تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

سبيل النجاة من شؤم المعصية / الطبعة الثانية

د. محمد بن عبدالله الدويش

 بين يدي السلسلة
 مقدمة الكتاب
 من أي العصاة أنت؟
 استعظم ذنبك
 إياك ومحقرات الذنوب
 إياك و المجاهرة
 التوبة النصوح الصادقة
 إذا تكرر الذنب فكرر التوبة
 فارق دواعي المعصية
 دوام الاستغفار
 هل تعاهد الله على ترك المعصية؟
 فعل الحسنة بعد السيئة
 تحقيق التوحيد
 لا تفارق الأخيار
 لا تدع الدعوة
 لا تعير غيرك بالذنب
 بين المعصية والمشكلة
 خاتمة

بين يدي السلسلة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
فمن بين ظلمات الواقع البئيس الذي يعيشه عالمنا الإسلامي اليوم بدأ فجر الصحوة يسفر عن يوم مشرق يبدد بإذن الله ظلمات الجهل والانحراف.
ولعل من ألمع صور فجر الصحوة وأحقها بالاستبشار هذا الجيل الطاهر من شباب الأمة الذي بدأ يتوافد على المساجد مودعاً أماكن اللعب والفجور، مقبلاً على دينه مفارقاً لما سواه.
وهنا يفتر ثغر الأمة عن ابتسامة ملؤها الأمل والاستبشار فهؤلاء بإذن الله هم فرط الأمة وطليعتها.
لقد أقبل هذا النشء المبارك - بإذن الله - على العلم الشرعي، وعلى منابع الفكر الأصيلة ساعياً للتحصيل، وطالباً للسداد، وأصبحنا نراه يتساءل كثيراً، ويطرح مشكلاته، باحثاً عن العلاج والحل.
ورواج الكلمة المسموعة والمقروءة والتي تخاطب الشباب دليل على مبلغ النضج والتطلع للتصحيح وهو يفرض على كل من آتاه الله علماً نافعاً، أو رأياً صائباً، أو فكراً مسدداً، أن يشارك في المسيرة، ويساهم في البناء.
ومن هنا كانت هذه المحاولة المتواضعة تتلمس بعض ما يحتاجه جيل الشباب، وكلي أمل أن لا تكون هذه الخطوة وحيدة أو يتيمة بل أن تكون بداية -بإذنه عز وجل- وتتبعها إصدارات.
ولدي مادة من ذلك، سواء أكان مما سبق إلقاؤه في الدروس التربوية والمحاضرات أم مما لم يسبق، لكن هذا لا ينقلني إلى مرحلة الاستغناء عن مقترحات الإخوة، ومشاركتهم.
فهذه - بإذن الله - باكورة سلسلة أخاطب فيها الشباب المقبل على دينه، المتوافد على المساجد.
فهي ليست خطاباً لذلك القطاع من الشباب المعرض الغافل، وإن كان بحق يحتاج لمن يخاطبه.
وليست خطاباً لأولئك الذين قطعوا مرحلة في العلم الشرعي وتحصيله ومن ثم فلعلهم لا يجدوا فيها بغيتهم؛ فهي للناشئة والشباب.

 للأعلى


مقدمة الكتاب

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد:
فمن هو الذي لا يقع في معصية الله؟!. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم". [رواه مسلم 2749].
وحين حضرت أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه الوفاة قال: "كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون يغفر لهم". [رواه مسلم 2748، والترمذي 3539].
وقد قال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون". [رواه الترمذي 2499، وابن ماجه 4251، وأحمد 3/ 198].
وأي نفس - غير نفوس الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم- ترقى لمنزلة لا تدركها كبوة، أو لا تغلبها شهوة؟!.
ولكن المؤمن مع ذلك يدرك خطورة المعصية وشناعتها، وأنها جرأة على مولاه، وإباق من سيده، وأنه ما من مصيبة في الدنيا إلا بذنب، وهو وإن واقع الذنب واقعه مواقعة ذليل خائف، مشفق، يتمنى ذلك اليوم الذي يفارق فيه الذنب ويتخلص منه.
لقد كان سلف الأمة - أهل الورع والخشية، والزهد والعبادة - يتحدثون كثيراً عن المعصية، ويخشون على أنفسهم من شؤمها، فكيف بنا معشر المخلطين، المذنبين؟!.، كيف بشاب يعيش في هذا العصر، وقد أجلبت الفتن والشهوات عليه بخيلها، ورجلها، وصار يرى بعينه، ويسمع بأذنه صباح مساء ما يدعوه للمعصية ويحثه عليها، وما يؤخره عن الطاعة، ويحجزه عنها. فلا نلومه بعد ذلك إن كان يتساءل في كل مناسبة، ما السبيل للخلاص من المعصية وشؤمها؟!. وما الطريق لمجانبة سبيل العاصين، والسير في ركاب الطائعين المخبتين؟!.
ولهذا وذاك وعلمي بما يعانيه إخوتي الشباب رأيت أن افتتح هذه السلسلة بالحديث عن سبيل النجاة من شؤم المعصية، وهو ليس حديثاً عن أضرارها ومخاطرها، فالحديث عن ذلك كثير ومتداول قد كتب عنه السلف والخلف.
لكني سأتحدث عن بعض المقترحات التي أرى أنها تعين الشاب بإذن الله على التخفف من شؤم المعصية. وأنا إذ أفتتح هذه السلسلة المباركة آمل أن تكون فألاً طيباً فيخلصني الله مما أعاني منه من شؤم المعاصي وثقلها؛ فالجزاء من جنس العمل. وحين أتحدث في هذا الموضوع فليس ذلك شهادة براءة لي حاشا لله، أو دعوى علم ومعرفة. بل إني أعتقد أن أكثر من يقرأ ما سأكتبه هم أولئك الذين أتقى لله مني وأخشى، وأبعد مني عن المعصية وأبوابها.
أسأل الله عز وجل أن يجنبني وإخواني شؤم المعصية، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عن من سواه، إنه سميع مجيب.


محمد بن عبد الله الدويش
ص ب52960 الرياض11573
الرياض 21/7/1415هـ

 للأعلى


من أي العصاة أنت؟

قارن أخي الكريم بين هاتين الصورتين:
• الأولى: شاب تتحكم المعصية في قلبه، وتسيطر على تفكيره، فيخطط لها ويعمل جهده وفكره لتحصيل طريق توصل إليها، ثم يسعى لذلك بجوارحه وربما بذل جزءاً من ماله أو جاهه، وحين تفارقها جوارحه لا يزال صداها يتردد في خاطره، فيهيم في ذكراها، وحين يلقى أصحابه فهو يفاخرهم بما عمل، ويجاهر بما اقترف، وحين تفوته فرصة يجتر الحسرات ويعتصر الندم على ما فات. وإن حدثته نفسه بالتوبة فإنما هو خاطر سرعان ما يزول ويذيبه تطلع النفس للمعصية.
• الثانية: شاب يبغض المعصية والعصاة، قد أشغل وقته في طاعة مولاه ولكن تأخذه في لحظة من اللحظات حالة ضعف بشرية فيواقع المعصية وما أن يفارقها حتى يلتهب فؤاده ندماً وحسرة فيتألم ويحزن ويرفع يديه لمولاه تائباً مستغفراً، وما أن يسمع واعظاً حتى يرتجف فؤاده، وقد بدت معصيته بين عينيه، ويظل بعد ذلك يسأل ما المخرج؟!. ما الحل؟!. ويجانب كل طريق يؤديه إلى المعصية، وهكذا حاله وديدنه حين يقارف المعصية.
ثم هو بعد ذلك يحتقر نفسه ويمقتها، ويشعر أنها بعيدة عن طريق أهل الصلاح ويتهمها بصفات أهل الجهل والنفاق.
فهو ممن قال الله فيهم: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). [آل عمران: 135].
فبالله عليك هل يستويان؟!.
وأيهما أقرب إلى رحمة الملك العلام والتواب الرحيم؟!.
 وإلى هذا المعنى أشار الحافظ ابن القيم رحمه الله فقال: "والله تعالى إنما يغفر للعبد إذا كان وقوع الذنب منه على وجه غلبة الشهوة وقوة الطبيعة، فيواقع الذنب مع كراهته له من غير إصرار في نفسه، فهذا ترجى له مغفرة الله وصفحه وعفوه، لعلمه تعالى بضعفه وغلبة شهوته له وأنه يرى كل وقت مالا صبر له عليه. فهو إذا واقع الذنب واقعه مواقعة ذليل خاضع لربه، خائف، مختلج في صدره شهوة النفس الذنب وكراهة الإيمان له، فهو يجيب داعي النفس تارة، وداعي الإيمان تارات. فأما من بنى أمره على أن لا يقف عن ذنب ولا يقدم خوفاً ولا يدع لله شهوة، وهو فرح مسرور يضحك ظهراً لبطن إذا ظفر بالذنب، فهذا الذي يخاف عليه أن يحال بينه وبين التوبة ولا يوفق لها". [مفتاح دار السعادة 1/ 283].
وقال: "الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها، والجهل بقدر من عصاه، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها. ففرحه بها غطى عليه ذلك كله، وفرحه بها أشد ضرراً عليه من مواقعتها. والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبداً ولا يكمل بها فرحه، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه، ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به. ومتى خَلِيَ قلبه من هذا الحزن، واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه، وليبك على موت قلبه، فإنه لو كان حياً لأحزنه ارتكابه للذنب، وغاظه وصعب عليه، ولا يحس القلب بذلك، فحيث لم يحس به فما لجرح بميت إيلام". [مدارج السالكين 1/ 201].
وروى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن السماك أنه قال: "أصبحت الخليقة على ثلاثة أصناف: صنف من الذنب تائب، موطن لنفسه على هجران ذنبه، لا يريد أن يرجع إلى شيء من سيئته هذا المبرِّز، وصنف يذنب ثم يندم، ويذنب ويحزن، ويذنب ويبكي، هذا يرجى له ويخاف عليه، وصنف يذنب ولا يندم ولا يحزن، ويذنب ولا يبكي فهذا الكائن الحائد عن طريق الجنة إلى النار". [سنن البيهقي، برقم 7156].
وروى عن يونس بن العوام بن الحوشب أنه قال: "كان يقال الابتهاج بالذنب أشد من ركوبه". [سنن البيهقي، برقم 7157].
فراجع نفسك - أخي الكريم - وانظر حالك مع معصية الله عز وجل. هل أنت ممن يفرح بالمعصية ويبحث عنها ويسعى لها؟!.
وإياك أن تنسيك لذة الشهوة مرارة الخطيئة، وأن تحرق نار الهوى بذرة الإيمان والصلاح في قلبك.

 للأعلى


استعظم ذنبك

المؤمن التقي الذي يخاف مولاه ويعظمه يستعظم ذنبه ويكبر في نفسه تقصيره في جنب الله. وبقدر إيمان المرء وتعظيمه لله تعظم لديه معصيته وتكبر عنده خطيئته.
يصف الله عباده المتقين بقوله: (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ* وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). [الذاريات 17-18].
وفي آية أخرى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ). [آل عمران 16-17]. فرغم ما هم عليه من تقوى وعبادة وإنفاق وقيام الليل إلا أنهم يستغفرون الله في الوقت الذي يرونه أقرب للإجابة.
ويصور حال المؤمن مع المعصية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه تصويراً دقيقاً بالغاً فيقول: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا - قال أبو شهاب بيده فوق أنفه -". [رواه البخاري 6308].
قال ابن أبي جمرة: "الحكمة في التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة". [فتح الباري 11/ 105].
وقال المحب الطبري: "إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله ومن عقوبته لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة، والفاجر قليل المعرفة بالله، فلذلك قل خوفه واستهان بالمعصية". [فتح الباري 11/ 105].
أخي الكريم: لو وضعت نفسي وإياك على ميزان ابن مسعود رضي الله عنه عنه، وكيف نرى معاصينا وذنوبنا ففي أي الكفتين ترانا نكون؟!. أنحن من أولئك الذين يرون ذنوبهم كالجبال أم من الذين يرونه كالذباب؟!.
وهذه الحساسية المرهفة والوجل من الذنب واستعظامه ليست صفة اختص بها ابن مسعود رضي الله عنه بل صفة غالبة عند عامة الرعيل الأول.
ففي البخاري عن غيلان عن أنس رضي الله عنه قال: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الموبقات". [رواه البخاري 6492].
ويقف المسلم أمام هذا الأثر مشدوهاً متسائلاً. يقول ذلك أنس رضي الله عنه لأحد التابعين وأحد تلامذته مصوراً النسبة بين رؤية أولئك لذنوبهم ورؤية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .،، ويتساءل في نفسه ماذا عسى أن تكون ذنوب أولئك التابعين؟!. وكيف تكون النسبة بين رؤيتنا لذنوبنا وتقصيرنا وبين ذاك الجيل؟!. وماذا عسى أنساً رضي الله عنه أن يقول لو رأى ما نحن عليه؟!.
والشعور نفسه نلمسه عند حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إذ يقول: "إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصير بها منافقاً، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات". [رواه ابن أبي عاصم في الزهد 69، وأبو نعيم في الحلية 1/ 279].
وهو أيضاً عند خير الأمة وأبرها بعد نبيها صلى الله عليه وسلم . فقد دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- وهو آخذ بلسانه وهو يقول: "لساني أوردني الموارد". [رواه ابن أبي عاصم في الزهد 18، 19، 22، وابن أبي شيبة 9/ 66، وأبو نعيم في الحلية 1/ 33].
في غزوة الحديبية جاء المسلمون وهم في شوق ولهف لبيت الله فصدهم المشركون وصالحهم صلى الله عليه وسلم على ذلك، فوقع في نفوس أصحابه ما وقع فجاء عمر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: ألست نبي الله حقاً؟!. قال: بلى، قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟!. قال: بلى، قال: فلم نعطى الدنية في ديننا إذاً؟!. قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، قال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟!. قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟!. قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومُطوِّف به، فأتى عمر رضي الله عنه أبا بكر فقال له نحواً من ذلك، فأجابه بمثل ما أجابه به صلى الله عليه وسلم. [رواه البخاري 2732، ومسلم 1785 من وجه آخر بنحوه].
ترى ما الدافع لعمر رضي الله عنه أن يراجع النبي صلى الله عليه وسلم ويناقشه، أليس الرغبة في نصرة الدين والطواف بالبيت وعبادة الله؟!.
لكنه رضي الله عنه ما يلبث أن يستفيق ويعدَّ هذه المراجعة ذنباً فيجتهد في الأعمال الصالحة علها أن تكفر عنه. يقول رضي الله عنه فعملت لذلك أعمالاً. وفي رواية ابن إسحاق: "وكان عمر يقول مازلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ".
قال الحافظ ابن حجر: "وإنما عمل الأعمال المذكورة لهذه وإلا فجميع ما صدر منه كان معذوراً فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد فيه". [فتح الباري 11/ 347].
فإذا كانت هذه سيرة القوم فيما اجتهدوا فيه فكيف بمن يأتي المعصية عياناً؟!.
ويصور عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه نفس المؤمن حين يواقع الخطأ هذا التصوير فيقول: "لنفس المؤمن أشد ارتكاضاً من الخطيئة من العصفور حين يقذف به". [رواه ابن المبارك في الزهد 72].
ولعلك أن تشاركني الفهم أن هناك فرقاً بين ما يراه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما خطيئة وبين ما نراه نحن كذلك.
وقد ينصرف نظر المرء إلى صغر الخطيئة فينبه بلال بن سعد إلى هذا المسلك إذ يقول: "لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت". [رواه ابن المبارك في الزهد 71، والبيهقي في شعب الإيمان 7159].
أما سليمان بن حبيب - رحمه الله - فقال: "إن الله إذا أراد بعبده خيراً جعل الإثم وبيلاً [وبيلاً: أي: وخيم. وطعام وبيل: يخاف وباله، أي: سوء عاقبته].. فإذا أراد بعبده شراً خضر له [خضر له:حسّنه في عينه]" . [رواه ابن المبارك في الزهد 70].
ويعظم احتقار الذنب عند الأوزاعي فيقول: "كان يقال من الكبائر أن يعمل الرجل الذنب يحتقره". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7153].
وقال أيضاً: "الإصرار أن يعمل الرجل الذنب فيحتقره". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7154].
إن استعظام الذنب - أخي الكريم - يتولد منه لدى صاحبه استغفار وتوبة، وبكاء وندم، وإلحاح على الله عز وجل بالدعاء وسؤاله تخليصه من شؤمه ووباله. وما يلبث أن يولد دافعاً قوياً يمكِّن صاحبه من الانتصار على شهوته والسيطرة على هواه.
أما أولئك الذين يحتقرون الذنب فيشعر أحدهم بالندم ويعزم على التوبة، لكنها عزيمة ضعيفة سرعان ما تنهار مرة أخرى أمام دواعي المعصية.

 للأعلى


إياك ومحقرات الذنوب

ويلحق بما مضى من استعظام الذنب الخوف من محقرات الذنوب، فيحذر منها صلى الله عليه وسلم ويضرب لها مثلاً بليغاً.
فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم ومحقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن واد فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه". [رواه أحمد 5/ 331، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان 7267، وقال ابن حجر في الفتح 11/ 329: أخرجه أحمد بسند حسن].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلاً كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً وأججوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها". [رواه أحمد 1/ 402، والطبراني].
وهو تشبيه بليغ من أفصح الناس صلى الله عليه وسلم لشؤم اجتماع الذنوب على العبد، فالعود لا يصنع شيئاً والثاني كذلك.. لكنها حين تجتمع تصبح حطباً يشعل النار وينضج العشاء.
ولهذا يوصي ابن المعتز بذلك مقتبساً هذا المعنى:

خـل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

ويحذر صلى الله عليه وسلم زوجه عائشة رضي الله عنها من ذلك قائلاً لها: "يا عائشة، إياك ومحقرات الأعمال؛ فإن لها من الله طالباً". [رواه ابن ماجه 4243، والدارمي 2626، وقال في الزوائد: إسناده صحيح.رجاله ثقات].
وفي حديث عمرو بن الأحوص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع للناس: أي يوم هذا... ألا وإن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أبدا،ً ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به". [رواه ابن ماجه 3055].
وتتكرر وصايا سلف الأمة في التحذيـر من المحقرات وبيان خطـورة ذلك على المرء.
قال كعب: "إن العبد ليذنب الذنب الصغير ولا يندم عليه ولا يستغفر منه، فيعظم عند الله حتى يكون مثل الطود ويعمل الذنب العظيم فيندم عليه ويستغفر منه، فيصغر عند الله عز وجل حتى يغفر له". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7151].
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: "بقدر ما يصغر الذنب عندك كذا يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك كذا يصغر عند الله". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7152].
وعن الحسن - رحمه الله - أنه قال: "من عمل حسنة وإن صغرت أورثته نوراً في قلبه، وقوة في عمله، وإن عمل سيئة وإن صغرت فاحتقرها أورثته ظلماً في قلبه وضعفاً في عمله". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7219].
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: "إن الرجل ليعمل الحسنة يتكل عليها، ويعمل المحقرات حتى يأتي الله وقد أخطرته، وإن الرجل ليعمل السيئة فيغرق منها حتى يأتي الله آمناً". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7266، ونسبه ابن حجر في الفتح إلى أسد بن موسى في الزهد].
قال ابن القيم -رحمه الله-: "إذا عرف هذا فاستقلال العبد المعصية عين الجرأة على الله، وجهل بقدر من عصاه، وبقدر حقه؛ وإنما كان مبارزة لأنه إذا استصغر المعصية واستقلها هان عليه أمرها، وخفت على قلبه؛ وذلك نوع مبارزة". [مدارج السالكين 1/ 290].
فكم - أخي الكريم - من كلمة لا نلقي لها بالاً: سخرية بمسلم أو همز له، أو وقوع في عرضه، أو كلمة غير صادقة، نضيف لها نظرة عابرة، وتقصيراً في واجب لا نعبأ به وهكذا حتى يتولد منها سيل جارف. وبعد ذلك نسأل: لماذا قلوبنا قاسية؟!.

 للأعلى


إياك و المجاهرة

كما أن الطاعات تتفاوت مراتبها ودرجاتها بحسب الأعمال ذاتها، وبحسب العامل، والوقت، والسر والجهر، فالمعاصي كذلك. فالمعصية الواحدة يختلف إثمها ووزرها بحسب العامل، وحرمة الزمان، والمكان، والجهر والإسرار.
وقد دلت النصوص الشرعية على أن المعصية التي يستتر بها صاحبها أخف جرماً من التي يعلنها.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه". [رواه البخاري 6069، ومسلم 2990].
وبوب البخاري - رحمه الله - على هذا الحديث (باب: ستر المؤمن على نفسه). وأورد في الباب أيضاً حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رجلاً سأله: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟!. قال: يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا؟!. فيقول: نعم. ويقول عملت كذا وكذا؟!. فيقول: نعم. فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم". [رواه البخاري 6070].
فحين يبتلى الله أحداً من عباده فتغلبه نفسه الأمارة بالسوء ويدعوه هواه لمقارفة معصية، وارتكاب حرمة وقد خلا عن الناس وأرخى على نفسه الستار، حينها فعليه أن يستتر بستر الله ولا يهتك هذا السياج.
إنّ المؤمن الذي يخاف مولاه، ويعظمه ويجله، إنه وإن أوقعته نفسه في المعصية وقارف ما قارف فهو يمقت هذه المعصية وما يذكره بها من قريب أو بعيد، فكيف يحدث الناس أنه عمل وعمل؟!.
ومن باب: (يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا) ما يسلكه بعض من الشباب حين يلقى صفيه وأخاه فيحدثه لا مفاخراً ومبارزاً لله بالعصيان بل مغلفاً ذلك بغلاف الشكوى ومعللاً بعلة السؤال عن الحل والبحث عن المخرج.
وهذا المسلك علاوة على ما فيه من مخالفة الأدب الشرعي، وهتك لستر الله فهو تكريس للقدوة السيئة أو تهوين للمعصية أمام الآخرين. فحين يصاب صاحبه بالداء نفسه فيقارفها أو غيرها يلتمس العزاء والعذر لتقصيره بتذكير نفسه أن فلاناً يواقعها، وأن كثيراً من الشباب كذلك إن لم يكن عامتهم. هذا ما يقوله بلسان حاله، إن لم يكن بلسان مقاله.
وعلاوة على المجاهرة والقدوة السيئة، فصاحبه حين يقارف هذه المعصية سيبادله الشكوى، ويشاركه النجوى فيشتركان مبدأ الأمر في التشاكي والتألم، ثم تتحول القضية إلى تعاون على الإثم والعدوان ومشاركة في العصيان.
وكم كان هذا المسلك سبباً في انحراف البعض من الشباب بعد استقامتهم وضلالهم بعد هدايتهم.
وقد يدخل ضمن باب عملت البارحة، شكوى الشاب لمن هو فوقه سناً وعلماً ممن يراه في مسائه وصباحه، وهي وإن كانت شكوى للعلاج والاستفتاء إلا أنها خلاف الآداب الشرعية ومنطق الحياء الذي لا يأتي إلا بخير.
وما تلبث الأيام أن تدور دورتها ويفارق الأخ صبوته، ويتخلى عن معصية مولاه، فيشعر أن هذه الصورة قد نقشت في ذاكرة صاحبه وستبقى لا تمحوها الأيام ولا يطمرها النسيان.
ولهذا جاء التوجيه النبوي الكريم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها فمن ألم فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله؛ فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله عز وجل". [رواه الحاكم 4/ 425].
وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - وكان شهد بدراً، وهو أحد النقباء ليلة العقبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولاتزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عاقبه. فبايعناه على ذلك". [رواه البخاري 18].
أما ما نقل من مجيء بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له شاكين وقوعهم في بعض الذنوب فهي حالات خاصة فالقاعدة خلاف ذلك. ثم يبدو من سياق بعض هذه الأحداث أن الرجل ربما كان يجهل أن له توبة، أو يسأل عن الكفارة وماذا يلزمه. بل وفي بعض هذه الحوادث إنكار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على السائل وأمره بالاستتار مما يدل على أن هذا هو الأصل المتقرّر لديهم وما يخرج عن ذلك كله يبقى حالة خاصة لا تشغب على القاعدة العامة.
فالأولى بالشاب حين يبتلى بالمعصية أن يستتر بستر الله، وأن يجاهد نفسه على ترك المعصية ما استطاع، وحين يصعب الأمر عليه ويحتاج لمن يعينه ويضيء له الطريق فله بديل في سؤال من لا يعرفه مشافهة أو مهاتفة أو كتابة، أو من يعرفه لكن لا تربطه به تلك الصلة، أو البحث فيما قيل عنها من أهل العلم مكتوباً أو مسجلاً.
أما حين تنغلق جميع هذه الأبواب ويرى نفسه بين خيارين: استمراء المعصية وإهلاكها له أو استشارة صاحبه القريب ممن سيجد عنده العلاج والدواء بإذن الله، فتبقى حالة نادرة، ولا يجوز أن تكون قاعدة عامة وهدياً راتباً، والله أعلم.

 للأعلى


التوبة النصوح الصادقة

الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده وهو عز وجل عليم بهم وبطباعهم: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ). [الملك: 14]. لقد علم الله سبحانه أن الناس بشر مهما بلغوا من التقوى والصلاح والورع فلابد أن يقارفوا بعض ما حرم عز وجل.
ولهذا فتح الله لعباده باب التوبة ودعاهم إليها: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). [النور: 31].
والحديث - أخي الكريم - عن التوبة طويل وقد أسهب فيها أهل العلم، لكن أشير لك إشارات عاجلة مما أرى أنك تحتاج للتذكير بها.

• أولاً: فرح الرب بتوبة عبده:
فالأمر لا يقف عند حد الدعوة إلى التوبة والوعد بقبولها والحث عليها ؛ وهو وحده كاف للمسلم في حثه ودفعه لها، لكن الله عز وجل يحب توبة العبد ويفرح بها.
ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح". [رواه البخاري 6309، ومسلم 2747 من حديث أنس. ومن حديث ابن مسعود، ورواه مسلم من حديث البراء، ومن حديث النعمان بن بشير، والترمذي من حديث أبي هريرة].
قال العلامة ابن القيم - رحمه الله -: "فما الظن بمحبوب لك تحبه حباً شديداً أسره عدوك، وحال بينك وبينه، وأنت تعلم أن العدو سيسومه سوء العذاب، ويعرضه لأنواع الهلاك، وأنت أولى به منه، وهو غرسك وتربيتك، ثم إنه انفلت من عدوه ووافاك على غير ميعاد، فلم يفجأك إلا وهو على بابك يتملقك، ويترضّاك، ويستعينك، ويمرغ خديه على تراب أعتابك. فكيف يكون فرحك به وقد اختصصته لنفسك، ورضيته لقربك، وآثرته على سواه؟!. هذا ولست الذي أوجدته وخلقته، وأسبغت عليه نعمك، والله عز وجل هو الذي أوجد عبده وخلقه وكونه، وأسبغ عليه نعمه؛ وهو يحب أن يتمها عليه فيصير مظهراً لنعمه، قابلاً لها، شاكراً لها، محباً لوليها، مطيعاً له عابداً له، معادياً لعدوه، مبغضاً له، عاصياً له". [مدارج السالكين 1/ 237238].
وما أجمل تلك الحكاية التي ساقها ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين حيث قال: "وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه حصل له شرود وإباق من سيده. فرأى في بعض السكك باباً قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً، فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، ولا من يؤيه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً. فوجد الباب مرتجاً فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدى، أين تذهب عنى؟!. ومن يؤيك سواي؟!. ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك، وإرادتي الخير لك؟!. ثم أخذته ودخلت. فتأمل قول الأم: لا تحملنى بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة والشفقة. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: "لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها ".
وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟!. فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه. فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به. فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها. ووراء هذا ما تجفوا عنه العبارة وتدق عن إدراكه الأذهان". [مدارج السالكين 1/ 235236].

• ثانياً: بادر المعصية بالتوبة:
حين تقع في المعصية وتلم بها فبادر بالتوبة وسارع إليها، وإياك والتسويف والتأجيل. فالأعمار بيد الله عز وجل، وما يدريك لو قد دعيت للرحيل فأجبت النداء، وودعت الدنيا وقدمت على مولاك مذنباً عاصياً.
ثم إن التسويف والتأجيل قد يكون مدعاة لاستمراء الذنب والرضا بالمعصية، ولئن كنت الآن تملك الدافع للتوبة وتحمل الوازع عن المعصية فقد يأتيك وقت تبحث فيه عن هذا الدافع وتستحث هذا الوازع فلا يجيبك.
لقد كان العارفون بالله عز وجل يعدون تأخير التوبة ذنباً آخر ينبغي أن يتوبوا منه. قال العلامة ابن القيم: "منها أن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرضٌ على الفور، ولا يجوز تأخيرها، فمتى أخرها عصى بالتأخير، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبةٌ أخرى وهي توبته من تأخير التوبة، وقل أن تخطر هذه ببال التائب، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيءٌ آخر، وقد بقي عليه التوبةُ من تأخير التوبة". [مدارج السالكين 1/ 297].

• ثالثاً: تذلل بين يدي مولاك:
يدرك أغلب العصاة أنه واقع في معصية الله، وأن التوبة فرض عليه؛ لكن من منهم يقدر الله حق قدره، ويخشاه، ويتذلل بين يديه؟!.
وعجباً لنا نمتع أنفسنا بلذة المعاصي وشهواتها وننغمس في أوحالها، وبعد ذلك لا تزيد توبتنا أن تكون استغفاراً باللسان، ونحن غافلون سادرون. ومن ثم فالتائب ما لم يلازم محراب الإنابة، ويسلك سبيل الخاشعين، ويخبت لمولاه؛ فليعد النظر في صدق توبته.
وهو جانب أنى لابن القيم رحمه الله أن يغفله لذا فقد قال: "ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضاً: كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير المذنب، ولا تحصل بجوع ولا رياضة، ولا حب مجرد إنما هي أمر وراء هذا كله تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة، قد أحاطت به من جميع جهاته، وألقته بين يدي ربه طريحاً ذليلاً خاشعاً، كحال عبد آبق من سيده، فأخذ فأحضر بين يديه، ولم يجد من ينجيه من سطوته، ولم يجد منه بداً، ولاعنه غناءً، ولا منه مهرباً، وعلم أن حياته، وسعادته، وفلاحه، ونجاحه في رضاه عنه، وقد علم إحاطة سيده بتفاصيل جناياته، هذا مع حبه لسيده، وشدة حاجته إليه، وعلمه بضعفه وعجزه، وقوة سيده، وذله وعز سيده. فيجتمع من هذه الأحوال كسرة، وذل وخضوع ما أنفعها للعبد، وما أجدى عائدها عليه، وما أعظم جبره بها، وما أقربه بها من سيده. فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة، والخضوع، والتذلل، والإخبات، والانطراح بين يديه، والاستسلام له فلله ما أحلى قوله في هذه الحال " أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني، وفقري إليك. هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك. عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، ولا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه.

يا من ألوذ به فيما أأمله ** ومن أعوذ به فيما أحاذره

لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ** ولا يهيضون عظماً أنت جابره
فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة، فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته، وليرجع إلى تصحيحها، فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة، وما أسهلها باللسان والدعوى، وما عالج الصادق شيئاً أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله". أهـ. [مدارج السالكين 1/ 207208].

 للأعلى


إذا تكرر الذنب فكرر التوبة

قد يقع الشاب في الذنب فيندم ويتوب ويقلع، ثم يتكرر منه الذنب فيتوب وهكذا. فيتساءل حينئذ ألي توبة بعد ذلك؟!. ويتكئ الشيطان على هذا الضعف ليقنعه بالتخلي عن التوبة وأنه رجل غير جاد.
لكنه حين يتفكر في نفسه جاداً فسيقول: الذنب الأول مضى وتبت منه، وهذا ذنب أخر فأتوب منه، وخير لي أن أموت على توبة من أن أموت وأنا مصر على الذنب.
وفى السنة النبوية ما يؤيد هذا المعنى. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن عبداً أصاب ذنباً - وربما قال: أذنب ذنباً - فقال: رب أذنبتُ ذنباً - وربما قال: أصبتُ - فاغفر، فقال ربه: أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي!. ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً - أو أذنب ذنباً- فقال: رب أذنبت-أو أصبت آخر، فاغفره، فقال: أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي!. ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنباً - وربما قال أصاب ذنباً - فقال: رب أصبت- أو قال: أذنبت- آخر فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي! – ثلاثاً - فليعمل ما شاء". [رواه البخاري 7507، ومسلم 2758].
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، أحدنا يذنب!، قال: يكتب عليه.
قال: ثم يستغفر منه ويتوب. قال: يغفر له ويُتاب عليه.
قال: فيعود فيذنب. قال يكتب عليه.
قال: ثم يستغفر منه ويتوب قال: يغفر له ويُتاب عليه.
قال فيعود فيذنب. قال: "يكتب عليه ولا يمل الله حتى تملوا". [رواه الحاكم 4/ 285، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه،". ووافقه الذهبي. وأخرجه الطبراني في الكبير كما في المجمع 10/ 200، وقال: إسناده حسن].
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: "خياركم كل مُفَتًّن تواب.
قيل: فإن عاد؟!.
قال: يستغفر الله ويتوب.
قيل: فإن عاد؟!.
قال: يستغفر الله ويتوب.
قيل: حتى متى؟!. قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور".
وقيل للحسن: "ألا يستحي أحدنا من ربه؛ يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر، ثم يعود؟! فقال: ودّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملوا من الاستغفار".
وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - في خطبته: "أيها الناس، من ألمَّ بذنب فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كل الهلاك في الإصرار عليها".
بل وهذا المعنى داخل تحت قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). [آل عمران: 135]. وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ). [الأعراف: 201].
وقال النعمان بن بشير في قوله: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). [البقرة: 195]: "يقول: إذا أذنب أحدكم فلا يلقين بيده إلى التهلكة، ولا يقولن لا توبة لي، ولكن ليستغفر الله وليتب إليه، فإن الله غفور رحيم". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7092].
وعن البراء: وقال له رجل: "يا أبا عمارة: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). [البقرة195]. أهو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل؟!.
قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفره الله لي". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7093].
وقال سعيد بن المسيب في قوله: (فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً). [الإسراء: 25]. قال: "هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7095، وابن جرير 15/ 69].
وقال عطاء بن يسار في هذه الآية: "يذنب العبد ثم يتوب فيتوب الله عليه، ثم يذنب فيتوب فيتوبُ الله عليه، ثم يذنب الثالثة فإن تاب تابَ الله عليه توبة لا تُمحى". [رواه ابن جرير 15/ 71].
وعن وهب بن جرير عن أبيه قال: "كنت جالساً عند الحسن إذ جاءه رجل فقال: يا أبا سعيد، ما تقول في العبد يذنب الذنب ثم يتوب.
قال: لم يزدد بتوبته من الله إلا دنوا.
قال ثم عاد في ذنبه ثم تاب!.
قال لم يزدد بتوبته إلا شرفاً عند الله...
ثم ذكر حديثاً عنه صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ). [الأعراف: 201]. [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7096].

 للأعلى


فارق دواعي المعصية

أخي الشاب:
لعلك تدرك من تجربتك وحياتك الشخصية أن المعصية ليست نبتة مجتثة في العراء، بل لها أسباب ومثيرات ومقدمات. وحين تكون أخي الكريم جاداً في التخلي عن المعصية ومفارقتها فإن إغلاق الأبواب وسد المنافذ هي أقصر الطرق إلى مفارقة المعصية.
وهذا المعنى هو الذي فطن إليه من قيل عنه إنه أعلم أهل الأرض حين سأله الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً وكمل بالراهب المائة، فقال له هذا العالم: "نعم ومن يحول بينك وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها ناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء". [رواه البخاري 3470، ومسلم 2766].
لقد كان هذا العالم ربانياً ومفتياً بحق، فهو لم يكتف بإخباره أن له توبة بل دله على الطريق الموصل لها. وأدرك هذا العالم أن الرجل لو بقي في بلده وقريته فسوف يعود إلى معصيته، وأنه لا يمكن أن يتخلى عن المعصية إلا حين يتخلى عن قريته ويفارقها.
قال ابن حجر رحمه الله: "وفيه فضل التحول من الأرض التي يصيب فيها الإنسان المعصية لما يغلب بحكم العادة على مثل ذلك، إما لتذكّره لأفعاله الصادرة قبل ذلك والفتنة بها، وإما لوجود من كان يعينه على ذلك ويحضّه عليه، ولهذا قال له الأخير: ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء.
ففيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي اعتادها في زمن المعصية، والتحول منها كلها، والانشغال بغيرها". [فتح الباري 6/ 18، 5175].
ولست أخي بحاجة حين تتوب من معصيتك إلى أن تفارق بلدك -وإلا ستبقى رحالة ظاعناً لا تقيم- ولكن الحازم الحصيف حين يشعر أن معصية من المعاصي تراوده الفينة بعد الفينة يفكر في نفسه ملياً، ويتأمل ما الأسباب والعوامل التي توقعني في هذه المعصية.
إن كانت صحبة فلان من الناس واللقاء معه فلأفارقه قدر ما أستطيع. وإن كانت الخلوة والوحدة فلأجتنبها وأقلل منها ما أمكنني ذلك. وإن كانت الخروج للسوق، أو رؤية مشهد في التلفاز، أو قراءة في مجلة. فرغبتي في ترك المعصية ينبغي أن تولد عندي ترك ذلك أولاً.
وإن كان تفكيري في المعصية هو الشرارة التي تشعل فيَّ نارها، فلأجتنب هذا التفكير وأشتغل بما هو أولى منه.

أخي الكريم:
النفس فيها دواع للمعصية، ونوازع للشهوة، وتمر بها أوقات غفلة وضعف وفترة. فما لم تأخذها بالحزم وتبعدها عن مواطن المعصية أوشكت أن تغلبك.
أرأيت لو أن رجلا يمسك بزمام دابة وهى ترى المرعى أمامها ألا تنازعه إليه وربما غلبته على نفسه، وأنه لو نأى بها كان أسلم له.
ولهذا يوصي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالبعد عن أبواب المعصية وطرقها فيقول لهم: "إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: يا رسول الله، مالنا من مجالسنا بدٌّ نتحدث فيها. فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟!. قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". [رواه البخاري 6229، ومسلم 2121].
فتأمل - رحمك الله - لما كان الجلوس في الطريق سبباً للوقوع في المخالفة والمعصية نهاهم عن الجلوس في الطريق ابتداءاً.
وقد ذكر صلى الله عليه وسلم أن من علل هذا النهي إطلاق النظر إلى ما حرم الله. فهو صلى الله عليه وسلم يخاطب أصحابه أهل الورع والبعد عن الحرام، ومع ذلك فأسواق المدينة لم يكن فيها ذاك التبرج والسفور بل كانت المرأة حين تجوز في الطريق تلتصق بالحائط مع تسترها وحيائها. فعن أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: "استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق. فكانت المرأة تلتصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به". [رواه أبو داود 5272. ومعنى تحققن: أي: تركبن حقها، وهو وسطها].
فإذا كان هذا واقع الناس، وذاك واقع الرجال من البعد عن المعصية، ومع ذلك ينهون عن أبوابها وطرقها؛ فكيف بحالنا نحن أهل الجرأة على المعصية وأسواقنا مليئة بالتبرج والسفور؟!.
وهذا عبد الله بن عبد الله بن أبي رضي الله عنه يدرك هذا المعنى وأنه لا بد من الحزم مع النفس وإغلاق المنافذ والأبواب فحين بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم سيقتل أباه جاء إليه قائلاً: "يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلاً فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله فقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي انظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نترفّق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا". [سيرة ابن هشام 3/ 238. وانظر: مرويات غزوة بني المصطلق 190، 195].
قال الفقهاء ولأجل هذا المعنى حكم الشرع بتغريب الزاني عن بلده سنة ليفارق موطن المعصية، وما يدعوه لها.

 للأعلى


دوام الاستغفار

ومما شرع الله سبحانه لعباده وحثهم عليه دوام استغفاره عز وجل. وهو هدي أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.
قال عن نوح: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً). [نوح: 28].
وحين سأل الله أن ينجي ابنه عد هذا السؤال مما يوجب الاستغفار بل خشي من الخسران!: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ). [هود: 47].
وموسى عليه السلام يقول: (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). [القصص: 16].
(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). [الأعراف: 151].
(إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ* وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ). [الأعراف: 155- 156].
وإبراهيم - عليه السلام - يقول راجيا مغفرة مولاه، معدداً أفضاله عليه: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ). [الشعراء: 78- 82].
ويقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ). [إبراهيم: 41].
ويتساءل المسلم وهو يقرأ هذه الآيات:
وأي خطيئة ارتكبها خليل الله؟!.
وما تلك الذنوب التي تجرأ عليها أنبياؤه صلوات الله وسلامه عليهم؟!.
أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فله شأن مع الاستغفار عظيم سيأتي فيما نستقبل من الحديث.

أحوال الاستغفار:
الاستغفار طلب للمغفرة من الله واعتراف بالذنب والتقصير وهو يشرع في أحوال ومواضع منها:

• أولاً: عند الذنب:
وهو من آكد المواضع فهو هنا اعتراف بالذنب وأمارة على التوبة وسؤال لله أن يمحو أثره ويغسل درنه. وحين عصى أدم ربه قال وزوجه: (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). [الأعراف: 23].
وحين قتل موسى رجلاً لم يؤمر بقتله قال: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي). [القصص: 16].
ويونس حين ذهب مغاضباً وغادر قومه قال: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). [الأنبياء: 78].
وقال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً). [النساء: 110]. (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ). [آل عمران: 135].
وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة: "يا عائشة، إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فإن التوبة من الذنب الندمُ والاستغفارُ". [رواه أحمد 6/ 264].
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، حتى تعلو على قلبه، وهو الرّان الذي ذكر اللهُ: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ). [المطففين: 14]". [رواه أحمد 2/ 297، والترمذي 3334، وابن ماجة 4244 وغيرهم].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عبداً أصاب ذنباً فقال: رب أذنبت فاغفره. فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي.
ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً. فقال: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي.
ثم أصاب ذنباً فقال: رب أذنبت آخر فاغفر لي. قال: علم عبدي أنه له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟!. قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء". [رواه البخاري 7507، ومسلم 2758، وأحمد 2/ 296].

• ثانياً: بعد الطاعة:
وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". [رواه مسلم 591].
وبعد الفراغ من الحج يأمر الله عباده بالاستغفار: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). [البقرة: 200].
وبعد الفراغ من الوضوء يشرع أن يقول "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك".
وبعد الفراغ من قيام الليل وصف الله عباده بذلك فقال: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ). [آل عمران: 17].
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في خاتمة دعوته لدين الله ومجاهدته في سبيله بالاستغفار: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً). [سورة النصر]
قال ابن القيم رحمه الله: "وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقيب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده". [مدارج السالكين 1/ 195].

• ثالثاً: في الأذكار اليومية الراتبة:
فأدعية الصلاة كثيراً ما يرد فيها الاستغفار. في دعاء الاستفتاح وبين السجدتين، وفي الركوع، وفي السجود.
وحين سأل أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاءً يدعو به في الصلاة أمره أن يقول: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". [رواه أحمد 1/ 7 والبخاري 834، ومسلم 2705].
فها أنت ترى أنه ما من موضع يشرع فيه الدعاء في الصلاة إلا ويشرع فيه الاستغفار.
وفي أذكار الصباح والمساء يشرع أن يدعو بسيد الاستغفار. فـ "من قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو مؤمن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة". [رواه أحمد والبخاري 6306 من حديث شداد بن أوس].

• رابعاً: مداومة الاستغفار كل وقت وحين:
وهذا هدي راتب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فعن الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنه ليغانّ على قلبي. وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". [رواه مسلم 2702].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة". [رواه البخاري 6307].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: ربِّ اغفر لي وتب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم". [رواه أبو داود 1516، والترمذي 3434، وقال: حسن صحيح].
وفي كثير من الأدعية التي كان يدعو بها صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله المغفرة.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ). [النصر: 1]. إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي". [رواه البخاري 4967، ومسلم 484].
وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يدعو بهذا الدعاء: رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني.
اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي، وجهلي وهزلي، وكل ذلك عندي.
اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير". [رواه البخاري 6398، ومسلم 2719].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت". [رواه البخاري 1120، ومسلم 769].
يالله، ماذا جنت هذه النفس الطاهرة؟!.
وأيّ خطيئة أسرها وأعلنها، وقدمها وأخرها؟!.
ولئن كان صلى الله عليه وسلم وهو الذي غفر له ما تقدم وما تأخر وعلا ذكره وارتفعت درجته يستغفر الله في اليوم مائة مرة، بل في المجلس الواحد، فكيف بنا معشر المخلِّطين المذنبين المقصرين؟!.

أخي الكريم:
أما والاستغفار بهذه المكانة والمنزلة فجدير بنا أن لا يفارقنا في مجلس أو مقام، وأن تلهج ألسنتنا بالاستغفار والتوبة كل وقت وكل حين، وأن نسعى للمحافظة على ما ورد من الأدعية الراتبة ونستحضر ونحن ندعو بها ذنوبنا وتقصيرنا في جنب الله.
والاستغفار الذي يترك أثره في النفس، ويؤدي مقصوده، هو الذي يواطيء القلب فيه اللسان؛ إذ هو أمارة التوبة والإقلاع، وشعورٌ بالذنب والخطيئة. فحري بنا أخي الكريم أن تلهج قلوبنا قبل ألستنا بالاستغفار والندم.
والاستغفار أخي الكريم أمرٌ يعجب الرب عز وجل.
فعن علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن ربك يعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري". [رواه أبو داود 2602، والترمذي 3446، وقال: هذا حديث حسن صحيح].
وعند الحاكم من حديث علي رضي الله عنه " إن الله ليعجب من العبد إذا قال: لا إله إلا أنت إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: عبدي عرف أن له رباً يغفر ويعاقب". [أخرجه الحاكم في المستدرك].

 للأعلى


هل تعاهد الله على ترك المعصية؟

حين يواقع بعضٌ من الشباب المعصية، وتكويه نارها، يتحرك وازع الإيمان في قلبه، ويحترق ندماً وتألماً، ويشعر أن نفسه الضعيفة أوقعته في المعصية، حينها يعاهد الله سبحانه وتعالى أن لا يقارف المعصية، أو ينذر لله أن يصوم كذا وكذا أو يصلي كذا وكذا.
هذا المسلك لاشك أن الباعث عليه هو التألم من مواقعة المعصية، والرغبة في كبح جماح النفس، ووضع حد لتجاوزاتها ؛ ولكن: هل سلامة النية وحدها كافية في الحكم على عمل أنه صائب وموافق للشرع؟!.
وحين نضع الموضوع على محك النقاش نستطيع أن نسجل الملحوظات الآتية:
1 - الغالب أن الدافع لهذا الشاب لمثل هذا المسلك هو شعوره بالفشل في مقاومة نفسه، ومن ثم يرى أنها بحاجة للّجوء لهذه الأساليب للضغط عليها. والنفس لاشك قد تضعف، ويشعر صاحبها أنها قد تخونه، لكن مثل هذا المسلك هروب عن الأسلوب الأنجح في كبح جماحها.
ويشير القرآن الكريم إلى هذا المعنى، موجهاً إلى الالتفات للسبب الحقيقي، والأسلوب الأولى. ألا وهو الحزم مع النفس، وقوة العزيمة: (وأقسموا وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ). [النور: 53]. فالقضية ليست بحاجة للقسم، إنما طاعة وعزيمة.
2 - حين يعاهد الله على عدم مواقعة المعصية فقد تضعف نفسه ويواقعها. وقد يخشى أن ينطبق عليه قول الله تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ* فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ). [التوبة: 75- 77].
3- لقد نهى صلى الله عليه وسلم عن النذر وأخبر أنه: "لا يردّ شيئاً، إنما يستخرج به من البخيل". [رواه البخاري6693، ومسلم1639]. فحين ينذر ثم يفشل ويقع في المعصية يكون قد ألزم نفسه ما لم يلزمه الشرع به.
وكثيراً ما نجد المرء يسأل وقد نذر أو عاهد الله أن يفعل فعلاً فلم يفعله، ويبحث عن المخرج. وكان الأولى به اختصار الطريق من البداية.
4- لو فكر هذا الشاب في نفسه ملياً لرأى أنه لا فرق بين الذي عاهد الله أو الذي لم يفعل. فالذي أوقعه في المعصية إنما هو استيلاء الشهوة وغلبة داعيها على داعي الإيمان. فهذه المعاهدة لن تصنع شيئاً ولن تجدي.

 للأعلى


فعل الحسنة بعد السيئة

حين تقع - أخي الكريم - في معصية فبادرها بحسنة وحسنات علها أن تكفر عن هذه السيئة.
عن ابن مسعود رضي الله عنه: "أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ). [هود: 114]. فقال الرجل: يا رسول الله، ألي هذا؟!. قال: لجميع أمتي كلهم". [رواه البخاري 526، ومسلم 2763].
وفي رواية لمسلم: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها. فأنا هذا فاقض فيَّ ما شئت. فقال له عمر رضي الله عنه: لقد سترك الله، لو سترت نفسك. قال: فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً. فقام الرجل فانطلق، فاتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً دعاه وتلا عليه هذه الآية: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ). [هود: 114]. فقال رجل من القوم: يا نبي الله، هذا له خاصة؟!. قال: بل للناس كافة".
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن". [رواه أحمد 1/ 387].
وقال صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". [رواه أحمد 5/ 153 والترمذي1987 وقال: هذا حديث حسن صحيح].
ويضرب صلى الله عليه وسلم لذلك مثلاً فيقول: "إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقه قد خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل أخرى فانفكت الأخرى حتى يخرج إلى الأرض". [رواه الطبراني من حديث عقبة بن عامر].
وحين أراد معاذ سفراً قال: "يا رسول الله، أوصني. قال له: اعبد الله ولا تشرك به شيئاً". قال: يا رسول الله، زدني. قال: إذا أسأت فأحسن. قال: يا رسول الله، زدني. قال: استقم، ولتحسن خلقك". [رواه الحاكم 4/ 272. وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه].
وهذا الأمر في الحسنات جملة فهي مكفرة للسيئات، وقد ورد الحث على الوضوء والصلاة بعد الذنب.
 فعن علي رضي الله عنه قال: "كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته. وإن أبا بكر رضي الله عنه حدثني، وصدق أبو بكر، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من رجل يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين، فيستغفر الله عز وجل، إلا غفر له". [رواه أحمد 1/ 2].
وقد جاءت السنة ببيان طائفة من الأعمال التي تكفر السيئات والذنوب وهى كثيرة يضيق المقام عن حصرها فإلى طائفة يسيرة منها:

• أولاً: الوضوء:
لقد ختم الله آية الوضوء بقوله سبحانه: (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). [المائدة: 6].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب". [رواه مسلم 244].
والوضوء عبارة متكررة يفعلها الإنسان في اليوم الواحد مراراً، فلو تأمل المرء هذا المعنى وهو يتطهر لرأى نفسه تستعيد شريط الذكريات بعيداً عن الشهوة التي غلبته، واللذة التي أعمت بصيرته حتى واقع الخطيئة. فيتذكرها تذكر نادم تائب؛ فيولد تذكر هذا المشهد لديه نفوراً من المعصية وفراراً منها. لكنا وللأسف لا نتأمل هذه المعاني.

• ثانياً الصلوات الخمس:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أريتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً، ما تقولوا ذلك يبقي من درنه؟!. قالوا: لا يبقي من درنه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس؛ يمحو الله به الخطايا". [رواه البخاري 528، ومسلم 667].

 للأعلى


تحقيق التوحيد

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى فأعطي ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات". [رواه مسلم 244].
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها، أو أغفر، ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة". [رواه مسلم 2677 وأحمد 5/ 172].
وتنفع كلمة التوحيد لا إله إلا الله في يوم يبحث فيه عما يخلصه كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟!. أظلمك كتبتي الحافظون؟!. فيقول: لا يا رب.
فيقول أفلك عذر؟!. فيقول: لا يا رب.
فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم. فتُخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
فيقول: أحضر وزنك. فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟!.
فقال: إنك لا تظلم.
قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقُلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله تعالى شيء". [رواه الترمذي 2639 وأحمد 2/ 213 وابن ماجه 4300].
فتحقيق التوحيد واجتناب ما يخدشه مما يؤهل العبد بإذن الله لتحقيق هذه المنزلة.
قال ابن القيم رحمه الله: "ويعفى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك مالا يعفى لمن ليس كذلك، فلو لقي الموحد الذي لم يشرك بالله شيئاً البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده، فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب؛ لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه، وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب، ولو كانت قراب الأرض، فالنجاسة عارضة والدافع لها قوي". [فتح المجيد، ص 44].
وقد يتساءل بعضنا:
وما شأن التوحيد؟!.
ولم يكون البعد عن الشرك بهذه المنزلة؟!.
فيجيب على ذلك التساؤل العلامة ابن القيم رحمه الله فيقول: "فاعلم أن هذا النفي العام للشرك - أن لا يشرك بالله شيئاً البتة - لا يصدر من مُصر على معصية أبداً، ولا يمكن مدمن الكبيرة والمُصر على الصغيرة أن يصفو له التوحيد، حتى لا يشرك بالله شيئاً، هذا من أعظم المحال ولا يلتفت إلى جدلي لاحظَّ له من أعمال القلوب، بل قلبه كالحجر أو أقسى يقول: وما المانع؟!. وما وجه الإحالة؟!. ولو فرض ذلك واقعاً لم يلزم منه محال لذاته. فدع هذا القلب المفتون بجدله وجهله. واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير الله، ورجائه لغير الله، وحبه لغير الله، وذله لغير الله وتوكله على غير الله. ما يصير به منغمساً في بحار الشرك، والحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه إن كان له عقل. فإن ذُلَّ المعصية لابد أن يقوم بالقلب فيورثه خوفاً من غير الله وذلك شرك، ويورثه محبة لغير الله، واستعانة بغيره من الأسباب التي توصله إلى غرضه. فيكون عمله لا بالله ولا لله، وهذا حقيقة الشرك. نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل وعباد الأصنام. وهو توحيد الربوبية وهو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله. ولو أنجى هذا التوحيد وحده لأنجى عباد الأصنام. والشأن في توحيد الإلهية الذي هو الفارق بين المشركين والموحدين. والمقصود أن من لم يشرك بالله شيئاً يستحيل أن يلقى الله بقراب الأرض خطايا مصراً عليها، غير تائب منها، مع كمال توحيده، الذي هو غاية الحب والخضوع والذل والخوف والرجاء للرب تعالى". [مدارج السالكين 1/ 354- 355].
وتحقيق التوحيد يطبع سلوك المسلم بنفس ترفض المعصية وتأباها، ويشعر أن محبته لمولاه وذله وفقره إليه عز وجل تأبى عليه أن يقارف حرماته أو يجاوز حدوده، وحين يلم بشيء من ذلك فما يلبث أن يستفيق ويستيقظ.
وقد يتصور بعض الناس ويشتط في الفهم فيرى أن هذه النصوص شهادة براءة له وتزكية، وأنه قد ضمن المغفرة والعفو مادامت قدماه لم تقله طائفاً على قبر، وجبهته لم تخر بالسجود لغير الله. وهو فهم مجانب للصواب لا يحمل رصيداً من الحقيقة.
وإلا فما معنى أن يعذب الموحدون في النار بقدر أعمالهم وهم يقولون لا إله إلا الله، ولا يشركون بالله؟!. إلا أن هذا يعني أن مفهوم التوحيد وتحقيقه ونفي الشرك أبعد وأعمق من مجرد تلك النظرة القاصرة التي يراها أولئك.
ومفهوم التوحيد والشرك ليس بأحسن حالاً من غيره من المفاهيم والمصطلحات الشرعية التي علاها الغبش والرّان وتسلطت عليها الأفهام البشرية والأهواء.
قال ابن القيم رحمه الله: "ولسنا نقول إنه لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد، بل كثير منهم يدخل بذنوبه ويعذب على مقدار جرمه ثم يخرج منها، ولا تنافي بين الأمرين لمن أحاط علماً بما قدمناه". [مدارج السالكين 1/ 358].
وحين تدرك ذلك أخي الكريم تعلن المقاطعة إلى غير رجعة مع تلك المفاهيم الجامدة التي تصور لأصحابها أنهم برآء من الشرك ومحققون للتوحيد بمجرد اجتناب مظاهر محددة أو حفظ عبارات معينة. بل بمجرد أن يولد في بلد التوحيد ويتصل إسناد نسبه دون انقطاع بأهل التوحيد؟!.
ومع إدراكك حاجتك الماسة لتحقيق التوحيد في القلب ومراجعته تدرك أن التوحيد مراتب ومراحل ودرجات فتسعى للرقي فيها والمسابقة.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله:
"اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه فلها نور. وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفاً لا يحصيه إلا الله تعالى. فمن الناس: من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس. ومنهم: من نورها في قلبه كالكوكب الدري. ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم. وآخر: كالسراج المضيء. وآخر كالسراج الضعيف ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علماً وعملاً ومعرفة وحالاً". [مدارج السالكين 1/ 358].
وحيث كان أهل التوحيد يتفاوتون هذا التفاوت، ويختلفون هذا الاختلاف، فـنتاج هـذا الـتوحيد وثمرته في الدنيا والآخرة تتفاوت كذلك.
قال رحمه الله موضحاً أثر ذلك: "وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد: أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته. حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ذنباً إلا أحرقه. وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك بالله شيئاً. فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا على غِرَّة وغفلة لابد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه من سارقه، أو حصل أضعافه بكسبه. فهو هكذا أبداً مع لصوص الجن والإنس ليس كمن فتح لهم خزانته وولى الباب ظهره" . [مدارج السالكين 1/ 358].
إذاً فلنعن أخي الكريم بتحقيق التوحيد في قلوبنا، وملئها بمحبة الله وإجلاله وتعظيمه، والتخلي عن التعلق بما سواه، والتوجه إلى غيره عز وجل.

 للأعلى


لا تفارق الأخيار

أحياناً يحدث الشاب نفسه وهو يراها مقيدة بأغلال المعاصي مأسورة بأسرها: كيف أصحب الأخيار وأعاشرهم وأنا ملوث، وأنا عاصٍ، أشعر أنني منافق حين أصاحبهم، إلى غير ذلك من التساؤلات.
وهذه الهواجس إفراز غير طبيعي لضغط الذنب والخطيئة عليه. ولو تحول ذلك إلى دعوة ملحة للتوبة والإقلاع والندم كان هذا خير وأولى.
ولــو تساءل بلغة أخرى ومنطق مخالف فقال:
• أولاً: إن صحبتي للأخيار بحد ذاتها عمل صالح من أفضل الأعمال والحسنة تكفر السيئة. وقد عد صلى الله عليه وسلم من يحب أخاه في الله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
• ثانياً: محبة الصالحين سبب للحوق المرء بهم ولو لم يبلغ منزلتهم في العمل فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المرء مع من أحب". [رواه البخاري 6170، ومسلم 2641].
وسأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟!. فقال صلى الله عليه وسلم ماذا أعددت لها؟!. قال: ماذا ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكن أحب الله ورسوله ، قال: "أنت مع من أحببت". [رواه البخاري 6171، ومسلم 6239].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم؟!. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب". [رواه البخاري 6169، ومسلم 2640].
فما دام هذا الأمر قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف أزهد فيه؟!. فلعل الله عز وجل أن يلحقني منازلهم، ويحشرني معهم يوم القيامة، وليكن شعاري.
أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارتهم معاصي ** وإن كنا سوياً في البضاعة
فلئن قالها الشافعي رحمه الله تواضعاً ومقتاً لنفسه فأنا أقولها إخباراً عن الحقيقة.
• ثالثاً: الناس أصناف ثلاثة:
= من يأخذ نفسه بزمام التقوى، ويمنعها عن المعصية، فهذا خير وبر ولعل الله أن يبلغني منزلته.
= والصنف الثاني: من يأتي معصية الله وهو على وجل وندم، ويشعر أنه على خطر عظيم ويتمنى ذلك اليوم الذي يفارق فيه المعصية.
= والصنف الثالث: من يبحث عن المعصية، ويفرح بها، ويندم على فواتها.
فأنا وإن كنت لست من الصنف الأول وأتمنى من الله أن يلحقني به فلأن أكون من الصنف الثاني خير لي وأزكى من أكون من الثالث.
• رابعاً: أن الندم والحسرة، والتألم على المعصية إنما جنيته من الصحبة الصالحة، وهذه أول بركاتهم وباكورة ثمراتهم، وحين أفارقهم فسوف يخبت هذا الصوت ويقل أثر هذه الملامة للنفس. وحينها أنتقل لا سمح الله إلى جحيم المعصية ودركاتها.
إن أولئك الذين لا يصاحبون الأخيار قد لا يشعرون مرة واحدة بالندم ومرارة المعصية، أما أولئك الذين يصاحبونهم فهم يشعرون بذلك حين يرون إخوتهم ولسان حال أحدهم يقول: كل هؤلاء خير وأطهر مني.
إذاً فصحبتي للأخيار سبب في تألمي من المعصية وهذا بحد ذاته خطوة بإذن الله في طريق التوبة. وهب أني لم أتب ، فالذي يفعل المعصية وهو نادم خير ممن يفعلها وهو يضحك.
• خامساً: هب أنى فارقت الأخيار، فهل سيزول ما أشكو منه وأبرأ من داء المعصية؟!. أم أنى سأفقد الدواء فيستفحل الداء. فالمرء لابد له من صحبة؛ فإن تركت هؤلاء فالبديل هم أولئك الذي أراهم على معاص أكبر مما أفعل فيولد ذلك عندي الاستهانة بما أنا واقع فيه، بل والتطلع لما هم عليه، ثم لن أسمع منهم موعظة أو أجد منهم تذكيراً.
إنه لو طرح على نفسه تلك التساؤلات السابقة لخرج بنتيجة مؤداها: أن وقوعه في المعصية، ومعاناته من شؤمها مدعاة إلى التزود من صحبة الأخيار، والسعي لذلك، لا أن تكون عائقاً ومثبطاً.
إذاً أخي الكريم: خير لك أن تعضّ على هذه الصحبة بالنواجذ بل أنت أحوج ما تكون إليهم، ولأن تبقى محباً مصاحباً لهم وأنت على معصيتك خير لك من أن تفارقهم وأنت عليها.
ويجعل ذو النون رحمه الله ملازمة الأخيار من أمارات التوبة. فيقول: "ثلاثة من أعلام التوبة: إدمان البكاء على ما سلف من الذنوب، والخوف المتعلق من الوقوع فيها، وهجران إخوان السوء وملازمة أهل الخير".
إن صحبة الأخيار أفادت من هو دونك ففتية أهل الكهف حين خرجوا صحبهم كلب جرى ذكره في القرآن "فإنه إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جل وعلا، فما ظنك بالمؤمنين الموحدين، المخالطين، المحبين للأولياء والصالحين، بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال، المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم وآله خير آل". [تفسير القرطبي 5/ 3988].

 للأعلى


لا تدع الدعوة

يشعر الشاب الذي يقارف المعصية - وكلنا كذلك - بتعارض وتصارع بين أمرين:
فهو يسمع الحديث عن الدعوة، وإنكار المنكرات، وتطرق أذنه النصوص الآمرة بذلك، والحاثة عليه، ويرى النماذج من العاملين الداعين أمام ناظريه.
فيدعوه هذا إلى المشاركة، ودخول الميدان، والسير مع القافلة، فالوقت والعمر لا يحتمل الانتظار.
وما أن تتوقد الحماسة في نفسه، وتتهيأ لتترجم إلى جهود وأعمال ومواقف حتى يبدو صوت آخر يهزه من داخله قائلاً له:
ما هذا؟!. أتدعو إلى الله وأنت ملوث؟!. وأنت خطاء؟!. إن الدعوة ونصرة الدين منزلة شريفة، ودرجة سامية لا تليق بأمثالك من المخلطين. فأولى بك أن تدعو نفسك، وتأمرها بالمعروف، وتنهاها عن المنكر!.
وقد ينتصر هذا الصوت فيقرر التخلي، والتأجيل لمرحلة لاحقة، وقد يرى أن هذا السلوك يفرضه الانضباط الشرعي وأن التورع يقتضي منه عدم الدخول في هذا الميدان الدعوي.
والوصول إلى نتيجة مباشرة بخطأ قول أو صوابه منطق مرفوض شرعاً وعقلاً، فلابد من عرض القول على النصوص الشرعية وعلى المنطق العقلي المنضبط بميزان الشرع، ولعل ذهنك يتسع أخي الكريم للإفاضة في نقاش المسألة. فنقول وبالله التوفيق ومنه نستمد العون:

• أولاً:
لاشك أن القول الذي لا يصدقه عمل مذموم في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة. ففي التنزيل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ). [الصف: 2- 3].
وفيه أيضاً: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ). [البقرة: 44].
وفي السنة النبوية في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون أي فلان؟!. ما شأنك؟!. أليس كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟!. قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه". [رواه البخاري 3267، ومسلم 2989].
ووردت آثار عن السلف في ذلك منها: مقالة أبي الدرداء رضي الله عنه "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاً". [تفسير ابن جرير 1/ 258].

• ثانياً:
هل هذا الذم الذي ورد في هذه النصوص هو ذم للرجل على دعوته وإنكاره للمنكر؟!. أم أنه ذم له على فعل المنكر مع أنه أولى الناس باجتنابه؟!. ولعل الثاني أليق بالنصوص الشرعية؛ إذ لا يعقل أن يذم الرجل ويعاب على عمل الخير، وأن يصبح عمله للخير سيئة يعاقب عليها.
واختار الحافظ ابن كثير هذا المعنى فقال: "وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له". [تفسير ابن كثير 1/ 129].

• ثالثاً:
هل يوجد حين نعمم هذه النتيجة من لا يقع في المعصية، ولا يقارف الخطيئة؟!. والبشر كلهم خطاءون وعصاة، ولا يمكن أن يصل المرء إلى حال لا يواقع فيها معصية. فهل يسوغ أن نقول بعد ذلك: لا يحق لأحد أن يأمر الناس بالخوف من الله لأنه لابد أن يقع في المعصية، وذلك ناشئ من قلة خوفه له سبحانه.أو لا يحق لأحد أن يأمرهم بتقواه وهو يقع في المعصية؛ لأنه لم يتق الله؟!.
وهذا يعني باختصار أن لا يدعو أحد، ولا يأمر أحد بالمعروف؛ إذ لا يمكن أن يصل أحد إلى حال لا يواقع فيها المعصية.
قال سعيد بن جبير: "لو كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء". [تفسير ابن كثير 1/ 129- 130].
ويشير الشاعر إلى هذا المعنى قائلاً:
ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب ** فمن يعظ العاصين بعد محمد؟!.

• رابعاً:
إن الواجب على المرء تجاه المنكر أمران أولهما تركه، والثاني النهي عنه. والواجب عليه تجاه المعروف أمران أيضاً أولهما فعله، والثاني الأمر به. فحين يترك الواجب الأول فهل يسقط عنه الواجب الثاني؟!. قال ابن كثير: "فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف". [تفسير ابن كثير 1/ 129].
إن تركك للنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل فعلك للمنكر نفسه، أو تركك للمعروف: إن هذا بحد ذاته منكر آخر.

 للأعلى


لا تعير غيرك بالذنب

المسلم يحب الله عز وجل وكل عمل يحبه سبحانه، ويمقت معصية الله ومن يقارفها، وهو يملك حساً مرهفاً ونفساً جياشة لا تملك الحياد مع من يجترئ على حرمات الله عز وجل، فالحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان ومن فقدها فليراجع نفسه، ويتفقد إيمانه.
لكنه قد يشتط في ذلك فبدلاً من بغض المعصية وصاحبها يعيِّره ويتعالى عليه. وقد يحق عليه وعيد النبي صلى الله عليه وسلم: "من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله". [رواه الترمذي 2505].
وفي حديث يرويه جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: "من ذا الذي يتألّى عليَّ أن لا أغفر لفلان؟!. فإني قد غفرت له، وأحبطت عملك، أو كما قال". [رواه مسلم 2621].
وكان في بني إسرائيل - كما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم رجلان متواخيان "فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الأخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوماً على ذنب فقال له: أقصر فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيباً؟!. فقال: والله لا يغفر الله لك – أو: لا يدخلك الله الجنة - فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً؟!. أو كنت على ما في يدي قادراً؟!. وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار.
قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته". [رواه أحمد 2/ 323، 363، وأبو داود 4901].
والكلمة التي أوبقت دنيا العبد وأدخل النار لأجلها ليست هي قوله أقصر وإنكاره عليه، إنما هي تأليه على الله وقوله: إن الله لن يغفر لك.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا رأيتم أخاكم قارف ذنباً فلا تكونوا أعواناً للشيطان عليه، تقولوا: اللهم اخزه، اللهم العنه، ولكن سلوا الله العافية، فإنا أصحاب محمد كنا لا نقول في أحد شيئاً حتى نعلم على ما يموت، فإن ختم له بخير علمنا أنه قد أصاب خيراً، وإن ختم له بشرٍّ خفنا عليه عمله. [رواه عبد الرزاق في المصنف 20266].
ومر أبو الدرداء رضي الله عنه على رجل قد أصاب ذنباً فكانوا يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه؟!. قالوا بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم، قالوا أفلا تبغضه؟!. قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي. قال: وقال أبو الدرداء: ادع الله في يوم سرائك لعله أن يستجيب في يوم ضرائك. [رواه عبد الرزاق في المصنف 20267، وعنه أبو نعيم 1/ 225].
إذاً فما يقوم به بعض من الشباب من انتقاد فلان أنه يقع في هذه المعصية، ويفعل هذا الأمر أو ذاك، ليس بالضرورة غيرة محمودة بل قد يكون من باب التعيير. والأولى بالمسلم أن ينشغل بعيب نفسه ويخشى ذنوبه، ويشعر أن واجبه تجاه أخطاء غيره يقف عند حد المناصحة والستر والدعاء لهم وسؤال الله العافية.
إن هذا المسلك برهان على إفراط صاحبه في ثقته بنفسه، وتزكيته لها والغرور بوابة من بوابات الهلاك، وأمارة من أمارات إحساس العبد باستغنائه عن معونة مولاه وهو سبب لأن يوكل المرء لنفسه.
وأين هذا مع هدي أعرف الخلق بالله الذين كان يقول أحدهم: (وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ). [هود: 47].
والذي يقول: (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ). [يوسف 33].
والثالث حين يقول لمولاه، بعد أن حطم الأصنام واحتمل في ذلك ما احتمل: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ). [إبراهيم: 35].
أما محمد صلى الله عليه وسلم فكان من دعائه "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت". [رواه أحمد5/ 42، وأبو داود 5090].
وتعييرك لأخيك "فيه صولة الطاعة وتزكية النفس وشكرها والمناداة عليها بالبراءة من الذنب. وأن أخاك باء به ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله، ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب أنفع له وخير من صولة طاعتك، وتكثرك بها والاعتداد بها والمنة على الله وخلقه بها. فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله! وما أقرب هذا المدل من مقت الله. فذنب تذل به لديه، أحب إليه من طاعة تدل بها عليه. وإنك أن تبيت نائماً وتصبح نادماً، خير من أن تبيت قائماً، وتصبح معجباً". [مدارج السالكين 1/ 197].

 للأعلى


بين المعصية والمشكلة

قد يقع الشاب في معصية من المعاصي، ويجاهد نفسه في التخلص منها، والبحث عن أسبابها، وبعد معاناة يشعر أنه لامناص من ذلك، وأنه واقعٌ في مشكلة بحاجة إلى حل، فيطرح سؤاله، ويبث شكواه لمن يلقاه سائلاً إياه عن حل هذه المشكلة، ودواء هذا الداء.
حمل البريد ذات يوم رسالة من شاب يشكو من وقوعه في معصية من المعاصي فسطرت له رسالة مطولة فيها ما أراه من حل شرعي لها، فأرسل لي شاكراً ومقدراً، وبعد أشهر حمل البريد لي رسالة أخرى بنفس الخط والمشكلة، لكن باسم آخر فعرفت أنه صاحبي الأول وقلت: له الحل يكمن في شيء واحد هو الإرادة الجادة والعزيمة الصادقة على ترك المعصية.
نعم لقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا. إن المؤمن خلق مفتناً، تواباً، نسياً إذا ذُكِّر ذَكَرْ". [رواه الطبراني في الكبير والأوسط كما في المجمع 10/ 201. وقال: "وأحد أسانيد الكبير رجاله ثقات ". وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 2276].
• مع أن كل معصية لها أسباب ودوافع، ولها موانع وعلاج، إلا أن المحك الحقيقي هو العزيمة والصبر، فلو أن رجلاً فقد مفتاح سيارته في أرض مقفرة لكان الخيار الوحيد له أن يبحث عنه، وهو عمل شاق وصعب، وحين يسأل من يدله على حل مشكلته فلن يقول له أكثر من: (ابحث عنه في هذه الأرض التي أضعته فيها). وقد يقول: فعلتُ، ولم أنجح! فيُقالُ له: لا خيار لك غير ذلك.

• ثانياً:
المسلم يعلم علم اليقين أن الله تعالى لم يحرم عليه إلا ما يطيق تركه، ولم يوجب عليه إلا ما يطيق فعله. فما دام الأمر محرماً ففي مقدورك أن تتركه، وما دام واجباً ففي مقدورك فعله، إلا حين يصل المرء إلى حالة اضطرار فعلاً، فحينها يسقط عنه التكليف.

• ثالثاً:
فرق بين الصعب والمستحيل، وبين ما يشق عليك تركه، وما يصعب. والتكاليف الشرعية لابد فيها من نوع مشقة على العبد، لكنها مشقة يطيقها. ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره،". [رواه البخاري 6487، ومسلم 2823].
بل وكيف يثاب المرء على اجتناب المعصية إلا حين تكون نفسه تدعوه لها، والطاعة إلا حين تحتاج منه إلى عمل وبذل.

• رابعاً:
إن شعور الشاب أنه واقع في معصية، يختلف عن شعوره أنه واقع في مشكلة. فالأول يشعر بالتقصير، وضعف الإيمان، وحاجته لعلاج ذلك الداء الحقيقي. أما الثاني فينشغل عن السبب الحقيقي، والعلاج الشرعي، ليبحث عن حلٍ لما يسميه مشكلة، ولذا تجده يقول لك جربت هذا الحل فلم أستطع، وحاولت هذا المسلك فلم أنجح.
نعم لاشك أن هناك أموراً معينة قد ينصح بها العبد ليتخلص من معصية محددة، لكنها مع ذلك تبقى مرهونة بوجود العزيمة الصادقة وبدونها لا يمكن أن تصنع هذه الخطوات شيئاً يذكر.

 للأعلى


خاتمة

وأخيراً:

أخي القاريء الكريم : هذا نتاج الخاطر المكدود، وهاهي حصيلة القلم الضعيف؛ وبعد ختام الجولة والتطواف مع ما سطره السلف الأوائل أهل الورع والتقوى والخشية، والعودة بعد ذلك لقراءة متأنية في واقعنا، بعد ذلك خرجت بهذه الكلمات والسطور، والتي آمل أن تكون منارات وإضاءات على طريق العبودية لله، ومعالم للمسافرين إلى الدار الآخرة.
وهي لا تعدو أن تكون رأي بشر ضعيف مقصر، يعتريه الهوى، والغفلة، والذهول والنسيان، فقد يزل القلم، أو تنبو العبارة، فتقرأ ما ترى أن الحق بخلافه، أو يقع نظرك على عبارة غيرها أولى منها، أو مقالة لأحد سلف الأمة منع عدم وقوف الكاتب عليها، من إيرادها في موضعها، أو الاستشهاد بها.
فالمناصحة، والتعاون على البر والتقوى شأن المؤمنين، وديدن الصالحين، فأنا بانتظار ما يسطره القارئ الكريم: ناصحاً، ومسدداً، ومستدركاً، ومؤيداً.
وأسأل المولى عز وجل في ختام هذه السطور أن يمن علي وإياك بالنجاة من شؤم المعصية، ومفارقة سبيل الظالمين، والسير في ركاب الموحدين؛ إنه سميع مجيب، والحمد لله أولاً وآخراً.
وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين.


محمد بن عبد الله الدويش
ص ب52960 الرياض 11573

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008