تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

كيف تواجه الشهوة:حديث إلى الشباب والفتيات / الطبعة الثالثة

د. محمد بن عبدالله الدويش

 تمهيد
 من ثمرات العفة
 مخاطر الانسياق وراء الشهوة
 أسباب الوقوع في الشهوة المحرمة
 العلاج
 لا تيأس
 أخطاء ومحاذير
 لا بديل عن المجاهدة
 درس في العفة
 إلى كل أب وأستاذ وكل أم

تمهيد

من كاتب هذه السطور إلى:
 كل شاب وفتاة يعيشان سن المراهقة وآلامها.
كل شاب صالح وفتاة صالحة يسعيان لإعفاف أنفسهما ويدركان خطورة الشهوة.
كل شاب وفتاة أطلقا لشهوات أنفسهما العنان ويبحثان عن المخرج.
كل شاب وفتاة غافلين لمّا يستفيقان بعد.
كل أب وكل أم يدركان مسؤولية تربية الأولاد.
كل أب وكل أم غافلين عما يدور في خواطر أولادهما.
كل معلم ومعلمة يعنيه واقع جيل الأمة.
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: -
 فإني أحمد الله إليكم ولا مستحق للحمد غيره، وأثني عليه ولا أحق بالثناء سواه، وبعد:  -
 فهذه خواطر سطرها قلم أخ لكم، عاش سنكم وأيامكم، وأدرك ما تعانون فيها من صراع الشهوة. وحبائل الشيطان. وأتاح له عمله في ميدان التعليم سنوات عدة فرصة الالتقاء بالشباب أمثالكم ومعرفة بعض مشكلاتهم وما يدور في بالهم.
 إنه - مثلكم - يؤلمه واقع الأمة وشبابها بالأخص.
إنكم أيها الشباب قد استوليتم على جزء من اهتماماته، وأحسَّ أن إعانتكم بعض واجباته، فأحب أن يسطر لكم في هذه الورقات القليلة، بعض الخواطر لعلاج هذه المشكلة التي تعانون منها.
وهو يرجو منكم بعد قراءة ما كتب، ستر العيب، والدعاء الصالح بالغيب، بأن يرزقه الله الإخلاص في القول والعمل، وأن يبارك هذا الجهد ويثيبه عليه يوم القيامة.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

أخوكم/ محمد بن عبد الله الدويش
الرياض 10/ 9/ 1411هـ

 للأعلى


من ثمرات العفة

يشعر بعض من أسرتهم الشهوات أن الذين سلكوا طريق العفة يعيشون المعاناة مع النفس، والحرمان من اللذائذ، ويجهل هؤلاء أن للعفة ثمرات عاجلة وآجلة، ثمرات يجنيها المرء في الدنيا، وثمرات يجنيها في الآخرة، ومن هذه الثمرات:

1 - الفلاح وثناء الله تعالى:
يفرح الناس بثناء البشر والمخلوقين ويعتزون بذلك، فالطالب يفرح بثاء معلمه عليه أمام زملائه، والطالبة تسعد بثناء معلمتها، وحين يكون الثناء والتزكية ممن له شهرة بين الناس تعلو قيمة الثناء، فكيف إذا كان الثناء من خالق البشر جميعا، وخالق السماوات والأرض بمن فيهن؟! قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* .إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ). [المؤمنون: 1- 7].
إنه ثناء لا يعدله ثناء، شهادة من الله تبارك وتعالى لهؤلاء بالإيمان، وإخبار عن فلاح هؤلاء الذين من صفاتهم حفظ الفرج والتجافي عن الفواحش، فهل يستبدل عاقل بذلك شهوة عاجلة ولذة فانية؟!.

2 - الجنة والنعيم المقيم:
وعد الله تبارك وتعالى أهل العفة والحافظين فروجهم بالجنة والخلود فيها(أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). [المؤمنون: 10– 11].
ويخبر صلى الله عليه وسلّم - وهو الذي لا ينطق عن الهوى - عن وعد صادق، فيقول: "من يضمن لي مابين لحييه وما بين رجليه، أضمن له الجنة". [رواه البخاري 6474، والترمذي 2408].
فحين تعف نفسك عن الحرام وتحفظ جوارحك ينطبق عليك وعد الله تبارك وتعالى، ووعد المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى باستحقاق الجنة وضمانها. فهل لديك مطلب أغلى من الجنة؟!
اسأل العالم الذي يقضي وقته في العلم والتعليم، اسأل العابد الذي ينصب في عبادة ربه، اسأل المجاهد الذي يرخص نفسه في سبيل الله، اسأل الذي يضحي بنفسه لإحقاق الحق وإبطال الباطل، اسأل الداعية الذي يواصل سهر الليل بكدّ النهار ويقيمه همّ الدعوة ويقعده، اسأل هؤلاء جميعا لم يصنعون ذلك؟! سيجيبونك بإجابة واحدة: (نريد الجنة).
إنها مطلب السائرين إلى الله عز وجل مهما تنوعت بهم السبل.
فبادر أخي الكريم، وبادري أختي الكريمة بضمان جوارحكم عن الحرام، لتستحقوا هذا الوعد النبوي.

3 - الطمأنينة وراحة البال:
يعاني من يسير وراء شهوته المحرمة عذاباً وجحيماً لا يطاق، أما من يعف نفسه فيعيش طمأنينة وراحة بال، إن الهم الذي يشغله ليس الهم الذي يشغل سائر الناس، والتفكير الذي يسيطر عليه ليس التفكير الذي يسيطر على سائر الناس، ولا عجب في ذلك، فالله تبارك وتعالى هو الذي خلق الإنسان وهو أعلم به، وخلقه لعبادته وطاعته، ومن ثم فلن يعيش الحياة السوية المستقرة ما لم يستقم على طاعة الله تبارك وتعالى، فالسيارة التي صنعت لتسير في الطرق المعبدة يصعب أن تسير في غيرها، والقطار الذي صنع ليسير على القضبان حين ينحرف عن مساره لا يستطيع المسير. وهكذا الإنسان فهو إنما خلق لعبادة الله وطاعته، فإذا انحرف عن هذا الطريق اضطربت حياته، وعانى من المشكلات، ولذا فأهل الكفر والإلحاد أقل الناس استقرارا وطمأنينة، وكلما اقترب العبد من الإيمان والطاعة ازداد استقرارا وطمأنينة.

4 - لذة الانتصار على النفس:
لئن كان اللّاهون العابثون يجدون لذة ممارسة الحرام، فالشاب العفيف والفتاة العفيفة يجدان من لذة الانتصار على النفس أعظم مما يجده أصحاب الشهوات، إن الرجولة والإنسانية الحقة أن يقدر المرء أن يقول لنفسه لا حين يحتاج إلى ذلك، وأن تكون شهواته مقودة لا قائدة، أما الذي تحركه شهوته وتستعبده فهو أقرب ما يكون إلى الحيوان البهيم الذي لا يحول بينه وبين إتيان الشهوة سوى الرغبة فيها.

 للأعلى


مخاطر الانسياق وراء الشهوة

هل تطيق ذلك؟!:
توعد تبارك وتعالى أهل الفجور والفساد بالعذاب الشديد يوم القيامة فقال: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً). [الفرقان: 68- 69].
فمن يطيق ذلك؟!.
وقبل هذا العذاب يتعرض الزناة والزواني للعذاب في القبر، ويحدثنا صلى الله عليه وسلّم عن شيء مما يعذب به هؤلاء في قبورهم؛ فيصف ما رآه من تعذيب الزناة والزواني بقوله: "فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نارا، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها وفيها رجال ونساء عراة". [رواه البخاري 1386، والحديث طويل اقتصرنا منه على موضع الشاهد].
هذا بعض ما يتعرض له الزناة عند الله، ومن يعمل عمل قوم لوط فهو مثلهم، إن لم يكن أشد.
فمن يطيق ذلك؟!. ومن يعرض نفسه لهذه العقوبة؟!
وليعلم بعض الشباب والفتيات الذين لم يصلوا إلى ممارسة الفاحشة: إنّ المقدمات: (النظر، اللمس...) هي أول خطوة في طريق الفاحشة، وأن الجرأة عليها تقود إلى ما بعدها.

خطوة في طريق الهلاك:
لقد أقسم الشيطان أمام الله عز وجل أن يسعى لإغواء عباد الله مهما وجد لذلك سبيلاً: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ). [لأعراف: 16- 17].
 إنه يسعى بكل وسيلة لإغواء العبد وإضلاله، وهو يعلم أنه حين يوقعه في معصية ولو صغيرة قد تقدم خطوة، وقد أصبحت الجولة التي تليها أهون منها، لقد أخبر الله عز وجل عن الذين فرّوا من المعركة في أحد وكيف أوقعهم الشيطان في هذه الكبيرة التي هي من الموبقات بسبب بعض ذنوبهم - وقد غفر لهم تبارك وتعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ). [آل عمران: 155].
إنه يسعى بكل وسيلة لإيقاعك في الصغيرة، ثم يتدرج بك إلى الفواحش، ثم يقول بعد ذلك قد خسرت الدنيا والآخرة فتمتع بما تشاء من الشهوات وخض في الوحل، فيقطع عليك خط الرجعة.
والمتأمل في الواقع اليوم يرى أن معظم الشباب والفتيات الذين ساروا في طريق الغواية والانحراف كانت البداية لديهم من طريق هذه الشهوة.
 
احذر سوء الخاتمة:
أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم أن المرء قد يكون على حال من الصلاح والاستقامة ثم يختم له بضد ذلك والعكس، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات؛ فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار". [رواه البخاري 3332، ومسلم 2643]. ولذلك كان السلف يخشون سوء الخاتمة.
بكى سفيان الثوري رضي الله عنه ليلة إلى الصباح فقيل له: "أبكاؤك هذا على الذنوب؟! فأخذ تبنةً من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذه، إنما أبكي خوف الخاتمة".
إنّ التعلق بالشهوات واستيلاءها على القلب من أكبر أسباب سوء الخاتمة، فما من أحد إلا وفي خاطره همّ يجوس به يملك عليه مشاعره، فهذا همه الأصغر والأكبر الدينار والدرهم، وذاك همه الشهوات ومتعة النفس، لكن الآخر همّه هناك في الدار الآخرة، وإن فكّر في الدنيا ففي حال الأمة وفي تقصيره وذنوبه، وحين يحل بالإنسان الموت يتذكر ويبدو له ما كان يستولي على همه.
يروى أن رجلاً عشق شاباً واشتد كلفه به، وتمكن حبه من قلبه حتى مرض، ولزم الفراش بسببه، وتمنّع ذلك الشخص عليه، واشتد نفاره عنه، فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده بأن يعوده، فأخبره بذلك الناس، ففرح واشتد فرحه وانجلى غمه، وجعل ينتظره للميعاد الذي ضرب له، فبينما هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما، فقال: إنه وصل معي بعض الطريق ورجع.
فلما سمع البائس أُسقط في يده، وعاد إلى أشد مما كان به، وبدت عليه علائم الموت فجعل يقول في تلك الحال:

أسلم يا راحة البال العليل ** وياشفاء المدنف النحيل
رضاك أشهى إلى فؤادي ** من رحمة الخالق الجليل

فقيل له: يا فلان اتق الله.
فقال: قد كان، فما أن جاوز باب داره حتى سمع صيحة الموت.
وآخر كان واقفاً إزاء داره، فمرت به جارية لها منظر فقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟! فقال: هذا حمام منجاب، فدخلت الدار ودخل وراءها، فلما علمت بالأمر أظهرت له البشرى والفرح وقالت:يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا، فخرج وتركها في الدار ولم يغلقها، فأخذ ما يصلح ورجع فوجدها قد خرجت وذهبت، فهام الرجل وأكثر الذكر لها وجعل يمشي في الطريق وهو يقول:

يا رب قائلة يوماً وقد تعبت ** كيف الطريق إلى حمام منجاب

فبينما هو يوماً يقول ذلك، أجابته جارية من طاق:

هلا جعلت سريعاً إذ ظفرت بها ** حرزاً على الدار أو قفلاً على الباب

فزداد هيمانه بها، حتى حضرته الوفاة، فكان آخر كلامه من الدنيا هذا البيت، ولم ينطق بالشهادة. [انظر: العاقبة، ص171 وما بعدها].
وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين ما يلي: "وفيها توفي عبده بن عبد الرحيم - قبّحه الله - ذكر ابن الجوزي أنّ هذا الشقي كان من المجاهدين كثيراً في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون يحاصرون بلدة من بلاد الروم، إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن، فهويها، فراسلها: ما السبيل إلى الوصول إليك؟! فقالت: أن تتنصر وتصعد إليّ، فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غماً شديداً، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن، فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟! ما فعل علمك؟! ما فعل صيامك؟! ما فعل جهادك؟! ما فعلت صلاتك؟! فقال: اعلموا أني أُنسيت القرآنَ كله إلا قوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ* ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ). [الحجر: 2 - 3]. وقد صار لي فيهم مال وولد". [البداية والنهاية 11/ 64].
أرأيت كيف تفعل الشهوة بصاحبها؟!.
والنماذج على ذلك كثيرة، لا يتسع المقام لسردها. فاحذر أخي وأختي - حماكما الله - من هذا المصير.

أي المحبتين تريد؟!:
إن قلب العبد وعاء لا يخلو من محبوب يُرجى ويُخاف فواته، والضدان لا يجتمعان، فإن امتلأ قلبك بحب الشهوات، فهل تظن أنه سيبقى فيه مكان لمحبة الله، ومحبة ما يحبه سبحانه؟!
إنه طريق واحد، وخيار فرد فحدد مصيرك واختر أحد الطريقين، وإذا أردت محبة الله ولذة الإيمان فلن تحصل لك حتى تطهر قلبك من محبة ما يسخطه، وإن تعلقت بغير الله فأنى لك لذة الإيمان وحلاوة الطاعة.
إن الذين تستغرقهم الشهوة المحرمة يتحولون إلى عبيد لها تأمرهم فيطيعون، وتنهاهم فيخضعون، وها هو أحدهم وقد أحب امرأة يقال لها عَزَّة يقول فيها:

رهبان مدين والذين عهدتهم ** يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها ** خروا لعزَّة ركعا وسجودا

يقول ابن القيم رحمه الله واصفا حال أمثال هؤلاء: "فلو خُيِّر بين رضاه ورضا الله، لاختار رضا معشوقه على رضا ربه، ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه، وتمنيه لقربه أعظم من تمنيه لقرب ربه، وهربه من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه عليه، يسخط ربه بمرضاة معشوقه، ويقدم مصالح معشوقة وحوائجه على طاعة ربه.
فإن فضل من وقته، وكان عنده قليل من الإيمان، صرف تلك الفضلة في طاعة ربه، وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ومصالحه صرف زمانه كله فيها، وأهمل أمر الله تعالى، يجود لمعشوقه بكل نفيسة ونفيس، ويجعل لربه من ماله - إن جعل له - كل رذيلة وخسيس، فلمعشوقه لبه وقلبه، وهمه ووقته، وخالص ماله، وربه على الفضلة، قد اتخذه وراءه ظهرياً، وصار لذكره نسياً، إن قام في خدمته في الصلاة فلسانه يناجيه وقلبه يناجى معشوقه، ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق. ينفر من خدمة ربه حتى كأنه واقف في الصلاة على الجمر من ثقلها عليه، وتكلفه لفعلها، فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحا بها، ناصحا له فيها، خفيفة على قلبه لا يستثقلها ولا يستطيلها". [إغاثة اللهفان 2/151- 152].
ولن تحتاج دليلاً على ذلك، فاقرأ ما يكتبه هؤلاء من أبيات وعبارات، وانظر أحوال كثير منهم وكيف جلب عليهم هذا الحب والعشق الشقاء والنكد، فهل يستحق هذا الهوى والغرام أن يختصر الحياة كلها فيه؟!.

هل سمعت عن الأمراض الجنسية؟!:
إن من سنة الله عز وجل معاقبة من عصاه في الدنيا قبل الآخرة، ولمن يأتون الفواحش عقوبة من نوع خاص.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "يا معشر المهاجرين؛ خصال خمس إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتخيرّوا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم". [رواه ابن ماجه 4019، وقال في الزوائد: هذا حديث صالح للعمل به، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 106].
 هل سمعت عن مرض الزهري، والسيلان؟!
في إحصائية عام (1977م) يبلغ المصابون بالزهري سنويا (50) مليونا، أما السيلان فخمسة أضعاف حيث يبلغ (250) مليونا سنويا، وفي عام (1981م) بلغ عدد المصابين بمرض آخر هو الهربس التناسلي (20) مليونا في الولايات المتحدة وحدها.
 وأخيراً: ابتلى الله من عصاه بطاعون الإيدز، الذي انتشر وينتشر بشكل متوالية هندسية، ويبلغ الذين يُنقل إليهم المرض يومياً على مستوى العالم 10 آلاف شخص!.
وفي كل دقيقة يصاب ستة أشخاص دون سن الخامسة بعدوى الإيدز، وفي عام 2000م لقي ما يقرب ثلاثة ملايين شخص من حاملي المرض مصرعهم. وقد تسبب الإيدز في إضافة 13.2 مليون طفل إلى قائمة الأيتام.
ويقدر عدد المصابين به في عام 2000م بـ34.4 مليون، ثلثهم من الشباب من بين 15- 24 سنة!. [انظر: مرصد الأرقام 1422هـ، ملحق سنوي لمجلة البيان].
بقي أن تعلم أن 73% من المصابين بهذا المرض هم من الذين يعملون عمل قوم لوط.
 وهذا أحد المصابين به وهو السينمائي الأمريكي (روك هدسون) يقول وهو على فراش الموت: "أنا بانتظار القدر، إنه يدق بابي، أستمع إلى صوته من أعماقي، لم أكن أود أن أتعذّب هكذا، ومن خلال هذا المرض - الإيدز سرطان العصر - ورغم ابتسامات الكثيرين وتهنئتي بالتماثل للشفاء إلا أنني على موعد مع القدر، إنه يدق بابي اللحظات الأخيرة". [انظر: كتاب غضب الله تعالى يلاحق المتمردين على الفطرة، لفؤاد سيد الرفاعي].
وهذا أحد الشباب كان يعاشر إحدى الفتيات بالحرام خارج بلاده، فلما أراد أن يعود وجد ورقة قد كتبت عليها صاحبته: (مرحبا بك عضواً في نادي الإيدز) فضاق عليه الأمر وصعق.
فأعيذك أخي وأختي بالله أن تسلكا هذا المسلك وتسيرا في هذا الطريق.

الجزاء من جنس العمل:
إنها قاعدة شرعية، وسنة لا تتخلف أن يجزي الله العامل من جنس عمله، أتظن يا أخي أن من يطلق العنان لشهوته دون وازع أو ضابط، أتظنه يسلم من عقوبة الله؟! لا فجزء يسير من عقوبته أن تنطبق عليه هذه القاعدة. اسمع ما يقول الشافعي رحمة الله:

عفّوا تعفّ نساؤكم في المحرم ** وتجنبوا ما لا يليق بمسلم
إن الزنا دين فإن أقرضته ** كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
من يزن يُزن به ولو بجداره ** إن كنت يا هذا لبيبا فافهم

إذاً من يتجرأ على انتهاك عرض الآخرين معرض أن يرى ذلك في ابنته أو أخته، ومن لا يبالى بمحارم الله قد تخونه زوجته، ومن تتجرأ على ذلك مُعرَّضة أن تراه في بناتها ونسلها - جنبني الله وإياكم كل مكروه - فحافظ أخي وأختي على عرضك، واعلموا أن المرء قد يجازى من جنس عمله فيقع لأهله ما أوقعه بالناس.

 للأعلى


أسباب الوقوع في الشهوة المحرمة

إن الأمور لا تسير اعتباطا وجزافا، فلكل حادثة سبب يوصل إليها، والسير وراء الشهوة المحرمة له أسباب تؤدي إليه، ومنها:

ضعف الإيمان:
 إن الإيمان بالله عز وجل هو الضمانة والوقاية من المعصية، وهو الصخرة التي تتحطم عليها شهوات النفس الجانحة، فكلما ضعف إيمان العبد كان أكثر جرأة على محارم الله عز وجل، وقد أخبر صلى الله عليه وسلّم أن العبد لا يواقع الفاحشة إلا حين يؤتى من ضعف إيمانه، فقال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن،...". [رواه البخاري 2475، ومسلم 57].
إنّ من يقوى إيمانه ويصل إلى منزلة أن يعبد الله كأنه يراه، قلما يتجرأ على المعصية، وإن وقع فيها فلا يصرّ عليها، بل يبادر إلى الله بالتوبة.

جليس السوء:
 أخي الشاب وأختي الفتاة استعرضوا أصدقاءكم واحدا بعد الآخر، فهل فيهم ممن قد تقولون لهم يوم القيامة: (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً). [الفرقان: 28).
وهل هم جميعا ممن ترضون أن تحشروا معهم، فقد قال صلى الله عليه وسلّم: "المرء مع من أحب". [رواه البخاري 6168، ومسلم 2641].
ثم هل أنتم راضون عن دينهم جميعا؟! فلا يخفاكم قوله صلى الله عليه وسلّم "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل". [رواه أحمد 8212، وأبو داود 4833، والترمذي 2378].
وأخيرا فمن أي الطائفتين هم: من باعة المسك، أو نافخي الكير؟!.
فأنتم تحفظون قوله صلى الله عليه وسلّم "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير". [رواه البخاري 5534، ومسلم 2628].
ولئن كان الرفقاء والزملاء يؤثّرون على زملائهم بصورة أو أخرى، فتأثيرهم أكثر مايبرز في مرحلة الشباب، في جر صاحبهم إلى أوحال الشهوة.
في تحقيق أجرته جريدة الأنباء الكويتية يقول الشاب (ن. م) 17 عاماً: "وفي أول مرة شاهدت فيها هذه الأفلام كان منذ سنين، حين كنت في زيارة لأحد أصدقائي، وكان في غرفته فيلم، فقام بتشغيل فيلم...". [جريدة الأنباء الكويتية 13/ 8/ 1987م. انظر: العفة ومنهج الاستعفاف 59].
وكثير من من الفتيات كانت بداية العلاقات المحرمة لديها من إحدى صديقاتها التي عرفتها على بعض الساقطين، وربما عرضت عليها صورهم، وسهلت لها طريق الصلة بهم.
وجليس السوء يلاحق الإنسان حتى بعد إقلاعه عن معصيته.
يقول أحد العائدين لدار الملاحظة بالرياض بعد خروجه منها: "إن سبب عودتي أني عدت إلى نفس الشلة، ونفس رفاق السوء، لأني إذا خرجت من الدار أجدهم ينتظرونني ويدعونني إلى العودة إلى المشاكل السابقة، بعد أن حسّنوا لي القبيح، وقبّحوا لي الحسن، فأنسوني توبتي وعزمي على الاستقامة، فلذلك عدت إلى الدار بسبب هذه الشلة الفاسدة". [مجلة دار الملاحظة، العدد الثالث، ص 51].
والجليس السيئ ليس بالضرورة أن يكون من نزلاء السجون أو الدور الإصلاحية - كما يظن البعض - ولا يشترط أن يكون من المدخنين كما يتوهم البعض الآخر، إن الجليس السيئ هو كل من حسّن لك المعصية، أو قبّح لك الطاعة، وقد يكون ابن عمك أو قريبك أو حتى شقيقك.
 
وأخيراً:
إياك من التدرج في ترك جليس السوء، فحين تكتشفه اليوم فلا ينبغي أن تراه غدا، فمثل من يتدرج في ترك جليس السوء مثل من اعتاد على طعام فاسد، وحين اكتشف ذلك أصبح يأكل منه في اليوم وجبتين بدل الثلاث تدرجاً في تركه، بل المتدرج في ترك قرين السوء أعظم ضرراً وخطورة من المتدرج في ترك الطعام الفاسد.

النظر المحرم:
إطلاق النظر هو الشرارة التي تثير الغريزة المكبوتة، إنها ترسم صورة في القلب ما يلبث صاحبها أن يستعيدها برهة بعد أخرى حتى تستولي عليه فتأسر لبه.
ولذلك أرشد الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين والمؤمنات إلى غض البصر، وأخبر أن ذلك سبب لطهرهم وزكائهم فقال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ...). [النور: 31 - 32].
وحذر السلف من مغبة إطلاق النظر، فها هو الإمام ابن القيم رحمه الله يقول: "والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان؛ فإن النظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة؛ فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع، وفى هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده". [الجواب الكافي، ص 106].
كل الحوادث مبدؤها من النظر ** ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ** فتك السهام بلا قوس ولا وتر
وقال آخر:
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ** لقلبك أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا أنت قادر ** عليه ولا عن بعضه أنت صابر
لقد كان النظر الذي يتعرض له الشخص آنذاك هو لامرأة متحجبة، أو ربما كشفت الريح بعض محاسنها، فكيف بنا اليوم وقد امتلأت مجتمعات المسلمين بالمناظر والمشاهد المثيرة المغرية، في الأسواق والجامعات، وفي الصحف والمجلات، وفي القنوات وشبكة الإنترنت، وقد ارتقت صناعة الإعلام، وأجاد المنتجون لهذه الصور والأفلام إثارة الغرائز الكامنة.

الفراغ والوحدة:
ثمة سبب وباعث آخر يثير الشهوة ألا وهو الفراغ والوحدة، فحين يبقى الشاب أو الفتاة وحده يستسلم للخواطر والأفكار، ويسعى الشيطان لإمساك الزمام، ويقوده للتفكير هناك، في الشهوة واللذة، ويبدأ الأمر تفكيرا ويتطور، حتى يصبح همة، ثم عزيمة ثم...!
ولو لم يأت في ذلك إلا الوقوع في العادة السرية، التي من نتائجها:
الهم والحزن.
وبلادة الذهن.
وفتور الهمة.
وذهاب المروءة.
والخجل.
والإضرار بالذاكرة.
والإضرار بالبصر.
وتقوس الكتفين.
وضعف الهضم.
وقد تؤدي للعجز عن أداء الوظيفة الزوجية إذا أكثر منها.
وهي قبل ذلك كله مخالفة شرعية ينطبق عليها قوله تعالى: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ). [المؤمنون: 7].
وكثير من الشباب يشتكي من أن وقوعه في العادة السرية إنما يكون في الأغلب في أوقات الفراغ والوحدة.
وكثير من الفتيات بدأن العلاقة مع الشباب فرارا من ضغط الفراغ والوحدة.

التفكير بالشهوة:
 من رحمة الله وعدله أن لا يحاسب العبد على تفكيره وخواطره حتى يتكلم أو يعمل.
ويحلو للمرء الاسترسال في التفكير بالشهوة، ويكون الأمر في بدايته مجرد أفكار وخواطر قد يكون فعلها أصعب عليه من أن يهوي من السماء، لكنه قد يسترسل معه حتى يفكر وهو في الصلاة!! - كما ذكر لي غير واحد من الشباب - وحين يطول التفكير على الشاب أو الفتاة تتغلغل الشهوة حتى تملك عليه فؤاده، ويجتمع البركان الذي يبحث عن متنفس.
فإياك إياك والتفكير بالشهوة، واقطع وارده كلما طرق بابك، وانتقل بالتفكير إلى ما ينفعك في الدنيا والآخرة (في مخلوقات الله، في عظمة الله، في اليوم الآخر، في واقع الأمة المؤلم).

 للأعلى


العلاج

ينبغي أن يعلم الشاب والفتاة أنه ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء علمه من علمه وجهلة من جهلة، إن الله تعالى هو الذي خلق الناس ويعلم دواخلهم وغرائزهم، وهو الذي شرع لهم شرعه، فلا يمكن أن يأمر الله تبارك وتعالى الناس بما لا يطيقون فعله، ولا أن ينهاهم عما لا يطيقون تركه، ومن أهم وسائل العلاج لهذا الداء:

قوة الإيمان:
 إن الإيمان بالله عز وجل هو العاصم - بعد توفيق الله سبحانه - للعبد من مواقعة الحرام.
أليس النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". [رواه البخاري 2475، ومسلم 57].
إذاً فحين يعمر الإيمان قلبك، ويملأ فؤادك ومشاعرك فلن تتجرأ بإذن الله على محارمه.
فالإيمان يردع صاحبه عما حرم الله تعالى، والإيمان يوجد في القلب الحلاوة واللذة التي لا تعدلها حلاوة الشهوة ولذتها، وأين تأتي هذه الشهوة العاجلة من تلك اللذة، والإيمان يملأ القلب بمحبة الله تبارك وتعالى فلا يبقى في القلب إلا حب الله عز وجل وحب ما يحبه تبارك وتعالى، وشتان بين ذلك وبين الهوى والعشق، لكن من لم يذق لذة الإيمان لا يدرك هذا المعنى ولا يقتنع به، والإيمان يجعل العبد في كنف الرحمن فلا يتسلط عليه الشيطان (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بهِ مُشْرِكُونَ). [النحل: 99 - 100]. (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ). [الحجر: 42].
والمؤمن لو وقع مرة فسرعان ما يفيق؛ فقد وصف الله تعالى عباده بقوله (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ). [لأعراف: 201]..
فاحرص أخي واحرصي أختي - رعاكم الله - على تعاهد بذرة الإيمان في قلوبكم فهي حين تنمو تثمر سعادة الدنيا والآخرة.

الوقاية قبل العلاج:
 أي الطريقين أسهل على نفسك وأي السبيلين تختار؟! أن تطلق العنان لنفسك وتفتح الأبواب على مصارعها، ثم تظل تدافع الشهوة وتصارعها؟! أو أن تغلق الأبواب وتسدّ الذرائع؟!
إن العاقل الحصيف والكيّس الفطن يختار غلق الباب وسدّ الذريعة. بل إنه المنهج الشرعي. فهل من العقل واتباع الشرع أن تطلق النظر فيما حرّم الله عز وجل ثم تشتكي من الشهوة واستيلائها على قلبك؟! وهل يليق بك أن تتصفح المجلات الهابطة، أو تتابع الأفلام الساقطة، ثم تسأل أين طريق العفة؟! وهل تريد النجاة وأنت تسمع أغاني الحب والغرام الساقطة؟!
 أخي الشاب أختي الفتاة إن أردتم النجاة فاختصروا الطريق من أوله، وأغلقوا الباب الذي تأتيكم منه الريح، وأنتم أعلم بأنفسكم، فأي طريق (زميل، كتاب، مجلة، شريط....) يدعوكم للمعصية ويثير فيكم الغرائز الكامنة فقلوا له هذا فراق بيننا وبينك.

وصفة نبوية ناجعة:
إن النبي صلى الله عليه وسلّم قد أعطى كل ذي حق حقه، ونصح لكل الأمة. أتراه يترك هذا الأمر دون توجيه أو بيان؟! حاشا لله بأبي وأمي ما ترك خيراً إلا دل عليه، ولا شراً إلا حذر منه، ولذا لم يكن صلى الله عليه وسلّم ليترك هذا الأمر دون بيان، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". [رواه البخاري 5065، ومسلم 1400]. فيا لها من وصفة ناجعة من طبيب القلوب والأبدان.
 ففكر جادا بالزواج ولا تخش الفقر فالله يعدك - ومن أصدق وعدا منه؟! - (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). [النور: 32].
ويخبر صلى الله عليه وسلّم أن من تزوج بنية صالحة أعانه الله تعالى؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف" [رواه الترمذي 1655، والنسائي 3120، وابن ماجه 2518].
وبادري أختي بالقبول بالزوج الصالح؛ فالتأخير مخالفة للسنة، ومدعاة للوقع في الحرام، وقد يلجئ الفتاة إلى القبول بمن لا تحب.
إن النكاح يتيح للزوجين صرف الشهوة في الحلال، دون ضغوط أو آثام، بل يؤجران على ذلك ويثابان؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟! فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجراً". [رواه مسلم 1006].
وقال عبد المؤمن المغربي: "ورجل بلا بعل كرِجْل بلا نعل، والعزوبة مفتاح الزنى والنكاح ملواح الغنى، ومن نكح فقد صفد بعض شياطينه، ومن تزوج فقد حصن نصف دينه، ألا فاتقوا الله في النصف الثاني، فإن خراب الدين بشهوتين: شهوة البطن وهي الصغرى، وشهوة الفرج وهي الكبرى، فاعمر الركعتين وأحكم الحصنين".
وهاهم عقلاء الغرب - إن كان فيهم من يعقل - هاهم ومع هذه الإباحية السافرة، والفجور تتنادى أصواتهم في المطالبة بالزواج المبكر يقول (ول ديورانت): "ولسنا نرى مقدار الشر الاجتماعي الذي يمكن أن نجعل تأخير الزواج مسئولاً عنه، ولا ريب أن بعض هذا الشر يرجع إلى ما فينا من رغبة في التعدد لم تهذب. ولكن معظم هذا الشر يرجع في أكبر الظن في عصرنا الحاضر إلى التأجيل غير الطبيعي للحياة الزوجية، وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو في الغالب ثمرة التعود قبله، وقد نحاول فهم العلل الحيوية والاجتماعية في هذه الصناعة المزدهرة، وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه في عالم خلقه الإنسان –هكذا قال - وهذا هو الرأي لمعظم المفكرين في الوقت الحاضر غير أنه من المخجل أن نرضى في سرور عن صورة نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذبح الإباحية، ولا يقل الجانب الآخر من الصورة كآبة لأن كل رجل حين يؤجل الزواج يصاحب فتيات الشوارع ممن يتسكعن في ابتذال ظاهر".
ويقول: "كان البشر في الماضي يتزوجون باكراً، وكان ذلك حلا صحيحاً للمشكلة الجنسية، أما اليوم فقد أخذ سن الزواج يتأخر، كما أن هناك أشخاصاً لا يتوانون عن تبديل خواتم الخطبة مراراً عديدة، فالحكومات التي ستنجح في نص القوانين التي تسهل الزواج الباكر ستكون جديرة بالتقدير؛ لأنها تكشف بذلك أعظم حل لمشكلة الجنس في عصرنا هذا".
فحري بالشباب والفتيات أن يبادروا بالزواج ويحصنوا أنفسهم؛ فإعفاف النفس يستحق أن يبذل الإنسان من أجله الشيء الكثير.

الصيام:
حين لا يتيسر أمام الشاب والفتاة أمر الزواج، فثمة حلّ آخر إنه الصيام، فلم لا تفكر أن تصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أو يومي الاثنين والخميس؟!.
إن الصيام كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم جنة ووقاية من النار. [رواه النسائي 2231، وابن ماجه 1639، وأصله في الصحيحين]. وهو مع ذلك طريق لمضاعفة الجزاء قال صلى الله عليه وسلّم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به". [رواه البخاري 1904، ومسلم 1151].
وأخبر تبارك وتعالى أنه فرض علينا الصيام لتحقيق التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). [البقرة: 183].
إن الصوم مع ما فيه من الوقاية من الانسياق وراء الشهوة، ومن الأجر العظيم عند الله، يربي في الإنسان قوة الإرادة والصبر والتحمل، والاستعلاء على رغبات النفس وملذاتها. فبادر أخي وبادري أختي وفقني الله وإياكم لذلك، واجتهدوا في صيام ما تستطيعون من الأيام.

إياك والصغائر:
 قد تدعوك نفسك للتساهل ببعض الصغائر (النظر، المقدمات....) وقد يتطور إلى الخلوة المحرمة، ولا شك أن الصغائر ليست كالفواحش الكبيرة لكن:
 أ - الصغائر يحتقرها المرء وحين يجتمع بعضها على العبد تهلكه يقول صلى الله عليه وسلّم لعائشة: "إياكِ ومحقرات الأعمال فإن لها من الله طالبا". [رواه ابن ماجه 4243، وقال في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات].
ويضرب صلى الله عليه وسلّم لمحقرات الذنوب مثلا بليغاً فيقول "إياكم ومحقرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بعود وذا بعود، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى ما يؤخذ بها صاحبها تهلكه". [رواه أحمد 22302].
وها هو ابن المعتز يخاطبك:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
 ألا ترى الجبل العظيم الشامخ؟! إنه يتكون من حجارة صغيرة بعضها فوق بعض، وأنت كذلك حين تتهاون بالصغائر تجتمع عليك حتى يعلو بعضها بعضا وينوء بها كاهلك (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ). [الأنبياء: 47].
 ب - لا تنس أنك في معركة دائمة مع عدو لدود يدعوك للهلاك من كل سبيل، ويسلك لإغوائك كل مسلك. إنه القائل (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ). [الأعراف: 17].
ولا يخفى عليك أن وقوعك في المعصية يعني ضعف إيمانك الذي يمثل الحصانة ضد هذا العدو اللدود، وبصورة أوضح فكلما تساهلت في المعصية ضعفت أمام عدوك وتسلط عليك: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ). [النحل: 99- 100].
فأنت يا أخي حين تتساهل بالمعصية تُفرِح هذا العدو الحاقد، وتمده بالسلاح الذي يقاتلك به.
 ج - إن وقوعك في المعصية الصغيرة وتساهلك بها، يزيل استقباح المعصية من قلبك فتعتاد عليها، حتى تقع فيما هو أكبر منها. ألم تعلم أن عدوك قد أوقع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم في الفرار من الزحف بسبب بعض ما كسبوا (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ). [آل عمران: 155]. أولئك قوم عفا الله عنهم أما نحن فلا ندري ما الله فاعل بنا نسأل الله أن يعاملنا بعفوه.
 فاعلم أخيّ واعلمي أختي أنّ النظر والمقدمات طريق سهل للفاحشة - وإن طال - والفاحشة طريق للارتكاس في أوحال المعصية وزوال استقباحها من القلب.
احذر من أن تشهد عليك جوارحك:
 هل تستطيع يوما من الأيام أن تقارف معصية دون أن تستخدم جوارحك؟!.
وقد تسألني: لم هذا السؤال؟! وما شأن الجوارح؟!.
فأقول لك: ألا تعلم أنّ هذه الجوارح، وهذه الفتوة والنشاط نعمة من الله عز وجل عليك؟! فهل من شكر نعمة الله أن تصرفها في المعصية والتمرد على أوامر الله عز وجل؟!.
ثمة أمر آخر جدير بك أن تتفطن له، اقرأ معي هذه الآية: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). [فصلت: 20- 21].
إنه مشهد رهيب وموقف عصيب؛ يوم تنطق هذه الجوارح، التي هي أول ما يتمتع بلذة المعصية؛ يوم تنطق على المرء بما كان يعمل!.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟!. قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه!.
يقول: يا رب، ألم تجرني من الظلم؟!.
قال: يقول: بلى.
قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني!.
قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً.
قال: فيختم على فيه، فيُقال لأركانه: انطقي.
قال: فتنطق بأعماله.
قال: ثم يُخلّى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعداً لكُنَّ وسحقاً، فعنكُنَّ كنت أناضل". [رواه مسلم 2969].
فتذكر حينما تدعوك نفسك لمعصية صغيرة أو كبيرة أن هذه الجوارح التي ستتمتع بهذه المعصية قد تكون أول شاهد عليك يوم القيامة أمام الله، الذي لا تخفى عليه خافيه.
فهل تستطيع أن تفعل المعصية دون جوارحك؟!: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ). [فصلت: 22].

هل تستطيع الخلوة؟!:
حينما تغلق الباب على نفسك ولا يراك أحد، وتتحرك كوامن الشهوة في نفسك تبحث لها عن متنفس فتذكّر أن الله عز وجل يراك، ويعلم مافي نفسك قبل أن تتحرك بذلك جوارحك (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ). [الرعد: 8- 10].
فلو استحضرت هذه الحقيقة لما تجرأت على المعصية:

وإذا خلوت بريبة في ظلمة ** والنفس داعية إلى العصيان
 فاستحي من نظر الإله وقل لها ** إن الذي خلق الظلام يراني

لا تعد عيناك عنهم:
 لعلكم تتذكرون أنّا اتفقنا عند الحديث عن الأسباب على أن الجليس السيئ من أكبر أسباب الوقوع في أوحال الشهوات، واتفقنا على المبادرة بالتخلي عنه دون تردد. ونهيتكم أيضاً عن الوحدة وأظنكم تسألوني بعد ذلك ماذا نصنع وما الحل؟!.
إنه سؤال يستحق أن يثار، ولكم علي أن لا أهمله.
فأقول: أمامكم البديل الذي هو خير مما دعوتكم لتركه بل لا يقارن. إنهم الجلساء الأخيار الصالحون، تجد عندهم الابتسامة الصادقة، والمرح والترويح عن النفس في غير ما يسخط الله، وإذا كنت تسمع عن حسن الخلق، الإيثار، التقدير، الصبر، الكرم، فسوف تراها واقعا عند هؤلاء، فهل بعد ذلك تتردد في صحبتهم؟! لا فالأمر لا ينتهي هنا.
 لقد قال الله لنبيه وهو خير الناس وأعبدهم لله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً). [الكهف: 28].
ووصفه أصحابه بأنه كان صلى الله عليه وسلّم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فها هو - بأبي وأمي - استفاد من لقاء الجليس الصالح، وهو جبريل، فكيف بي وإياك؟!.
والأمر لا ينتهي هنا، إنك حين تصاحب هؤلاء وتصطفيهم، وتدعوك نفسك للمعصية وأنت وحدك تتذكرهم وتستحي أن تجالسهم وأنت كذلك، بل ولو أصبت ذنباً فحين تلقاهم تؤنبك نفسك أيما تأنيب، كيف تفعل ما تفعل وأينك من هؤلاء؟!.
وأيضاً فالأمر لا يقف هنا، فهناك في يوم الفزع الأكبر: يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، تتقطع الأواصر، وتتمزّق علائق الدنيا، ويتبرأ أخلاء السوء من بعضهم:
(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً). [الفرقان: 27- 28].
(إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ). [البقرة: 166].
أما حين تصاحب الأخيار فلعلك أن تكون ممن قال الله عنهم: (الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ). [الزخرف: 67]. وممن قال صلى الله عليه وسلّم فيهم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... ورجلان تحابّا في الله؛ اجتمعا عليه، وتفرّقا عليه". وهو يشمل الرجال والنساء.

الدعاء سلاح المؤمن:
 إنه سلاح لا يخون في النوائب، يدخره العبد لوقت الشدة والكرب: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). [غافر: 60].
أما المضطر فله شأن آخر، فهو أحرى بالإجابة: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ). [النمل: 62].
 وهاك وعده صلى الله عليه وسلّم، فأنت تثق فيه تمام الثقة، وما عهدناك يخالجك الشك فيما قاله صلى الله عليه وسلّم، فأصغ سمعك إليه وهو يقول: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها". [رواه أحمد 1079، والترمذي 3573].
 أليس لكم في أنبياء الله قدوة حسنة؟!.
ها هو يوسف عليه السلام تواجهه الفتنة، وهو في سن الشاب، فيرفع كف الضراعة لمولاه: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ). [يوسف: 33].
فماذا كانت النتيجة؟!.
اقرأ معي الآية التي تليها: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). [يوسف: 34].
فهل جربت الدعاء؟!.
وهل رفعت يوما كفّ الضراعة إلى الله، أن يحميك من الرذيلة، ويصرف عنك السوء والفحشاء؟!.
فأخلص الدعاء إلى الله بقلب خاشع متضرع، ولا تستعجل النتائج.
ويبين ابن القيم رحمه الله أثر الدعاء في هذا المثال فيقول: "كرجل كان في كنف أبيه يغذوه بأطيب الطعام والشراب واللباس، ويربيه أحسن التربية، ويرقيه على درجات الكمال أتم ترقية، وهو القيم بمصالحه كلها، فبعثه أبوه في حاجة له؛ فخرج عليه في طريقه عدو فأسره وكتفه وشده وثاقاً، ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء ،فسامه سوء العذاب، وعامله بضد ما كان أبوه يعامله به، فهو يتذكّر تربية والده وإحسانه إليه الفينة بعد الفينة، فتهيج من قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله، ويتذكر ما كان عليه وكل ما كان فيه.
فبينا هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب، ويريد نحره في آخر الأمر، إذ حانت منه التفاتة إلى نحو ديار أبيه، فرأى أباه منه قريباً، فسعى إليه وألقى نفسه عليه، وانطرح بين يديه يستغيث: يا أبتاه، يا أبتاه، يا أبتاه، انظر إلى ولدك وما هو فيه. ودموعه تستبق على خديه قد اعتنقه والتزمه، وعدوه في طلبه حتى وقف على رأسه وهو ملتزم لوالده ممسك به.
فهل تقول إن والده يسلمه مع هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبينه؟!.
فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده، ومن الوالدة بولدها؟! إذا فر عبد إليه وهرب من عدوه إليه، وألقى بنفسه، طريحا ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه، باكياً بين يديه يقول: يا رب يا رب، ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك، ولا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك، مسكينك وفقيرك وسائلك ومؤملك ومرجيك، لا ملجأ له ولا منجا له منك إلا إليك، أنت معاذه وبك ملاذه:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ** ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ** ولا يهيضون عظما أنت جابره.
 [انظر: مدارج السالكين 4/ 429- 430].

تذكّر نعيم الجنة:
 أعد الله في الجنة لمن أطاعه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويتنعم أهل الجنة بسائر ألوان النعيم وأصنافه، بل كل ما يتمناه المرء هناك يحصل له.
ومما يتنعم به أهل الجنة إتيان هذه الشهوة، لكن شتان بين ما في الدنيا والآخرة! وأنّى لبشر مهما أوتي من البلاغة أن يصف هذا النعيم.
وصف تبارك وتعالى نساء الجنة بقوله: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء* فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً* عُرُباً أَتْرَاباً). [الواقعة: 35- 37].
 عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم، أو موضع قدم من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها - يعني الخمار - خير من الدنيا وما فيها". [رواه البخاري 6568].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلّم، قال: "أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، لكل امرئ زوجتان من الحور العين، يرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم".
وفي رواية مسلم: "وما في الجنة أعزب". [رواه البخاري 2354، ومسلم 2834].
وعن سعيد بن عامر بن خريم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "لو أن امرأة من نساء أهل الجنة أشرفت لملأت الأرض ريح مسك، ولأذهبت ضوء الشمس والقمر". [رواه الطبراني].
ومثل هذا النعيم يحصل للمرأة فتنعم بعشرة زوجها دون غل أو نكد، وقد صفت القلوب وسلمت من كل ما يكدرها.
ويغيب عنها زوجها فيعود إليها قد زاد جماله وحسنه؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً". [رواه مسلم 2833].
فشتّان بين هذا النعيم المقيم الذي لا يزول ولا يحول، وبين اللذة العاجلة التي تعقبها الحسرات الطويلة، إنه ثمرة للتخلي عن الشهوات ابتغاء وجه الله: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ). [الحاقة: 24].

ألا تحب أن تكون من هؤلاء؟!:
فترة الشباب فترة تكثر فيها الصبوة، ويزداد فيها الطيش، ولذا فإن أولئك الذين يستقيمون على طاعة الله تبارك وتعالى في فترة الشباب يكرمهم عز وجل بنعيم وثواب ليس لغيرهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله؛ اجتمعا عليه، وتفرّقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق أخفى، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه". [رواه البخاري 660، ومسلم 1031].
قال ابن حجر في شرح الحديث: "خصّ الشاب لكونه مظنّة غلبة الشهوة؛ لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى".
وهذا النعيم يشمل الرجال والنساء، قال الحافظ ابن حجر "ذِكْرُ الرجال في هذا الحديث لا مفهوم له بل يشترك النساء معهم فيما ذكر". [فتح الباري 2/ 148].
ويعظم أجر المتمسكين بطاعة الله حين يكثر الفساد وتزداد أبوابه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر". [رواه الترمذي 2260].

 للأعلى


لا تيأس

قد يكون الشاب أو الفتاة مارس المحرم ووقع في الرذيلة، فجرته نفسه الأمارة بالسوء إلى مقارفة فاحشة من الفواحش فلا ينبغي أن يصيبه اليأس والإحباط.
واعلم أن المرء مهما فعل إذا تاب توبة صادقة إلى الله فإنّ الله يقبل توبته، ويغسل حوبته، ويمحو ذنبه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). [الزمر: 53].
وإليك أخي الشاب هذا النموذج في الإقلاع عن الخطيئة والإقبال على الله تبارك وتعالى:
كانت طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم يأتون الزنا والفواحش في جاهليتهم قبل دخولهم في الإسلام، لكن حين نوَّر الإسلام قلوبهم استعلوا على شهواتهم، واستجابوا لأمر الله تبارك وتعالى.
ومن هؤلاء: الصحابي الجليل مرثد بن أبي مرثد رضي الله عنه. وقد ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى: (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). [النور: 3]. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد، وكان يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة, وكان بمكة بغيّ يُقال لها: عناق وكانت صديقة له, وكان وعد رجلاً أن يحمله من أسرى مكة, وإن عناق رأته فقالت له: أقم الليلة عندي قال: يا عناق، قد حرم الله الزنا. فقالت: يا أهل الخباء، هذا الذي يحمل أسراكم.
قال: فلما قدمتُ المدينة أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أتزوج عناق؟! فلم يرد حتى نزلت هذه الآية: (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً). [النور: 3]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنكحها". [رواه الترمذي 3177، والنسائي 3228، وأبو داود 2501].

وإليك أختي هذا النموذج:
امرأة من بني إسرائيل كانت تمارس البغاء والفجور، فرأت موقفا أثار مشاعر كانت كامنة لديها؛ فصار سبباً في مغفرة الله تعالى لها.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "بينما كلب يطيف بركيّة كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاستقت له به، فغفر لها". [رواه البخاري 3467، ومسلم 2245]. ‌

أخي وأختي:
إن الشيطان يحرص كل الحرص على أن يصل بالمرء إلى حالة من اليأس من التوبة، ويرى أن الواقع الذي صار إليه أصبح سمة ملازمة له لا يمكن أن يتجاوزه؛ فتتحول الرغبة في التوبة إلى أمنية تعيش في الخيال، بدلا من أن تكون قوة تدفع بصاحبها إلى اتخاذ قرار حاسم في تغيير واقعه.
لقد كان طائفة من المؤمنين بشرع الله - من هذه الأمة ومن الأمم السابقة - يعاقرون الخمر، ويأتون الفاحشة، ويسيرون في لهاث وراء ما تدعوهم إليه رغباتهم ونزواتهم، وما أن نور الله قلوبهم بالإيمان حتى انتصروا على أهوائهم وشهواتهم، والتزموا أمر الله تبارك وتعالى.
إن الشهوة التي يعاني منها الشاب والفتاة لم تخلق لهم وحدهم، فالصالحون والصالحات الذين يعيشون حالة التسامي والعفّة تدعوهم أنفسهم إلى مقارفة الشهوات، بل ربما كانت الشهوة لدى بعضهم أقوى مما لدى المعرضين، والدوافع والمثيرات لديهم أقوى من غيرهم؛ فنجاح هؤلاء يعطي غيرهم الدليل على أنهم قادرون حين يريدون ذلك، وحين تتحقق لديهم العزيمة والاقتناع.

 للأعلى


أخطاء ومحاذير

أخطاء ومحاذير:
ثمة أخطاء ومحاذير تقع للشاب والفتاة في التعامل مع مشكلة الشهوة، ومنها:

الاستجابة للضغوط:
يمارس بعض أصدقاء الماضي ضغطا على من يهمّ بالتوبة من الشباب أو الفتيات؛ فهم يملكون رصيداً من أخبار صاحبهم أو صاحبتهم، وربما يملكون صوراً أو وثائق تدينه بالسوء، فيستخدمون هذه الوسائل ورقةً للضغط عليه وصدّه عن طريق التوبة.
إنهم يسخرون منه مذكرين إيّاه بالماضي السيئ، أو يهددونه بكشف أوراقه، وإفشاء أخباره أمام الآخرين.
إن النجاة من ذلك تبدأ باجتناب الرفقة السيئة ومجافاة طريق الرذيلة، لكن حين يلم المرء بشيء من ذلك فلا ينبغي أن يعوقه ويصرفه عن التوبة والسير في طريق العفة.
إن تنفيذ ما يهدد به هؤلاء الفجرة نادراً ما يحدث؛ ففضيحتهم لهؤلاء فضيحة لأنفسهم، وما يقولونه يصعب إثباته، وهم إنما يسلكون ذلك مساومة واستثماراً لنقطة الضعف ليس إلا، وأعرف طائفة من الشباب والفتيات أنقذهم الله تبارك وتعالى من الرذيلة ولم يستجيبوا لتلك الضغوط، وكان الأمر برداً وسلاماً.
وهب أن الأمر تحول إلى جد، فالشاب والفتاة أمام خيارين:
الأول: أن يتخذ قراره بالتوبة وسلوك طريق العفة، ويتحمل ما يصيبه؛ فمن يقع في الرذيلة ثم يقلع عنها خير عند الله وعند الناس ممن يستمرئ الفساد ويتجرع مزيداً من كؤوس الرذيلة.
إنها برهة من الوقت سرعان ما يتجاوزها إلى طريق السعادة والاطمئنان، وينسى الناس عنه كل شيء، ولا يعرفون عنه إلا الطهارة والنزاهة.
بل إن ما يصيبه في طريق التوبة إنما هو من الابتلاء ورفعة الدرجات بإذن الله تعالى.
والخيار الثاني: أن يرضخ للضغوط، ويستمر في طريق الرذيلة؛ فيجني خزي الدنيا، وإن فاتته الفضيحة في هذه الدار فهي مرصدة له يوم القيامة، يوم لا تخفى خافية.

ومما يعين على تجاوز هذه العقبة أمران:
الأول: اللجوء إلى الله تبارك وتعالى، وسؤاله الإعانة والتوفيق؛ فهو رحيم بعباده، قريب منهم، يسمع سرهم ونجواهم، فإن علم من عبده الصدق أعانه ويسر له كل عسير.
الثاني: أن يستعين بمن يثق به، فيفتح الشاب مشكلته لأستاذه أو والده، وتفتح الفتاة مشكلتها لمعلمتها أو والدتها. مع الحذر من استشارة غير الناصح والأمين. وسيجد بإذن الله عند هؤلاء حلاَّ لما كان يعتقد أنه مستحيل، ومخرجاً لما يعاني منه مشكلة.

التحديث بما كنت تمارس:
يتساهل بعض الشباب والفتيات بتحديث أصحابهم عن بعض ما مارسوه وعملوه، وهذا فيه مخالفة لأمر النبي صلى الله عليه وسلّم القائل: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من الجهار أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه". [رواه البخاري 6069، ومسلم 2990].
وعلاوة على ما في هذا المسلك من مخالفة، فهو يولد نتائج:
منها: تهوين المعصية لدى الشخص، ولدى من حدثه عنها.
ومنها: أنها قد تجريء الطرفين فيما بعد على الوقوع فيها.
ومنها: أنها تفتح الباب لحديث أوسع في مثل هذه الرذائل وتزيل حاجز الحياء.
فليستتر الشاب والفتاة، فهذا مما يعينه على التوبة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلّم بذلك فقال: "اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله؛ فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله" [رواه الحاكم والبيهقي].

التهاون بالمعصية:
ومع أهمية الحذر من اليأس من التوبة، وضرورة البعد عن فقد الأمل في التغيير، فلا بد من الحذر من أن يؤدي ذلك إلى الاستهانة بشأن المعصية فالاعتدال مطلوب، فالشعور بعظمة الذنب، وإدراك حقيقته له أثره البالغ في تقوية الدافع نحو التوبة، وله أثره في دفع المرء إلى الاجتهاد في الأعمال الصالحة بعد التوبة علّها أن تكفر عنه ما اقترف من سيئات.

التخلي عن الصالحين:
حين يكون الشاب أو الفتاة مصاحبا للصالحين ومجالسا لهم، وتهوي به نفسه في خطيئة من الخطايا، يسمع صوتا يهزه في داخله قائلا له: كيف تصاحب الصالحين الأطهار الأخيار وأنت على هذه الحال؟! إنك منافق، غير جاد...إلخ، حينها قد يقوده الشيطان إلى أن يفارق الصالحين.
إن مقارفة الرذيلة ممقوت بلا شك، ومن يجالس الصالحين الأخيار فهو أولى الناس باجتنابها ومفارقتها، ولكن:
هل مفارقته للصالحين ستزيده قرباً من الرذيلة أم بعدا عنها؟!.
وحين يفارقهم: فهل سيزداد إيمانه أم ينقص؟!.
بل هل سيبقى ذاك الصوت الذي يلومه من داخله ويدفعه نحو التوبة أم لا؟!.
إن الشرع القويم، يدعو إلى خلاف ذلك، فالمقصر المذنب حين يصاحب الصالحين يحشره الله معهم يوم القيامة؛ فحين سئل النبي صلى الله عليه وسلّم عن رجل يحب القوم ولما يلحق بهم قال: "المرء مع من أحب".
وهذا ليس دعوة إلى الاتكاء على هذا الحب وإهمال حظ النفس من صالح العمل؛ فالحب الصادق يدفع المرء إلى التأسي بمن يحب، والسير في طريقة.
والمنطق السليم يقول لصاحبه: بقاؤك مصاحبا للصالحين حتى لو وقعت في التقصير خير من مفارقتك إياهم، وحين تفارقهم فلن يؤدي بك ذلك إلى التوبة والإقلاع، بل سيؤدي بك إلى استمراء السوء، وإلى مزيد من الارتكاس، حمانا الله وإياك.

 للأعلى


لا بديل عن المجاهدة

كثيرة هي الرسائل التي يحملها إليها البريد، أو عبر الهاتف، أو عبر شبكة الإنترنت يشتكي فيها أصحباها شكوى مرة من صراعهم مع الشهوات، ومن عدم قدرتهم على ضبط أنفسهم في مواجهة دواعيها ومثيراتها.
وحين تسهب في الحديث مع السائل، يفيدك بأن ما ذكرته من خطوات للعلاج قد جربه كله ولم ير له أثراً، أحدهم يكتب لي رسالته وهو صائم - صيام نفل - وكثير منهم يقدم بين يدي شكواه بأنه قرأ الكتاب الفلاني، وسمع الشريط الفلاني....إلخ.
ومنشأ المشكلة في ذلك السعي إلى مطلب لا يمكن تحقيقه، ألا وهو الخلاص من الشهوة والتفكير فيها.
إن الحل الشرعي والفطري الطبيعي هو في الزواج، وبدونه ستبقى هذه الشهوة تلح على صاحبها، وتصارعه ويصارعها، وحين لا يتيسر للشاب أو الفتاة فلا بديل لهما عن المجاهدة، والصبر والمصابرة، ولا يمكن غير ذلك إلا حين يقطع شهوة النكاح، وقد همَّ بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم بذلك فنهاهم عنه. [رواه البخاري 5074، ومسلم 1402].
إن الله تعالى رحيم بعباده، وهو الذي خلقهم تبارك وتعالى، ويعلم نوازعهم وشهواتهم، وهو الذي أباح لهم التمتع بالزواج وملك اليمين وحرم عليهم ما سواه، وهذا الدين قد جاء لكل زمان ومكان، والله تعالى يعلم ما سيأتي في هذه الأزمنة وغيرها من مثيرات وفتن، فهذه المقدمات تقودنا إلى نتيجة قطعية وهي أن الشاب والفتاة يستطيع أن يستجيب لأمر الله تبارك وتعالى، ويستطيع أن يتجنب الشهوة المحرمة.
نعم الأمر فيه مشقة وصعوبة، ويحتاج إلى مجاهدة، وقد يكبو البعض ويقارف صغيرة ولمماٍ، وربما كبيرة، لكن الباب مفتوح أمامه للتوبة والعودة إلى الله، وإذا ادعى أحد أنه لا يستطيع الصبر ولا مجاهدة نفسه فهو إما جاهل بشرع الله وحكمته ورحمته بعباده، أو يبحث عن مبرر يعذر فيه نفسه.
فهذا هو الطريق إخوتي وأخواتي جهاد ومجاهدة، وصبر ومصابرة، واستعانة بالله تبارك وتعالى، ونحن في هذه الدار في معركة وصراع مع العدو الذي أقسم أن يسعى لإضلال خلق الله وصدهم عن دينه.

 للأعلى


درس في العفة

قصّ الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم قصة يوسف عليه السلام، وجاء ضمن أحداث القصة مراودة المرأة له على إتيان الفاحشة وفي هذه القصة من العبر والعظات ما نحن بحاجة إليه، وبخاصة ونحن نتناول هذا الموضوع.
لقد كانت هناك أمور عدة تدعو يوسف عليه السلام إلى الوقوع في الفاحشة والاستجابة لمراودة المرأة له، ومنها:
1- العامل الطبعي فالرجل يميل إلى المرأة، وكل الرجال إلا من شذ لديه هذه الشهوة.
2- كونه شابًّا، والشهوة عند الشاب تكون أكثر توقداً منه عند غيره
3 - أنه كان عَزَباً لم يتزوج بعد؛ فالمتزوج قد يسر اللّه له طريق الحلال فلو أثاره ما آثاره فأمامه المصرف الشرعي.
4- كونه في بلد غريب، فوجود الغربة قد يدعو الإنسان إلى أن ينطلق وينفلت.
5- أن المرأة كانت ذات منصب وذات جمال، أما كونها ذات منصب فهذا واضح وأما كونها ذات جمال فإن مثل العزيز العادة أن لا يتزوج إلا امرأة ذات جمال.
6- كونها غير ممتنعة فإن مما يصد المرء عن المعصية أن تمتنع المرأة وتأبى.
7- أنها طلب وأرادت وراودت وبذلت الجهد فكفته مؤنة الطلب وبذل الرغبة؛ فهي الراغبة الذليلة وهو العزيز المرغوب فيه، فالشاب قد تدعوه الشهوة إلى أن يواقع المعصية، لكن قد تبقى أمامه عقبه وهي الجرأة والتصريح بالرغبة والطلب.
8- أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث يخشى إن لم يجبها إلى ما تطلب أن يناله أذاها فاجتمع له الرغبة والرهبة.
9- أنه لا يخشى أن تنم عليه لأنها الراضية الراغبة، فيزول لديه خوف الفضيحة ومعرفة الناس بما قارف من سوء.
10- قربه منها وكونه مملوكاً لها مما يورث طول الأنس، فهو يلقاها كل يوم ويراها، ويدخل عليها في أحوال لا يدخل عليها فيها غيره، وهذا يدعوه إلى أن يرى منها ما لا يرى منها غيره.
11- استعانتها عليه بالنساء، فتجمع النسوة وتعطيهن الطعام، وتأمره بأن يخرج عليهن، فيبهرهن جماله، ويقطعن أيديهن دون أن يشعرن بذلك، فكيف بيوسف عليه السلام وهو يتعرض للمراودة مرة أخرى، ويسمع هذا الوصف من النسوة، ويسمع هذه المرأة تصرح بالسوء وتعلنه بكل جرأة ووقاحة؟!
12- التوعد بالسجن والصغار؛ فإنها قالت: (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ). [يوسف: 32]. وهي تملك ذلك؛ فهي زوجة العزيز، والأمر بيديها، وهي ممن وصفت بالكيد العظيم وقد ثبتت قدرتها على ذلك فدخل يوسف عليه السلام السجن ولبث فيه بضع سنين.
13- أن الزوج لم يظهر الغيرة والنخوة التي تليق بالأزواج، فحين شهد الشاهد واتضح الأمر أمامه. قال هذا الزوج ليوسف عليه السلام (أَعْرِضْ عَنْ هَذَا). [ وقال للمرأة (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ). [يوسف: 29].
ها هو يوسف عليه السلام يعيش هذا الموقف بظروفه وملابساته، وتجتمع عليه هذه المثيرات، فينجيه الله تبارك وتعالى منه ويثبته على طاعته.
إن الشاب المسلم اليوم ليتطلع إلى هذا النموذج ويتخذه مثلا له يسير عليه، كيف لا وقد أخبر الله تبارك في مبدأ هذه السورة بشأن هذه القصة بقوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ). [يوسف: 3].
وشهد النبي صلى الله عليه وسلّم ليوسف عليه السلام بأنه من خير الناس، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله: من أكرم الناس؟! قال: أتقاهم. فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألون؟! خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". [رواه البخاري 3353، ومسلم 2378].
هذه نماذج يتطلع إليها الشاب المسلم اليوم، وهو قد لا يصل إلى هذه المنزلة ولن يصل إليها، وأنَّى لامرئ أن يصل منزلة أنبياء اللّه، لكنه يجعل هؤلاء مثلا وقدوة يقتدي بهم.

قوارب النجاة في قصة يوسف عليه السلام:
ما الأمور التي تمسك بها يوسف عليه السلام فكانت سببا بعد اللّه وتوفيقه لحمايته ولنجاحه في هذا الابتلاء؟!
الأول: الخوف من اللّه عز وجل، والخوف من اللّه سبحانه وتعالى هو العاصم من الوقوع في أي معصية وأي فاحشة، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلّم من السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إن أخاف اللّه.
الثاني: توفيق اللّه وإعانته، فقد قال سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ). فإنه لو لم ير برهان ربه لهمَّ بها. وقال اللّه عز وجل في آخر الآية: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلصِينَ). [يوسف: 24].
وتأمل كيف أن اللّه لم يقل: لنصرفه عن السوء والفحشاء، بل قال:  (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)؟!. فالسوء والفحشاء صُرفت عنه وهذا أبلغ من أن يصرف عنها هو.
وكلما ازداد المرء توكلا على اللّه وأخذا بالأسباب، كان ذلك أولى أن يحفظه اللّه ويعينه، وقد قال صلى الله عليه وسلّم لابن عباس رضي الله عنهما: "احفظ الله يحفظك".
وحفظ الله تبارك وتعالى لعبده يشمل حفظه في أمور دينه وحفظه في أمور دنياه، والأول أتم وأولى.
الثالث: فراره من أسباب المعصية، فقد خاف من ربه، وحين رأى البرهان لم يقف بل فر وسابقها إلى الباب، وقدَّت قميصه من دبر.
إن مفارقة الإنسان لموطن المعصية وفراره منه مما يعينه على تركها وهو دليل على تفويضه أمره لله عز وجل، ولذا فقد نصح الرجل العالم ذاك الذي أتاه يستفتيه وقد قتل مائة شخص، نصحه بأن يخرج من قريته فهي قرية سوء ومعصية، ويغادرها إلى قرية يعمرها الصالحون الأتقياء.
ولن يحتاج الشاب والفتاة اليوم إلى أن يغادر موطنه وقريته، بل ما عليه إلا أن يعزم عزيمة صادقة على أن يودع أصدقاء الغفلة، وجلساء السوء، ويستبدلهم بمن يعبدون الله ويخشونه.
وأن يتخلص من كل ما يقوده إلى المعصية ويذكره بها.
الرابع: الدعاء، فقد دعا يوسف عليه السلام ربه فقال: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ). [يوسف: 33].
وإذا كان يوسف عليه السلام لا يستغني عن دعاء اللّه عز وجل وسؤاله فغيره من باب أولى؛ فالدعاء هو الوسيلة التي يتصل بها المرء باللّه عز وجل.
ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلّم يقول في دعائه لربه: "اللهم رحمتك أرجو؛ فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا أقل من ذلك".
الخامس: صلاحه وطاعته وتقواه، وكان ذلك من أسباب توفيِق اللّه له: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ). [يوسف: 24]. فكلما كان المرء مطيعا للّه حافظا لحدوده كان ذلك أدعى إلى أن يحفظه اللّه وأن يثبته على طاعته.
ومن هنا فازدياد المرء من الطاعة والعبادة وحرصه على ذلك يؤهله لتوفيق اللّه وإعانته له بعد ذلك.
السادس: اختياره الأذى على فعل الفاحشة فهو يقول: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ). [يوسف: 33]. فاختار السجن ومرارته وفضله على أن يقع في هذه المعصية، فحينما وصل الأمر به إلى هذا الحد أعانه اللّه ووفقه، أما الأذى الذي ناله فهو أذى الدنيا وما هذه الدنيا إلا دار مصائب.

 للأعلى


إلى كل أب وأستاذ وكل أم

لعل بعد عهدكم بسن الشباب قد أنساكم بعض ما يعانونه من كيد الشيطان في هذا الباب، ولعل ما سبق أشعركم بخطورة الأمر على أبنائكم، تذكروا - حفظني الله وإياكم - ومثلي لا يذكركم - قوله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته...".
وقبل ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). [التحريم: 6].
 في تحقيق أجرته جريدة الأنباء الكويتية يقول أحد المصابين بداء التدخين: "إن أولياء أمورنا هم المسئولون بالدرجة الأولى، فأنا لم أر والدي يسألني أين أذهب؟! ومع أي شخص أمشي؟!".
 ويحمِّل أحد العائدين إلى دار الملاحظة بالرياض بعد خروجه منها، والده مسؤولية ذلك ويقول: "أبي لا يهتم بأدائي لفروضي الدينية من صلاة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر. فوالدي لو قام بتنشئتي تنشئة إسلامية خالصة تجعل لدي درعاً واقياً أمام الشيطان وانحرافاته... فلهذا السبب ضعف لدي الوازع الديني، وكنت عرضة الانحراف مرة أخرى، وعدت للدار مرة أخرى" [مجلة دار الملاحظة العدد الثالث ص 51- 52].
 وأستأذنكم في أن أقترح عليكم ما يأتي:
1- اتفقنا أن الإيمان هو الحصانة والحماية من المعصية فاحرصوا وفقني الله وإياكم على غرسه في قلوب أولادكم. وتربيتهم على محبة الله ورسوله.
2- واتفقنا على ضرورة سد الذرائع. فاتخذوا حفظكم الله قراراً حاسماً بشأن أجهزة اللهو والإغراء.
3- إن مما يجده الشاب والفتاة عند قرناء السوء - وللأسف - الطلاقة والمرح والبشاشة، فحوّلوا جو البيت إلى علاقة أخوية لا عسكرية، واصرفوا جزءاً من الابتسامات التي تلقون بها أصدقاءكم إلى أولادكم، ووفّروا شطراً من المرح والدعابة التي تسود أجواءكم مع الزملاء، إلى فلذات أكبادكم.
4- أتظنون أنه لو عانى ابنكم من مشكلة، أو عقبة خاصة في هذا الأمر، أنه سيفتح صدره لكم ويعرض ما عنده عليكم؟!.
فلم لا تسعون لكسر هذا الحاجز وتعويد أبنائكم على المصارحة؟!.
5- إياكم والثقة العمياء، ولتعلموا أنكم آخر من يود أولادكم أن يعلم عن حاله إن كانت سيئة، وأنهم يتصنعون أمامكم.
6- لقد أوصينا أولادكم بالرفقة الصالحة فأعينوهم على ذلك وسهلوا لهم الأمر، وابحثوا عن هؤلاء، واعلموا أنه إن لم يصحبهم فسيصحب الطرف الآخر، فاختر لأولادك ما تراه مناسبا.
7- لو اكتشفتم أن أحد أولادكم قد وقع في شيء من ذلك، فإياكم والتسرع والاندفاع، فالأمر مع خطورته يتطلب حلّاً مدروساً، ولا تظنوا أن التأنيب والضرب سيحل نتائج إهمالكم له سنوات طويلة.
 ولعل من خير من يعينكم على ذلك أحد أساتذته الذين تثقون بهم، أو إمام المسجد وأمثال هؤلاء فما من حرج أن تعرض عليهم ما عندك وتطلب رأيهم وعونهم.
8- إن كان ابنكم أو ابنتكم قد قارب سن الزواج فما الذي يمنعكم من إعانته على تطبيق الوصية النبوية: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج..."؟!.

إخواني الآباء، أبنائي الشباب والفتيات:
هذا ما أحببت أن أضعه بين يديكم، إنه جهد المقل وبعض ما يجب تجاهكم.
أرجو أن أكون قد قدمت لكم ما يفيدكم، ولا تتردوا في الكتابة إليّ بملاحظاتكم واستدراكاتكم، لأتلافى ذلك في الطبعات القادمة، ولا أنسى أن أخص بالشكر إخواني الذين اطّلعوا على مسودة الكتاب وأبدوا لي ما استفدت منه.
 وفقنا الله وإياكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد بن عبد الله الدويش
 ص ب 52960 الرياض 11573
www.almurabbi.com

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008