تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

الرسالة التربوية للأسرة

د. محمد بن عبدالله الدويش

 المقدمة
 أهمية الرسالة التربوية
 العوامل الأسرية المؤثرة على الطفل
 كيف تؤدي الأسرة رسالتها؟

المقدمة

الحمد لله نحمده ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا,من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هاديَ له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله. أما بعد.
حينما نتحدث عن الأسرة فإن الحديث يطول، ولا يمكن أن نحتوي أطرافه ومضامينه في مثل هذا اللقاء العاجل المختصر، فرأيت أن أركز الحديث حول الرسالة التربوية للأسرة.
ولئن كنا فيما مضى نحتاج إلى أن تؤدي الأسرة هذه الرسالة فنحن اليوم في ظل هذه المتغيرات بل القفزات الهائلة التي تقفز إليها مجتمعات المسلمين أحوج ما نكون إلى أن نعيد إلى هذه المؤسسة رسالتها، وأن نرتقي بها لتؤدي هذه الرسالة.
إن أبناءنا وبناتنا اليوم لم يعودوا أبناءً لنا إذ هم أبناء لوسائل التأثير, أبناء لوسائل الإعلام, أبناء للمؤثرات المتناثرة هنا وهناك في هذه المجتمعات، أليست هذه الوسائل اليوم تزاحمنا على أولادنا؟‍‍‍‍‍ أليست تسهم في بناء كثير من قيمهم ومفاهيمهم وموازينهم؟ أليست تؤثر على كثير من سلوكياتهم؟
إن الصور الشاذة التي نراها في الشوارع، وفي الأماكن العامة، وفي الأسواق؛ بل في المدارس إنما هي إفراز لتخلف الدور التربوي للأسرة.
وقد أدى الزخم الهائل لهذه المؤثرات الوافدة إلى أن تسرق الأوقات وتسرق مساحات ومجالات التأثير من الأسرة, لكن هذا لا يعفينا من أن نسعى جادين إلى تعميق الرسالة والمهمة التربوية للأسرة ومن هنا كان هذا الحديث المقتضب المختصر الذي لا يمكن أن يأتي على أطراف مثل هذا الموضوع لسعته وشموله وأهميته في مثل هذا اللقاء, ولهذا سأسعى إلى الإجابة على سؤالين رئيسين هما:
لماذا نحن بحاجة إلى أن نُفعِّل الرسالة التربوية للأسرة ؟
وكيف تحقق الأسرة هذه الرسالة التربوية؟
حينما نتساءل اليوم عن أهمية الوظيفة والرسالة التربوية للأسرة، فليس دافعنا لذلك هو مجرد إقناع الناس بالأهمية التربوية للأسرة، فأظن أن هذا أمرٌ يتفق فيه الجميع: المسلم والكافر، الجاهل والمتعلم, جميعهم يتفقون على أن التربية مطلب وضرورة، وعلى أن الأسرة ينبغي أن تتحمل مسؤوليتها في التربية، لكن سأحاول أن أسلط الضوء على بعض الإجابات على هذا السؤال - أعني لماذا الرسالة التربوية للأسرة - التي تفيد في الميدان العملي أكثر من أن تكون مجرد إضافة مزيد من الاقتناع لدينا في هذا الجانب .

 للأعلى


أهمية الرسالة التربوية

هناك جوانب كثيرة تبرز أهمية الرسالة التربوية للأسرة لكنني ساجتزئ ما أرى أنه ينبغي أن نوظفه عملياً للإجابة على السؤال الآخر وهو كيف نرتقي بالأسرة لتؤدي رسالتها؟.

1- الأسرة أول دوائر التنشئة الاجتماعية:
 الأسرة هي الدائرة الأولى من دوائر التنشئة الاجتماعية، وهي المؤسسة الأولى من المؤسسات التربوية؛ فحين يخرج الطفل الرضيع من بطن أمه، فأول مجتمع يواجهه هو مجتمع الأسرة؛ بل إن التأثير التربوي يبدأ من مرحلة الحمل, فالطفل وهو في بطن أمه يتأثر بانفعالات الأم، ويتأثر بالحالة النفسية التي تعيشها، ويتأثر باتجاه الأم نحو حملها ونظرتها له، ولهذا تبدأ مهمة الأم في تربيته منذ أن يكون حملاً في بطنها.
ثم يخرج وهو رضيع وتوصل له الأم رسائل تربوية يفقهها هو وربما لا تفقهها الأسرة, في رضاعته من و الدته، في مداعبة أهله له، في حمل أمه له ووضعها له، يتلقى مشاعر العطف والحنان، والتي تعتبر مطلباً ضرورياً في نموه الاجتماعي والنفسي والعاطفي, وهذا الأمر تجهله كثير من الأمهات ويجهله كثير من الآباء.
ويمتد به العمر إلى أن يصل إلى سن المدرسة, وهو لا يتعامل مع أي مؤسسة أخرى .
إذن حين تكون الأسرة هي المؤسسة الأولى، وهي أول ما يفتح الطفل عينه عليه فهذا يؤكد أهمية الرسالة التربوية للأسرة، وهو في المقابل أيضاً يعيننا في الإجابة على كيف؟ فبقدر ما نواجه من تحديات نملك فرصاً في تربيتنا ربما لا نثمنها .

2- الأسرة أول جماعة ينتمي لها الطفل:
الأسرة هي أول جماعة يعيش فيها الطفل ويشعر بالانتماء إليها، وهو بهذا يكتسب أول عضوية في جماعة، ويؤثر نمط هذه الجماعة وعلاقاتها على علاقاته فيما بعد, فإنه قد ينتمي بعد ذلك إلى جماعات اللعب فيشاركهم في ذلك اللعب, ويتقدم به العمر ويصل إلى سن المراهقة فيرتبط بثلة الرفاق، ثم يتقدم به العمر فيرتبط بجماعات أخرى من خلال الزمالة المدرسية، ثم تليها جماعات أخرى من خلال العمل وغيره.كل هذه الجماعات تتأثر بالجماعة الأولى التي انتمى وارتبط بها هذا الطفل, ويتشرب قيماً ومفاهيم ومعايير يزن من خلالها الناس كما سيأتي.

3- الأسرة هي الجماعة الوحيدة التي يبقى مرتبطا بها:
جماعة الأسرة هي الجماعة الوحيدة التي يظل الإنسان مرتبطاً بها ولا يتخلى عنها, فحين نعود إلى تاريخنا، فسنجد أنه كانت لنا علاقات حين كنا أطفالاً, كنا ننتمي إلى مجموعة وفئة من أهل الحي والجيران والأقارب، وكنا نمارس معهم اللعب ونعيش معهم, حين كنا في الدراسة كان لنا رفقة وزملاء في الدراسة، وكذلك في العمل، وجماعات كثيرة تنشأ في حياتنا ثم تنقرض, أما الأسرة فهي الجماعة الوحيدة التي يبدأ بها المرء مع بدايته في الحياة وهي التي تودعه إلى دار البرزخ, نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة.

4- الأسرة جماعة ذات طبيعة خاصة:
 طبيعة العلاقة المتبادلة بين أعضاء الأسرة تختلف بغض النظر عن نوعهم وعددهم, الأسرة هي الجماعة الوحيدة التي يلتقي فيها جيل الآباء بالأبناء بل الآباء بالأحفاد، ويتعامل فيها الرجل مع زوجته ومع بناته الكبار اللاتي تزوجن وأنجبن، ويتعامل مع بناته المراهقات ومع أبنائه المراهقين، ويتعامل مع الأطفال، ومع الرضع، ولهذا تكون للأسرة طبيعة خاصة تختلف عن سائر الجماعات بغض النظر عن نوع هذه العلاقة, عن حجم الأسرة, عن طبيعة واختلاف الأسرة، عن اختلاف أعضاء الأسرة من حيث الجنس والسن وغيرها, هذه الجماعة وهذه المؤسسة تبقى مترابطة متماسكة.
وهذا يؤكد على أهمية الرسالة التربوية للأسرة وهو أيضاً يعطينا فرصة يمكن أن نستثمرها لنجيب على سؤالنا كيف نرتقي بالتربية الأسرية؟.

5- الأسرة أكثر الأنظمة الاجتماعية ثباتا في التاريخ:
مؤسسة الأسرة هي أكثر الأنظمة الاجتماعية ثباتاً على مدى التاريخ؛ فمن يدرس التاريخ يعرف أن هناك أنظمة اجتماعية تحكم علاقات الناس وصلاتهم, القبيلة، والعشيرة وغيرها، هذه الأنظمة متطورة على مدى التاريخ, ومن يقرأ التاريخ يرى ويكتشف أن هذه العلاقات لم تثبت على وتيرة واحدة. وها نحن اليوم نجد مجموعات العمل والدراسة وهي ناشئة مع ظروف الحياة الجديدة، وستنشأ في المستقبل نوع من المجموعات والعلاقات ها نحن نرى اليوم بوادرها من خلال شبكة الإنترنت؛ فنرى علاقات وصِلات بين رجلين لو قابل أحدهما الآخر لم يعرفه؛ لكن تبقى هذه المؤسسة أكثر الأنظمة ثباتاً ورسوخاً على مدى التاريخ وستبقى إلى ما شاء الله.

6- طول الوقت الذي يقضى مع الأسرة:
الوقت الذي يقضيه الطفل مع أسرته من أطول الأوقات سواءً أكان من خلال المرحلة الأولى من العمر -وسنشير إليها- أو ما سوى ذلك.
وهي حين تحسن التعامل مع هذا الوقت المتاح لها ستكسب فرصاً وإمكانيات لا تتاح لبقية المؤسسات التربوية الأخرى، وتقصر عنها عوامل التأثير الأخرى التي يمكن أن تزاحم دور ورسالة الأسرة.

7- الأسرة تنفرد بالطفل أول عمره:
تنفرد الأسرة بالتعامل مع الطفل والتأثير عليه في المراحل الأولية من العمر، وهذه المراحل لها أثر كبير جداً في تشكيل شخصية الطفل وتشكيل قيمه وتصوراته وموازينه.
إنك ترى لدى الرجل كبير السن قيماً وأسلوباً في النظر إلى الحياة ومعايير ترسخت عنده منذ أن كان في طفولته ولا تزال مترسخة ثابتة.
في هذه المرحلة المهمة والخطرة تنفرد بالطفل ولا يزاحمها عليه أحد, نعم وسائل الإعلام بدأت تزاحم أطفالنا في هذا السن وهذه المرحلة؛ لكننا لا نزال نستطيع أن نتحكم فيه إلى قدر كبير، ونستطيع أن نقلل من فرص تعرضه لتلك المؤثرات التي هي في الأغلب أن تسير به في طريق مخالف للطريق الذي ترتئي الأسرة أن تسير عليه وتسلكه.
ومن هنا فاستثمار هذه المرحلة المهمة يختصر علينا خطوات كبيرة، وحينما نتحدث اليوم ونطالب بأن نستثمر هذه المرحلة المهمة، فلا ينبغي أن يقف الأمر عند التصور الساذج للتربية المطلوبة التي تقتصر على مجرد إعطاء توجيهات وأوامر ونحوها, بل ينبغي أن نتجاوز إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال البناء الصحيح لطريقة تفكير الطفل, البناء الصحيح للقيم التي ينطلق من خلالها الطفل، وتنمية القدرات التي يمكن من خلالها أن يتعامل مع ما يفد إليه بعد ذلك وما يواجهه من مؤثرات لا يمكن أن يتخلى عنها ويتخلص منها فيما يستقبل من حياته.

8- الأسرة تشكل قيم الطفل:
 الأسرة تختار من البيئة ما تراه مهماً، ثم بعد ذلك تقوم بتفسيره وإصدار الأحكام عليه, ومن هنا تكون القيم التي يتشربها الطفل متأثرة بنظرة الأسرة وبتعبيرها عنها، فتشكل هذه القيم معايير يتعامل من خلالها مع ما يواجهه في المستقبل من مؤثرات في الأسرة .
الطفل الذي يعيش في أسرة تحتقر المتدينين –على سبيل المثال-، سوف يتشرب هذه القيم من خلال ما يراه ويسمعه من والده ووالدته، ثم تستقر عنده هذه القيم, حين يأتي إلى المدرسة فيجد معلماً متديناً فإن نظرته لهذا المعلم ستكون نظرة احتقار وانتقاص, نظرة تلقاها من خلال ما غرسته الأسرة عنده.
والنموذج الآخر: الطفل الذي يعيش في أسرة متدينة تحسن التربية -وليس كل أسرة متدينة تحسن التربية- وتربي بطريقة صحيحة, فيأتي المدرسة، وهي أول تجربة له مع عالم مفتوح، وأول لقاء فعلي خارج الأسرة فكل تجاربه الأخرى في التواصل مع الآخرين تبقى تجربة محدودة، وتبقى غالباً لها صلة وثيقة بثقافة الأسرة وتربيةالأسرة؛ فغالباً ما يكون هناك قدر من الانتماء الفكري والقيمي والثقافي بين الأسرة ومحيطها القريب، فيبقى التغيير محدوداً حتى حينما يلتقي في الشارع بأبناء الجيران فثمة تغيير لكنه يبقى محدوداً من خلال الجيران الذين يحتك بهم.
أما حينما يأتي المدرسة، والفصول مليئة بالطلاب ويجد في فصله العديد من الطلاب الذين ينتمون إلى أسر متفاوتة, وتربية مختلفة, وأنماط اجتماعية متباينة, وشرائح اقتصادية شتى, وثقافات مغايرة, سينتقل نقلة أخرى وتصدمه هذه النقلة.
يأتي الطفل إلى المدرسة وسيبدأ باختيار أصدقاء, كيف سيختار الأصدقاء؟ إنه تلقائياً من خلال تلك القيم التي غرستها فيه الأسرة يجد أنه يتناغم مع هذا النوع، سيجد أن الأصدقاء المحافظين الذين لا يسمع منهم كلمة بذيئة, لا يرى منهم سلوكاً بذيئاً، سيرى أن هؤلاء الأصدقاء هم أقرب إليه وأكثر تناغماً معه فيميل إليهم .
 والطفل الذي اعتاد على سلوك عدواني ومتمرد سيميل إلى تلك الفئة التي تناسبه, والطفل الآخر الذي لم يهذب سلوكه اعتاد على اللغة غير المهذبة على الألفاظ السوقية والأخلاق والسلوكيات الشاذة، سيتجه تلقائياً إلى اختيار اصدقاءٍ ممن يتناسبون مع طريقة تفكيره ونظرته.
إذن الأسرة هنا أسهمت في غرس هذه القيم التي يتصرف من خلالها من حيث لا يشعر فيحكم على الناس من خلال ما تلقاه، فنظرته إلى معلمه لا تنفك عن نظرة الأسرة للآخرين وتقييمها لهم.
إن الإنسان لا ينظر إلى الأمور نظرة محايدة، وكل المواقف التي تراها وتنظر إليها تمر إليك من خلال قناة تتمثل في إطارك المرجعي الذي تَشكّل من خلال التربية الأسرية، وبعد ذلك تعدل وتطور التربية المدرسية في هذا الإطار المرجعي.
إذاً حكمك على الناس وتقويمك لهم فضلاً عن حكمك على السلوكيات الشاذ منها والمقبول ليس حكماً موضوعياً ولا محايداً كما يقال، إنما هو حكم يمر من خلال هذه القناة التي تقوم بإعادة فلترة هذه المواقف وإصدار أحكام عليها ما بين شخص مقبول وغير مقبول ، وسلوك مقبول وغير مقبول, السلوك بحد ذاته مجرداً من هذه القيم يبقى سلوكاً محايداً؛ لأن أحكام الناس تتفاوت بالنسبة له, فالذي يعده بعض الناس سلوكاً مقبولاً, يعده الآخرون سلوكاً شاذاً وقس على ذلك الأشخاص، فالذين يعجب بهم فئة من الناس لا يعجب بهم الآخرون, من أين نتلقى نحن هذه الأحكام؟ من خلال هذا الإطار المرجعي الذي شكلته عندنا الأسرة.
ثم بعد أن جاء إلى المدرسة بدأت المدرسة تتحكم فيه تزيد وتنقص، تعدل وتقوم, المهم أن الأسرة شكلت هذه القيم التي ينظر من خلالها الطفل وتنظر من خلالها الفتاة والمراهق والمراهقة ويعمم هذه النظرة على الأمور كلها، ومن ثم فهو لا ينظر إلى المجتمع ولا إلى الحوادث نظرة محايدة إنما ينظر إليها من خلال إطاره المرجعي بغض النظر عن كون هذا الإطار يتفق مع الرؤية الشرعية أو لا يتفق، حجم الاتفاق والاختلاف يختلف، فكل إنسان عنده إطار مرجعي, وهذا الإطار مكون من خليط ما بين قضايا أملاها عليه الدين -وقد يكون ديناً صحيحاً أو باطلاً- أو أمور ثقافية أو اجتماعية أو أمور أسرية عائلية, كل هذه الأمور شكلت هذا المنظار الذي ينظر من خلاله للآخرين.
ربما أكون استطردت ولكن أرى أنها نقطة مهمة توضح لنا خطورة الرسالة التربوية، وتوضح لنا في المقابل الفرصة العملية التي يمكن أن نستثمرها في تربيتنا الأسرية.

9- الأسرة ميدان إشباع الحاجات المهمة:
 الأسرة ميدان لإشباع الحاجات النفسية والاجتماعية، وهي حاجات مهمة للطفل وللمراهق حتى لمن يتجاوز سنهم فيما بعد, فالإنسان يحتاج إلى الحب وإلى التقدير والإنتماء والهوية والمسؤولية وحاجات أخرى.
والميدان الحقيقي لإشباع هذه الحاجات هو ميدان الأسرة، وسنشير إليه حينما ننتقل إلى الإجابة على الشق الثاني "كيف"، سنرى كيف أن الأسر غير المستقرة تترك أثرها في تربية أولادها فيما بعد.

10- الأسرة أكثر انضباطا وحرصاً:
الأسرة أكثر حرصاً وانضباطاً في الغالب، فهي تعتني بأطفالها؛ حتى الآباء الذين عندهم نوع من الإنحراف والتقصير ، كثير منهم لايتمنى أن يكون أولاده مثله، والأمهات كذلك.
الأب دائماً يتمنى أن يكون ابنه خيراً منه؛ بل قد تراه يقول له بلسان المقال: إنني قد وقعت في هذه المشكلة وهذا السلوك السيئ, ولا أتمنى أن تكون مثلي أو أن تنظر إليّ إنما أتمنى أن تكون أفضل مني، بخلاف غيرهم من المؤسسات التربوية الأخرى.
لهذا كله كنا بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار للأسرة ولرسالتها التربوية، والإهتمام بذلك ليس شأن المسلمين وحدهم اليوم؛ بل حتى المجتمعات الكافرة تدرك الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها حين هدمت هذه المؤسسة. وأكتفي بهذه العبارة التي يقولها مفكر غربي مشهور (ألكسس كاريل) يقول: "لقد ارتكب المجتمع العصري غلطة جسيمة باستبدال تدريب الأسرة بالمدرسة استبدالاً تاماً، ولهذا تترك الأمهات أطفالهن لدور الحضانة".
نعم كانت غلطة عظيمة وشنيعة ينبغي أن نعيها نحن حتى لا نبدأ من حيث انتهى الآخرون.
ننتقل بعد ذلك إلى الإجابة علىالسؤال الثاني "كيف",كيف يمكن أن تفعل الأسرة رسالتها التربوية؟.
وقبل الإجابة على هذا السؤال سأشير باختصار إلى بعض العوامل الأسرية التي تؤثر على الطفل، وهي تعنينا كثيرا إذ فيها مانستطيع التحكم فيه.

 للأعلى


العوامل الأسرية المؤثرة على الطفل

ثمة عوامل عديدة في الأسرة توثر على تربية أطفالها، ومنها:

• حجم الأسرة:
فحجم الأسرة له أثر كبير على تربية الطفل، فالطفل الوحيد على سبيل المثال غالباً ما يحاط برعاية تزيد عن الحاجة، ولهذا تصبح علاقات هذا الطفل بغيره على أساس أهمية مصالحه وتظهر عنده الأنانية وحب السيطرة، بخلاف الطفل الذي ينشأ في أسرة كثيرة الأطفال، فهذا غالباً ما يميل إلى النموذج السوي باعتبار أنه يتعامل مع خليط ومع عديد من الأطفال، وباعتبار أن الحيز المتاح له من اهتمام والديه به يبقى محدوداً فالاهتمام قد توزع بين هذا العدد من الأطفال.

• تركيب الأسرة:
يعد تركيب الأسرة من حيث الأبوين: وجودهما، أو وجود الأب لوحده، أو الأم لوحدها، أو كونه يعيش عند زوجة والده، أو عند زوج والدته، يعد ذلك من العوامل المهمة في التنشئة الأسرية، وكذلك نسبة الذكور إلى الإناث، وترتيب الطفل بينهم، ولهذا نجد هذه المعلومات مما يهتم به المرشد الطلابي في المدرسة.

• انسجام أفراد الأسرة:
إنسجام أفراد الأسرة له أثر كبير على تنشئة الأطفال، فإذا كان الأطفال يعيشون في أسرة يسود فيها جوٍ تعاونيٍّ بعيد عن الخلافات والمشاحنات فهذا أحرى أن يكون هذا أكثر استقراراً وأبعد عن الإنحراف والتأثر، ولهذا فقد دلت بعض الدراسات على أن 75%من حالات الجنوح تحصل من أسر ضعيفة أو منعدمة التماسك.

 للأعلى


كيف تؤدي الأسرة رسالتها؟

أنتقل بعد ذلك إلى الإجابة على السؤال: كيف تؤدي الأسرة رسالتها؟
ربما أشرت إلى جزء من الإجابة على هذا السؤال حين أجبنا على السؤال الأول لماذا, بل حرصت على أن يكون حديثنا عن أهمية الرسالة التربوية للاسرة ليس حديثاً يقتصر على الإقناع بأهمية الرسالة التي ندركها جميعاً, إنما حرصت أن أختار من بين ما أشرت إليه ما يمكن أن نستثمره في تطوير آداء الرسالة التربوية للأسرة.

• التعامل مع الأسرة على أنها مؤسسة اجتماعية:
 ينبغي أن نتعامل مع الأسرة على أساس أنها مؤسسة اجتماعية، وينبغي أن يسهم المجتمع في تعزيز دور الأسرة، وأن ننظر على مستوى المجتمع على أن قضية الأسرة ليست قضية تعني الأب والأم وحدهما, إنما تعني المجتمع, فالمجتمع حين يهمل الاعتناء بالأسرة، فإنه لن يجلب المخاطر على ذرية رجل وامرأة فحسب, إنما سيجلب المخاطر على المجتمع بأسره.
والمجتمع حين يعتني بالأسرة ويعزز دورها سيختصر كثيراً من الخطوات، وسيحل كثيراً من المشكلات الاجتماعية, ولهذا فالحديث عن الأسرة ينبغي أن لايكون مقتصراً على قطبي الأسرة [الأب والأم] إنما حديثاً يعنيهما بدرجة مهمة ويعني المجتمع بدرجة أهم.
والمجتمع هو المسؤول عن إتاحة الفرصة لبناء الأسر السليمة المستقيمة. المجتمع هو المسؤول عن التحكم في العوامل والمؤثرات التي يمكن أن تقلص من دور الأسرة، والمجتمع ينبغي أن يدرك أنه مسؤول عن تقديم الإمكانات والخبرات للأسرة بما يعينها على الارتقاء برسالتها، وهو مسؤول عن تطوير اداء الأسرة, وهو مسؤول عن حماية الأسرة من المؤثرات، ثم هو أيضاً بمؤسساته لا يسوغ له أن يتبنى اتجاهاً يهدم تأثير الأسرة، ولعله أن يأتي مزيد حديث لهذه القضية.
وحين تختار أسرة ما أن تسير خلاف ثقافة المجتمع فإنها لا تجلب الضرر لها وحدها؛ بل تجلب الضرر على المجتمع, المجتمع الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه مثل السفينة حين يخرق فيها خرق يغرق المجتمع كله, الأسرة التي تخرج شاباً منحرفاً طائشاً هل يقتصر العناء عليها وحدها؟ أم أن ذلك يتجاوز إلى المجتمع؟ الأسرة التي تخرج فتاة منحلة هل يقتصر أثر ذلك على الأسرة نفسها؟ أم أن ذلك يتجاوز إلى المجتمع؟
 
•  الشمول في النظرة التربوية:
لابد من الشمول في النظرة التربوية, فالتربية -حتى بمفهومنا الشرعي- ليست مجرد أمر بالصلاة ونهي عن المنكر والفحشاء - وهذا الأمر لاشك أنه الأساس والأصل- لكنها أبعد من ذلك؛ إنها تبدأ أولاً بغرس الإيمان والتقوى في النفوس، حتى تميل النفوس إلى حب الصلاة وحب الخير والطاعة، وإلى كره الفساد وأهله، ثم هي بعد ذلك تعطي وتعلِّم, تعلِّم ما يجب وما يحرم، وما يسوغ وما لا يسوغ، ثم هي بعد ذلك تربي على محاسن الأخلاق ومعالي المرؤات, ثم هي تعتني بالجانب النفسي والجانب الاجتماعي والصحي، وترى أنها منظومة واحدة يؤثر بعضها على بعض، ويتأثر بعضها ببعض, فالحالة الدينية للشاب لا تنفك عن حالته النفسية, فهو حين يعيش في أسرة لا تعطيه الإشباع النفسي والاجتماعي ولا تلبي حاجاته ربما يكون شاباً منحرفاً، نظرته حتى للدين وللمتدينين ستتأثر بهذا الحرمان النفسي والاجتماعي الذي عايشه.
ولهذا نرى المربي الأول صلى الله عليه وسلم يرعى هذا الاعتبار، واجتزئ بأمثلة يسيرة, من قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم وهي الصلاة, الوقت الذي يجد فيه النبي صلى الله عليه وسلم السعادة والطمأنينه هو في الصلاة، ولهذا كان إذا فزعه أمرٌ صلى الله عليه وسلم فزع إلى الصلاة, كان يصلي صلى الله عليه وسلم- وليس يصلي وحده إنما كان يؤم أصحابه- فأتى أحد أولاده الحسن أو الحسين فارتقى على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فأطال السجود فاستبطأه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لما انصرف سألوه فقال صلى الله عليه وسلم: (إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أقوم حتى يقضي حاجته) [ أبو يعلى في مسنده 6/150، 3428].
النبي صلى الله عليه وسلم المعلم الواعظ المبلغ المربي كان يخطب أصحابه على المنبر فيأتي الحسن ويتعثر فيترك خطبته، وينزل من المنبر فيحمله، ثم يعود إلى المنبر فيقول: (إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من الناس) [البخاري كتاب الفتن باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن (إن ابني هذا سيد...، رقم  7109].
إذن أولئك الذين عاشوا تربية تراعي هذا الجانب وتلبي هذه الحاجات تنمي لديهم الثقة في النفس، وتنمي لديهم هذه القدرات والمهارات التي يحتاجون إليها، تحقق عندهم الإشباع النفسي والعاطفي. فخرجوا جيلاً قاد البشرية وأثر فيها.
فلا بد أن تتسع الدائرة التي ننظر من خلالها إلى مسؤوليتنا التربوية، وألا تقتصر على مجرد الأمر والنهي، أو على مجرد أن نعلم الأحكام الشرعية وننهى عما لا يسوغ له أن يفعله، وإن كان هذا واجباً ومتحتماً ومتعيناً.
يقول أحد التربويين الغربيين (والحكمة ضالة المؤمن ) : "لا تظنون أنكم تربون الطفل عندما تتحدثون إليه فحسب أو ترشدونه أو توجهونه؛ بل إنكم تربونه في كل لحظة من حياتكم حتى وأنتم غير موجودين في البيت، ومما له أهمية كيف تلبسون ثيابكم؟ وكيف تتحدثون مع الآخرين؟ وعن الآخرين؟ وكيف تسرون وتقابلون الأصدقاء والأعداء؟ وكيف تضحكون؟".

• زيادة الخبرة التربوية:
يحتاج المرء في كل عمل يعمله أن يسير على خطوات واضحة ومحددة، ويدرك أن مالديه من خبرة يتقلص في زخم المتغيرات المتلاحقة، فكيف بالتربية ورعاية الإنسان؟
لذا فلا غنى للآباء والأمهات عن السعي لزيادة الخبرة التربوية، ولايسوغ أن يقفا عند حدود تجربتهما المحدودة.
وتتمثل أهم مصادر زيادة الخبرة فيما يأتي:

1- القراءة:
على الرغم من أهمية القراءة في زيادة الخبرة التربوية فأقل ما يقرأ الآباء، وأقل ما تقرأ الأمهات هو ما يتعلق بشؤون التربية, فالمرأة حين تقرأ تقرأ في كتب المطبخ، والرجل حين يقرأ يقرأ في موضعات كثيرة تهمه؛ لكنه قلّ أن يقرأ ما يعنيه في تربية أولاده ويعينه على ذلك.
ويحتاج الوالدان إلى التنويع في القراءة في محاور عدة، في المحتوى، والوسائل والأساليب، وخصائص النمو، والتجارب التربوية.

2- استشارة المختصين:
استشارة المختصين ومجالستهم ومعاشرتهم، تختصر علينا خطوات كثيرة، فكثير من التسؤالات المعقدة والمشكلات الطويلة لدينا هي من البدهيات بالنسبة لهم.
ويمكن أن يضاف لذلك استثمار اللقاءات العائلية, وهذه اللقاءات يلتقي فيها ويجتمع فيها الآباء بالآباء والأمهات بالأمهات، وكثيراً ما يدار فيها حديث فارغ المضمون وغير مفيد, فلو اجتزأنا جزءاً من هذه اللقاءات لنتحدث فيه عن هموم أسرنا، وعن تربيتنا لاستفدنا كثيراً؛ فقد يكون من دونك في العلم يملك خبرات وعلوماً لا تملكها أنت، وما زال الأكابر يستفيدون من الأصاغر.

3- الاستفادة من تجارب الآخرين:
هناك تجارب كثيرة في التربية يمكن أن ترقى بخبراتنا ومهاراتنا، لكن مع الحذر من التعميم الخاطئ, فقد تكون هناك تجربة نجحت فيها أنا ، لا تنجح فيها أنت، وقد تكون تجربة نجحت فيها أنت ، لا أنجح فيها أنا؛ لأن التجربة لا يمكن أن نفصلها عن شخصية المربي، وعن البيئة التي يعيشها، وعن الشريحة التي يتعامل معها، وهذا لا يعني أن لا نستفيد منها, بل يمكن أن نستفيد من كل هذه التجارب، ولكن مع الحذر من التعميم, حينما نريد أن نعمم ينبغي أن نتأكد من مدى انطباق هذه التجارب على واقعنا .
والاستفادة من التجربة لاتعني استنساخها كاملة بالضرورة، بل يمكن أن نأخذ منها مايناسبنا ويفيدنا.

• الاعتناء بالاستقرار الإسري:
أشرنا قبل قليل إلى أثر الاستقرار الأسري على الانحراف، والاستقامة، وأثره على سلوك الأطفال.
وحينما نطالب بالاعتناء بالاستقرار الأسري، فنحن نطالب بذلك على مستويين:

1- المستوى الأول على مستوى المجتمع:
من مسؤولية المجتمع أن يسعى إلى تحقيق الاستقرار الأسري من خلال تقديم الخدمات الاجتماعية، ومن خلال أنظمة العمل فهي تؤثر بدرجة كبيرة على علاقات الناس، وثمة قضايا كثيرة لا يمكن أن ننظر إليها نظرة مادية بحتة؛ بل ينبغي أن نتساءل ونحن نضع أنظمتنا سواءً النظام المقنن الذي يصبح قانوناً ونظاما يرجع الناس إليه، أو النظام العرفي الذي نتعارف عليه, ينبغي أن نضع في الاعتبار أثر هذه الأنظمة على الاستقرار الأسري؛ فهناك أنظمة تعزل الأب عن أسرته، وتتعامل مع الأب على أنه آلة، وإذا كان يصح في العالم الغربي أن يعمل الأب لساعات طويلة بعيداً عن أسرته فأظن أننا ينبغي أن نعيد النظر في هذا الأمر.
فأرى - وهو رأي شخصي - أن نضع حداً أدنى لانسمح لأى أحد أن يتجاوزه فيما يمارسه من عمل، ولو كان هذا يؤدي إلى مزيد من الإنتاج والثراء بالنسبة له أو بالنسبة للمجتمع, فالعبرة ليست بالمادة. بل حتى في المقياس المادي يكلف الخلل التربوي المجتمع مبالغ مادية باهظة، فحين ينحرف فرد من أفراد المجتمع فيكون مدمناً كم يكلف المجتمع في علاجه الصحي, في علاجه النفسي, في علاجه الإجتماعي؛ بل المجرم حين يقع في جريمة كم يكلف المجتمع من تكاليف مادية، وكم ينفق عليه في سجنه وبعد سجنه؟ لو حسبنا التكاليف المادية لرأينا أن التربية حتى بالمنظور المادي تختصر علينا خطوات كثيرة.
وبالإضافة إلى مسؤولية المجتمع في تعميق الاستقرار الأسري من خلال تقديم الخدمات الاجتماعية, من خلال الأنظمة التي يضعها المجتمع لابد من إعادة تقويم التعامل مع وسائل الإعلام، فالمسرحيات التي تراها الأسر اليوم صباح مساء لها أثرها البالغ في هدم استقرار الأسرة, المسرحية عبارة عن مجموعة ممثلين يقفون على خشبة المسرح ويعيشون في صور مثالية, المرأة تبدو أمام زوجها في مظهر لا تبدو به حتى في منزلها والرجل كذلك, طريقة التعامل والحوار والعبارات ..إلخ .ماهو أثر هذه المشاهد المتكررة على الأسرة؟ ثم المشاهد التي تتحدث عن الخلافات الزوجية والطلاق والمشكلات، وكأنها وسيلة لتطبيع التفكك الأسري واعتباره ظاهرة طبيعية وغير شاذة ناهيك من وسائل الإثارة التي تحدث أثراً غير مباشر, فكل من الرجل والمرأة حين يرى صورة فاتنة في وسائل الإعلام ربما يقوده ذلك إلى مواقعة الفساد والبحث عما وراء ذلك، وهذا من أعظم ما يؤثر على الأسرة, وقل مثل ذلك في المسرحيات والتمثيليات التي تصور أم الزوجة على أنها أكبر عدو للزوج، وعلى أنها أكبر مشكلة تواجهه ، وكيف يستطيع الزوج يتخلص ويتهرب من حماته؛ بل ربما ارتكب الجريمة للتخلص منها، كذلك الفقرات التي تقدمها وسائل الإعلام عبر القنوات الفضائية، وعبر شبكة الإنترنت من هنا وهناك تهدم بنيان الأسر وتزلزل استقرارها, والمجتمع مسؤول عن الحد من هذه المؤثرات حتى يحمي الأسرة.

2- المستوى الثاني على مستوى الأسرة:
إن الاستقرار الأسري لاتعود ثمرته على الوالدين وحدهما، إنما تعود الثمرة بعد ذلك إلى الأبناء والبنات بل إلى المجتمع كله؛ فإنه سيجني ثمرة هؤلاء، ومن ثم لابد أن يسعى الزوجان إلى تقوية الاستقرار الأسري والتضحية والتحمل في سبيل تحقيق مثل هذا الهدف.

• زيادة الوقت المخصص للأسرة:
الأسرة تملك وقتاً واسعاً تتعامل فيه مع أولادها، وفي هذا الوقت استجدت عوامل كثيرة سرقت جزءاً كبيراً من هذا الوقت، ودعوني أضرب على ذلك ثلاثة أمثلة سريعة:

3- التلفزيون:
فالأسرة تجتمع عليه أثناء طعام العشاء، أو تناول الشاي، وهذا يعني أنهم سيتجمعون صامتين ينظرون جميعاً إلى هذه الشاشة، هذا الوقت كان من الممكن أن يشغل بالحديث بين أفراد الأسرة، وهذا الحديث لابد أن يكون له أثره, فهذا الوقت الذي تعتقد فيه الأسرة أنها قضته جميعاً ليست كذلك، إنما قضته أمام ما يسميه بعض التربويين "المجمِّع المفرِّق" جمعهم أبداناً وفرقهم عقولاً وأرواحاً.

4- السائق:
اعتاد الأب أن يوصل أبناءه إلى المدرسة، وأن يوصلهم هنا وهناك، وحين جاء السائق صار يكفيه المؤنة، لقد وفر علينا وقتا وجهدا؛ لكن كم هو الوقت الذي يقضيه أولادنا مع السائق؟ هذا الوقت كان من الممكن أن يقضوه مع والدهم, فيترك فيهم الأثر النفسي والأثر الاجتماعي في تقوية الصلة بين الأب وأولاده وكذا الأثر التربوي، فإنهم يسيرون في الطريق ويشاهدون مواقف تمر بهم وتستحق التعليق والتقويم, فماذا نتوقع من هذا السائق أن يغرسه في نفوس أولادنا؟‍

5- الخادمة:
تعيش الخادمة طويلا مع الصغار وتأخذ منهم وقتاً، فقد تقوم بإعداد الطعام لهم، وتنظيفهم، ومساعدتهم في ارتداء الملابس، في هذه المرحلة الخطيرة المهمة التي يحتاجون فيها إلى العطف، إلى الحنان، إلى هذا الإشباع الذي حرموه بسبب هذا الوافد الغريب.
هذه ثلاثة نماذج من الوقت الذي سرق من الأسرة كان ينبغي أن يكون مع الأسرة جميعاً أو مع الأب والأم فما بالك بما سوى ذلك؟
إن هذا يدعونا إلى أن نزيد من الوقت المتاح للأسرة.
وجانب من ذلك يتعلق بالأب فهو بحاجة إلى أن يعيد النظر في الفترة التي يغيبها عن منزله سواءً كان من حيث طول الوقت الذي يقضيه خارج المنزل، أو من حيث موقع هذا الوقت الذي يقضيه في المنزل من البرنامج اليومي، فالوقت الذي تقضيه في المنزل وأطفالك نائمون لا قيمة له.
بعض الآباء يقضي وقتاً طويلاً في العمل ثم يرتبط بعمل إضافي، أو ينشغل بارتباطات اجتماعية هنا وهناك فلا يرى أطفاله ولا يرى أسرته إلا نادراً.
والجانب الثاني يتعلق بالأم, التي قد تعمل وتنشغل خارج المنزل وترى أن الخادمة تكفيها المؤونة فتتنازل عن جزءٍ من وقتها للخادمة.
الجانب الثالث يتعلق بالأولاد، فلا ينبغي أن نسمح لهم أن يقضوا معظم أوقاتهم خارج المنزل، لا بد من أن يكون هناك و قت يلتزم فيه الأولاد أن يقضوه داخل الأسرة.

• اعتبار الأسرة أولوية:
لابد أن تعتبر الأسرة أولوية في أمور كثيرة، ومن ذلك:
عمل المرأة فلابد أن نعيد تقويمه اليوم في ضوء مهمة الأم، ولابد من أن نبتعد من العقدة التي تجعل عمل المرأة مطلباً لذاته, إن الموقف من عمل المرأة واضح ولسنا بحاجة إلى تقريره؛ لكن حديثنا اليوم عن عمل المرأة هل هو حديث موضوعي؟ هل هو حديث يمليه واقع المجتمع فعلاً؟.
أم هو حديث نسير فيه وراء العالم الآخر؟.
 ألسنا نسمع كثيراً أن المرأة تقول: حصلت على شهادة ثم علَّقتها على الرف؟.
إذن هل العمل غاية في حد ذاته؟.
أم أنه حينما تكون هناك حاجة لعمل المرأة يصبح عملاً منتجاً؟
ولماذا نعتبر أن الخادمة التي تذهب إلى بيت آخر وتعمل بأجر امرأة عاملة وتصنف هي في معيار العمل الذي تتبناه الأمم المتحدة على أنها عاملة، أما المرأة التي ترعى أسرتها وتربيها وتقوم بأضعاف هذا الدور فلا تعتبر عاملة؛ لأنها لا تتلقى على ذلك أجراً ؟!
ينبغي أن نتجاوز الحساسية التي نتعامل بها مع هذه الأمور، وأن ننظر إلى عمل المرأة نظرة موضوعية، وأن تتساءل المرأة حين تعمل ما أثر العمل على أسرتها وعلى أطفالها؟ لا اعتراض في عمل المرأة بشرطين :الأول: أن يكون له حاجة، والثاني: أن يكون في ظل الضوابط الشرعية.
وقد جاء ذكر هذين الضابطين في قصة ابنتي شعيب مع موسى: (قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ). [القصص: 23]. فهما محتاجتان إلى العمل؛ لأن أباهما شيخ كبير، والتزمتا بالحشمة فلا تسقيان حتى يصدر الرعاء، فإذا تحقق هذان الشرطان فلا اعتراض على ذلك.
وحين تقوي رغبة المرأة في العمل فلا بد من الإجابة على هذا السؤال: ما أثر العمل على تربيتي وأطفالي وأسرتي؟
إن الأسرة بحاجة إلى أن تكون أولوية في كثير من قراراتنا في العمل واختيار نوعه ووقته، في السكن، في العلاقات الاجتماعية، في سئار مايمكن أن يؤثر سلبا أو إيجاباً على تربتنا لأولادنا.

•  الاعتناء بالمشكلات الاجتماعية:
تمثل المشكلات الاجتماعية أرضاً خصبة لكثير من حالات الانحراف والخلل التربوي، ومن ثم فلأجل بناء أسرة سليمة لاغنى عن الاعتناء بالمشكلات الاجتماعية، ويتمثل ذلك في مسارين:
الأول: الاحتواء؛ بأن نحتوي المشكلات الاجتماعية قبل أن تقع ونقلل من أثرها.
الثاني: تهيئة البديل، فحينما يوجد شباب أو فتيات يعانون من مشكلات اجتماعية يجب أن يوجد لهم البديل, وأن تدرك المؤسسات التربوية في المجتمع أن ذلك من مسؤوليتها؛ فتسعى لأن توجد لهم بديلا يخفف على الأقل من أثر المشكلات الاجتماعية.

•  اعتبار الجانب التربوي عند التعدد:
حينما يفكر الرجل في التعدد جدير به أن يتساءل متى و كيف يعدد؟ وما أثر ذلك على التربية؟ ومن الأمور التي ينبغي مراعاتها عند التعدد:
1) اعتبار القدرة على ضمن جوانب القدرة على التعدد؛ فقد غدت التربية اليوم أصعب من ذي قبل، والذين لايحسنون التربية سيدفعون ثمناً باهضا حين يعددون، فتضيق أوقاتهم، ويتعاملون مع مشكلات جديدة.
2) حسن التعامل مع التعدد, من خلال مراعاة:
أ‌- العدل؛ فحين يخل الزوج المعدِّد بالعدل فسيترك ذلك أثره على أولاده .
ب‌- الوقت الذي يصرفه مع أولاده؛ سواء كان الأولاد جميعاً أو متفرقين.
ت‌- اختيار المسكن؛ فكثير من المعددين يختار المسكن الذي يتناسب مع زوجته الأخيرة، وهذا مطلب ربما يكون منطقياً بالنسبة للزوجة، لكن أثره على أولاده ورعايتهم سيكون سلبيا.
ث‌- دور الزوجة وحكمتها.. الزوجة حين تبتلى بزوجٍ معدد ينبغي لها:
 أن تكون حكيمة في التعامل مع هذا الواقع .
 أن لا تكون عند أولادها نظرة سلبية تجاه والدهم.
 أن تجعل مشكلتها مع زوجها, أو مشكلتها مع هذه الضرة الوافدة قضية تخصها؛ فتبتعد بأولادهم عن هذه المشكلات التي سيكون أثرها سلبيا على نموهم الاجتماعي والنفسي.
أعرف أن هذه النقاط التسع التي ذكرت غير كافية في الإجابة على هذا السؤال "كيف نرتقي بالأسرة لتؤدي هذه الرسالة"؟ لكن هذا قدر ما يسمح به هذا الوقت، ولعلنا من خلال هذا الحديث قد أجبنا على هذين السؤالين:
لماذا الأسرة اليوم مدعوة إلى أن تسعى لتعزيز الرسالة التربوية؟
كيف تحقق الأسرة ذلك؟
وما ذكرنا لا يعدو أن يكون أمثلة ونماذج فأسأل الله عز وجل أن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وأن يجعلنا للمتقين إماما، وأن يصلح ذرياتنا ونياتنا وزوجاتنا إنه سميع مجيب.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008