تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

الحور بعد الكور / الطبعة الثانية

د. محمد بن عبدالله الدويش

 مقدمة
 حديث حول الظاهرة
 أسباب الحور بعد الكور
 من وسائل العلاج
 الخاتمة

مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد:
فهذا هو الكتاب الثاني من سلسلة (رسائل للشباب) التي افتتحت بكتاب (سبيل النجاة من شؤم المعصية) وتتزايد الحاجة لهذا الموضوع الذي يتعلق بقضية من أهم قضايا المسلم على مر العصور والدهور ألا وهي قضية الثبات "فربما سلك الإنسان في أول أمره على الصراط المستقيم، ثم ينحرف عنه في آخر عمره فيسلك بعض سبل الشيطان فينقطع عن الله فيهلك، "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار" وربما سلك الرجل أولاً بعض سبل الشيطان ثم تدركه السعادة فيسلك الصراط المستقيم في آخر عمره فيصل به إلى الله، والشأن كل الشأن في الاستقامة على الصراط المستقيم من أول السير إلى آخره: (ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ). [المائدة: 54]. (وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). [يونس: 25].
وما أكثر من يرجع أثناء الطريق وينقطع؛ فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ). [إبراهيم: 27].
خليلي قطاع الفيافي إلى الحما *** كثير وأما الواصلون قليل.
[انظر: المحجة في سير الدلجة، لا بن رجب، ص 75- 76].
وهي قضية بدأت تظهر بشكل واضح في هذه المرحلة من تاريخ الصحوة؛ إذ تساهم وسائل الإغراء والفساد التي انتشرت وعمت في مجتمعات المسلمين؛ تساهم هذه الوسائل في تكريس هذه الظاهرة وسقيها.
وهي ظاهرة تبعث على القلق، وتدعو المسلم الجاد أن لا يقف موقف الحياد تجاهها؛ فخسارة فرد واحد من أبناء الأمة بعد أن هداه الله وأنقذه لا يمكن أن يرضى بها مسلم.
وهي ظاهرة مرفوضة ومزعجة أيضاً لا نها تمثل تآكلاً من الداخل في وقت ومرحلة الأمة أحوج ما تكون إلى تنامي هذا التيار المبارك.
وهي ثالثاً تمثل إهداراً لجهود خيرة من الشباب والدعاة في الدعوة والتربية، والذين ربما يرون النتائج بطيئة ومحدودة، فكيف إذ رأوا أولئك الذي بذلوا لهم عصارة وقتهم، وخلاصة جهدهم حتى استقاموا على طاعة الله كيف إذ رأوهم يتنكبون الطريق، ويسلكون غير ذات السبيل.
كل ذلك ليدعو للمحاولة ووضع النقاط على الحروف في هذه القضية والأزمة من أزمات الصحوة.
وإن الإنصاف والعدل في النظر إلى هذه الظاهرة يقتضي النظرة الشمولية لا سبابها وعواملها وأن جزءاً لا يستهان به من ذلك من نتاج واقع مجتمعات المسلمين.
إضافة إلى أن قدرات جيل الصحوة ووسائله محدودة وضيقة خاصة مع سياسة تجفيف المنابع التي تواجه بها في هذه المرحلة. إنها لا تملك وسائل إعلامية، أو قنوات جماهيرية، أو حتى مؤسسات تربوية مستقلة ذات كفاءة.
كل هذا يدعونا إلى أن لا نحمل جيل الصحوة وحده نتاج هذه الظاهرة، ولكن ولئن كان جزء مهم من أسباب هذه الظاهرة من نتاج واقع مجتمعات المسلمين، إلا أن ذلك لا يعفي هذه الصحوة من المسؤولية في حسن التربية والبناء، ومن ضرورة المراجعة الدقيقة المتأنية لبرامجها التربوية؛ لتتلاءم مع المرحلة التي تعيشها، ولتكون بإذن الله هذه التربية وسيلة لحماية مكتسبات الصحوة والحفاظ عليها.وما هذه الرسالة إلا محاولة متواضعة لوضع لبنة في البناء.
وتأتي هذا الرسالة في إطار رسائل للشباب، وهذا يعني أنها ستعرض ما يتعلق بالمشكلة مما يخص الشباب، أو بعبارة أخص شباب الصحوة؛ إذ أن القضية لها تجذّرات وأسباب وعوامل لن نعتني نحن هنا إلا بما يخص الفئة المخاطبة بهذه السلسلة وحدها.
أسأل الله أن يثبتنا على دينه، ويحمينا وهذا الجيل المبارك بإذنه من الضلالة بعد الهدى، ومن الحور بعد الكور، إنه سميع مجيب.


محمد بن عبد الله الدويش
الرياض / / 1416هـ

 للأعلى


حديث حول الظاهرة

عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال". [رواه أحمد 5/ 82،83، ومسلم 1343، والنسائي 5498،5499،5500 والترمذي 3439 وابن ماجه 3888 والدارمي2572].
وفي رواية الترمذي: "كان النبي صلى الله عليه وسلّم إذا سافر يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب. اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا، ومن الحور بعد الكون، ومن دعوة المظلوم، ومن سوء المنظر في الأهل والمال". [الترمذي 3439 وقال: "هذا حديث حسن صحيح].

• بين الحور والكون:
ورد في بعض روايات الحديث "بعد الكور" وفي بعضها: "بعد الكون". فأيها أصح؟.
قال الترمذي بعد روايته للحديث: "ويروى الحور بعد الكور أيضاً". [سنن الترمذي 5/ 498].
قال النووي: "هكذا هو في معظم النسخ من صحيح مسلم بعد الكون بالنون بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في صحيح مسلم، قال القاضي: وهكذا رواه الفارسي وغيره من رواة صحيح مسلم، قال: "ورواه العذري بعد الكور بالراء. قال: "والمعروف في رواية عاصم الذي رواه مسلم عنه بالنون. قال القاضي قال إبراهيم الحربي:بل كلاهما روايتان. وممن ذكر الروايتين جميعاً الترمذي في جامعه، وخلائق من المحدثين، وذكرهما أبو عبيد وخلائق من أهل اللغة وغريب الحديث... ". [شرح صحيح مسلم 9/ 119].

• ما معنى الحور؟:

أ‌- عند أهل اللغة:
قال ابن فارس: "الحاء والراء والواو ثلاثة أصول: أحدها لون، والآخر الرجوع، والثالث أن يدور الشيء دوراً".
والذي يعنينا هنا هو الأصل الثاني قال فيه: "وأما الرجوع، فيقال: "حار إذا رجع. قال الله تعالى (إنه ظن أن لن يحور. بلى). والعرب تقول:الباطل في حور. أي رجع ونقص. وكل نقص ورجوع حورٌ.. ويقال: "نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وهو النقصان بعد الزيادة، ويقال حار بعدما كان". [معجم مقاييس اللغة 2/ 117].
وفي اللسان: "الحور: الرجوع عن الشيء، وإلى الشيء... وكل شيء تغيَّر من حال إلى حال فقد حار يحور حورا، قال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه *** يحور رماداً بعد إذا هو ساطع
وفي الحديث: "نعوذ بالله من الحور بعد الكور؛ معناه من النقصان بعد الزيادة، وقيل: معناه من فساد أمورنا بعد صلاحها، وأصله من نقض العمامة بعد لفها، مأخوذ من كور العمامة إذا انتقض ليها وبعضه يقرب من بعض". [لسان العرب 4/ 217].

ب‌- عند المحدثين:
هذا هو معناه عند أهل اللغة، أما عند المحدثين فيعرفنا بهذا المعنى أحد رواة الحديث وهو عاصم ففي رواية الإمام أحمد "سئل عاصم عن الحور بعد الكور. قال: "حار بعدما كان". [هي في الأصل كذا وصححها في حاشية الكتاب المحقق عبد السلام هارون قائلاً: "في الأصل كان تحريف. وإنما هي كار، بمعنى زاد].". [المسند 5/ 83].
وفسره بعض من خرَّجوا الحديث وهو الإمام الترمذي رحمه الله فيقول: "ومعنى قوله الحور بعد الكون أو الكور وكلاهما له وجه، إنما هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشر". [سنن الترمذي 5/ 498].
قال النووي: "وكذا قال غيره- الترمذي - من العلماء معناه بالراء والنون معاً الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص". [شرح صحيح مسلم 9/ 119].

• الأعمال بالخواتيم:
روى الإمام أحمد بإسناد ثلاثي عن أنس رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلّم قال: "لاعليكم أن لا تعجبوا بأحدكم حتى تنظروا بم يختم له، فإن العامل يعمل زماناً من عمره، أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملاً سيئاً، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيء، لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملاً صالحاً، وإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله قبل موته، قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: "يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه".
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "إنما الأعمال بالخواتيم".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "حدثنا رسول الله وز -- وهو الصادق المصدوق - قال: "إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع: برزقه وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالله إن أحدكم - أو الرجل - ليعمل بعمل أهل النار، حتى مايكون بينه وبينها غير باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غيرُ ذراع أو ذراعين، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها". [رواه البخاري 6594، ومسلم 2643].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة". [رواه مسلم 2651 وأحمد 2/ 484-485].
وعن معاوية رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلّم: "إنما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله". [رواه ابن حبان].
وعن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً: "لاتعجبوا بعمل عامل حتى تنظروا بما يختم له". [رواه الطبراني وحسن إسناده السفاريني في شرح الثلاثيات 2/ 273].
وعن العرس بن عميرة رضي الله عنه وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "إن العبد ليعمل البرهة بعمل أهل النار، ثم تعرض له الجادة من جواد أهل الجنة فيعمل بها حتى يموت عليها وذلك لما كتب له، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة البرهة من دهره، ثم تعرض له الجادة من جواد أهل النار فيعمل بها حتى يموت عليها وذلك لما كتب له". [رواه البزار والطبراني في الصغير والكبير وقال في المجمع 7/ 212 رجاله ثقات].
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه لمكتوب في الكتاب من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه لمكتوب في الكتاب من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل الجنة فمات فدخلها". [رواه أحمد. انظر الفتح الرباني 1/ 124].
هذه النصوص وغيرها كثير تبين لنا أن العبرة ليست بمجرد ما يعمله المرء في حياته بل بما يختم له ويموت عليه، إذ قد يكون على جادة السوء فيمن الله عليه بعمل صالح أو توبة قبل موته فيموت على ذلك.
وقد يكون على طريق أهل الإيمان والصلاح فيزيغ قلبه. فمن الصورة الأولى قصة رجل دخل الجنة ولم يسجد لله سجدة واحدة... ومن الصورة الثانية عابد من الأولين أغواه الشيطان فأوقعه في المعاصي وتدرج به إلى أن دعاه للكفر فاستجاب (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهما أنهم في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين).
فالأول دخل الجنة وقد كان حياته على الكفر بالله ثم آمن فختم له بخير والثاني دخل النار وقد كان حياته عابداً لله؛ فهكذا شأن الخاتمة.

• القضية في أدبيات الصحوة:
لاشك أن هذه الظاهرة لا بد أن تلفت أنظار الغيورين على هذا النشء المبارك، وهذه النية الخيرة، ولابد أن تجد لها مكاناً رحباً بين ما يطرح لجيل الصحوة مكتوباً أو مسموعاً. وهي تستحق كل ذلك.
فقد كتب قديماً الكثير حول سوء الخاتمة وأسباب ذلك.
أما في العصر الحاضر فقد كثر الحديث حول هذه الظاهرة، من خلال الدرس والمحاضرة؛ إذ تشكل تساؤلات الشباب الملحة المتكاثرة حول مثل هذا الموضوع، إضافة إلى انتشار هذه الظاهرة وبروزها على السطح، يشكل ذلك دافعاً لمزيد من الحديث عنه.
ومما كتب حول الموضوع (المتساقطون على طريق الدعوة) لفتحي يكن، وهو ينحى منحى آخر غير الذي نحن بصدده، فهو حديث عن التساقط التنظيمي، والحزبي.
ومن ذلك: (أسباب الضلالة بعد الهدى) للشيخ عبد الله الجار الله رحمه الله، وقد اعتنى بنشرها الشيخ عبد العزيز السدحان.
أما على نطاق المحاضرات المسجلة فهي أوسع، فمن ذلك:
 الضلالة بعد الهدى. ولا ترتدوا على أدباركم. محاضرتان لمحمد المنجد.
 أسباب التساقط على طريق الهداية. لـ (عوض القرني).
 أسباب الانحراف. لـ (عايض القرني).
 انقلاب القلوب. لـ (أحمد القطان).
والمكتبة الصوتية الإسلامية تزخر بالعديد مما يعالج هذه الظاهرة استقلالاً أو استطراداً.
وهي تطرح بمصطلحات عدة منها (الانتكاسة) (الانحراف بعد الهداية) وآثرنا هنا استخدام المصطلح الذي استخدمه صلى الله عليه وسلّم في دعائه.
حاجتنا للموضوع
قد يشعر البعض من الشباب أنه اجتاز القنطرة، ووصل إلى بر الأمان، فأمن من الضلالة، ومن الحور بعد الكور. وهو أول أمارة على ضعف الإيمان، والغرور والعجب.
لقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن نبيه صلى الله عليه وسلّم يحتاج لتوفيقه وتثبيته تعالى (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً* إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً). [الإسراء: 74- 75].
وفي آية أخرى يقول الله له سبحانه: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً). [النساء: 113].
وإبراهيم عليه السلام يقول بعد أن حطم الأصنام بيده، واحتمل ما احتمل في ذلك: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ). [إبراهيم: 35].
ويوسف عليه السلام القدوة إلى قيام الساعة في العفة والنزاهة والتسامي يستعين بربه يحميه من مواقعة الفاحشة متبرئاً من كل حول وقوة: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ* فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). [يوسف: 34].
وفي السنة النبوية التأكيد على أن قضية القلب بيد الله سبحانه وتعالى.
عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن، وإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول "يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك" قال " والميزان بيد الرحمن يرفع أقواماً ويخفض آخرين إلى يوم القيامة". [رواه ابن ماجه 199 وقال في الزوائد: إسناده صحيح. ورواه وقوام السنة في الحجة 263، وابن أبي عاصم في السنة 219].
وعن سبرة بن فاكهة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه". [رواه ابن أبي عاصم في السنة 220 وقال في المجمع 7/ 211: "رواه الطبراني ورجاله ثقات". وصححه الألباني].
وعن نعيم بن همار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "ما من امرئ إلا قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يزيغه أزاغه، وإن شاء أن يقيمه أقامه". [رواه ابن أبي عاصم في السنة 221. وقال في المجمع: "رواه الطبراني ورجاله ثقات". وصححه الألباني].
والحديث بهذا المعنى مروي أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص". [ابن أبي عاصم في السنة 222]. وأم سلمة". [ابن أبي عاصم في السنة 223]. وعائشة". [ابن أبي عاصم في السنة 224]. وأنس بن مالك وغيرهم". [ابن أبي عاصم في السنة 225].
ويصور صلى الله عليه وسلّم شدة تقلب قلب العبد تصويراً دقيقاً يورث لدى المسلم الوجل والخوف والشعور بالحاجة إلى تثبيت الله وعونه، فعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "لقلب ابن آدم أشد تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً". [رواه أحمد 6/ 4 والحاكم وابن مندة في التوحيد 1/ 272 وابن أبي عاصم في السنة 226].
وفي رواية ابن أبي عاصم أن المقداد رضي الله عنه قال: "ما آمن على أحد بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "فذكره..".
وإن قدر لك أن تخرج إلى الخلاء في يوم شديد الريح فأنت راء كيف تغلب الرياح ما أمامها، فكيف إذا كان كمثل الريشة. هذا هو حال القلب في تقلبه. إذ يصوره صلى الله عليه وسلم بذلك قائلاً: "مثل القلب مثل الريشة تقلبها الريح بفلاة". [رواه أحمد 4/ 219 وابن ماجه 88 وابن أبي عاصم في السنة 228، 227 وانظر صحيح الجامع].
ولشدة استحضاره صلى الله عليه وسلّم هذا المعنى كانت أكثر يمينه: "لا ومقلب القلوب". [رواه البخاري 7391].

 للأعلى


أسباب الحور بعد الكور

• وقفة مع القرآن حول أسباب الضلالة:
إن المتأمل في القرآن الكريم يجد أنه يتحدث كثيراً عن مسؤولية الناس عن أعمالهم، وأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحداً، وأن للضلالة أسبابها التي تعود إلى المرء نفسه.
فزيغ الإنسان سبب لأن يزيغ الله قلبه: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ). [الصف: 5].
وانصرافه سبب لصرف قلبه (ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم). [التوبة: 127].
والذين يتكبرون عن آيات الله ويصدون عن الحق بعد أن رأوه واضحاً يصرفهم الله عن الانتفاع بها (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً). [الأعراف: 146].
وإعراضه عن الإيمان أول مره سبب لا ن يقلب فؤاده، ويستعصى على الهداية، ولو رأى ما رأى من النُذُر: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ* وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ). [الأنعام: 110- 111].
والقلب إنما يطبع عليه لتراكم الذنوب على صاحبه (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ). [المطففين: 14].
واتباع الهوى والإخلاد إلى الأرض سبب لحرمان العبد بركة العلم، وضلاله وهو يعلم الحق أبلج: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث). [الأعراف: 475- 176].
والآيات التي تشير إلى هذا المعنى يطول سردها، ويصعب حصرها؛ وإنما المقصود الإشارة إلى هذه الحقيقة، ومسؤولية الإنسان عن ضلاله، وأن الله سبحانه وتقدس لا يظلم أحداً فيضله، وقد أقبل عليه، أو يصرفه وهو يريد الحق ويلتمسه.
والعدل من صفاته الحسنى سبحانه وتعالى؛ فهل يتصور أن شاباً مقبلاً على الله سبحانه، معرضاً عما سواه، يضله الله سبحانه وتعالى دون سبب منه أو تقصير؟!.
إن من يعرف الله حق المعرفة، ومن يتلو كتابه ليجزم أن هذا لا يمكن أن يوصف به الله سبحانه وهو القائل (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ). [التوبة: 115].
وهذا يدعونا إلى أن نبحث عن الأسباب التي توقع هؤلاء في الضلالة والإعراض، عافانا الله وحمانا منها. وأن نعلم أن ذلك يعود لا نفسهم وتقصيرهم.

• ضعف الإيمان:
إن الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو النواة، وهو الركيزة التي ينطلق منها الإنسان في سائر أموره العلمية والعملية.
وبقدر ضعف هذا الإيمان وقوته يستطيع المرء ترك المعصية ومجاهدة النفس وفعل الطاعة وأطر النفس عليها.
وفي حديث أبي سفيان وهرقل الطويل حين سأله عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "أيزيدون أم ينقصون؟ قلت:بل يزيدون. قال: "فهل يرتد أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت لا. فقال له هرقل بعد ذلك:وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب". [رواه البخاري 7].
وفي رواية ابن إسحاق: "وكذلك حلاوة الإيمان؛ لا تدخل قلباً فتخرج منه". [فتح الباري1/ 50].
وقوة الإيمان ليست هي مجرد الأعمال الظاهرة، وكثرة التعبد، وطول الصلاة والصيام- وإن كانت الأعمال الظاهرة ولاشك أمارة عليه- لكن الإيمان هو ما يقر في القلب. ولهذا جعل صلى الله عليه وسلّم عوامل ذوق لذة الإيمان وحلاوته أموراً قلبية فقال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". [رواه البخاري16 ومسلم 43].
وفي الحديث الآخر يقول صلى الله عليه وسلّم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً". [رواه مسلم 34].
وقد يتوب أحد الشباب إلى الله سبحانه وتعالى، ويسلك طريق الخير والاستقامة، لكن الإيمان لم يدخل قلبه، فتعترضه شهوة أو شبهة فيهوي أمامها، وينكص على عقبيه، عافانا الله وحمانا من سبيل أهل الضلالة.

• ضعف العلم الشرعي:
وكما أن الشاب بحاجة للإيمان ليحرك الدافع ويقوي الوازع في قلبه فهو بحاجة أيضاً إلى العلم الشرعي الذي يصحح فيه عبادته وتوجهه لله وحده.
وحين يجتمع الإيمان والعلم في قلب عبد حقاً فلا يمكن أن ينكص على عقبيه. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقبض الأمانة والإيمان ليس هو قبض العلم، فإن الإنسان قد يؤتى إيماناً مع نقص علمه، فمثل هذا الإيمان قد يرفع من صدره، كإيمان بني إسرائيل لما رأوا العجل، وأما من أوتي العلم مع الإيمان؛ فهذا لا يرفع من صدره، ومثل هذا لا يرتد عن الإسلام قط، بخلاف مجرد القرآن، أو مجرد الإيمان، فإن هذا قد يرتفع، فهذا هو الواقع، لكن أكثر ما نجد الردة فيمن عنده قرآن بلا علم وإيمان، أو من عنده إيمان بلا علم وقرآن، فأما من أوتي القرآن والإيمان؛ فحصل فيه العلم، فهذا لا يرفع من صدره، والله أعلم". [الفتاوى 18/ 305].
والعلم ليس بمقدار ما يحفظه المرء من المسائل. قال شيخ الإسلام رحمه الله: "فتبين أن مجرد بقاء حفظ الكتاب لا يوجب هذا العلم، لا سيما فإن القرآن يقرأه المنافق والمؤمن، ويقرأه الأمي الذي لا يعلم الكتاب إلا أماني، وقد قال الحسن البصري:العلم علمان:علم في القلب، وعلم على اللسان.،فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده". [الفتاوى 18/ 304].
إضافة إلى أن التوجه للعمل الشرعي والعناية به يملأ على الشاب همه و وقته فلا ينصرف ذهنه وتفكيره إلى الشهوات والمعاصي، ولا يجد فراغاً في وقته يمكن أن يدفعه إلى الإثم. ثم هو يجد في لذة العلم وحلاوة تحصيل ما يصرفه عن البحث عن البديل الذي ربما كان سبباً في انحرافه.

• الاستهانة بالذنوب والمعاصي:
قال ابن رجب رحمه الله: "وقريب من هذا أن يعمل الإنسان ذنباً يحتقره، ويستهون به فيكون هو سبب هلاكه، كما قال تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ). [النور: 15]. وقال بعض الصحابة:إنكم تعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الموبقات". [رواه البخاري والقائل هو أنس رضي الله عنه]". [المحجة في سير الدلجة، ص 90].
لقد فر قوم من الزحف فوقعوا في كبيرة من الكبائر والسبع الموبقات -وقد تاب الله عليهم سبحانه- وكان السبب في ذك هو ما اكتسبوه: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ). [آل عمران: 155].
فالشيطان إنما أوقع هؤلاء واستزلهم ببعض ذنوبهم وما كسبوه.
قال عبد العزيز بن أبي رواد: "حضرت رجلاً عند الموت يلقن لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك.
قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنها هي التي أوقعته". [جامع العلوم والحكم 1/ 173].
لذا كان العارفون يرون أن من عقوبات الذنوب: "أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه أو توثقه وتقطعه عن السير، فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه، فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب، والقلب إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب؛ ضعفت تلك القوة التي تسيره فإذا زالت بالكلية؛ انقطع عن الله انقطاعاً يصعب تداركه والله المستعان". [الجواب الكافي 140].

والاستهانة بالمعصية لها نتائج وخيمة على المرء منها:
1 - أن الاستهانة بها مدعاة لزيادة الإثم والسيئة عند الله:
2 - والاستهانة بها مما يبعد المرء عن طريق التوبة، ولا يشعره بأنه متحاج لذلك. أما الذي يستعظمها فما يلبث أن يديم الاستغفار لله، والتوبة والندم حتى يمحو ذلك سيئته.
3 - أن الاستهانة بها تدعو الشاب إلى عدم النفرة من أهلها ومن يواقعونها، ويدعوه ذلك إلى التهاون في صحبتهم، وفي مجالستهم؛ وهذا وحده من أعظم أسباب الانحراف.
4 - أن الاستهانة بها تدعوه إلى كثرة مواقعتها، وعدم مجانبتها، وهي حتى لو كانت صغيرة ما تلبث أن تجتمع عليه وتهلكه. وهو المعنى الذي حذر منه أنصح الخلق للخلق صلى الله عليه وسلّم.
فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إياكم ومحقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن واد فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه". [رواه أحمد 5/ 331 والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان7267. وقال ابن حجر: أخرجه أحمد بسند حسن. الفتح 11/ 329].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلّم قال: "إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ضرب لهن مثلاً كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً وأججوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها". [رواه أحمد 1/ 402 والطبراني].
وهو تشبيه بليغ من أفصح الناس صلى الله عليه وسلّم لشؤم اجتماع الذنوب على العبد، فالعود لا يصنع شيئاً والثاني كذلك.. لكنها حين تجتمع تصبح حطباً يشعل النار وينضج العشاء.

• الغرور والإعجاب بالنفس:
والغرور والعجب هو الذي هوى بإبليس وقد كان مع ملائكة الله سبحانه وتعالى حين قال (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). [الأعراف: 12].

ومن نتاج الغرور وأثره على صاحبه:
1 - أن المرء حين يشعر بالكمال، لا يرى أن له حاجة في الازدياد من طرق الخير والعمل الصالح، وأبواب الإيمان. والإيمان يزيد وينقص، فإن لم يزد فهو في نقص.
2 - وهو سبب لا ن يعجب العبد بعمله الصالح، ويدل به على الله، وهذا عنوان انسلاخه من عبودية مولاه سبحانه وتعالى، والتي مبناها على الخضوع والذل له وحده، والشعور بأنه ليس له حول ولا قوة، وأن الفضل والمنة لله وحده.
وكيف يعجب المرء بعمله، ويدل به على مولاه وهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلّم لن يدخله عمله الجنة كما قال صلى الله عليه وسلّم: "لن ينجي أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا". [رواه البخاري 6463، ومسلم 2816].
3 - وهو سبب لا ن يزول من قلبه خوف سوء الخاتمة، والخشية من الضلالة بعد الهدى، والأمان من ذلك عافانا الله أول الخطوات نحو الوقوع فيه.
أتراه بعد ذلك يلح على مولا سائلاً له سبحانه الهداية، وأن يريه الحق حقاً ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلاً ويرزقه اجتنابه. ويسأل مولاه الثبات والاستقامة؟
4 - وهو سبب لا ن ينشغل المرء بعيب الآخرين، وذمهم، والحديث عن مساوئهم. ومن عير أخاه بذنب لم يمت حتى يفعله.

• ضعف التربية:
حين يستقيم الشاب على طاعة الله عز وجل، فهو يخلف وراءه واقعاً يحمل ركاماً هائلاً من التصورات، والمفاهيم، والسلوكيات الشاذة، وإزالة هذا الركام لا يمكن أن تتم بمجرد توبة الشاب وإقلاعه عن ماضيه السيئ فقط، بل هي تحتاج لجهد تربوي يمحو كل ما ران على الفطرة السليمة.
وهو يحتاج للتربية العميقة لتتأصل في نفسه معاني الإيمان حقاً، وليقبس من العلم الشرعي ما ينير له الطريق، ويضيء له المحجة.
ولعل قراءة سريعة في أحداث الردة تعطينا البرهان على هذه الحقيقة.
فهل كان بين صفوف المرتدين أحد المهاجرين والأنصار؟ أو أحد أهل بدر؟ أو بيعة الرضوان؟ أو السابقين الأولين؟
هل كان بينهم من أولئك الذين قال الله فيهم: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ)؟. [التوبة: 120].
أم أنهم كانوا ممن قال الله فيهم: ({قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)؟. [الحجرات: 14]. فالإيمان لما يدخل بعد في قلوبكم فأنتم بحاجة للرسوخ فيه والتربية عليه.
نعم، ولم يكن بينهم أولئك الذين قال الله فيهم: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ). [الحجرات: 15].
ولم يكن بينهم أولئك الذين قال الله فيهم (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ). [الأنفال: 74].
إذاً كان عامة المرتدين من أولئك الذين كانوا حدثاء عهد بالإسلام، ولم يتربوا بعد على حقيقة الإيمان وشرائعه، وترسخ أقدامهم في هذا الدين. وهذا يدعو الشاب أن يعلم أن التوبة وتغيير واقعة ليست الخطوة الأولى والأخيرة، بل هي خطوة في الطريق ينبغي أن يعقبها بذل الجهد لتربية نفسه على الإيمان والتقوى، وإزالة ركام الماضي وآثاره.

• استحكام الشهوة:
إن الضلال ومجانبة طريق الهداية إما أن يكون:لشبهة لبست لدى المرء الحق بالباطل، أو لشهوة استولت على قلب صاحبها فصرفته عن الحق، وصدته عن طاعة الله.
وفي العصر الحاضر تبدت الغرائز أمام الشباب وحاصرتهم، وأحاطتهم بشراكها.
إن مشكلة الشهوة تبدو من خلال نظرة آثمة، أو فكرة طائشة، ثم تتحول إلى طوفان هائج، وبركان ثائر يوشك أن يهوي بصاحبه.
يقبل الشاب على مولاه عابداً، تائباً، ويسير في طريق الخير والصلاح، فما يلبث أن ينظر نظرة محرمة، وربما كانت لزميل له يراه صباح مساء، ويعيش معه في محاضن التوجيه، ودور التربية. فتبدأ مرحلة الصراع داخل نفسه: يستفيق داع الإيمان فيدعوه للتوبة والإنابة ويقبل على الله ويعرض عن الشهوة، ثم يغفل ويخفت هذا الصوت ليعلو عليه صوت الشهوة، وهكذا تتصارع القضية داخل نفسه.
فقد ينتصر داعي الإيمان، ويعلو صوت العفة والفضيلة، فينجو من هذا المزلق، ويجتاز هذه العقبة، وإن أصابه من غبار الذنوب ما أصابه فإنه يغسله بالتوبة، والحسنات الماحية.
وقد تكون الأخرى فيضعف إيمانه، وتعلو الشهوة لديه، فتستحكم في قلبه، وتطغى عليه فتأسره وتسترقه، وتسيطر عليه، فتصرفه خواطرها عن ذكر الله والتوجه له، وتصده محبتها عن محبة الله والأنس به. ثم قد يخر صريعاً أمام معصية دعتها له شوته. وقد ضعف إيمانه، ورق دينه، فلا يقوى داعي الإيمان لديه على أن يدفعه لتوبة جادة نصوح تقيله من عثرته، وتقله من كبوته.
حينها يقول لنفسه: ها أنت أصابك الوحل فخوضي فيه، وكم مرة جربت التوبة، واستصرخت داعي اليقظة، فما أغاثك. فأنت نفس ضعيفة، لا أمل لك بالتوبة، وطريقك غير طريق الصالحين.

• التعلق بالدنيا:
وقد أخبر صلى الله عليه وسلّم وهو الناصح الأمين لأمته أن الدنيا أشد ما يخاف على أصحابه فقال: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم".
ويقول: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه". [الترمذي 2377].
ولقد كان البعض يمني نفسه أن يقدم ويبذل في سبيل الله عز وجل حين يرزق المال، فما لبث أن كان ذلك سبباً في نفاقه ومرض قلبه (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ* فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ). [التوبة: 76].
والآخر أدى به الغنى أن يمنع الزكاة التي فرضها الله عليه فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلّم : "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأمّا العباس بن عبد المطلب فعم رسول الله صلى الله عليه وسلّم فهي عليه صدقة ومثلها معها". [رواه البخاري 1468، ومسلم 983].
والدنيا لها بريق لا مع تأسر صاحبها وتشده إليها فيسعى جاهداً في تحصيلها ويشغل وقته بذلك على حساب طلبه للعمل ودعوته. ويزداد المرء تعلقاً بها حتى يصبح عبداً لها تأمره فيطيع، وتنهاه فينزجر، فيهون عليه فعل الحرام لتحصيلها، والتفريط في الواجب للاستكثار منها حتى يهوى وينس قضيته الأساس.
وقد ينشغل البعض بالدنيا "من أجل الكفاف والاستغناء عن الآخرين وحتى لا يصبح أسيراً لوظيفةٍ طول حياته، وهذا أمر محمود وغاية جليلة، ولكن سرعان ما تنفتح عليه الدنيا، وتبدأ المطامع تتحرك بين جنبيه، ويسول له الشيطان هذا الأمر باسم الدعوة والمشاريع الإسلامية شيئاً فشيئاً حتى يتعلق قلبه، وينشغل بها عن علمه ودعوته. وكان يكفيه الكفاف". [الفتور 46].

• ضعف التربية الذاتية:
إن من منجزات هذه الصحوة المباركة أن هيأت محاضن تربوية للشباب والناشئة تأخذ بأيديهم، وتصلح في نفوسهم ما فسد، وتقوم بالواجب الذي تخلى عنه المجتمع تجاه أبنائه.
ولاشك أن الشاب يحتاج - خاصة في هذا العصر - ليتربى تربية سليمة ناضجة، ولتتحقق فيه الشخصية المتكاملة إلى أن تجتمع لديه التربية الجماعية والفردية.
فيحتاج للعيش مع فئة من أترابه وأقرانه يعيش معهم، يشاركهم همومه ويشاركونه ذلك " أن التنمية النفسية الصحيحة لا تتم في كيان فرد يعيش بمفردة في عزلة عن الآخرين، وفي هذه الفترة بالذات ( الشباب الباكر إلى النضج ) ... كيف يتدرب الشاب على الأخوة إذا لم يمارس الأخوة بمشاعرها الحقيقية مع الإخوة الذين يربطهم به هذا الرباط؟ كيف يتدرب على التعاون إذا لم يقم بهذا التعاون بالفعل مع أفراد آخرين؟ كيف يتعود أن يؤثر على نفسه إذا لم يكن هناك إلا نفسه؟. إن الوجود في جماعة هو الذي ينمي هذه المشاعر، وهذه الألوان من السلوك .. والشاب الذي يعيش في عزلة عن الآخرين وإن حاول أن يستقيم على المنهج السليم تنمو بعض جوانب نفسه، وتضل جوانب أخرى ضامرة لأنها لا تعمل". [منهج التربية الإسلامية لمحمد قطب 286- 287].
إذاً فالشاب لا غنى له بحال أن يعيش في مجتمع تتحقق فيه معاني الأخوة والإيثار والتعاون والتنازل عن الحقوق والعفو والتسامح... وغيرها من المعاني التي لا تتحقق إلا في الصورة الجماعية. وليرى القدوة الصالحة، ويستعين بإخوانه ويعينهم على الطاعة، وهذا ما سعت المؤسسات التربوية داخل قطاع الصحوة لتحقيقه.
لكن هذه التربية الجماعية ليست مغنية بحال له عن أن يتعاهد نفسه بالرعاية، ويأخذها بالتربية، فتكون له ساعات في خلوته مع الله عز وجل وعبادته له سبحانه، وجهد فردي يبذله في التحصيل والتعلم، ومبادرات فردية دعوية، يندفع لها دون أن ينتظر أمراً من أحد، أو فتح مجال وميدان.
وحين تسعى التربية للاتكاء على أحد العمودين فهي تسعى لتبني قصراً في رمال؛ فالذي يعيش الجانب الفردي فحسب لا بد أن تضمر عنده معاني الجماعية، وتسيطر عليه الأنانية والفردية، ولا يدرك معنى من معاني التعاون، أو التنازل عن حق، وسيفقد أدب الحوار والتعامل مع المخالف... إلى آخر القائمة الطويلة.
والذي يعيش الجانب الجماعي وحده سيبقى سمكة في ماء ما تلبث حين تفارقه، أو تُخْرَج منه أن تلفظ أنفاسها.
وحين يعيش الشاب على التربية الجماعية وحدها، دون أن يعنى بنفسه، أو يبذل جهداً لا صلاحها وتعاهدها؛ فهو مع ما يحمل من ثغرات كبيرة في شخصيته ما يلبث أن يفقد أصحابه يوماً فيسافر أو يسافرون، ويغيب عنهم أو يغيبون عنه فيرى نفسه أمام عالم لم يعتد عليه. فلم يعتد أن يبقى فارغاً. ولم يترب على اغتنام وقته والاستفادة منه. فربما سيطر على نفسه وحفظ وقته، وربما بحث عن أنسه في صحبة قريب أو جار، أو جلس أمام الشاشة، أو خرج إلى السوق.
وقد تكون أحد هذه الخيارات بداية لدخوله متاهة وبوابة إلى العالم الآخر.
إن هذا يطرح مطلباً ملحاً على أولئك الذين تحملوا أمانة هذا النشء المبارك، ألا وهو السعي لا ن يغرس لديهم الحرص على تربية أنفسهم وأخذها بزمام الطاعة والتقوى.
وينبغي أن ينمى الشعور بالمسؤولية الفردية لدى الناشئة؛ إذ يقر القرآن الكريم المسؤولية الفردية للمرء كما في قوله تعالى (ولاتزر وازرة وزر أخرى). وقوله (كل نفس بما كسبت رهينة). حتى من يتسبب غيره في إضلاله وإغوائه فلن يعفيه ذلك هو من المسؤولية: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ). [البقرة166]. (فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ). [إبراهيم: 21].
ويقرر ذلك المعنى صلى الله عليه وسلّم إذ يقول: "ومن دعا إلى ضلاله كان عليه من الإثم مثل من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً". [رواه مسلم 2674].
والحساب يوم القيامة فردي كل سيلقى ربه وحده (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً* لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً* وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً{95}). [مريم: 93- 94].
وقال تعالى: ({وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً). [مريم: 80].
وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً). [لقمان: 33].
والخلة والصداقة لن تنجي المرء من عذاب الله، ولن تعفيه من الحساب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ). [البقرة: 254].
ويخبر صلى الله عليه وسلّم عن محاسبة العبد لربه كما روى ذلك ابن عمر رضي الله عنهما وقد سأله رجل كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول في النجوى؟ قال: "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول عملت كذا وكذا؟ فيقول:نعم، ويقول عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. فيقرره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم". [رواه البخاري 6070].
وفي الحديث الآخر يقول صلى الله عليه وسلّم: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبين ترجمان فينظر أيمن فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة". [رواه البخاري 7512، ومسلم 1016].
إذاً فهل نعي هذا المعنى ونربي جيلنا على أساسه؛ ليدرك أنه لن يكفيه أن يكون واحداً مع القطيع، أو عصاً مع الحزمة، حتى يسعى هو ليربي نفسه ويتعاهدها؟.

• الغلو:
ما أمر الله سبحانه وتعالى من أمر إلا وللشيطان في نزغتان: نزغة نحو الغلو والتشدد، ونزغة نحو التساهل والإفراط.
ولئن كان السائد والمسيطر على الأعم الأغلب من الناس هو التساهل، والتفريط، وذنوب الكثير من الصالحين ومعاصيهم إنما مدخلها من هذا الباب؛ إلا أن هناك باباً آخر ومدخلاً مختلفاً للشيطان.
فهو حين يرى من المرء الحرص والعناية، ويستعصى عليه إتيانه من باب التفريط والإهمال يلجأ إلى الباب الآخر، والطرف المقابل إلى الغلو والتشدد.
والحديث عن الغلو وما يتعلق به ليس هذا مكانه. والمقصود هنا الإجابة على تساؤل محدد مفاده: كيف يكون الغلو سبباً للانحراف بعد الاستقامة، والحور بعد الكور؟.
إن الغلو انحراف بحد ذاته، وبمجرده. لكنه ليس نهاية المطاف، ولا خاتمة الطريق بل هو عند الكثير من الغلاة خطوة للانحراف في الاتجاه المقابل؛ ذلك أن النفس البشرية مجبولة على الاعتدال، بل الحياة كلها لا يمكن أن تستقر خارج دائرة الوسطية، وهي سنة يتجاوب فيها الإنسان مع هذا الكون الفسيح الذي تحكمه قاعدة الوسطية.
وحين تجنح النفس بصاحبها نحو الغلو، ويشدد المرء على نفسه حيث يسر الله عليه، فقد يطيق السير على هذا الطريق برهة من الزمن، لكنه حتماً سيكل ويسأم ويستطيل الطريق؛ حينها يفكر بجدية في التراجع، لكن تلك الدفعة القوية التي أوصلته إلى التشدد والغلو لن تكتفي بإعادته إلى التوازن والاعتدال، بل تنقله للطرف المقابل: التساهل والتفريط، وبنفس القدر من الانحراف عن نقطة الوسط التي كان عليها قبل ذلك.
ولما كان حرص المرء على العمل الذي يدخله الجنة قد يدعوه إلى أن يشق على نفسه ويشدد عليها ويحملها على ما لا تطيق. أخبرهم صلى الله عليه وسلّم أن دخول الجنة ليس بمجرد العمل وحده بل هو برحمة الله. فقال صلى الله عليه وسلّم: "لن ينجي أحداً منكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة. سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا". [رواه البخاري 6463، ومسلم 2816].
وفي الحديث الآخر: "سددوا وقاربوا، واعلموا أن لن يدخل أحدَكم عملُه الجنة، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". [رواه البخاري 6464 و مسلم 2816].
والتوازن والاعتدال في مناقشة الموضوع يتطلب منا أن نضع كل عامل وسبب في إطاره الطبيعي وحجمه المعقول. لذا فإن حجم ظاهرة الغلو والتشدد في الصحوة المعاصرة ليس كحجم سائر الأمراض الأخرى، وليست كما يضخمها البعض. لكنها مشكلة قد توجد، وهي ولو كانت على نطاق ضيق لا يسوغ أن تهمل أو تهمَّش.

• الصديق والصاحب:
إن دور الصديق والجليس في تشكيل سلوك صاحبه والتأثير عليه أمر لا يخفى؛ ولهذا صار المرء كما قال صلى الله عليه وسلّم: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".
وقضية الجليس، وتأثيره، وخطورته، أمرٌ لا يخفى على المخاطبين بهذا الحديث، لهذا يكمن التأثير من جانبين:
الأول: أقارب الشاب، أو زملاؤه في الحي، والذين قد يضطر لمجالستهم، واللقاء معهم، وأحياناً كثيرة يكون ذلك في حال انقطاعه عن رفقته الصالحة، لسفر أو عارض آخر.
الثاني: أن التجمعات الخيرة لا بد أن يوجد فيها بعض العناصر الأقل التزاماً وانضباطاً، وأكثر تفلتاً من الضوابط الشرعية. وتشكل هذه العناصر جيوباً وتجمعات صغيرة داخل الإطار العام. فيلتقي هؤلاء أوقاتاً إضافية خارج نطاق ما تمضيه رفقتهم الصالحة، أو على هامش لقاءاتهم معهم. وحين يكون الشاب ضعيفاً، أو ميالاً للهو وعدم الجد، أو مغرماً بالتعلق بالرياضة وأخبارها، فإن قد يجد ضالته ضمن هذا الإطار. والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
وتبدو آثار هذه الصحبة أو تلك من خلال:
1 - تعليم الشاب أموراً لم يكن علمها من ذي قبل. كمشاهدة الأفلام، أو المجلات، وحكاية القصص له عن ذلك.
2 - إبراز القدوة السيئة، وإعطاؤه الجرأة على ما لم يكن يجرأ عليه؛ خاصة حين تكون هذه الصحبة ضمن إطار الرفقة الخيرة. ففيما قبل ربما كان يتخفى في معصيته، ويشعر باللوم للنفس، والشذوذ عن الآخرين، أو لا يفعلها أصلاً، لكن حين يراها عند هؤلاء تهون أمامه، ويتجرأ عليها.
3 - غالباً ما ينشأ عند هذه التجمعات والجيوب النقد لما عليه زملاؤهم الأخيار وهو إفراز طبعي للتهرب من الشعور بالنقص والخطيئة، ولتبرير الضعف. وتلحظ هذا الجانب حين تتقدم بنصيحة لبعض هؤلاء فيعتذر لك بأمثال هذه الحجج. والتي تدور غالباً حول الاتهام بالتشدد، أو المبالغة في الجدية، أو تقديم بعض العناصر على بعض لاعتبارات ذاتية، وربما اتهام النوايا والدخول إلى عالم القلوب.
وحين ترد مثل هذه الانتقادات على مسمع الشاب وهو خال الذهن فكثيراً ما يقتنع بها ومن ثم تتأصل لديه ويصبح ينظر من خلالها فيصعب حينها أن تقتلع أو تجتث.
4 - المجاملة وهي من العوامل المهمة في التأثير؛ إذ يضطر الشاب كثيراً إلى ترك بعض ما كان يفعل، أو فعل بعض ما لم يكن يفعل من ذي قبل مجاملة لمن يصاحبه.
فيضطر لترك السنن الراتبة، وربما التأخر عن الجماعة، وإلى المشاركة في مشاهدة الحرام، يضطر إلى ترك الإنكار على ما يسمعه ويراه من منكرات مع رفاقه فيتولد من هذه المواقف رقةٌ في دينه، وضعفٌ في إيمانه، مما يوفر البيئة المناسبة للانحراف وركوب الغواية.
ولهذا ينهى القرآن المسلم عن مصاحبة من يقع في المنكر، يأمر بمفارقته حتى يتركه (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). [الأنعام: 68].

• الغثائية وضعف القناعة:
لقد أخبر صلى الله عليه وسلّم أن الغثائية ستحل بهذه الأمة: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: "أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل".
إن شعور المرء بالغربة في التزامه واستقامته يدعوه إلى إدراك قيمة هذه الاستقامة وضرورة التميز بها، ويدفعه إلى العمل والمساهمة الدعوية، والسعي للحفاظ عليها. لكن قد تكون استقامته نتيجة نشوئه في بيئة صالحة، أو استقامة أحد إخوته، ومن ثم يعيش في أجواء صالحة فلا يدرك قيمة هذه الاستقامة، وثمنها ولا تكون هذه الاستقامة بالضرورة نتاج اقتناع راسخ ويقين ثابت، فما يلبث حين يصيبه صارف من الصوارف أن يدع الطريق، ويبحث عن بديل سواه.
إن المال الذي يرثه المرء من أبيه سهلاً لن تكون محافظته عليه بحال كذلك المال الذي كان نتاج عرق وجهد ولذلك فالذي جرب حياة الضلال، وأدرك نعمة الهداية والاستقامة يدرك أن التفريط فيها يكلفه ثمناً باهظاً، فيصعب عليه ترك الطريق أو تجاوزه.
وحين يكون الشاب سلبياً في حياته، لا تعدو صلته بأهل الاستقامة حضور المجامع الخيرة، والتعاطف معها فسوف يتولد عن ذلك شخصية تعاني من الفراغ في الاهتمامات والوقت والتطلعات، وتمثل هذه الشخصية النواة القابلة لا ي توجه أو تحول آخر.

• ضعف الجدية:
إن ضعف الجدية لدى الشباب ربما كان أحد أسباب هذه الظاهرة؛ وذلك:
1 - أن هذه الصنف من الناس لا يتعامل مع القضايا بجد بل باللامبالاة؛ ومن ثم فقضية الاستقامة والالتزام لا تشكل لديه أمراً لا يساوم عليه، فهو قد يسير على هذا الطريق ويسلك هذه السبيل، لكنه أيضاً قد يتركه ويجاوزه لا دنى صارف.
2 - أن طريق الاستقامة والصلاح طريق يحمل المشقة والمكارة (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ). [البقرة: 214].
ويخبر صلى الله عليه وسلّم عن مشقة هذه الطريق، وصعوبته على أصحاب النفوس الضعيفة فيقول: "حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره". [رواه البخاري 6487، ومسلم 2823].
إذاً فأولئك الذين لا يطيقون احتمال المكاره لن يطيقوا الاستمرار على هذا الطريق؛ أليس يتطلب صبر النفس وحبسها على الطاعة؟ أليس يتضمن حجزها عن الشهوات؟ أليس يعني نهيها عن الهوى؟ وهي تساؤلات يفشل أصحاب النفوس الضعيفة في اجتيازها.
3 - أن من سنة الله - مع مشقة هذا الطريق - أن يتعرض أهل الإيمان للفتن والصوارف: (ألم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ). [العنكبوت: 2].
وهي ليست سنة خاصة بهذه الأمة وحدها، بل سنة الله في الأمم أجمع كما أخبر تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ). [العنكبوت: 3].
ثم يخبر تبارك وتعالى أن من حكم هذا الابتلاء والفتنة أن يتميز الصادق من الكاذب، والجاد من الهازل، والمؤمن من المنافق: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). [العنكبوت: 3].
إذاً قد يسلك البعض هذا السبيل والطريق؛ لكنه حين يتعرض للفتنة قد لا يصبر ولا يطيق، فيكون ممن قال الله فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ). [العنكبوت: 10].
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ). [الحج: 11].
فالنفوس غير الجادة هي الأكثر انهياراً في مثل هذه المواقف، واستجابة لها.
4 - أن هذه الشخصية تمل من البرامج المتميزة الجادة، ولا تطيق الاستمرار عليها، وهي ضرورية في بناء الشخصية، وتقوية ثبات الشاب على هذا الطريق.
ويؤدي هروب هذا الشاب من البرامج الجادة إلى التخلف عن مصاحبة إخوانه الأخيار فيما يثقل عليه، حينها سيبحث عن البديل، والبديل المنتظر من هذا الصنف من الناس ليس بديل خير، بل أحسن أحواله اللهو والعبث الفارغ، وربما قادة إلى بدائل محرمة.
5 - الأرواح جنود مجندة، والنظير يألف نظيره؛ لذا فغير الجادين لا بد أن يصطفوا أصحابهم ممن يوافقهم المسلك، ويشاركهم الصفات، فهو سيبحث داخل الصحبة الخيرة عمن يجانسه، ممن تدنو همته، وتضعف عزيمته، فيعين بعضهم بعضاً على التراجع والتقهقر، وقد سبق الحديث عن أثر الجليس ودوره.
إن قلة الصبر والجزع أودت بامرئ كان يجاهد في سبيل الله فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم أما إنه من أهل النار، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، قال: "فخرج معه كلما وقف معه، وإذا أسرعَ أسرع معه، قال: "فجرح الرجل جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "أشهد أنك رسول الله، قال: "وما ذاك؟ قال: "الرجل الذي ذكرت آنفاً أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت أنا لكم به، فخرجت في طلبه ،ثم جرح جرحا شديداً ،فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثديية ثم تحامل علية فقتل نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم عند ذلك: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة". [رواه البخاري 2898، ومسلم 112].
ويخبرنا صلى الله عليه وسلم عن نموذج آخر من هذا الصنف فعن الحسن رحمه الله قال حدثنا جندب بن عبد الله في هذا المسجد، وما نسينا منذ حدثنا، وما نخشى أن يكون جندب قد كذب على النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فخر بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: "بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة". [رواه البخاري 343، ومسلم 113].

• سمات شخصية:
وقد يكون منشأ ذلك أسباب تعود إلى شخصية الشاب، وصفاته ومن هذه العوامل:
 
أ - ضعف الشخصية:
تتميز شخصية البعض من الشباب بالضعف والتبعية؛ فآراؤه ومواقفه مناخ لمن سبق، لا يكاد يستقل برأي، أو ينفرد بموقف، ولا يستطيع أن يصدر عن رأيه، بل هو مع ذلك يصعب عليه أن يسير وفق اقتناعاته، وربما تجاوزها نتيجة ضغط رفيقه أو زميله.
والاستقامة لها تكاليف، وتحتاج لا رادة جازمة تقود صاحبها للتخلي عن دواعي شهواته والالتزام بما يأمره الله سبحانه وتعالى به مما يشق على أصحاب الإرادات الضعيفة، والشخصية المهزوزة.
ومثل هذا النوع ضعيف الشخصية سرعان ما يسيطر عليه غيره ويوجهه، أو تهتز اقتناعاته لا ي أمر يعرض له، وربما استغل البعض هذا الجانب لديه ليحقق من خلال ذلك مصالح أو أهواء شخصية.

ب -الشخصية المتقلبة:
وهو نمط قريب من النمط السابق، لكن صاحبه يمتاز بكثرة التقلب والتحول من حال لا خر، فيوماً تراه زاهداً عابداً، ويوماً تراه لا هثاً وراء شهوته ساعياً خلف هواه.
والإشكال الأكبر في هذا الصنف هو أنه مهما بلغ من الصلاح والتقوى، ومهما قطع من المراحل وتجاوز من المشكلات يبقى غير مضمون النهاية ولا مأمون العاقبة.
وقد يكثر تبدل أحواله وتلونها، وتنقله من حال الاستقامة إلى الانحراف حتى يستمرئ الصبوة.
هذه الأمور تعود إلى نمط الشخصية وطبيعتها وربما كانت صفة ملازمة لها تستعصي على التعديل والتهذيب، وتبقى استفادتنا من تحديد هذا السبب في عدم تحميل أنفسنا المسؤولية إزاء هذا الصنف من الناس.

• رواسب الماضي:
وذلك أن الشاب ربما كان له سابقة سيئة، وتجربة في الانحراف والفساد، وحين استقام على هذا الطريق ورجع إلى الله لم يتخلص من كل عوائق الماضي ورواسبه بل بقيت لديه بعض الرواسب والتي ربما أعادت إليه الحنين للماضي في فترة تضعف فيها نفسه ويستولي عليه الشيطان.
شاب اعتاد أن يسمع الغناء ويتلذذ به فيدعوه الشوق والحنين لمعاودة هذا السماع المحرم.
أو آخر كانت له صحبة سيئة، يراهم صباح مساء ويشاركهم المعصية، ويعرفون عنه ما لا يعرف غيرهم، فربما استجره الشيطان للقاء بهم مرة أخرى.
أو ثالث كانت له صلة محرمة، وتجربة في الرذيلة أقلع عنها، واغتنم الشيطان حالة ضعف لديه فأعاد عليه شريط الذكريات ففكر بجد لمعاودة التجربة... ورابع وخامس وهكذا.
وهذا المعنى هو الذي فطن إليه من قيل عنه إنه أعلم أهل الأرض حين سأله الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً وكمل بالراهب المائة، فقال له هذا العالم: "نعم ومن يحول بينك وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها ناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ". [رواه البخاري 3470، ومسلم 2766].
لقد كان هذا العالم ربانياً ومفتياً بحق، فهو لم يكتف بإخباره أن له توبة بل دله على الطريق الموصل لها. وأدرك هذا العالم أن الرجل لو بقي في بلده وقريته فسوف يعود إلى معصيته، وأنه لا يمكن أن يتخلى عن المعصية إلا حين يتخلى عن قريته ويفارقها، أو بعبارة أخرى يتخلص من رواسب المعصية.
قال ابن حجر رحمه الله: "وفيه فضل التحول من الأرض التي يصيب فيها الإنسان المعصية لما يغلب بحكم العادة على مثل ذلك، إما لتذكره لا فعاله الصادرة قبل ذلك والفتنة بها، وإما لوجود من كان يعينه على ذلك ويحضه عليه، ولهذا قال له الأخير: ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، ففيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي اعتادها في زمن المعصية، والتحول منها كلها، والانشغال بغيرها". [فتح الباري 6/ 517-518].
إذاً فالشاب الذي خاض تجربة سيئة، ويدرك نعمة الاستقامة، ويريد المحافظة عليها جدير به أن يتخلص من عوائق الماضي ورواسبه، وأن يقطع صلته بكل ما يدعوه إليه.

• ضغط البيئة:
قد ينشأ الشاب في بيئة صالحة وأسرة محافظة، تربيه على الفضيلة، وتعطيه مزيداً من الدافع لمواصلة الطريق.
لكن غيره قد ينشأ في جو آخر، فيكون في بيت غير صالح، وأسرة غير محافظة، والكثير بحمد الله من الشباب يجتاز هذه العقبة، بل منهم من يكون سبباً في صلاح أهل بيته.
لكن البعض منهم قد يكون هذا المنزل سبباً في ضلاله وانحرافه وذلك من خلال عوامل عدة:
1- قد يكون المنزل وسيلة لهدم نتاج التربية التي يتلقاها الشاب خارجه، فقد يستطيع المربي أن يقطع خطوات في تربية الشاب وتوجيهه لكن جهد"غير مضمون الثمرة لا ن تأثير البيت المعاكس يظل دائماً عرضة لا فساد ما تحاوله المدرسة". [منهج التربية الإسلامية لمحمد قطب 2/ 101].
2- قد يساهم الجو العام للمنزل في التأثير اللاشعوري على الشاب وتطبيعه بما يتناقض مع توجيه مربيه.
فالشاب الذي ينشأ في بيتٍ يهمل العناية بالصلاة، ولا يستيقظ أحد منه لصلاة الفجر، سيكون الاستيقاظ أمراً شاقاً عليه.
والآخر الذي اعتاد في المنزل أن يرى الصورة الفاتنة على الشاشة، وامتلأ بيته بالمثيرات قد لا يستطيع بالضرورة غض البصر وحفظه، فتدعوه نفسه للتجربة، أو المجاملة، وحين يضع أول خطوة في الطريق فهذا يعني أنه قد يواصل المسير حتى النهاية. وحين يتفاعل مع توجيه مربيه، ويعزم على ترجمة القول إلى عمل. يعود للمنزل وقد هبطت حماسته وفي الوقت نفسه انتصر داعي الشهوة، ولم يطق مجاهدة نفسه والكف عما يراه أمام عينيه.
3 - وأحياناً يواجه البعض من الشباب سخرية لاذعة، وكلمات جارحة من إخوانه، أو أخواته، وربما من أمه وأبيه، فقد يطيق البعض الثبات على ذلك والمواجهة، لكن ليس الجميع من الشباب يملك الثبات على مثل هذه المضايقة والحرب النفسية القاسية.
4 - وأحياناً ينقطع عن رفقته الصالحة، لسفرهم دونه، أو سفره مع أهله أو عامل أو آخر، فيفقد ذاك الغذاء والزاد الذي كان يعينه ويدفعه للثبات؛ فيهوي أمام هذا الواقع الصاخب في منزله.
5 - وقد يكون ذلك من خلال إخوته، أو أقرانه من أقاربه، والذين لا بد أن يلتقي بهم من وقت لا خر، فيضطر لمجالستهم، والحديث معهم ومجاملتهم، وربما لمسايرتهم ومشاركتهم.

 للأعلى


من وسائل العلاج

تحدثنا فيما سبق بشيء من التفصيل عن بعض أسباب هذه الظاهرة، ولاشك أن تشخيص المشكلة خطوة أولى ومهمة في العلاج، لكن ذلك وحده لا يكفي بل هو يطرح سؤالاً مهماً بعد ذلك: وما العلاج؟ وما المخرج؟.
إن معرفة الأسباب تختصر مراحل طويلة في العلاج، لذا فأرى أن ما ذكرناه من الأسباب يختصر علينا مراحل كثيرة من خطوات العلاج، وأن تكرار العلاج المقابل لكل سبب لا يعدو أن يكون تطويلاً مملاً، وإزعاجاً لذهن القارئ خاصة أنه سبق الإشارة إلى بعض الوسائل العلاجية هناك.
لذا سنقتصر هنا على ما لم يشر إليه في الحديث حول الأسباب
العناية بالتربية وبالأخص الجوانب الإيمانية
إن الإيمان هو المحرك الحقيقي نحو العمل الصالح ومجانبة سبيل الزائغين، وحين يواقع المرء الخطيئة، أو يتوانى عن الطاعة فإنما أتي في الأغلب من ضعف إيمانه.
ولأجل ذلك عني الشرع بالدعوة لتجديد الإيمان وتعاهده في النفس؛ إذ أن المرء يواجه في حياته ما يواجه مما يكون سبباً في فتوره وضعف إيمانه، فتتكرر الوصايا في كتاب الله للمؤمنين بتحقيق الإيمان والتقوى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ). [النساء: 136].
({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). [الحشر: 18].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً). [الأحزاب: 70]. ... الخ الآيات.
فأصل الإيمان والتقوى موجود مستقر لدى هؤلاء المخاطبين؛ وإلا لما وصفوا بأنهم: (الَّذِينَ آمَنُوا) لكنها دعوة إلى زيادة الإيمان والتقوى، وتجديده في القلب.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم ". [رواه الطبراني والحاكم 1/ 45 وانظر السلسلة الصحيحة 1585 كما في المجمع 1/ 52 وقال إسناده حسن].
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "القلوب أربعة: قلب أجرد كأنما فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن. وقلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح، فذلك قلب المنافق. وقلب فيه إيمان ونفاق ومثل الإيمان فيه كمثل شجرة يسقيها ماء طيب، ومثل النفاق فيه كمثل قرحة يمدها قيح ودم فأيهما غلب عليه غلبه ". [رواه ابن أبي شيبة في الإيمان 54 وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة ويروى مرفوعاً ووقفه أشبه].
عن علقمة أنه كان يقول لا صحابه امشوا بنا نزدد إيماناً". [رواه ابن أبي شيبة في الإيمان 104].
عن معاذ رضي الله عنه أنه قال: "اجلسوا بنا نؤمن ساعة، يعني نذكر الله تعالى". [رواه ابن أبي شيبة في الإيمان 105 وأحمد وأبو عبيد في الإيمان والبخاري تعليقاً . وصححه الحافظ].
وعن الأسود بن هلال قال: "كان معاذ يقول للرجل من إخوانه: "اجلس بنا فلنؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه". [رواه ابن أبي شيبة في الإيمان 107].
ومن بدهيات عقيدة أهل السنة والجماعة زيادة الإيمان ونقصه، وتفاضل أهله فيه وتفاوت مراتبهم، والأدلة على ذلك متواترة في الكتاب والسنة؛ وهذا وحده كاف للمسلم أن يشعر بمزيد الحاجة إلى تعاهد الإيمان في نفسه، والسعي لزيادته.
إن هذا الأمر ليدعونا إلى العناية بالتربية أصلاً وبالأخص هذا الجانب، والذي نشعر أنه حين يوجد فهو ضئيل لا يتناسب مع أهمية الإيمان ودوره في إصلاح النفوس ومع ضرورته لها، أما في التعليم النظامي والتربية المدرسية فأنت لا تكاد ترى لذلك أثراً.
وحتى حين تعود إلى البيوت - والبيوت الصالحة- فأنت سترى هذا الجانب من الجوانب الباهتة في التربية الأسرية؛ إذ ستجد الأب الذي يأمر أبناءه بالصلاة وطاعة الله، وينهاهم عما حرم الله ويزجرهم عنه، لكنك قلما تجد الأب الذي يربي لدى أبنائه الإيمان بالله، والخوف منه ورجاءه وحده.

• الخوف من سوء الخاتمة:
إن المؤمن لا بد أن يسيطر عليه هاجس الخوف من سوء الخاتمة، والحذر من أسبابها وهكذا كان الصالحون يخشون سوء الخاتمة، ويسألون الله أن يتوفاهم على الإسلام إذ "ربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة، ونوع من المعصية، وجانب من الإعراض، ونصيب من الافتراء، فملك قلبه، وسبى عقله، وأطفأ نوره، وأرسل عليه حجبه، فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجعت فيه موعظة، فربما جاءه الموت على ذلك فسمع النداء من مكان بعيد، فلم يتبين المراد، ولا علم ما أراد وإن أعاد عليه وأعاد". [العاقبة لعبد الحق الأشبيلي 178].
ومن ذلك ما حكاه الله عن يوسف عليه السلام أنه قال حين جمعه الله بأبويه وإخوته (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين).
وبكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فقيل له: أبكاؤك هذا على الذنوب؟ فأخذ تبنة من الأرض وقال: "الذنوب أهون من هذه، إنما أبكي خوف سوء الخاتمة". [العاقبة لعبد الحق الأشبيلي 175. وليس المراد بذلك احتقاره للذنوب بل المقصود مقارنة مخافتها بمخافة سوء الخاتمة].
وقد روى الطبري عن حفص بن حميد قال قلت لا بن المبارك:رأيت رجلاً قتل رجلاً ظلماً فقلت في نفسي أنا أفضل من هذا، فقال: "أمنك على نفسك أشد من ذنبه، قال الطبري: لأنه لا يدري ما يؤول إليه الأمر لعل القاتل يتوب فتقبل توبته، ولعل الذي أنكر عليه يختم له بخاتمة السوء". [فتح الباري 11/ 401].
وقال سهل التستري: "المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر". [جامع العلوم والحكم 1/ 174].
وقال ابن أبي جمرة في شأن الخاتمة هذه التي قطعت أعناق الرجال مع ما هم فيه من حسن الحال لا نهم لا يدرون بماذا يختم لهم". [فتح الباري 11/ 597].
وكان سفيان - رحمه الله - يقول: "ما أمن أحد على دينه إلا سلب".
وقال بعضهم: "إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار فلا تأمن على نفسك في تلك الحالة فإن الأمر على الخطر، ولا يدرى ماذا يكون من العاقبة، وما الذي سبق لك في السابقة، ولا تغتر بصفاء الأوقات، فإن تحتها غوامض الآفات". [المقدمة السالمة في خوف الخاتمة 27-28].
وقال الإمام البربهاري - إمام أهل السنة في عصره -: "واعلم أنه ينبغي للعبد أن تصحبه الشفقة أبداً ما صحب الدنيا؛ لا نه لا يدري على ما يموت، وبما يختم له، وعلى ما يلقى الله عز وجل، وإن عمل كل عمل من الخير". [شرح السنة للبربهاري 39-40].
وقال الإمام ابن بطة العكبري - رحمه الله -‎: "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن من شأن المؤمنين وصفاتهم وجود الإيمان فيهم، ودوام الإشفاق على إيمانهم، وشدة الحذر على أديانهم؛ فقلوبهم وجلة من خوف السلب، قد أحاط بهم الوجل، لا يدرون ما الله صانع بهم في بقية أعمارهم، حذرين من التزكية، متبعين لما أمرهم به مولاهم الكريم حيث يقول: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى). [النجم: 32]. خائفين من حلول مكر الله بهم في سوء الخاتمة لا يدرون على ما يصبحون ويمسون، قد أورثهم ما حذرهم تبارك وتعالى الوجل حين يقول: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ). [لقمان: 34].
فهم بالحال التي وصفهم بها الله عز وجل حيث يقول: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ). [المؤمنون: 60]. فهم يعملون الصالحات ويخافون سلبها والرجوع عنها، ويجانبون الفواحش والمنكرات، وهم وجلون من مواقعتها، وبذلك جاءت السنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلّم". [الإبانة 2/ 862-863].
والخوف من سوء الخاتمة له نتائجه المحمودة على النفس؛ فهو يدفع المرء للتبرؤ من الحول القوة والتسليم لله، والتوجه له بالدعاء، وهو يدعو للاجتهاد في الطاعة وتحقيق الوسائل التي تعين على الثبات بإذن الله عز وجل.

• الدعاء:
الدعاء هو مفزع المسلم وملجأه حين تدلهم به الخطوب وتوصد أمامه الأبواب، ولئن كان المسلم يسأل ربه حاجته في الدنيا، فلأن يسأله حاجته الأخروية فهو أولى وأحرى.
وللمسلم قدوة في النبي صلى الله عليه وسلّم إذ يسأل ربه متوسلاً بالثناء عليه أن يهديه لصراطه المستقيم: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
وكان كثيراً ما يدعو الله أن يثبته على دينه كما يروي عنه أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان كثيراً ما يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "اللهم زدني علماً ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب". [رواه أبو داود 5061 وابن مندة في التوحيد 1/ 274].
ويستعيذ بمولاه عز وجل أن يكله إلى نفسه "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت".
وحين يصلي صلى الله عليه وسلّم على الميت يتذكر الخاتمة والثبات فيسأل ربه: "اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده". [رواه أبو داود 3201 وابن أبي عاصم في السنة 260].
ويخبر صلى الله عليه وسلّم فيما يرويه عن ربه تعالى أن الناس كل الناس لا يمكن أن يستغنوا عن الله طرفة عين، وأن من لا يهده الله فلا هادي له: "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فا ستهدون أهدكم".
ويأمر الله عباده جميعاً الأتقياء والفجرة، الصالحين ومن دون ذلك. أن يستهدوه كل يوم مراراً قائلين: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ). [الفاتحة: 6- 7].
وعباد الله الصالحون الراسخون في العلم يسألون الله سبحانه أن يثبتهم، ويستعيذون به من الضلالة وزيغ القلوب (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ* رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ). [آل عمران7- 8].
ويرى ابن مندة - رحمه الله - أن في هذه الآية دعوة لدعائه فيقول: "وقال منبهاً على دعائه: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)". [التوحيد لا بن مندة 1/ 272].
وحين أتم الله النعمة على عبده يوسف سأله حسن الخاتمة فقال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ). [يوسف: 101].
وحين يعلم المسلم ذلك يدرك عمق حاجته لسؤال الله سبحانه وتعالى الهداية، والبحث عن أسبابها وطرقها، واجتناب معوقاتها وصوارفها، ويجتهد في تحصيل ذلك، والسعي إليه.

• المداومة على العمل الصالح:
إذ العمل الذي يداوم عليه صاحبه هو أحب الأعمال إلى الله عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلّم: "سددوا وقاربوا، واعلموا أن لن يدخل أحدَكم عملُه الجنة، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". [رواه البخاري 6464 و مسلم 2816].
وهو هديه صلى الله عليه وسلّم كما تروي ذلك عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول: "كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي يداوم عليه صاحبه". [رواه البخاري 6462].
وحين سئلت رضي الله عنها هل كان يخص شيئاً من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمه، وأيكم يستطيع ما كان النبي صلى الله عليه وسلّم يستطيع". [رواه البخاري 6466].
وحين سئلت عائشة وأم سلمة أي العمل كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قالتا: "ما ديم عليه وإن قل".
والمداومة على العمل الصالح تحول العمل لدى المرء إلى عادة وأمر يألفه يتحول جزءاً من حياته، بعد أن كان يجاهد نفسه ويتكلفه، فيصير عادة يشق عليه تركها والإخلال بها، وحين يكون له رصيد من العمل الصالح يداوم عليه: (تلاوة، صلاة، صيام، ذكر...) ولا يخل به فإن هذا سيجعله بإذن الله يعيش في جو الصلاح والاستقامة والخير، وحين يصيبه ما يصيبه من فتور أو ضعف فسوف تكون هذه الأعمال التي يحافظ عليها في اليوم والليلة مدعاة لاستفاقته ورجوعه، وتدارك نفسه.

• المناصحة:
حين تبدو على أحد من الناشئة مظاهر التغير فينبغي على إخوانه المبادرة بمناصحته، ومصارحته؛ فالنصيحة من حقوق المسلم على المسلم، وقد بلغ شأن النصيحة وعلو منزلتها لدرجة أن يبايع صلى الله عليه وسلّم الناس عليها، كما قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: "بايعت رسول صلى الله عليه وسلّم على السمع والطاعة، والنصح لكل مسلم".
وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم يسلكون هذا المسلك مع أولئك الذين يتنكبون الطريق، فتروي لنا كتب السيرة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "وكنا نقول: ما لله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال: "وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم.
قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم المدينة أنزل الله تعالى فيهم، وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ* وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ). [الزمر: 53- 55].
قال عمر رضي الله عنه فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص رضي الله عنه، قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوت ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم افهمنيها، فألقى الله عز وجل في قلبي أنها إنما أنزلت فينا، وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعت إلى بعيري فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلّم في المدينة". [وانظر: تفسير ابن كثير 4/ 91].
لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدرك مسئوليته تجاه أخيه، ومن ثمّ تتحرك يده لتسطر له هذه الرسالة، وربما قفز إلى ذهنه تساؤل:
هل سيفهم هشام بن العاص الصحيفة؟.
وعلى فرض فهمها فهل سيهاجر إلى محمد صلى الله عليه وسلّم وصحبه؟.
هذه استفهامات العاجزين القاعدين، الذين يديرون أمورهم بالنيات فقط، وبالقول لا بالعمل، ولكن عمر رضي الله عنه يلقن هؤلاء هذا الدرس العظيم: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ). [النور: 54]. وقد نجح البلاغ هنا - بإذن الله - وتحققت جميع هذه الاستفهامات، ونفع الله بهذه الصحيفة، وهاجر هشام بن العاص إلى المدينة على يد عمر رضي الله عنه. إن جيلاً فيه أناس بنفسية عمر لهو جيل عامل نشيط، وهكذا فلنكن مثل عمر وبمثل عزمه وحرصه على هذا الدين". [مجلة البيان عدد 87، ص 70- 71].
والموقف نفسه يتكرر من عمر رضي الله عنه مع رجل آخر إذ كان رجل من أهل الشام ذو بأس يفد إلى عمر رضي الله عنه ففقده عمر، فقال: "ما فعل فلان بن فلان، فقالوا: يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب، قال: فدعا عمر كاتبه فقال: "اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، ثم قال لا صحابه ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه، ويتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر رضي الله عنه جعل يقرأه ويردده ويقول: غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي".
وفي رواية: "فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه ووثقوه وادعوا الله لأخيكم أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه". [تفسير ابن كثير 4/ 107].

• العمل والمشاركة الدعوية:
لاشك أن للدعوة والعمل آثار على نفس صاحبها قبل غيره:
فهي سبب لتوفيق الله سبحانه وهدايته له؛ إذ الجزاء من جنس العمل، فمن يسعى لهداية الناس ودلالتهم على الصراط المستقيم يثيبه تبارك وتعالى بمزيد من الهداية والتثبيت.
وحيث كان الجهاد سبباً بإذن الله لهداية الناس وعد الله المجاهدين في سبيله أن يهديهم إلى سبيله وصراطه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا). [العنكبوت: 69].
والذي يدعو إلى الله يشعر أنه بمزيد حاجة لا ن يتمثل هذه المعاني التي يدعو إليها في نفسه، ويشعر أن الناس ينظرون إليه نظرة اقتداء وإجلال؛ فيدعوه ذلك للعمل بما يدعوهم إليه وتمثله في نفسه، وإلى البعد عن مواطن الريبة والغواية، كصحبة الأشرار وغير ذلك من الوسائل، بخلاف من لا يدعو.
والذي يدعو لمبدأ - أي مبدأ - يزداد اقتناعاً به، وحرصاً عليه، فكيف بالمسلم الذي يدعو الناس لدين الله والاستقامة على طاعته.
والدعوة تملأ وقت المسلم بالعمل الجاد، وتشغل ذهنه بالتفكير العملي فلا يجد في وقته فراغاً للصورة، ولا في ذهنه ساعة خالية يملأها بأوهام ربما تحولت إلى واقع سيء.
وهي تشعر المرء بحلاوة الإيمان، ولذة سلوك هذا الطريق، ويصبح يرى بعينيه من النتاج والإنجاز ما يكون بديلاً لا ن تتطلع نفسه إلى شهوة محرمة كما قلنا في شأن طلب العلم والتوجه له.

 للأعلى


الخاتمة

أخي القارئ:
وبعد هذه الجولة والوقفات حول هذه المشكلة، وأسبابها، وعلاجها، وبعد أن رأينا كيف كان السلف أهل الإيمان والتوقي، وأرباب الصلاح والخشية والعبادة، كيف كان أولئك يخافون من سوء الخاتمة، ويسألون الله الثبات على هذه الدين.
بعد ذلك كله أو قل لنفسي ولك: إن هذه الهداية، والتوفيق لسلوك الطريق المستقيم، والسير في ركاب الصالحين، والتحافي عن طريق الضالين، إن ذلك كله ليس بجهدنا، ولا ذكائنا وحرصنا بل أولاً وأخيراً نعمة من الله سبحانه وتعالى تستوجب الشكر والاعتراف بالفضل له وحده، وتستحق المحافظة عليها والعناية بها.

أخي الكريم:
إن نعمة الهداية أغلى ما يملكه المرء، وأتم وأكمل نعمة يمتن بها الله عليه، فهل ندرك عظم مسؤوليتنا في الحفاظ على هذه النعمة، وال0سعي للثبات على هذا الصراط المستقيم؟
وحين نرى أولئك الذين ركبوا طريق الغواية، وضلوا سواء السبيل ندرك خطورة هذا المسلك، ويضع المرء يده على قلبه سائلاً الله الثبات والهداية، ورحم الله ابن القيم إذ يقول:

واجعل لقبلك مقلتي كلاهما *** بالحق في ذا الخلق ناظرتان
فانظر بعين الحكم وارحمهم بها *** إذ لا ترد مشيئة الديان
وانظر بعين الأمر واحملهم على*** أحكامه فهما إذاً نظران
واجعل لقلبك مقلتين كلاهما *** من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربك كنت أيضاَ مثلهم *** فالقلب بين أصابع الرحمن

والخلاصة في هذه القضية تتمثل في أمرين:
أولهما: استعانة العبد بالله سبحانه، وتوجهه له وحده، بالدعاء والرجاء والاستعانة، والبراءة من كل حول أو قوة.
والأمر الثاني: الأخذ بالأسباب المعينة على ذلك، فالله سبحانه وتعالى كما خلق المسببات خلق لها أسباباً، وقد بين لنا في كتابه أن للهداية أسباباً، وللظلال أسباباً، وتقصير العبد في معرفة أسباب الهداية، وأسباب الغواية ليس بحال بأقل من تقصيره في سلوك حق رآه، أو اجتناب باطل علمه.
أسأل الله أن يهدينا وإياك لصراطه المستقيم، وأن يثبت قلوبنا على دينه، وأن يجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاه إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين

محمد بن عبد الله الدويش
ص ب 52960 الرياض 11573

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008