تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

أرحم الخلق بالخلق

د. محمد بن عبدالله الدويش

 المحتويات
 النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الخلق
 وصف الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة
 رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته
 رحمته صلى الله عليه وسلم بالأطفال
 رحمته صلى الله عليه وسلم بالبهائم والدواب
 رحمته صلى الله عليه وسلم تتجاوز حدود عصره
 أمره صلى الله عليه وسلم بالرحمة وحثه عليها
 أهل السنة على منهاجه صلى الله عليه وسلم
 مجالات الرحمة وصورها لدى أهل السنة
 كيف نتعامل مع المخالف؟
 الرحمة للخلق لاتكون على حساب المنهج

المحتويات
المحتويات
النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الخلق
وصف الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة
رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته
رحمته صلى الله عليه وسلم بالأطفال
رحمته صلى الله عليه وسلم بالبهائم والدواب
رحمته صلى الله عليه وسلم تتجاوز حدود عصره
أمره صلى الله عليه وسلم بالرحمة وحثه عليها
أهل السنة على منهاجه صلى الله عليه وسلم
مجالات الرحمة وصورها لدى أهل السنة
كيف نتعامل مع المخالف؟
الرحمة للخلق لاتكون على حساب المنهج

 للأعلى


النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الخلق
النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الخلق:
إن العَلَم الأول والقائد الأوحد لأهل السنة هو محمد صلى الله عليه وسلم ،ومن ثم فإن أولئك الذين يرغبون سلوك هذا المنهج ويدعون إليه لابد أن يكون لهم نسب وثيق بالنبي صلى الله عليه وسلم من المحبة والتوقير له وإنزاله المنزلة التي أنزله الله إياها.
ومن الاتباع له صلى الله عليه وسلم البحث عن هديه وعن سنته وسلوكه صلى الله عليه وسلم لتقتفى آثارها، ولا يسوغ أبداً أن يطغى اهتمامنا بعَلَم من أعلام أهل السنة - على جلالته وقدره- على اهتمامنا واعتنائنا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن تحتكم إلى قول إمام أكثر مما تحتكم إلى قوله صلى الله عليه وسلم وهديه.
وجدير بنا بكل حال أن نعود إلى هديه صلى الله عليه وسلم بقراءة دقيقة متأنية فاحصة؛ لنلتمس من هديه صلى الله عليه وسلم وسنته معالم طريق النجاة الذي أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لن ينجو إلا من كان على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

 للأعلى


وصف الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة
وصف الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة:
من الصفات التي اتصف بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذه الصفة وهي صفة (الرحمة) وهو صلى الله عليه وسلم بها أهل، فلقد وصفه الله سبحانه وتعالى بذلك؛ فوصفه بالرحمة على الخلق والعطف عليهم ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ) ويمتن الله سبحانه على المسلمين أن بعث لهم هذا الرسول صاحب القلب الكبير الرحيم صلى الله عليه وسلم (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ). و أخبر سبحانه وتعالى أن رسالته صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين أجمع (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). صلى الله عليه وسلم

 للأعلى


رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته
رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته:
وتلمس رحمته صلى الله عليه وسلم بالخلق في كل أحواله وأموره، فهو صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يترك بعض الأعمال شفقاً على أمته حتى لا تفرض هذه الأعمال عليهم فيعجزوا عن القيام بها وعن الوفاء بها، ألم تقرؤوا كثيراً في سنته صلى الله عليه وسلم قوله :"لولا أن أشق على أمتي"؟ إن هذا مصداق هذا الوصف الذي وصفه به ربه سبحانه وتعالى، وهو عز وجل أعلم به، فهو صلى الله عليه وسلم يقول :"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " و "لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله عز وجل" ويصلي صلى الله عليه وسلم فيصلي الناس بصلاة ثم يعتذر لهم صلى الله عليه وسلم ولا يخرج لهم خشية أن تفرض هذه الصلاة على أمته فلا يطيقوها، ويفرض الله عليه خمسين صلاة فما يزال حتى تخفف هذه الصلاة إلى خمس رحمة بأمته، ويأمره جبريل أن يقرئ أمته على حرف فيقول : إن أمتي لا تطيق ذلك، فيقول : أقرئهم على حرفين حتى أوصله على سبعة أحرف.
وما يزال صلى الله عليه وسلم في تلقيه للوحي وفي كلامه وفي أفعاله وعبادته يخشى أن يشق على أمته، ويخشى أن تكلف ما لا طاقة لها به، وأن تؤمر بما لا تطيق، ولهذا كان كما وصفه سبحانه وتعالى :( ونيسرك لليسرى ) لقد يسر صلى الله عليه وسلم لليسر في كل أموره وحياته.
والشواهد على رحمته صلى الله عليه وسلم لاتقف عند هذا الحد؛ فنعيش مع جانب آخر من سيرته صلى الله عليه وسلم ، سيرته مع أزواجه: ففي حجة الوداع أصاب عائشة رضي الله عنها الحيض مما منعها أن تعتمر كما اعتمر الناس، فتقول للنبي صلى الله عليه وسلم : يذهب الناس بحج وعمرة وأذهب بعمرة؟ فيقول الراوي : وكان صلى الله عليه وسلم هيناً ليناً إذا هوت أمراً تابعها عليه. ومن تأمل سيرته وهديه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع زوجاته يلمس ذلك واضحاً من رحمته صلى الله عليه وسلم وشفقته بهن.

 للأعلى


رحمته صلى الله عليه وسلم بالأطفال
رحمته صلى الله عليه وسلم بالأطفال:
جاء أعرابي -كما تروي عائشة رضي الله عنها- إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى أمراً لم يعهده رآه صلى الله عليه وسلم يقبل الصبيان فقال : تقبلون الصبيان؟ قال صلى الله عليه وسلم : نعم، قال الأعرابي: إنا لا نقبلهم فقال صلى الله عليه وسلم: "أوأملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟". إذاً فهذا الأعرابي الذي ما اعتاد أن يقبل الصبيان وأن يداعبهم، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذاك الرجل الذي يهابه الناس ويتحدثون عنه، ويغذ الناس سيرهم إليه صلى الله عليه وسلم لتكتحل أعينهم برؤيته، وحُق لهم كذلك فمن رآه صلى الله عليه وسلم وآمن به فقد ثبت له فضل لا يثبت لأحد من البشر، ثبت له فضل الصحبة؛ فيستغرب هذا الأعرابي أن يرى مثل هذا الرجل العظيم في مكانته ومنزلته يتعامل مع الصبيان هذه المعاملة.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس رضي الله عنه فاستنكر هذا السلوك ولم يألفه، قال : إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : "من لا يَرحم لا يُرحم" .
ويصلي صلى الله عليه وسلم بأصحابه كما روى ذلك عبد الله بن شداد رضي الله عنه -وهو عند الإمام النسائي- فيسجد فيأتي الحسن أو الحسين فيرقى على ظهره صلى الله عليه وسلم ؛ فيطيل السجود حتى ظنوا أنه نسي صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغ من صلاته قال :"إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أقوم قبل أن يقضي حاجته".
إن هذا القلب الرحيم العظيم ليأبى أن يزعج هذا الطفل الصغير ويقلقه؛ فيطيل صلى الله عليه وسلم سجوده والناس وراءه ينتظر أن يقضي هذا الصبي حاجته فيقوم من نفسه.
ويسمع صلى الله عليه وسلم بكاء الصبي وهو يصلي وقد نوى أن يطيل الصلاة فيوجز فيها صلى الله عليه وسلم حتى لا تفتن أمه.

 للأعلى


رحمته صلى الله عليه وسلم بالبهائم والدواب
رحمته صلى الله عليه وسلم بالبهائم والدواب:
وتتجاوز رحمته صلى الله عليه وسلم ذلك كله إلى الحيوان والبهيمة؛ فيروي عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنّ وذرفت عيناه فأتاه صلى الله عليه وسلم فمسح ظفراه فسكت، فقال صلى الله عليه وسلم :"من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟" فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال له : "أفلا تتق الله في هذه البهيمة ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه" . رواه أبو داود.
الله أكبر لهذا القلب الرحيم العظيم صلى الله عليه وسلم ، مع ما يحمل صلى الله عليه وسلم من عبء الرسالة لا لأصحابه بل للبشرية أجمع، للثقلين الإنس والجن ومع ما يحمله صلى الله عليه وسلم من هم وجهد يجد هذا الحيوان البهيم مكاناً رحباً واسعاً في قلب هذا الرجل العظيم صلى الله عليه وسلم ؛ فيأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد عرف عنه الرحمة؛ فيشتكي إليه، فيجيب الشكوى صلى الله عليه وسلم ، ويسأل عنه صاحبه ليخبره بشكوى هذه البهيمة.
ويروي الإمام أبو داود في سننه من حديث سهل بن الحنضلية رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة وفي صحيح الإمام مسلم أن عائشة رضي الله عنها ركبت بعيرا وكانت فيه صعوبة فجعلت تردده فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك بالرفق وكان صلى الله عليه وسلم في سفر كما روى ذلك أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رضي الله عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تعرش فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها" .
والحديث معشر الأخوة الكرام ليس حديثا عن رحمته صلى الله عليه وسلم بالبهائم المعجمة والدواب والحيوان إنما هي إشارة إلى أن ذلك القلب العظيم الرحيم الذي وسعت رحمته هذه الدواب لابد أن يكون أرحم وأرفق بأولئك الذين خلقهم الله سبحانه وتعالى، وخلق كل ما في هذه الأرض لهم (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا).
أفلا يتقي الله أولئك الذين حملهم الله أمانة المسلمين وأمانة الجيل فلئن كان من يتولى هذه البهيمية عرضة للمسألة والإنكار من محمد صلى الله عليه وسلم ، فكيف بأولئك الذين دعا عليهم صلى الله عليه وسلم ؟

 للأعلى


رحمته صلى الله عليه وسلم تتجاوز حدود عصره
رحمته صلى الله عليه وسلم تتجاوز حدود عصره:
تتجاوز رحمة النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته عليه أفضل الصلاة وأتم والسلام ذلك العصر الذي عاشه صلى الله عليه وسلم ، وذاك الجيل الذي عاشره ليضع صلى الله عليه وسلم هذه الضمانة لمن بعده فيدعو ربه تبارك وتعالى "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليه فاشقق عليه" فيضع صلى الله عليه وسلم هذا نبراساً وهدياً لكل من يتحمل أمانة ومسؤولية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أجمع إلى أن تقوم الساعة، ويدعو ربه تبارك وتعالى وتقدس أن يرفق بمن يرفق بأمته، وأن يرحم من يرحم أمته، وأن يشق على من يشق عليها.

 للأعلى


أمره صلى الله عليه وسلم بالرحمة وحثه عليها
أمره صلى الله عليه وسلم بالرحمة وحثه عليها:
هذه معشر الأخوة الكرام بعض المعالم من هدي أرحم البشر عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وهو مع ذلك صلى الله عليه وسلم ، لم يحلنا على هذا الهدي –وإن كان وحده كافياً- بل أمرنا صلى الله عليه وسلم بالرحمة وحثنا عليه، وأعلى لنا شأنها؛ فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الراحمين هم أولى الناس برحمة الله ففي الترمذي وأبي داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله".
والراحمون يستحقون مغفرة الله سبحانه وتعالى، والمغفرة أخص من الرحمة، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين أن رجلاً كان يمشي في الطريق فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب، فلما خرج رأى كلباً يتلوى من العطش؛ فنزل البئر وسقاه، فلما سقاه غفر الله عز وجل له. وفي رواية أنها بغي من بغايا بني إسرائيل.
أرأيتم أولئك الذين رحمهم الله وغفر لهم وقد رحموا دابة من الدواب؟ فما بالكم بمن يرحم عباد الله سبحانه وتعالى الصالحين الأتقياء؟
وكما أعلى النبي صلى الله عليه وسلم منزلة الراحمين وأخبر أنهم أولى الناس برحمة الله عز وجل ومغفرته ، توعد صلى الله عليه وسلم أولئك الذين لا يرحمون؛ فأخبر صلى الله عليه وسلم أنهم أبعد الناس عن رحمة الله سبحانه وتعالى كما في حديث جرير بن عبد الله في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال:" لا يرحم الله من لا يرحم الناس". ومضى معنا في حديث الأقرع بن حابس أنه صلى الله عليه وسلم قال :"من لا يرحم لا يُرحم".
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن أولئك الذين لا يرحمون أشقياء قد كتبت عليهم الشقاوة؛ ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي داو ود أنه قال سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تنزع الرحمة إلا من شقي".
إذا فالراحمون يرحمهم الله سبحانه وتعالى ويغفر لهم، وألئك الذين نزعت الرحمة من قلوبهم أشقياء قد عوقبوا بنزع هذه الرحمة، وهم أبعد الناس عن رحمة الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل لا يرحم من لا يرحم عباده؛ فالجزاء من جنس العمل.
هذه وقفة سريعة مع إمام أهل السنة وقائدهم وفرطهم على الحوض صلى الله عليه وسلم هذه وقفة مع هديه العملي صلى الله عليه وسلم وهديه القولي وكيف أنه صلى الله عليه وسلم كان أرحم الناس :
وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان هما في الدنيا هما الرحماء

 للأعلى


أهل السنة على منهاجه صلى الله عليه وسلم
أهل السنة على منهاجه صلى الله عليه وسلم:
ولما كانت هذه صفة النبي صلى الله عليه وسلم ، كان أهل السنة هم أهل الرحمة بالخلق، فكانوا خير الناس للناس، يعرفون الحق ويرحمون الخلق، كما نص على ذلك جمع من صنف في معتقدهم.
وأذكر بما قلته أول حديثي من أن منهج أهل السنة لا يقف عند مجرد المقررات المعرفية وحدها، ولا عند باب من أبواب العلم والاعتقاد، بل هو منهج وسلوك يطبع حياة المسلم كلها في اعتقاده في ذات الله سبحانه وتعالى وفي أسمائه وصفاته وفيما يجب له سبحانه وتعالى وما يستحقه من العبادة والتأله والخضوع والاحتكام إلى شرعه تعالى وتقدس، وفي التلقي من الوحيين دون غير هما، وفي تعظيم أمر الله سبحانه وتعالى وشرعه، وفي عبادته تبارك وتعالى والاجتهاد في ذلك، وفي باب الخلق والسلوك والتعامل مع الناس.
ولهذا كان أهل السنة كما قلنا ينصون على هذا الجانب ويؤكدون به فيما قالوه، هذا هو الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله يقول عن أهل السنة: ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه.." أهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله؛ فيتبعون الحق ويرحمون الخلق".
ويقول أيضا في موضع آخر:"وأهل السنة فيهم العلم والعدل والرحمة؛ فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى :( كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنأن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى )، ويرحمون الخلق، ويريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق".
والنقول عن سلف الأمة تطول في ذلك، وانظر في أي كتاب صنفه إمام من أئمة أهل السنة من المتقدمين أوالمتأخرين لتراه ينص على أن أهل السنة والسلف يرحمون الخلق، وأنهم يأمرون بإطعام الطعام وإفشاء السلام، ويتحدث عن الجوانب الأخلاقية والسلوكية.
فجدير بنا أن لا نهمل هذا الجانب؛ فالذي يتصدر دعوة الناس ويعلن لهم أنه يسير وفق ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأنه من الطائفة الناجية المنصورة، وأنه يحمل الحق الواضح للناس ينبغي أن يكون سلوكه وهديه وسمته خير دليل للناس على صدق مقالته، وعلى صدق ما يدعوهم إليه؛ فيتمثل هذا السلوك وهذا الجانب في حياته كلها وفي سلوكه.

 للأعلى


مجالات الرحمة وصورها لدى أهل السنة
مجالات الرحمة وصورها لدى أهل السنة:
تتمثل مجالات وصور الرحمة بالخلق عند أهل السنة في جوانب كثيرة منها :
الأول: الرحمة بالفقراء والمساكين وأهل الحاجة وقضاء حوائج الناس، ولهم في ذلك أسوة في نبيهم صلىالله عليه وسلم الذي كان صلىالله عليه وسلم يعطف على الأرملة والمسكين، وكان قبل النبوة والرسالة يطعم الطعام، وكان يحمل الكل صلىالله عليه وسلم ، ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الحق، كما وصفته بذلك من هي من أعلم الناس به زوجه خديجة رضي الله عنها، فكيف يكون الأمر بعد النبوة وبعد الرسالة؟
إذا ينبغي أن يشعر أهل الحاجات ومن ضاقت بهم السبل أن أهل السنة والدعاة إلى الله عز وجل و إلى منهج أهل السنة هم أقرب الناس إليه؛ فيمسحون دمعة المسكين، ويسدون خلة المحتاج ويحسنون إلى من يحتاج أن يحسن إليه.
الثاني: الحرص على هداية الناس وإصلاحهم، وهذا من أعظم مجالات الرحمة وأجلها، فإن كان أحدهم يسعى إلى أن ينقذ فقيراً من جوع ومسغبة، أو ينقذ يتيماً من بؤس اليتم، فإنه أولى أن ينقذه من نار وقودها الناس والحجارة، وأولى أن ينقذه من نار ومن عذاب تنسيه غمسة واحدة فيه كل نعيم الدنيا، وأن يدله على جنة عرضها السماوات والأرض، جنة ينسى حين يدخلها ويغمس فيها غمسة واحدة كل شقاء الدنيا وبؤسها.
ولهذا يخبر الله عز وجل عنه أنه أرسل النبي صلىالله عليه وسلم رحمة للعالمين، وأعظم رحمة للناس أن أنقذهم الله به صلىالله عليه وسلم من الضلال ومن الشرك والكفر به سبحانه وتعالى، وأنقذهم من نار تلظى وقودها الناس والحجارة حمانا الله وإياكم منها ووالدينا وجميع المسلمين، لهذا كان صلىالله عليه وسلم هو الرحمة المهداة، وكانت حاله صلىالله عليه وسلم كما قال عن نفسه: " وأنا آخذ بحجزكم عن النار ".
ويشبه صلىالله عليه وسلم نفسه برجل أوقد ناراً فجعل الفراش يتهافت فيها، وهو يذبها عنها، ويأخذ بحجز أمته عن النار.
الثالث: الرفق بهم في من ولاه الله مسؤولية أوأمرا من أمور المسلمين، وقد دعا صلىالله عليه وسلم فقال:"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه " فكل من ولاه الله أمانة أومسؤولية، من أب أو زوج أو أستاذ أو مدير أو مسؤول صغيراً أو كبيراً، فينبغي له أن يرفق بالمسلمين ويرحمهم.
ومن رفق الراعي برعيته أن يرفق بهم في نصحهم وفي تصحيح أخطائهم ؛ ولهذا كان صلىالله عليه وسلم كما وصفه معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه وقصته مشهورة معروفة، حين عطس رجل في الصلاة فقال يرحمك الله ثم رمقه الناس بأبصارهم فقال: ويل أمي ما بالكم ترمقوني بأبصاركم؟ فيقول رضي الله عنه :فبأبي و أمي رسول الله صلىالله عليه وسلم ما رأيت معلماً أحسن تعليماً ولا تأديباً منه، فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما دعاني وقال :"إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو الذكر والتسبيح والدعاء وقراءة القرآن".
وحين جاء الأعرابي وبال في طائفة المسجد وانتهره الناس، أدركه صلىالله عليه وسلم بقلبه الرحيم وأعلمه بحق وواجب هذه الأماكن وصيانتها، فقال هذا الرجل :اللهم ارحمني وارحم محمداً، ولا ترحم أحد غيرنا، وذلك أنه رأى وعرف الرحمة في قلب النبي صلىالله عليه وسلم وهذا يفسر لنا قوله صلىالله عليه وسلم : " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ".
إذا فمن رحمة أهل السنة بالخلق أن يرفقوا بمن يقع في الخطأ ويقع في المنكر، خاصة الذي يقع فيه عن جهل ولم يجد من يذكره ويعلمه؛ فينبغي أن نحسن إليه، وأن نرفق به، وأن ندعوه بعملنا وسلوكنا ورحمتنا قبل أن ندعوه بقولنا وإنكارنا؛ فيرى في سلوكنا مما يشعره بصدق مقالتنا ودعوتنا، ويدعوه إلى أن يستجيب لما نرجوه ونطلبه منه.
الرابع: أن لا يسعى الإنسان إلى الحكم على الناس ويكون هذا همه. إن البعض من الناس يؤتى من غيرته وحرصه على حماية العقيدة فيتصور أنه بقدر ما يخرج الناس من العقيدة ومن دائرة أهل السنة والتوحيد يكون أكثر غيرة على عقيدة أهل السنة وأكثر حماية لها، ويتوهم بعض الناس أن الذين تطول قائمة من يجرحونهم ويخرجونهم من دائرة أهل السنة هم أكثر الناس غيرة على منهج أهل السنة، وأنهم أصدق الناس توحيداً، فهم أولئك الذين لم ينج منهم أحد، ولن يستطيع أحد أن يفلتهم.
إن المنتمي إلى هذه العقيدة العظيمة يعز عليه أن تخالف هذه العقيدة، ويدعوه حبه لهذه العقيدة وتمكنها في قلبه إلى أن يتجاوز مجاملة الخلق ومداهنتهم على حساب الخلل بها، لكن هذا أيضا لا يدعو الإنسان إلى أن يكون همه البحث عن أخطاء الناس والتفتيش عنها والتنقيب ويرى أن هذا من تمام الغيرة على العقيدة أليس النبي صلىالله عليه وسلم يقول لأصحابه:"ما أحب أن يبلغني أحد عن أحد شيئاً"؟
والأمر لايقف عن أبواب السلوك؛ فحين قتل أسامة رضي الله عنه رجلاً قال لا إله إلا الله -والموقف يوحي ويشعر لكل من يقرأه أن هذا الرجل كما قال أسامة- هذا رجل يقتل المسلمين فما ترك أحداً إلا قتله، فحين أدركه أسامة – رضي الله عنه – ورفع عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله. أي إنسان يسمع هذه القصة سيظن كما ظن أسامة – رضي الله عنه – أن هذا الرجل إنما قال هذه الكلمة فرارا من القتل، وإلا أين تصديقه بهذه الشهادة وأين إقراره بها قبل ذلك؟ ومع ذلك لما أنكر عليه النبي صلىالله عليه وسلم قال أسامة إنما قالها فرارا من القتل قال له صلىالله عليه وسلم :"أفلا شققت عن قلبه"؟
إن هذا الخطاب ليس لأسامة وحده رضي الله عنه، بل الخطاب للأمة أجمع، فما كلفنا بالتفتيش عن قلوب الناس.
هذا إنسان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد صلىالله عليه وسلم رسول الله، بل يقول لك أنا على عقيدة التوحيد، وأنا على هذا المنهج ومن أتباعه، وتقول له: لا إنك لست على ذلك، وتنكر عليه ادعائه وتذهب تفتش عما يقول وتبحث عن كلمة تحتمل تأويلا حتى تخرجه من هذه الدائرة‍! هل مقتضى الغيرة على عقيدة أهل السنة يقتضي منا هذا المسلك؟ أم يقتضي منا أن نأخذ الناس على ظاهرهم؛ فمن أظهر خيرا وصدقا ونصيحة واتباعا للسنة قبلنا منه وحسابه على الله عز وجل، ومن أظهر خلاف ذلك عاملناه بما يظهر منه.
أما أن يكون الأصل عندنا أن نشك في عقائد الناس حتى يثبت خلاف ذلك، فليس هذا من الغيرة على عقيدة أهل السنة، ولا على عقيدة التوحيد، وليس من النصرة لمنهجك أن تسعى إلى إخراج الناس منه، وإبعادهم عنه.

 للأعلى


كيف نتعامل مع المخالف؟
كيف نتعامل مع المخالف؟
لاشك أن الرحمة بالناس والخلق لا يمكن أن تدعونا إلى أن نتستر على الأخطاء والأمور الظاهرة، وقد شرع الله لنا التعامل مع ما يظهر من الناس ويبدو منهم، وسرائرهم إلى الله سبحانه وتعالى.
والمخالفون أصناف منهم :
المجتهد المخطئ: فقد يجتهد الإنسان ويبذل وسعه في تحري الحق والبحث عن الدليل ثم يقع في خطأ، فيتأول نصاً من كتاب الله أو سنة النبي صلىالله عليه وسلم على خلاف تأويله، أو تبدو له شبهة أو عارض من العوارض فيصل إلى نتيجة خاطئة، فهذا قد قال عنه صلىالله عليه وسلم : " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ".
والمجتهد الذي بذل وسعه معذور سواء في الأمور العملية أو الأمور الخبرية، وغالب هؤلاء إنما يقع خطؤه في أمور ليست معلومة من الدين بالضرورة. وقد يكون له من الخير والفضل والحسنات ما يمحو ذلك والماء إذا بلغ قلتين لن يحمل الخبث.
ومنهم الجاهل المعذور: الذي قلد من وثق في عمله وورعه ودينه أو وقع في أمر عن حسن نية.
ومنهم متعد ظالم ومبتدع آثم.
ومنهم منافق زنديق.
ومنهم مشرك ظالم.
فالمخالفون والمخطئون لنا ليسوا طائفة واحدة، وليسوا على درجة واحدة، ولا يجوز أن نحشرهم كلهم في واد واحد.
وقد تحدث أئمة أهل السنة حديثا طويلا مستفيضا عن الموقف من هؤلاء والتعامل معهم، كل على حسب منزلته فمنهم من يعذر ويحسن إليه، ومنهم من يغلظ عليه، ومنهم من يهجر، ومنهم من يؤدب ويعزر.
المقصود أيضا أن أهل السنة لا يبغون على المخالف كما قال شيخ الإسلام رحمه الله ويرفقون بمن خالفهم.

 للأعلى


الرحمة للخلق لاتكون على حساب المنهج
الرحمة للخلق لاتكون على حساب المنهج:
لقد سبق أن أهل السنة يعرفون الحق ويرحمون الخلق، وهذا يعني أن الرحمة بالخلق ليست على حساب المنهج، ولا تؤدي هذه الرحمة إلى المساومة عليه، وإلى الإغضاء عن الابتداع والضلال والخطأ.
ومواقف شيخ الإسلام العملية أيضا تؤيد هذا المعنى الذي قاله، منها مواقفه مع أعدائه الذين امتحن رحمه الله بسببهم وأدخل السجن وأوذي وصار له ما صار بسببهم، يقل ابن القيم رحمه الله جئت يوما مبشرا له بموت أكثر أعدائه وأشدهم عداوة وإيذاءً له؛ فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم ثم قال إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له.
ولما مرض مرض الوفاة رحمه الله دخل عليه أحد الذين عادوه وآذوه واعتذر له، فقال: إني قد عذرت وحللت كل أولئك الذين آذوني وخالفوني، ولهذا قال عنه خصومه وهو ابن مخلوف:ما رأينا مثل ابن تيميه .. قدر علينا وصفح عنا وحاج عنا.
والمقصود من ذلك كله أيها الأخوة الكرام أننا ينبغي أن نقتدي بإمام أهل السنة وفرطهم صلىالله عليه وسلم في هذا الخلق العظيم وهو الرحمة، وأن نرى أنه من تمام انتسابنا إلى منهج أهل السنة أيضا أن ننظر إلى سلوكهم وهديهم وورعهم وسمتهم، وأن نقتفي أثرهم عليهم رحمة الله ورضوانه أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من نجاه الله سبحانه وتعالى فكان على مثل ما كان عليه صلىالله عليه وسلم وأصحابه إنه سميع قريب مجيب وصلى الله على نبينا محمد.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008