر بن حبيب، وطليب بن عمير بن وهب، ومسطح بن أثاثة، وسنان بن أبي سنان، وكعب بن عمرو الأنصاري.
3 - ومنها بيعة الرضوان التي قال تبارك وتعالى عن أصحابها (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً). ، وقال فيها صلى الله عليه وسلّم لهم: "أنتم خير أهل الأرض" قال جابر: وكنا ألفا وأربع مائة ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. [رواه البخاري 4155، ومسلم 1856].
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - يقول أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها، فقالت حفصة: ( وإن منكم إلا واردها ). فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "قد قال الله عز وجل (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا). ". [رواه مسلم 2496].
وكان ممن شهد هذه البيعة من الشباب عبد الله بن عمر، وسلمة بن الأكوع، وابن أبي حدرد، والبراء بن عازب، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن يزيد الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وزيد بن خالد الجهني.
بل كان أول من بايع في هذه البيعة سنان بن أبي سنان - رضي الله عنه - وعمره إحدى وعشرون سنة.
وها هو سلمة - رضي الله عنه - يبايع النبي صلى الله عليه وسلّم - إذ طلب منه ذلك - ثلاث مرات فيحدث عن نفسه: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم دعانا للبيعة في أصل الشجرة، قال: فبايعته أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط من الناس قال: "بايع يا سلمة" قال قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس، قال: "وأيضاً" قال: ورآني رسول الله صلى الله عليه وسلّم عزلاً يعني ليس معه سلاح، قال: فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلّم حجفة أو درقة، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: "ألا تبايعني يا سلمة؟" قال قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس، قال: "وأيضاً"، قال: فبايعته الثالثة، ثم قال لي: "يا سلمة، أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟" قال قلت: يا رسول الله، لقيني عمي عامر عزلاً فأعطيته إياها، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال: "إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي". [رواه مسلم 1807، ورواه البخاري مختصراً 2960].

 للأعلى


الرياضة لدى شباب الصحابة

تتطلع النفوس دوماً للهو والترفيه، وتشكل تبعات الحياة ومشاغلها عاملاً يدفع النفس للبحث عن متنفس، لذا فإن الباحث في تاريخ مجتمع من المجتمعات في أي عصر لابد أن يقف على مجالات للترفيه والرياضة.
ويبدو أن هناك تناسباً عكسياً بين عمر الشخص وميله للرياضة والترفيه؛ لذا فالرياضة لدى الشباب لها مذاق وإقبال غير ما لدى الشيوخ.
فكيف كانت رياضة شباب الصحابة - رضوان الله عليهم - ؟
لنستمع لذلك من أحدهم:
عن عبد الله بن عمر رضي عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم سابق بين الخيل التي لم تضمر وكان أمدها من الثنية إلى مسجد بني زريق وأن عبد الله بن عمر كان سابق بها. [رواه البخاري 2869، ومسلم 1870].
لقد أدرك شبان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهم يعشقون الجهاد ويشاركون فيه أنه لابد من الإعداد والتدريب، فأخذوا بوصية النبي صلى الله عليه وسلّم: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". [رواه مسلم 1917].
ومن ذلك قصة سلمة - رضي الله عنه - في أثناء روايته لغزوة بني قرد "... قال فبينما نحن نسير قال وكان رجل من الأنصار لا يسبق شداً، قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك، قال: فلما سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، قال: قلت: يا رسول الله، بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل، قال: إن شئت قال: قلت: اذهب إليك، وثنيت رجلي فطفرت فعدوت قال: فربطت عليه شرفاً أو شرفين أستبقي نفسي ثم عدوت في إثره فربطت عليه شرفاً أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه قال فأصكه بين كتفيه قال قلت قد سبقت والله قال أنا أظن قال فسبقته إلى المدينة... ". [رواه مسلم 1807، ورواه البخاري مختصراً 3041].
وهكذا تتعانق الرياضة وبرامج الترفيه لدى هؤلاء مع الأهداف السامية الطموحة العالية وتمثل رصيداً وزاداً يدفع لمزيد من الجدية والنشاط، فالترفيه عند هؤلاء ما أوصل إلى أهداف ونتائج سامية.
وقد أخذوا هذا المبدأ من قوله صلى الله عليه وسلّم: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر". [رواه أحمد 10150، والترمذي1700، وأبو داود 2574، وابن ماجه 2878].
وحيث كانت الرياضة لدى هؤلاء وسيلة لغاية عظمى فهل يمكن أن تشغلهم عن فريضة من الفرائض أو طاعة من الطاعات؟
وحين نعود لعصرنا ونفتح صفحة من حياة بعض شباب الأمة ندرك البون الشاسع بين رياضة هؤلاء وأولئك، فكم يفعل التعلق بالكرة في نفوس أصحابه، إنه يأخذ نفيس أوقاتهم متابعة ومشاهدة، وقراءة للصحف قبل المسابقات وبعدها، وتنازع ونقاش وإحن، وتبدل للعواطف بين رضا وسخط، وتفريغ للحماس فيما لا فائدة منه، ناهيك عن إضاعة الصلوات والتنازع والتشاجر.
وندرك أيضاً حينها سر عناية الأعداء بالترويج لهذه المشاغل لدى الشباب لصرفهم عن القضايا الكبار العظام فما أجدر شباب الأمة أن يعودوا لدراسة سير سلفهم الصالح، وفرطهم المبارك.

 للأعلى


احتمال الشدائد في سبيل الله

الابتلاء في الدين:
لقد كان لشباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم نصيب وافر من الشدائد والمحن التي أصابت المسلمين في ذاك الوقت، وهي سنة الله سبحانه وتعالى في المؤمنين: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). [العنكبوت: 2- 3].
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ). [البقرة: 214].
وقد أصاب المسلمين في مكة من الشدائد والأهوال ما أصابهم مما عبر عنه عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - إذ يقول: "قد فعلنا - القتال - على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذ كان الإسلام قليلا فكان الرجل يفتن في دينه إما يقتلونه وإما يوثقونه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة". [رواه البخاري 4650].
وسأل سعيد بن جبير ابن عباس - رضي الله عنهما -: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: "نعم، والله إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا: اللات والعزى إلهان من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداءً منهم بما يبلغون من جهدهم". [رواه ابن إسحاق، وصححه الحافظ في الإصابة والذهبي في السير].
ولقد ضرب شبان الصحابة - رضوان الله عليهم - أروع الأمثلة في الثبات على البلاء وتحمل الشدائد في سبيل الله فها هو سعيد بن زيد - رضي الله عنه - يقول: "والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر، ولو أن أحدا ارفض للذي صنعتم بعثمان لكان". [رواه البخاري 3862].
وها هو شاب آخر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم وهو خباب بن الأرت - رضي الله عنه - يبلغ به الأذى والشدة كل مبلغ فيأتي للنبي صلى الله عليه وسلّم شاكياً له ما أصابه فيقول - رضي الله عنه -: أتيت النبي صلى الله عليه وسلّم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة - وقد لقينا من المشركين شدة - فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد مادون عظامه من لحم أوعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله". [رواه البخاري 3852].
وتبقى آثار البلاء على جسده - رضي الله عنه - إلى حين، إذ يقدم على عمر _رضي الله عنه_ فيقول له: "ادن فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار"، فجعل خباب يريه آثاراً بظهره مما عذبه المشركون. [رواه ابن ماجه 153، وانظر: صحيح ابن ماجه 124].
ولهذا حين رجع علي - رضي الله عنه - من صفين ومر بقبره لم يسعه إلا يقول: "رحم الله خباباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلي في جسمه أحوالاً، ولن يضيع الله أجره". [رواه الطبراني كما في الإصابة 2/ 221].

الغربة في سبيل الله:
وهاهم طائفة من شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم يدعوهم حبهم لدين الله إلى أن يختاروا الغربة عن بلادهم وأوطانهم على الفتنة، فيرحل طائفة منهم ويهاجرون إلى الحبشة، إلى بلاد لا يعرفون لسان أهلها، وليس لهم فيها أنيس أو جليس.
إن من تبلغ قيمة الدين لديه هذا القدر، ومن يضحي فيه هذه التضحية لرجل بلغ الغاية في الصدق والإيمان.
لذا كان ممن هاجر إلى الحبشة من شبان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم الزبير بن العوام، وعثمان بن مظعون، وأخوه قدامة، وأخوه عبد الله، وطليب بن عمير بن وهب، وشماس بن عثمان، والسائب بن عثمان، ومحمد بن حاطب، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وعبد الله بن مخرمة، ومعتب بن عوف، وسعد بن خولة، وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم جميعاً - . [انظر: سيرة ابن هشام 1/ 349- 357].
وقد كان عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - يؤذيه في إسلامه ابنُ عمه أمية بن خلف، فقال في ذلك:

أتيم بني عمرو للذي جاء بغضه *** ومن دونه الشرمان والبرك أكتع
أأخرجتني من بطن مكة آمناً ***  وأسكنتني في صرح بيضاء تقذع
تريش نبالاً لا يواتيك ريشها *** وتبري نبالاً ريشها لك أجمع
وحاربت أقواماً كراماً أعزة *** وأهلكت أقواما بهم كنت تفزع
ستعلم إن نابتك يوماً ملمة *** وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع.

[انظر: سيرة ابن هشام 1/ 359].

الجوع والفقر:
لقد كان طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم يعيشون في الصفة ويعانون فيها ما يعانون من الفقر والجوع.
والصفة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "الصفة كانت في مؤخرة مسجد النبي صلى الله عليه وسلّم في شمالي المسجد بالمدينة النبوية". [الفتاوى 11/ 38].
والسبب في ذلك هو تحويل القبلة كما قال الذهبي - رحمه الله -: "إن القبلة قبل أن تتحول كانت في شمال المسجد، فلما حولت القبلة بقي حائط القبلة الأولى مكاناً لأهل الصفة". [انظر: في الحديث عن الصفة كتاب: أهل الصفة بعيداً عن الوهم والخيال لصالح بن أحمد الشامي].
وقد كان بين أصحاب الصفة بعض الشباب منهم أسماء بن حارثة - رضي الله عنه -.
وتصور لنا مرويات السيرة تلك المعاناة التي كان يعانيها أصحاب الصفة - رضوان الله عليهم - ، فها هو عريف أهل الصفة يصور لنا في هذه الرواية المعاناة التي كانوا يلاقونها فيقول: أالله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلّم فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثم قال: "يا أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "الحق" ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبناً في قدح، فقال: "من أين هذا اللبن؟" قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: "أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي"، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلّم بد، فأتيتهم فدعوتهم.... الحديث. [رواه البخاري 6452].
ومن ذلك ما رواه مسلم عن خالد بن عمير العدوي قال خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً، لا يدرك لها قعراً، والله لتملأن أفعجبتم؟ ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك - هو سعد بن أبي وقاص - فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً، وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكاً فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا". [رواه مسلم 2967].
ولم يكن الجوع وحده هو الشدة التي يعاني منها أصحاب الصفة - رضوان الله عليهم - ، فقد كانت مسقفة بجريد النخل فكيف تكون حالها عند الأمطار؟
لنستمع لذلك في هذه الرواية عن أبي سلمة قال: سألت أبا سعيد - وكان لي صديقاً - فقال: اعتكفنا مع النبي صلى الله عليه وسلّم العشر الأوسط من رمضان، فخرج صبيحة عشرين فخطبنا وقال: "إني أريت ليلة القدر ثم أنسيتها - أو نسيتها - فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فليرجع" فرجعنا وما نرى في السماء قزعة، فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد - وكان من جريد النخل - وأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته. [رواه البخاري2016، ومسلم 1167].
وفي الشتاء القارس كيف يبيت هؤلاء؟ ولك أن تتصور الفرش الوثيرة التي يملكونها - رضوان الله عليهم -.
وحين يشتد الحر فما الذي يقيهم من لهب الظهيرة وسمومها؟ لعلك أن تستغني عن أجهزة التكييف يوماً واحداً لتعرف الإجابة.
لقد كان بإمكان الكثير من أولئك أن يبقوا في أهلهم وأموالهم، وينعموا بالراحة والرفاهة، لكنهم اختاروا ذلك حباً لله ورسوله صلى الله عليه وسلّم.

من شدائد الجهاد:
إن الجهاد بحد ذاته مشقة وكلفة، أما جهاد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم فكان يجمع مع ذلك قلة ذات اليد فها هي إحدى صور جهاد أحد شباب النبي صلى الله عليه وسلّم وهو جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - يقول فيها:
سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في غزوة بطن بواط وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني، وكان الناضح يعقبه منا الخمسة والستة والسبعة... [رواه مسلم 3014].
ويحكي لنا جابر - رضي الله عنه - معاناة أخرى فعنه - رضي الله عنه - أنه قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعثاً قبل الساحل فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاث مائة وأنا فيهم، فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر فكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ثم أمر براحلة فرحلت ثم مرت تحتهما فلم تصبهما". [رواه البخاري 2483، ومسلم 1935].
وفي غزوة الخندق حين اجتمعت طوائف الأحزاب على المدينة وقرر النبي صلى الله عليه وسلّم حفر الخندق حول المدينة هب أصحابه - رضوان الله عليهم - للعمل دون كلال ولا ملال، ولاشك أن من هؤلاء الشباب - رضوان الله عليهم - ، ومن بينهم سهل بن سعد - رضي الله عنه - فقد قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا. [الكتد: مجمع الكتفين، وهو الكاهل. النهاية 3/ 149].
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار". [رواه البخاري 4098، ومسلم 1804].
ومنهم جابر - رضي الله عنه - فقد قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلّم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: "أنا نازل"، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلّم المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل أو أهيم. [رواه البخاري 4101، ومسلم 2039].
ومنهم البراء بن عازب - رضي الله عنه - فيقول: "لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلّم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه". [رواه البخاري 4106، ومسلم 1803].
ويتساءل الشاب اليوم وهو يقرأ سير هؤلاء الأفذاذ وما واجهوه من شدائد: إنها مواقف رائعة وعظيمة، لكنها ربما لا يستفيد منها إلا من واجه الشدائد فيقتبس منها زاداً يعينه على الصبر والتحمل، فما بال من لم تصبه الشدائد؟
نعم إن في هذه المواقف عبرةً ودافعاً لمواجهة الصعاب والشدائد، لكن أولئك الذين لم يواجهوا شيئاً منها لن يعدموا دروساً مهمة في حياتهم.
إن هذا الصبر والتحمل من هؤلاء لشدائد الجوع والفقر، والخوف، والحر والبرد....، إنه ليعكس قيمة الدين العظيمة لدى هؤلاء وعظم مكانته في نفوسهم، حتى ضحوا من أجله بالراحة، والمال والولد وتحملوا أصناف الشدائد.
فهل يا ترى يبلغ الدين في نفوسنا هذه المنزلة؟ وهل يصل إلى هذه المكانة؟
إن فئاماً من المسلمين اليوم يبدون الاستعداد للبذل للدين والمساهمة، لكن حين يشعرون أنه سيترتب على ذلك فوات بعض مصالحهم، أو نزول ضرر وتحمل شدة تتغير الموازين ويتراجع هؤلاء ويلتمسون الأعذار.

 للأعلى


ثناء القرآن عليهم

حيث كان أولئك الشبان في عصر التنزيل، وكان القرآن ينزل في كل مناسبة وحدث فقد كان لهؤلاء نصيب من ثناء القرآن، وثناء القرآن على هؤلاء منه ما كان عاماً لهم ولغيرهم، ومنه ما كان خاصاً ببعض آحادهم.

فمن النوع الأول:
هناك آيات كثيرة أثنت على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أو على طائفة منهم، وهم داخلون في ذلك، ومنها:
أ- قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى). [الحديد: 10] وفيهم كثير ممن أنفق من قبل الفتح وقاتل.
ب- قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً). [الفتح: 18] وفي شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم من بايع تحت الشجرة.
ج- قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). [التوبة: 100] وقوله (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً). [الأنفال: 74] والآيات في هذا النوع كثيرة في كتاب الله.

والنوع الثاني: ما نزل في بعضهم خاصة إما ثناءً، أو تصديقاً. ومن ذلك:
1- قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). [العنكبوت: 8]. نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -
فعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه - رضي الله عنه - أنه نزلت فيه آيات من القرآن، قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله عز وجل من القرآن هذه الآية ((وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ...).... الحديث. [رواه مسلم 1748].
وأما بقية الآيات فقد كانت حين جاوز سعد - رضي الله عنه - المرحلة التي نتحدث عنها.
إنها صورة من الثبات والصبر حيث تمارس أمه هذا الأسلوب من الضغط والذي تعلم أنه سيؤثر عليه ويصرفه، لكنه - رضي الله عنه - يرفض الاستجابة لهذه الضغوط، وهو يواجهها من داخل بيته ومن أقرب الناس لديه، ويصر على تمسكه بدينه وإيمانه بالله سبحانه وتعالى، ومتى كان ذلك؟ كان وسعد - رضي الله عنه - دون العشرين من عمره، والأمر لا يزال في بداية الإسلام.
2- قوله تعالى: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ... ). الآيات [المنافقون: 1] نزلت تصديقاً لزيد بن أرقم - رضي الله عنه -.
فعنه - رضي الله عنه - قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لاتنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعزّ منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي أو لعمر فذكره للنبي صلى الله عليه وسلّم فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلّم وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومقتك، فأنزل تعالى: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ). فبعث إلي النبي صلى الله عليه وسلّم فقرأ، فقال: إن الله قد صدقك يا زيد". [رواه البخاري 4900، ومسلم 2772].
وقد عد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم هذه المقولة منه صلى الله عليه وسلّم شهادة ثناء وتزكية له وأعظم بها من ثناء، فقد قال أنس بن مالك - رضي الله عنه - عنه حين حفظ مالم يحفظه أنس هو الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "هذا الذي أوفى الله له بأذنه". [رواه البخاري 4906].
3- قوله تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). [الأنعام: 52] نزلت هذه الآية في طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم منهم سعد بن أبي وقاص وابن مسعود - رضي الله عنهما - وكانا من الشباب.
يحدث بذلك سعد - رضي الله عنه - إذ يقول: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلّم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلّم اطرد هؤلاء لايجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست أسميهما فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)". [رواه مسلم 2413].
وكم في هذه الآية الكريمة من منقبة لهؤلاء؟ شهادة من الله سبحانه وتعالى لهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي، وشهادة لهم بأنهم مخلصون يريدون وجهه، وأمر له صلى الله عليه وسلّم بلزومهم ومجالستهم.
4- قوله تعالى (فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ). [آل عمران: 174].
فعن هشام عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - (الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ). [آل عمران: 172]. قالت لعروة: يا ابن أخي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما أصاب يوم أحد، وانصرف المشركون خاف أن يرجعوا، قال: ومن يذهب في إثرهم؟" فانتدب منهم سبعون رجلاً قال: كان فيهم أبو بكر والزبير". [رواه البخاري 4077، ومسلم 2418].
5- قوله تعالى: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً* فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً). [النساء: 98- 99] ممن نزلت فيه ابن عباس.
فعن ابن أبي مليكة أن ابن عباس - رضي الله عنهما – تلا: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ) قال: "كنت أنا وأمي ممن عذر الله". [رواه البخاري 4588].
6- (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ). [الحج: 19] عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: "أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي، وحمزة، وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة". [رواه البخاري 4744].

 للأعلى


التوبة

إن المرء مهما بلغ من الإيمان والصلاح والتقوى فإن ذلك لن ينقله أبداً إلى درجة العصمة وعدم مواقعة الذنوب، كما أخبر صلى الله عليه وسلّم عن هذا المعنى بقوله: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم". [رواه مسلم 2749].
وحين حضرت أبا أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - الوفاة قال: كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلّم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون يغفر لهم". [رواه مسلم 2748].
لذا فقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم وهم القدوة في الإيمان والتقوى والصلاح، كانوا كما بلغوا الغاية في التوقِّي من الذنوب واجتنابها، من التوابين المطهرين وهم أسعد الناس بقوله تعالى (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ). [التوبة: 222] فمع بعض مواقفهم في المبادرة للتوبة مما قد يواقعون:
1 - يروي عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإن كانت له توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: من القوم؟ قال فقلنا: نحن الفرارون، قال: "لا بل أنتم العكارون، أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين" قال: فأتيناه حتى قبلنا يده. [رواه أحمد 5383].
2 - وعن خالد بن اللجلاج أن اللجلاج أباه أخبره أنه كان قاعداً يعتمل في السوق، فمرت امرأة تحمل صبياً فثار الناس معها وثرت فيمن ثار، فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو يقول: "من أبو هذا معك؟" فسكتت، فقال شاب حذوها: أنا أبوه يا رسول الله، فأقبل عليها فقال: "من أبو هذا معك؟" قال الفتى: أنا أبوه يا رسول الله، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى بعض من حوله يسألهم عنه فقالوا: ما علمنا إلا خيراً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم: "أحصنت؟" قال: نعم، فأمر به فرجم، قال: فخرجنا به فحفرنا له حتى أمكنا، ثم رميناه بالحجارة حتى هدأ، فجاء رجل يسأل عن المرجوم، فانطلقنا به إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فقلنا: هذا جاء يسأل عن الخبيث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لهو أطيب عند الله من ريح المسك" فإذا هو أبوه، فأعناه على غسله وتكفينه ودفنه، وما أدري قال: والصلاة عليه أم لا. [رواه أحمد 15940، وأبو داود 4435].
3 - وأسامة بن زيد - رضي الله عنهما - يدرك خطورة ما أتاه ويستعظم ذنبه حين قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلّم ، وأغلظ عليه، ها هو يقول - رضي الله عنه -: "حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم". [رواه البخاري 4269، ومسلم 96].
إنه - رضي الله عنهما - لم يكن ليندم أن بادر بالإسلام، أو أن أدرك تلك المواقف وشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلّم ، لكنه شعر بمرارة الذنب وثقل الخطيئة، فتمنى أن لم يفعلها ولو كان البديل لذلك أن يكون أسلم اليوم.
إن إدراك عظم الذنب واستشناعه دليل على صدق الإيمان والخوف من الله تبارك وتعالى، وهو خطوة مهمة للتوبة والإقلاع، وحين يستهين المرء بالذنب ويحتقره فهذا عنوان موت قلبه عافنا الله من ذلك.

 للأعلى


الزواج المبكر

لقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الشباب وصية جامعة كما رواها ابن مسعود - رضي الله عنه - في قوله: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلّم شباباً لا نجد شيئاً فقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". [رواه البخاري 5066، ومسلم 1400].
ولهذا بادر هؤلاء الشباب - رضوان الله عليهم - ، مع ضيق حالهم لتنفيذ وصية النبي صلى الله عليه وسلّم فحفظت لنا كتب السير نماذج من مبادرة هؤلاء في الزواج فمن ذلك:
عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - وقصته مشهورة في تزويج أبيه له امرأة من قريش. [رواه البخاري 5052].
ومنهم أبو أسيد الساعدي - رضي الله عنه - ، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلّم في زواجه كما سبق.
ومنهم جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام - رضي الله عنهما - وقصته مشهورة، قال: تزوجت امرأة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فلقيت النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: "يا جابر تزوجت؟" قلت: نعم، قال: "بكر أم ثيب؟" قلت: ثيب، قال: "فهلا بكراً تلاعبها؟" قلت: يا رسول الله إن لي أخوات فخشيت أن تدخل بيني وبينهن، قال: "فذاك إذن، إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك". [رواه البخاري 5247، ومسلم 715 واللفظ له].
ومنهم أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - ، كما في قصة فاطمة بنت قيس - رضي الله عنها - أن زوجها طلقها ثلاثاً فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلّم سكناً ولا نفقة، قالت، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إذا حللت فآذنيني" فآذنته، فخطبها معاوية، وأبو جهم، وأسامة بن زيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أما معاوية فرجل ترب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، ولكن أسامة بن زيد" فقالت بيدها هكذا: أسامة أسامة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "طاعة الله وطاعة رسوله خير لك" قالت: فتزوجته فاغتبطت. [رواه مسلم 1480].
ومنهم أيضاً عمر بن أبي سلمة الذي ولد قبل الهجرة بسنتين تزوج في حياة النبي صلى الله عليه وسلّم وقد احتلم، فسأل عن القبلة للصائم. [سير أعلام النبلاء 3/ 407 وسؤاله عن القبلة في مسلم 1108].
ومنهم أيضاً عبد الله بن أبي حدرد فقد حدث عن نفسه أنه تزوج امرأة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم يستعينه في صداقها، فقال: "كم أصدقت؟" قال قلت: مائتي درهم، ثم أرسله صلى الله عليه وسلّم في سرية فأصاب منها. [رواه أحمد 23939].
ومنهم أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري فقد أثبت أهل السير لولده يزيد الصحبة.

 للأعلى


حسن الخلق

لقد كان أولئك الشباب مع منزلتهم العالية لدى النبي صلى الله عليه وسلّم يتمتعون بخلق عال ورفيع، ولا غرو فهم تلامذة معلم البشرية الأول صلى الله عليه وسلّم أحسن الناس خلقاً، وألطفهم سريرة وقد تعلموا منه صلى الله عليه وسلّم أن خيار الناس أحاسنهم أخلاقاً.
ولهم أسوة حسنة في النبي صلى الله عليه وسلّم إذ يصفه أحد الشباب من أصحابه وهو عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - فيقول: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فاحشاً ولا متفحشاً، وإنه كان يقول: "إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً". [رواه البخاري 6035، ومسلم 2321].
وقد أعلى صلى الله عليه وسلّم منزلة حسن الخلق إذ سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: "تقوى الله وحسن الخلق" وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: "الفم والفرج". [رواه وأحمد 9120، والترمذي 2004، وابن ماجه 4246].
وفي ظل ذاك الوسط الذي كان يعطيهم من الرعاية والعناية الشيء الكثير لم يكن ذلك ليفقدهم الوقار وحسن الخلق، ولم يكن ليوجد لديهم الكبر والجرأة على الأكابر، فمع نماذج من حسن خلقهم - رضوان الله عليهم -:

الحياء:
فها هو ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء، لا يسقط ورقها ولا يتحات" فقال القوم: هي شجرة كذا، هي شجرة كذا، فأردت أن أقول: هي النخلة وأنا غلام شاب فاستحييت، فقال: "هي النخلة" وفي رواية: فحدثت به عمر فقال: لو كنت قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا. [رواه البخاري 6122، ومسلم 2811].
ومثله سمرة بن جندب - رضي الله عنه - فها هو يمنعه الحياء أن يسبق أصحابه بالتحديث فقال: "لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم غلاماً فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسن مني، وقد صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلّم على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الصلاة وسطها". [رواه مسلم 964، وهو في البخاري 332 دون موضع الشاهد].
واليوم نرى أحدنا حين يعلم في مسألة ما لم يعلمه غيره يبادر إلى الحديث في المجالس، ولو كان غيره سيكفيه، إنها صورة من الرياء عافنا الله تبارك وتعالى منه.
والحياء شعبة من شعب الإيمان، وهو خير كله، وحين يتحلى به الشاب يتسم بالوقار وهدوء الشخصية والاتزان، ويحمله على أن يدع ما يعاب عليه، ويأتي ما يمتدح به.
وأولى ما يتخلق به الشاب من الحياء أن يستحي من ربه تبارك وتعالى أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره.

حفظ السر:
لقد كان صلى الله عليه وسلّم يثق في شباب أصحابه، ويستأمنهم على أمور خاصة، وقد كانوا - رضوان الله عليهم - على مستوى المسئولية في ذلك.
وتبقى تلك الأسرار إلى يومنا هذا قد ماتت مع موت أصحابها، وربما كان البعض منها مهمة إجرائية تتطلب الإسرار في وقتها، لكن البحث في حقيقة هذه الأسرار أمرٌ لا طائل وراءه، فلتبق هذه النصوص خير شاهد على حفظ أولئك للسر وعنايتهم به.
عن أنس - رضي الله عنه - قال أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنا ألعب مع الغلمان، قال فسلم علينا فبعثني إلى حاجة، فأبطأت على أمي فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلّم لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تحدثن بسر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أحداً، قال أنس: والله لو حدثت به أحداً لحدثتك يا ثابت". [رواه مسلم 2482].
وفي رواية "أسر إلي نبي الله صلى الله عليه وسلّم سراً فما أخبرت به أحداً، ولقد سألتني عنه أم سليم فما أخبرتها به". [رواه البخاري 6289، ومسلم 2482].
وحفظ السر ليس خلقاً خاصاً بأنس - رضي الله عنه - فهذا عبد الله بن جعفر - رضي الله عنهما - يقول: "أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات يوم خلفه فأسر إلي حديثاً لا أحدث به أحدا من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلّم لحاجته هدف أو حائش نخل ". [رواه مسلم 342].
وقد يحلو للبعض أن يتحدث عن بعض الأمور أو المهمات الخاصة التي تربطه ببعض الأكابر، ويصحب هذا الحديث رغبة في التعالي والارتفاع، وربما كان حديثاً فيما لا فائدة فيه، وربما انتهز الفرصة للحديث عن موقف، أو الاستشهاد بشاهد لا لشيء إلا ليذكر صلته ببعض الأكابر، وهو خلق علاوة على ما فيه من إضاعة للسر، يعكس إعجاباً بالنفس، وتشبعاً للمرء بما لم يعط، أما شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم فلهم شأن آخر.

خدمة القوم:
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "أنفجنا أرنباً بمر الظهران فسعوا عليها، حتى غلبوا، فسعيت عليها حتى أخذتها، فجئت بها إلى أبي طلحة، فبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلّم بوركيها أو فخذيها فقبله". [رواه البخاري 5489، ومسلم 1953].
وفي رواية: "كنت غلاماً حزوراً فصدت أرنباً، فشويتها فبعث معي أبو طلحة بعجزها إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فأتيته بها فقبلها". [رواه أبو داود 3791].
وحين كان النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه محرمين لا يحل لهم الصيد صاد لهم أحد الشباب حماراً فأطعمهم إياه، وأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فلنستمع إلى قصته:
فعن أبي قتادة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم خرج حاجاً فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة، فقال: "خذوا ساحل البحر حتى نلتقي"، فأخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتاناً فنزلوا فأكلوا من لحمها، وقالوا أنأكل لحم صيد ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحم الأتان فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم قالوا: يا رسول الله إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: "أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟" قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمها". [رواه البخاري 1824، ومسلم 1196].
وهكذا نرى أنه في ميادين السفر والجهاد يهب الشبان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم للخدمة والقيام بحقوق إخوانهم فمع موقف آخر لأحدهم هو جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - إذ يقول:
سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى إذا كانت عشية ودنونا ماءً من مياه العرب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من رجل يتقدمنا فيمدر الحوض فيشرب ويسقينا؟" قال جابر: فقمت فقلت: هذا رجل يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أي رجل مع جابر؟"، فقام جبار بن صخر، فانطلقنا إلى البئر فنزعنا في الحوض سجلاً أو سجلين، ثم مدرناه ثم نزعنا فيه حتى أفهقناه. [الفهق: الامتلاء والاتساع. النهاية 3/ 483]. فكان أول طالع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "أتأذنان؟" قلنا نعم يا رسول الله، فأشرع ناقته فشربت شنق لها فشجت فبالت، ثم عدل بها فأناخها، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى الحوض فتوضأ منه. [رواه مسلم 3014].
إن خدمة الرفاق والقيام بشأنهم خلق رفيع وأدب جميل، والشرع قد جاء بالثناء على محاسن الأخلاق وذم مساوئها.
بل قد جاء بالثناء على هذا الخلق بالذات يرويه لنا أحد الشباب من الصحابة هو أنس - رضي الله عنه - فيقول: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلّم ، أكثرنا ظلاً الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئاً، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر". [رواه البخاري 2890، ومسلم 1119].

الكرم والسخاء:
إن هذه الأمة لها نسب وصلة بإبراهيم عليه السلام، وقد قص الله تبارك وتعالى علينا في القرآن في أكثر من موضع قصته مع أضيافه وإكرامه لهم حين نحر لهم عجلاً حنيذاً.
ويحدثنا أحد الشباب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم عن منزلة الكرم من الإسلام فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". [رواه البخاري 28، ومسلم 39].
ويربط صلى الله عليه وسلّم الكرم وأداء حق الضيف بالإيمان بالله واليوم الآخر، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". [رواه البخاري 6018، ومسلم 47].
 ووصف عرابة بن أوس - رضي الله عنه - أنه كان كريماً جواداً، كان يقاس في الجود بعبد الله بن جعفر وبقيس بن عبادة. [أسد الغابة 4/ 18].
ومضى في الإنفاق في سبيل الله خبر جابر بن عبد الهن - رضي الله عنهما - في إضافته لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابه يوم الخندق.

الإحسان للناس:
إن البعض ممن يحسن خلقه قد يرجو من الناس ثمناً مقابل ما يقدم، أو تدفعه المجاملة للناس إلى مثل هذه المواقف، أما أصحاب الخلق الصادق، الصادر من قلوبهم، الذين يدركون عظم منزلة الخلق الحسن عند الله سبحانه وتعالى فلهم شأن آخر.
فيمتد الخلق الحسن عندهم في التعامل مع الناس إلى ما بعد مماتهم، فقد قدم شخص ليصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلّم فحين سأل عنه قيل إن عليه ديناً، فرق له أحد شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم وهو أبو قتادة - رضي الله عنه - ، فعن عبد الله بن أبي قتادة يحدث عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلّم أتي برجل ليصلي عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "صلوا على صاحبكم فإن عليه ديناً"، قال أبو قتادة: هو علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "بالوفاء؟" قال: بالوفاء، فصلى. [رواه الترمذي 1069، والنسائي 1960، وابن ماجه 2407].
وليس بغريب هذا الخلق على أبي قتادة - رضي الله عنه - وهو الذي ينظر المعسر ممن عليه له دين فعن عبد الله بن أبي قتادة أن أبا قتادة طلب غريماً له فتوارى عنه، ثم وجده فقال: إني معسر، فقال: آلله؟ قال: آلله؟ قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه". [رواه مسلم 1563].

كظم الغيظ:
لقد أثنى الله سبحانه وتعالى على طائفة من عبادة، ووصفهم بصفة من مكارم الأخلاق هي كظم الغيظ فقال (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). [آل عمران: 133 - 134].
وحين تقرأ سير القوم فلن تعدم من أولئك الشباب من يتحلى بهذه الخصلة.
قال سعيد بن عبد العزيز: "فَضَلَ شداد بن أوس الأنصار بخصلتين: ببيان إذا نطق، وبكظم إذا غضب". [سير أعلام النبلاء 2/ 464].
إن الناس في هذه الحياة المليئة بالمواقف المتلاطمة، والأهداف المتناقضة لا يعدم أحدهم أن يواجهه موقف يثير حميته ويستثير غضبه، ومن هنا كانت الشجاعة الحقة، وكان الرجل الشديد حقاً هو الذي يملك نفسه عند الغضب، لذا نبه صلى الله عليه وسلّم على هذا المعنى فقال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". [رواه البخاري 6114، ومسلم 2609].
ويصوره في الحديث الآخر تصويراً أكثر تفصيلاً فيقول: "تدرون ما الرقوب؟" قالوا: الذي لا ولد له، فقال: "الرقوب كل الرقوب، الرقوب كل الرقوب، الرقوب كل الرقوب الذي له ولد فمات ولم يقدم منهم شيئاً" قال: "تدرون ما الصعلوك؟" قالوا: الذي ليس له مال قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "الصعلوك كل الصعلوك، الصعلوك كل الصعلوك، الذي له مال فمات ولم يقدم منه شيئاً" قال: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "ما الصرعة؟" قالوا: الصريع قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "الصرعة كل الصرعة، الصرعة كل الصرعة: الرجل يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر شعره فيصرع غضبه". [رواه أحمد 23178].
يستطيع المرء أن يعلو صوته، ويشتد وعيده، ويرهب من حوله سورةَ غضبه، لكن يجب أن يعلم أن الانتصار الحقيقي، والشجاعة الحقة في كظم الغيظ، وهو سلوك يحتاج إلى أن تروض النفوس وتربى عليه، ولن يمكن غرسه في النفوس بمجرد الأمر والتوجيه.
إن الشاب الحريص على تربية نفسه لابد أن يعنى بتعويدها على هذه الآداب، وأخذها بهذه السجايا، فحين يتقدم به العمر تتحول إلى جزء من حياته يصعب اقتلاعها بعد ذلك.

القناعة وعفة النفس:
ويضرب شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم المثل في القناعة وعفة النفس مع عظم الحاجة والفاقة التي كانوا عليها، فلنستمع من أحدهم - رضي الله عنه - إلى أحد مواقفه:
عن هلال بن حصن قال: نزلت على أبي سعيد الخدري فضمني وإياه المجلس، قال: فحدث أنه أصبح ذات يوم وقد عصب على بطنه حجراً من الجوع، فقالت له امرأته أو أمه ائت النبي صلى الله عليه وسلّم فاسأله، فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه وأتاه فلان فسأله فأعطاه، فقال: قلت: حتى ألتمس شيئاً، قال: فالتمست فأتيته، قال حجاج: فلم أجد شيئاً، فأتيته وهو يخطب فأدركت من قوله وهو يقول: "من استعف يعفه الله، ومن استغنى يغنه الله، ومن سألنا إما أن نبذل له وإما أن نواسيه - أبو حمزة الشاك - ومن يستعف عنا أو يستغني أحب إلينا ممن يسألنا" قال فرجعت فما سألته شيئاً، فما زال الله عز وجل يرزقنا حتى ما أعلم في الأنصار أهل بيت أكثر أموالاً منا. [رواه أحمد 11407].

 للأعلى


محبة النبي صلى الله عليه وسلم وخدمته

إن محبة النبي صلى الله عليه وسلّم منزلة عالية من منازل الإيمان بل إن المرء لن يذوق حلاوة الإيمان ولذته حتى يحقق هذا الأمر، بل حتى يكون للنبي صلى الله عليه وسلّم في قلبه من المحبة ماليس لغيره من البشر، كما يروي ذلك أحد الشباب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم عنه وهو أنس - رضي الله عنه - " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". [رواه البخاري 16، ومسلم 43].
وحيث كان رضي الله عنه راوي هذا الحديث فقد كان أولى الناس بالعمل به، فيحكي - رضي الله عنه - عن منزلة النبي صلى الله عليه وسلّم لديه فيقول"قل ليلة تأتي علي إلا وأنا أرى فيها خليلي عليه السلام" وأنس يقول ذلك وتدمع عيناه. [رواه أحمد 3/ 216 بإسناد ثلاثي].
ولم تكن هذه المحبة للنبي صلى الله عليه وسلّم قاصرة على مشاعر جياشة، بل كانت تترك أثرها في سلوكهم وحياتهم، فكانوا من أحرص الناس على اتباعه صلى الله عليه وسلّم ، ومن صور عنايتهم باتباعه صلى الله عليه وسلّم:
1- ما حكاه ابن عمر - رضي الله عنهما - عن نفسه في قوله: "ما أتيت على الركن، منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يمسحه في شدة ولا رخاء إلا مسحته". [رواه أحمد 4985].
2- وكان - رضي الله عنه - يكره الاشتراط في الحج ويقول: "أما حسبكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلّم أنه لم يشترط". [رواه أحمد 4880].
3- وعن نافع رحمه الله عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لو تركنا هذا الباب للنساء" قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. [رواه ابن سعد، وانظر: سير أعلام النبلاء 3/ 213].
4- وحين روى حديث النبي صلى الله عليه وسلّم في الوصية: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" قال عبد الله بن عمر: "ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال ذلك إلا وعندي وصيتي". [رواه مسلم 127، وهو عند البخاري دون موضع الشاهد].
5- ما يحكيه حذيفة - رضي الله عنه - عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - إذ يقول: "إن أشبه دلاً وسمتاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلّم لابن أم عبد حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا". [رواه البخاري 6097].
وفي رواية للترمذي "ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم أن ابن أم عبد هو من أقربهم إلى الله زلفى". [رواه الترمذي 3807].
6- وها هو أحدهم - رضي الله عنه - لا يدع سنة حفظها عن النبي صلى الله عليه وسلّم فعن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" قال: فكان زيد يروح إلى المسجد وسواكه على أذنه بموضع قلم الكاتب ما تقام صلاة إلا استاك قبل أن يصلي. [رواه أحمد 21741، وأبو داود 47، والترمذي 23].
7- ويحدثنا أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن خياطاً دعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لطعام صنعه، قال أنس بن مالك: "فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى ذلك الطعام فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم خبزاً ومرقاً فيه دباء وقديد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلّم يتتبع الدباء من حوالي القصعة قال فلم أزل أحب الدباء من يومئذ". [رواه البخاري 2092، ومسلم 2041].
ويتكرر الموقف نفسه مع شاب آخر هو جابر بن عبدلله - رضي الله عنهما - فحين سمع النبي صلى الله عليه وسلّم يقول عن الخل: "فإن الخل نعم الأدم" قال جابر فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله صلى الله عليه وسلّم. [رواه مسلم 2052].
فإذا كانت هذه حالهم مع أمور الطعام والشراب، فما سوى ذلك أولى، لاسيما وهم أهل الفقه والعلم.
والحب في الله والبغض في الله أمر له صلته بمحبة النبي صلى الله عليه وسلّم ، بل جمع بينها صلى الله عليه وسلّم في حديث واحد، وحين يحب المرء رسول الله صلى الله عليه وسلّم محبة حقيقية فسيظهر أثر هذا الحب في نظرته للناس، ومن يحب منهم ويبغض، فتتحقق لديه الصفة الثانية "وأن يحب المرء لايحبه إلا لله".
ولذلك حين قال عمر بن الخطاب لسعيد بن العاص - رضي الله عنهما - "لم اقتل أباك وإنما قتلت خالي العاص بن هاشم وما أعتذر عن قتل مشرك" قال له سعيد: "ولو قتلته لكنت على الحق وكان على الباطل". [أسد الغابة 2/ 481].

خدمته صلى الله عليه وسلّم:
عن أنس - رضي الله عنه - قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم المدينة ليس له خادم فأخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إن أنساً غلامٌ كيس فليخدمك، قال فخدمته في السفر والحضر ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لم لم تصنع هذا هكذا؟. [رواه البخاري 2768، ومسلم 2309].
وكان من خدمته - رضي الله عنه - له ما يحكيه في قوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلّم إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء يعني يستنجي به". [رواه البخاري 150، ومسلم 271].
ولهذا قال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: "أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوساد؟". [رواه البخاري تعليقاً في كتاب الطهارة، باب من حمل معه الماء لطهوره].
وها هو ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بيت ميمونة فوضعت له وضوءاً من الليل، فقالت له ميمونة: وضع لك هذا عبد الله بن عباس، فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". [رواه أحمد  3101].
وكان من يخدمه صلى الله عليه وسلّم وهو غلام بكر بن الشداخ الليثي - رضي الله عنه. [الإصابة 1/ 453].
وممن كان يخدمه أيضاً أسماء بن حارثة، وأخوه هند - رضي الله عنهما - كما قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: "ماكنت أرى هنداً وأسماء ابني حارثة إلا خادمين لرسول الله صلى الله عليه وسلّم من طول لزومهما بابه وخدمتهما إياه". [رواه الحاكم، وانظر: الإصابة 1/ 217].
واليوم لم يعد بإمكان أحد القيام بهذا العمل الفاضل، لكن يبقى له محبة النبي صلى الله عليه وسلّم ، واتباع سنته، والدعوة إلى دينه، والذب عنه.

شاب يحمي النبي صلى الله عليه وسلّم:
إن خدمة النبي صلى الله عليه وسلّم لم تكن متوقفة عند هؤلاء الشباب على أمر أو طلب، بل إنهم يبادرون إليها دون تكليف كما فعل أبو قتادة - رضي الله عنه -:
عن أبي قتادة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء الله غداً. فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، قال أبو قتادة: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسير حتى ابهار الليل وأنا إلى جنبه قال: فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلّم فمال عن راحلته، فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته، قال: ثم سار حتى تهور الليل مال عن راحلته، قال: فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته، قال: ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الميلتين الأوليين حتى كاد ينجفل، فأتيته فدعمته فرفع رأسه فقال: من هذا؟! قلت: أبو قتادة، قال: متى كان هذا مسيرك مني؟ قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة، قال: حفظك الله بما حفظت به نبيه. ثم قال: هل ترانا نخفى على الناس؟! ثم قال: هل ترى من أحد؟! قلت: هذا راكب، ثم قلت: هذا راكب آخر، حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب، قال: فمال رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن الطريق، فوضع رأسه، ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا. فكان أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلّم والشمس في ظهره، قال: فقمنا فزعين، ثم قال: اركبوا. فركبنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء قال: فتوضأ منها وضوءاً دون وضوء، قال: وبقي فيها شيء من ماء، ثم قال لأبي قتادة: احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ. ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم، قال: وركب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وركبنا معه، قال: فجعل بعضنا يهمس إلى بعض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثم قال: أما لكم في أسوة؟! ثم قال: أما إنه ليس في النوم تفريط؛ إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها. ثم قال: ما ترون الناس صنعوا؟! قال: ثم قال: أصبح الناس فقدوا نبيهم، فقال أبو بكر وعمر: رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعدكم لم يكن ليخلفكم، وقال الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بين أيديكم، فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا. قال: فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار وحمي كل شيء، وهم يقولون: يا رسول الله، هلكنا، عطشنا، فقال: لا هلك عليكم. ثم قال: أطلقوا لي غمري. قال: ودعا بالميضأة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصب وأبو قتادة يسقيهم فلم يعد أن رأى الناس ماءاً في الميضأة تكابوا عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أحسنوا الملأ، كلكم سيروى" قال: ففعلوا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصب وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال ثم صب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال لي: اشرب. فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله، قال: إن ساقي القوم آخرهم شرباً. قال: فشربت وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قال: فأتى الناس الماء جامين رواء، قال: فقال عبد الله بن رباح: إني لأحدث هذا الحديث في مسجد الجامع إذ قال عمران بن حصين: انظر أيها الفتى كيف تحدث فإني أحد الركب تلك الليلة قال: قلت فأنت أعلم بالحديث، فقال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار، قال: حدث فأنتم أعلم بحديثكم قال: فحدثت القوم، فقال عمران: لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحداً حفظه كما حفظته. [رواه مسلم 681].

 للأعلى


الخاتمة  

وبعد هذه الجولة مع سير شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أشعر أن هناك أمراً لابد من الانتباه له، ومدخلاً لابد من الحذر منه، إذ قد يدفع الشيطان بعض الشباب بعد قراءة هذه النماذج والاطلاع عليها إلى الإعجاب بالنفس، والشعور بأنه قادر على أن يصل إلى ماوصل إليه السابقون.
وهناك فرق دقيق بين ثقة الإنسان بنفسه وتطلعه إلى المراتب العالية، وبين الإعجاب بالنفس والظن بها أنها بلغت مبلغ الأكابر.
إذ الثقة بالنفس تدفع الإنسان للعمل، وتقضي على هاجس الخوف من الفشل الذي سيطر على كثير من المسلمين اليوم فقعد بهم عن القيام بالأعمال الخيرة، ففوتوا على أنفسهم الفرص ومواطن الخير.
وقد أثنى الله تبارك وتعالى على طائفة من عباده بأنهم يسارعون ويسابقون بالخيرات، ولاشك أن مجالات الدعوة وتقديم الخير للناس مما ينبغي أن يتنافس ويتسابق فيه، وهاهم سلف الأمة مع مقتهم لأنفسهم كانوا سباقين في الخير ونصرة الدين والجهاد في سبيل الله.
ثم مع ذلك ينبغي للمرء أن ينظر إلى تقصيره وتفريطه وإهماله، وينبغي أن يكون على خوف ووجل، وألا يأمن العقوبة والزيغ.
ولهذا قال أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم كلمة ما أجمل أن تكون لنا شعاراً: "وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً". [رواه مسلم 2967].
وقيل لعائشة - رضي الله عنها -: متى يكون الرجل مسيئاً؟ قالت: إذا ظن أنه محسن.
وقال مطرف - رحمه الله -: "لئن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إلي من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً.
وفي ختام هذا الجهد أشعر بالتقصير في أداء هذا الواجب، وأن هناك جوانب كثيرة تحتاج لمراجعة وإتقان، لكني أعلم أني إن سعيت إلى ذلك فسيتأخر هذا البحث، وتحول دونه المشاغل والمصاعب، فآثرت أن يخرج بهذا المستوى على أمل أن تتيسر المراجعة له مع الاستفادة مما يردني من ملحوظات واستدراكات.
وأسأل الله أن يرزقنا محبة أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلّم ، والاقتداء بهم، وأن يحشرنا معهم يوم العرض الأكبر، وألا تقعد بنا ذنوبنا وأنفسنا الضعيفة؛ إنه سميع مجيب.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).

 للأعلى


ملحق بأسماء شباب الصحابة

1- إبراهيم بن الحارث بن خالد:  ولد بالحبشة
2- الأرقم بن أبي الأرقم:  توفي 53 وهو ابن 83
3- أسامة بن زيد:  ولد في الإسلام ومات النبي صلى الله عليه وسلّم وله 20 سنة
4- أسماء بن حارثة:  توفي سنة 66 وعمره 80 سنة
5- أسيد بن ظهير بن رافع:  استصغر يوم أحد
6- أنس بن مالك:  كان عمره عند الهجرة 10سنين
7- أوس بن ثابت الأنصاري:  استصغر في أحد
8- إياس بن معاذ:  أسلم وهو غلام قبل الهجرة
9- أيمن بن خريم:  أسلم يوم الفتح وهو غلام يفعه
10- البراء بن عازب:  استصغر في بدر
11- بسر بن أرطاة:  مات النبي صلى الله عليه وسلّم وهو صغير
12- بشر بن معاذ الأسدي:  صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلّم وهو ابن 10
13- بكر بن الشداخ الليثي:  كان ممن يخدم النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام
14- بلال بن الحارث:  مات سنة 60 وله 80 سنة
15- ثابت بن رفاعه الأنصاري:  كان يتيماً في حجر عمه
16- ثابت بن الضحاك الخزرجي:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
17- ثعلبة بن أبي مالك القرظي:  كان ممن لم ينبت في بني قريظة
18- جابر بن عبد الله بن رئاب:  استصغر في أحد
19- جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام:  مات 78 أو 74 أو 73 أو 77
20- جعفر بن أبي طالب:  كان أسن من علي بعشر
21- جندب بن عبد الله البجلي:  كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلّم غلاماً حزوراً
22- الحارث بن حاطب بن الحارث:  ولد في الحبشة
23- حارثة بن سراقة:  استشهد في بدر وهو غلام
24- حبيب بن مسلمة:  عمره عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلّم 12 سنة
25- الحسن بن علي بن أبي طالب:  ولد في الإسلام
26- الحسين بن علي بن أبي طالب:  ولد في الإسلام
27- حشرج:  ولد في الإسلام
28- حمزة بن عمرو الأسلمي:  توفي سنة 61 وهو ابن 71 أو 80
29- حنظلة بن حذيم:  لجده صحبه، دعا له صلى الله عليه وسلّم ومسح رأسه
30- خالد بن البكير:  استشهد يوم الرجيع وعمره 34
31- خباب بن الأرت:  مات سنة 37 وعمره 73، وقيل 63
32- ذؤيب بن شعتم:  لقي النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام صغير
33- رافع بن خديج:  استصغر يوم بدر
34- رافع بن عمرو بن هلال المزني:  سمع من النبي صلى الله عليه وسلّم وهو وصيف
35- ربيعة بن أكثم بن سخبرة:  استشهد بخيبر وهو ابن ثلاثين
36- رفاعة بن قرظة القرظي:  كان ممن لم ينبت في بني قريظة
37- الزبير بن العوام:  أسلم وله 12 سنة، وقيل 8
38- زياد بن عبد الله بن مالك:  وفد مع قومه وهو شاب
39- زيد بن أرقم:  استصغر يوم أحد
40- زيد بن ثابت:  استصغر يوم بدر
41- زيد بن جارية:  استصغر في أحد
42- زيد بن خالد الجهني :  مات 78 وقيل 68 وعمره 85
43- السائب بن الأقرع الثقفي:  مسح النبي صلى الله عليه وسلّم رأسه وهو غلام
44- السائب بن عثمان بن مضعون:  استشهد في اليمامة وهو ابن بضع وثلاثين
45- السائب بن يزيد:  حج مع النبي صلى الله عليه وسلّم وهو ابن سبع أو ست
46- سالم بن حرملة:  قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو حدث يكاد أن يبلغ
47- سالم مولى أبي حذيفة :  بلغ مبلغ الرجال في عهده صلى الله عليه وسلّم
48- سعد بن بجير:  استصغر يوم أحد
49- سعد بن خولة:  شهد بدراً وهو ابن 25
50- سعد الدوسي:  كان من أقران أنس
51- سعد بن مالك [أبو سعيد الخدري]:  استصغر في أحد
52- سعد بن أبي وقاص :  كان عمره حين أسلم 17 سنة
53- سعيد بن حريث:  شهد الفتح وهو ابن 15 سنة
54- سعيد بن خالد بن سعيد بن العاص:  ولد بالحبشة
55- سعيد بن زيد :  مات سنة 50 أو51 أو52 وعاش بضعاً وسبعين سنة
56- سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص :  عمره يوم مات النبي صلى الله عليه وسلّم 9 سنين
57- سلمة بن سلامة بن وقش:  مات سنة 45 وهو ابن 70
58- سلمة بن أبي سلمة:  هاجرت أمه وهو في حجرها
59- سلمة بن عمرو بن الأكوع :  مات سنة 74 أو 64 وعمره 80
60- سلمى بن نوفل بن معاوية الدئلي :  كان في آخر العهد النبوي ابن 9
61- سليط بن سليط:  ولد في الحبشة
62- سمرة بن جندب:  رده النبي صلى الله عليه وسلّم في الغزو
63- السميدع الكناني :  قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو صغير
64- سنان بن أبي سنان:  كان عمره في الخندق 20
65- سهل بن أبي حثمة:  مات النبي صلى الله عليه وسلّم وهو ابن 8 أو 7 سنين
66- سهل بن سعد:  مات النبي صلى الله عليه وسلّم وعمره 15 سنة
67- سهل بن صخر بن واقد الليثي:  قدم على النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام
68- سهل بن عمرو الأنصاري:  كان غلاماً وقت الهجرة
69- سهيل بن عمرو الأنصاري:  كان غلاماً وقت الهجرة
70- شافع بن السائب المطلبي:  لقي النبي صلى الله عليه وسلّم وهو مترعرع
71- شباث بن خديج البلوي الأنصاري:  ولد ليلة العقبة
72- شداد بن أوس:  مات 58 وهو ابن 75
73- شماس بن عثمان:  من السابقين، قتل في أحد وهو ابن 34
74- صُدَى بن عجلان [أبو امامة]:  مات النبي صلى الله عليه وسلّم وعمره 33 سنة
75- صهيب بن سنان الرومي:  من السابقين مات سنة 38 أو 39 وهو ابن 70
76- الضحاك بن قيس الفهري:  مات النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام يافع
77- طلحة بن البراء البلوي:  أسلم وهو غلام
78- طلحة بن عبيد الله:  مات سنة 36 وله 64
79- طليب بن عمير بن وهب:  قتل سنة 13 وعمره 35
80- عاقل بن البكير:  استشهد ببدر وعمره 34
81- عامر بن أبي عامر الأشعري:  كان أصغر أهل السفينة
82- عامر بن واثلة [أبو الطفيل]:  آخر من مات من الصحابة
83- عباد بن تميم الأنصاري *:  كان في الخندق ابن 5 سنين
84- عبد الرحمن بن الأسود *:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
85- عبد الرحمن بن أزهر بن عوف:  رأى النبي صلى الله عليه وسلّم يوم حنين وهو محتلم
86- عبد الرحمن بن أبي سبرة بن يزيد:  أتى النبي صلى الله عليه وسلّم مع أبيه وهو غلام
87- عبد الرحمن بن سهل بن زيد:  كان صغيراً في خيبر
88- عبد الرحمن بن عثمان بن مظعون:  أدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلّم 9 سنين أو أكثر
89- عبد الرحمن بن عمارة بن الوليد:  ولد قبل الهجرة
90- عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب:  ولد في الإسلام
91- عبد القدوس الإسرائيلي:  أسلم عند موته وهو غلام
92- عبد الله بن بسر المازني:  مات سنة 88 وعمره94 أو سنة 96 وعمره100
93- عبد الله بن أبي بكر الصديق :  في حديث الهجرة وهو غلام شاب فطن..
94- عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير:  رأى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو صغير
95- عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:  ولد في الإسلام
96- عبد الله بن الحارث بن جزء:  مات سنة 86
97- عبد الله بن أبي حبيبه:  رأى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام
98- عبد الله بن أبي حدرد:  مات سنة 71 وعمره 81
99- عبد الله بن حنظلة:  ولد بعد أحد
100- عبد الله بن حواله:  توفي سنة 58 وعمره 62سنة
101- عبد الله بن خباب بن الأرت:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
102- عبد الله بن ربيعة بن الحارث:  أرسلته أمه وهو غلام في إثر النبي صلى الله عليه وسلّم
103- عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب:  عمره يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلّم نحو من 30 سنة
104- عبد الله بن الزبير بن العوام:  أول مولود للمسلمين في المدينة
105- عبد الله بن زمعه بن الأسود:  كان له في الهجرة 5 سنين
106- عبد الله بن ساعدة بن عائش:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
107- عبد الله بن سعد بن خيثمة:  شهد العقبة وهو رديف أبيه
108- عبد الله بن سهيل بن عمرو العامري:  من مهاجري الحبشة، استشهد باليمامة وعمره 38
109- عبد الله بن عامر بن ربيعة:  ولد في الإسلام
110- عبد الله بن العباس:  ولد في الإسلام
111- عبد الله بن عبد بن هلال:  ذهب به أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو صغير
112- عبد الله بن عبد الله بن أبي أمية:  قبض النبي صلى الله عليه وسلّم وله 8 سنين
113- عبد الله بن عبدنهم [ذو البجادين]:  أسلم يوم أسلم وهو يتيم في حجر عمه
114- عبد الله بن عتبة بن مسعود:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
115- عبد الله بن علقمة [أبي أوفى ]:  مات سنة 86 أو 88 وقد قارب المائة
116- عبد الله بن عمر بن الخطاب:  استصغر في أحد
117- عبد الله بن عمرو الحضرمي:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
118- عبد الله بن عمرو بن العاص:  مات سنة 65 أو69 أو68 وعمره 72
119- عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة:  ولد في الحبشة
120- عبد الله بن أبي ليلى الأنصاري:  توفي النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام يافع
121- عبد الله بن مخرمة:  من السابقين شهد بدراً وهو ابن30
122- عبد الله بن مسعدة بن حكمة:  أعتقته فاطمة وهو صغير فتربى عندها
123- عبد الله بن المطلب بن أزهر:  ولد في الحبشة
124- عبد الله بن مظعون:  من السابقين مات سنة 30 وهو ابن 60
125- عبد الله بن مكمل:  من أقران عبد الرحمن بن أزهر
126- عبد الله بن هشام بن زهرة:  ولد سنة 4 للهجرة
127- عبد الله بن الوليد بن المغيرة:  دحل على النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام
128- عبد الله بن يزيد الأنصاري:  شهد بيعة الرضوان وهو ابن 17 سنة
129- عبيدالله بن العباس بن عبد المطلب:  كان أصغر من أخيه عبد الله بسنة
130- عبيد بن سُلَيم الأنصاري:  قال صلى الله عليه وسلّم إيتوني بأصغر القوم فأتي به
131- عبيدالله بن شيبة بن ربيعة:  له عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلّم 8 سنين وزيادة
132- عتاب بن أسيد:  استعمل على مكة وعمره نيف وعشرين سنة
133- عتبة بن عبد:  سماه النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام حدث
134- عَرَابة بن أوس:  استصغر يوم أحد
135- عطية القرظي:  لم يقتل في بني قريظة
136- عقبة بن عمرو[ابو مسعود البدري]:  كان شاباً من أقران جابر في السن
137- علي بن أبي العاص بن الربيع:  توفي وقد ناهز الاحتلام
138- علي بن أبي طالب:  أول من أسلم من الصبيان
139- عمارة بن حمزة بن عبد المطلب:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
140- عمر بن أبي سلمة:  ولد في الحبشة
141- عمرو بن حريث القرشي:  ولد في الإسلام
142- عمرو بن سلِمه:  أم قومه وهو صغير
143- عمير بن حبيب :  بايع النبي صلى الله عليه وسلّم عند احتلامه
144- عمير بن سعد:  كان يتيماً في حجر الجلاس
145- عمير بن أبي وقاص:  استشهد في بدر وهو ابن 16 سنة
146- عوف بن القعقاع:  وفد به أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام
147- عون بن جعفر بن أبي طالب:  ولد في الحبشة
148- غضيِّف بن الحرث:  كان صبياً يرمي نخل الأنصار
149- فرقد العجلي:  ذهبت به أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فمسح رأسه
150- الفضل بن عباس:  كان شاباً في حجة الوداع
151- قثم بن العباس بن عبد المطلب:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
152- قدامة بن مظعون:  توفي سنة 36 وعمره 68
153- كثير بن السائب القرظي:  لم ينبت في بني قريظة
154- كعب بن سليم القرظي:  لم ينبت في بني قريظة
155- كعب بن عمرو الأنصاري:  شهد بدراً وهو ابن 20 سنة
156- مالك بن الحويرث:  قال أتينا النبي صلى الله عليه وسلّم ونحن شببة متقاربون
157- مجمِّع بن جارية:  كان حدثاً قد جمع القرآن
158- محمد بن أنس بن فضالة:  ولد قبل الهجرة بأسبوعين
159- محمد بن الجد بن قيس:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
160- محمد بن جعفر بن أبي طالب:  ولد في بالحبشة
161- محمد بن حاطب:  ولد في الحبشة
162- محمد بن أبي حذيفة بن عتبة:  ولد في الحبشة
163- محمد بن صيفي بن أمية *:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
164- محمد بن ضمرة:  سماه النبي صلى الله عليه وسلّم محمداً
165- محمد بن طلحة بن عبيد الله:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
166- محمد بن عباس بن نضله:  سماه النبي صلى الله عليه وسلّم محمداً
167- محمد بن عبد الله بن جحش:  ولد في الإسلام قبل الهجرة بخمس
168- محمد بن عثمان بن بشر:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
169- محمد بن عمرو بن العاص:  صحب النبي صلى الله عليه وسلّم وهو صغير
170- محمد بن عياض الزهري:  رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو صغير
171- محمد بن مخلد بن سحيم الأنصاري:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
172- محمد بن هلال بن المعلى:  سماه النبي صلى الله عليه وسلّم محمداً
173- محمود بن الربيع:  عقل من النبي صلى الله عليه وسلّم مجة وهو ابن 5 سنين
174- محمود بن لبيد:  كان قريب السن من محمود بن الربيع
175- مدلج الأنصاري:  أرسله النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام لعمر
176- المستورد بن شداد:  كان غلاماً يوم قبض النبي صلى الله عليه وسلّم
177- مسطح بن أثاثة:  توفي سنة 34 وعمره 56
178- مسعود بن ربيعة بن عمرو:  توفي سنة 30 وقد نيف على الستين
179- مسلم بن خشينة:  وفد وهو صغير وغير النبي صلى الله عليه وسلّم اسمه
180- مسلم بن شيبة بن عثمان بن طلحة:  جده صحابي
181- مسلمة بن مخلَّد:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
182- المسور بن مخرمة:  سمع خطبة النبي صلى الله عليه وسلّم وهو محتلم
183- معاذ بن جبل:  شهد بدراً وهو ابن 21
184- معاذ بن الحارث بن الأرقم:  قتل في الحرة 63 وعمره 69
185- معاذ بن الحارث بن رفاعة:  شهد بدراً وهو غلام
186- معاذ بن عمرو بن الجموح:  شهد بدراً وهو غلام
187- معبد بن خالد الجهني:  مات سنة 72 وعمره بضع وثمانون
188- معبد بن أبي معبد الخزاعي:  كان غلاماً وقت الهجرة
189- معتب بن عوف:  مات سنة 57 وعمره 78
190- معقل بن سنان الأشجعي:  قتل سنة 63 وله نيف وسبعون سنة
191- معمر بن حبيب:  كان فتى في غزوة بدر
192- معن بن يزيد:  جده صحابي
193- معوذ بن الحارث:  شهد بدراً وهو غلام وقتل فيها
194- المغيرة بن نوفل:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
195- المقدام بن معد يكرب:  مات سنة 87 وقيل 86 وقيل 83 وعمره 91
196- موسى بن الحارث القرشي:  مات بالحبشة وهو صغير
197- مولة بن كثيف الكلابي:  أتى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو ابن عشرين سنة
198- نافع بن سليمان العبدي:  رأى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو صغير
199- النعمان بن بشير:  كان أكبر من ابن الزبير بستة أشهر
200- النعمان بن عدي:  كان يتيماً في حجر نعيم بن النحام
201- الهرماس بن زياد الباهلي:  أبصر النبي صلى الله عليه وسلّم يخطب وهو صغير
202- وبر بن مشهَّر الحنفي:  قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام
203- الوليد بن عمارة بن الوليد:  ولد قبل الهجرة
204- وهب بن عبد الله السوائي (أبوجحيفة):  كان مراهقاً وقت وفاته صلى الله عليه وسلّم من أسنان ابن عباس
205- يحيى بن أسيد بن حضير:  كان صغيراً وأبوه يقرأ القرآن
206- يزيد بن الأسود الكندي:  وفد به أبوه على النبي صلى الله عليه وسلّم وهو صغير
207- يزيد بن كعب الأنصاري:  أبوه من الشباب
208- يزيد بن مسافع بن طلحة:  أقل ما أدرك من حياة النبوة ست سنين ونصفاً
209- يوسف بن عبد الله بن سلام:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
210- أبو إبراهيم مولى أم سلمة:  أعتقته أم سلمه حين بلغ
211- أبو أسيد الساعدي:  مات سنة 60 وعمره 78
212- أبو بشير الأنصاري:  شهد أحداً وهو غلام
213- أبو بصرة الغفاري:  جده صحابي
214- أبو جندل بن سهيل بن عمرو:  من السابقين استشهد في اليمامة وعمره 38
215- أبو سعيد بن أوس بن المعلى:  عمره عند الهجرة 10
216- أبو عطية البكري:  انطلق به أهله إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو غلام شاب
217- أبو قتادة بن ربعي الأنصاري:  مات سنة 54 وله 72 سنة
218- أبو قدامة بن الحارث:  كان ابن 5 في أحد
219- أبو مرة بن عروة بن مسعود:  ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم
220- أبو واقد الليثي:  مات سنة 65 وله 75، وقيل 85

ملحوظات:
1- لم أورد في هذا الملحق إلا من يغلب على الظن دخوله ضمن هذه المرحلة.
2- قد يوجد من اختلف في صحبته، والتحقيق في ذلك يصعب فاعتمدت في ذلك من ترجم لهم الحافظ في القسم الأول في الإصابة، ومال إلى اعتبار صحبتهم، ووضعت علامة (*) لمن أشار للخلاف في صحبته.
3- الذين ولدوا في الإسلام لم أدرج منهم إلا من كان ضمن القسم الأول كما سبق.
4- كثير ممن وردت أسماؤهم في هذا الملحق لم يرد لهم مواقف في أثناء البحث، إما لأني لم أجد شيئاً في ذلك، أو وجدت ما لم يصح، أو لأن ما حفظ من مواقفهم كان بعد أن تجاوزوا هذه المرحلة.

 للأعلى


المراجع والمصادر

1 - أخلاق أهل القرآن، الآجري، ت محمد عمرو عبد اللطيف، دار الكتب العلمية، ط1، 1406هـ.
2 - أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير، ت عادل عبد الموجود وعلي معوض، دار الكتب العلمية، ط1، 1415هـ.
3 - أهل الصفة بعيداً عن الوهم والخيال، صالح الشامي، دار القلم والدار الشامية، ط1، 1412هـ.
4 - إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، ت سيد إبراهيم، دار الحديث، ط1، 1412هـ.
5 - الإصابة في تمييز الإصابة، الحافظ ابن حجر العسقلاني، ت عادل عبد الموجود وعلي معوض، دار الكتب العلمية، ط1، 1415هـ.
6 - ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند، ابن عساكر، ت عامر صبري، دار البشائر، ط1، 1409ه
7 - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ت حسين زهران، دار الكتب العلمية، ط1، 1406هـ.
8 - جامع الأصول من أحاديث الرسول، ابن الأثير، ت عبد القادر الأرناؤوط، دار الفكر، ط2، 1403هـ.
9 - جامع بيان العلم وفضله، الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية.
10 - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ت محمود الطحان، مكتبة المعارف، 1403هـ.
11 - رجحان الكفة في بيان نبذة من أخبار أهل الصفة، السخاوي، ت مشهور سلمان وأحمد الشقيرات، دار السلف، ط1، 1415هـ.
12 - سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمد بن ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي.
13 - سنن أبي داود، ت كمال الحوت، دار الجنان، ط1، 1409هـ.
14 - سنن ابن ماجه، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر.
15 - سنن الترمذي، ت أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي.
16 - سنن الدارمي، ت مصطفى البغا، دار القلم، ط1، 1412هـ.
17 - سنن النسائي، ت عبد الفتاح أبي غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب، ط1،1406هـ.
18 - سير أعلام النبلاء، الذهبي، مؤسسة الرسالة، ط1، 1405هـ.
19 - السيرة النبوية الصحيحة، أكرم ضياء العمري، مكتبة العبيكان ط1، 1416هـ.
20 - السيرة النبوية، ابن هشام، ت عمر تدمري، دار الكتاب العربي، ط4، 1413هـ.
21 - سيكولوجية المراهق المسلم المعاصر، عبد الرحمن العيسوي، دار الوثائق، 1407هـ.
22 - صحيح الترغيب والترهيب، محمد بن ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، ط2، 1409هـ.
23 - الصحيح المسند من أسباب النزول، مقبل بن هادي الوادعي، مكتبة ابن تيمية، ط4، 1408هـ.
24 - الصحيح المسند من فضائل الصحابة، مصطفى بن العدوي، دار الهجرة بصنعاء، ط1، 1410هـ.
25 - صحيح سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي، ط1، 1409هـ.
26 - صحيح سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي، ط2، 1408هـ.
27 - صحيح سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي، ط1، 1408هـ.
28 - صحيح سنن النسائي، محمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي، ط1، 1409هـ.
29 - صحيح مسلم بشرح النووي، مراجعة خليل الميس، مكتبة المعارف، ط1، 1410هـ.
30 - الطبقات الكبرى [الطبقة الخامسة من الصحابة]، محمد بن سعد الزهري، ت: محمد السلمي، مكتبة الصديق، 1414هـ.
31 - الطبقات الكبرى، محمد بن سعد الزهري، دار صادر.
32 - فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية، ط1، 1410هـ.
33 - الفتح الرباني، أحمد بن عبد الرحمن البنا، دار الشهاب.
34 - لسان العرب، ابن منظور، دار صادر.
35 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، الهيثمي، دار الكتاب العربي.
36 - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، ت محمد عجاج الخطيب، ط3، 1404هـ.
37 - مسند الإمام أحمد، الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، ترقيم محمد عبد السلام الشافي، دار الكتب العلمية، ط1، 1413هـ.
38 - المصنف، عبد الرزاق الصنعاني، ت حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، ط2، 1403هـ.
39 - المعجم المفهرس لألفاظ الحديث الشريف، مطبعة بريل بمدينة ليدن، 1967م.
40 - معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، دار الفكر.
41 - معرفة الصحابة، أبو نعيم الأصبهاني، ت محمد راضي، مكتبة الدار ومكتبة الحرمين، ط1، 1408هـ.
42 - المنهاج النبوي في دعوة الشباب، سليمان بن قاسم العيد، دار العاصمة، ط1، 1415هـ.
43 - منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، دار الشروق، ط8، 1408هـ.
44 - النهاية، ابن الأثير، ت محمود الطناحي وطاهر الزواوي، أنصار السنة المحمدية.

 للأعلى


أين أنا من هؤلاء؟

لا شك أن كثيراً من الشباب سوف يتساءل حين يقرأ هذه النماذج والاطلاع على هذه السير العطرة: أين أنا من هؤلاء؟ وأنى لي أن أصل إلى أحوالهم وأنا المقصر المفرط، ثم إن هؤلاء شباب اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلّم فرأوه وصحبوه ورباهم وشهدوا التنزيل فهل يمكن أن تقارن حالنا بحالهم؟ أو أن تطالبنا أن نكون مثلهم؟
وهو تساؤل جدير بأن نجيب عليه، فنقول:

أولاً: حينما يتطلع المرء لمثل هذه النماذج فهذا لا يعني بالضرورة أن يرى في نفسه أنه قادر على أن يكون مثلهم أو أن يصل إلى منزلتهم، لكنه قد يضعهم نموذجاً أعلى له يسعى قدر الإمكان إلى الاقتراب من حالهم ولو لم يصر مثلهم.

ثانياً: حين يقرأ الشاب سيرهم تتعلق نفسه بهم، ويحبهم، ويلهج بذكرهم، وهو وإن قصرت نفسه عن اللحاق بهم، فإنه جدير بوعد النبي صلى الله عليه وسلّم الذي يرويه أبو موسى - رضي الله عنه - قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلّم: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال: "المرء مع من أحب". [رواه البخاري 6170، ومسلم 2641].

ثالثاً: لقد كان لأولئك - رضوان الله عليهم - دور بارز في مجتمعهم في كافة الميادين، وبرزوا بالرغم من وجودهم مع أمثالهم من الرجال الكبار الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلّم كما صحبه هؤلاء، وتلقوا منه كما تلقى منه هؤلاء.
وهذا يعني بمنطق بدهي أن الشاب في أي مجتمع يمكن أن يفوق أقرانه، وأن يكون له دور، وأن يصل لمنزلة أعلى مما يضعها لنفسه، ونحن نريد من الشباب أن يكونوا في مجتمعهم كما كان شباب الصحابة في مجتمعهم.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008