تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين

د. محمد بن عبدالله الدويش

 مدخل
 القرآن يطالب الناس بالبرهان والدليل
 خاتمة

مدخل

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد:
فلعلنا أن نقف وقفات قد تطول حول آية من كتاب الله عز وجل وهي قوله تعالى: (هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وهي أمر للناس جميعاً بأن يكون منطق الحجة والبرهان ولغة الدليل هي السائدة، فلا يدعي أحد دعوى إلا بدليل وبرهان وحجة، وهي السائدة في النقاش والحوار.
وحين حاولت أن أورد بعض الآيات التي تشير إلى هذا المعنى رأيت أنها آيات كثيرة جدًّا، وهذا دليل على أهمية هذه القضية وكونها قضية مرتبطة بالمنهج.
إن وقوعنا في خطأ في قضية جزئية واحدة أمر قد يتجاوز، فهو من طبيعة البشر وقصورهم، إما أن يكون الخلل في المنهج فإن هذا مدعاة لتوالد الأخطاء وتكاثرها وتعاظمها، ومن هنا كان لابد من الحديث عن المنهج.

 للأعلى


القرآن يطالب الناس بالبرهان والدليل

إن القرآن يطالب بالبرهان والدليل، وهذا الأمر نراه في كتاب الله عز وجل كثيراً، يتمثل من خلال أمور وجوانب عدة:

الأمر الأول: المطالبة بالحجة والبرهان عند الدعوى:
 وهذا نجده في كتاب الله عز وجل كثيراً، بل مع فئاتٍ لا يشك أحد في بطلان دعواها وأنها لا تعدو أن تكون دعوىً صادرة عن الهوى والتشهي وعارية عن الدليل والحجة، ومع ذلك يطالبهم الله سبحانه وتعالى بالبرهان.
أ- فالله عز وجل قد طلب البرهان من الذين اتخذوا من دونه آلهة وهل يشك عاقل في بطلان هذه الدعوى؟ (أمّن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أ إله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). وفي سورة القصص يقول سبحانه وتعالى: (و من يدع مع الله إله آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون).
ومن يشك في بطلان ألوهية غير الله؟ لكن من ادعى خلاف ذلك فليأت بالبرهان والدليل والمنطق، والذي يحمل الحق لا يخشى مطالبة الناس بالدليل والبرهان، إنك تستطيع أن تطرح أي قضية –أياً كانت هذه القضية- على بساط البحث بكل وضوح وكل صراحة، وتستطيع أن تتحدى كل من يعارض ويناقش في هذه القضية التي تدعو الناس إليها ولو كانت قضية بدهية، حين تملك الحجة والبرهان،و هل هناك قضية أوضح وأجلى من قضية تفرد الله سبحانه وتعالى بالألوهية؟ ومع ذلك يطالب الله عز وجل أولئك الذين تنكبوا الطريق وعارضوا بالبرهان.
و هكذا شأن من يحمل فهو لا يخشى من الحوار والنقاش، ولا يخشى من الجدل لأنه يملك الحق الذي لا لبس فيه ولا غموض، فما دام لديه برهان فليطالب الناس بالبرهان والحجة.
ب- طلب الله البرهان من الذين اتخذوا الولد معه سبحانه وتعالى، مع شناعة هذه القضية قال تعالى: (و قالوا اتخذ الرحمن ولداً* لقد جئتم شيئاً إداً* تكاد السموات يتفطرن منك وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًّا* أن دعوا للرحمن ولداً* وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً* إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا* لقد حصاهم وعدهم عدًّا) ومع ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في سورة يونس: (و قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون). وفي سورة الصافات قال تعالى: (ألا إنهم من إفكهم ليقولون* ولد الله وإنهم لكاذبون* أصطفى البنات على البنين* ما لكم كيف تحكمون* أفلا تذكرون* أم لكم سلطان مبين* فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين).
و في سورة الكهف يقول سبحانه وتعالى: (و ينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً* ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).
ج- طالب الله عز وجل بالدليل والبرهان أولئك الذين جعلوا الملائكة إناثا، يقول سبحانه وتعالى في سورة الزخرف: (و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون* وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون* أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون).
د- طالب الله عز وجل بالبرهان والحجة والدليل أولئك الذين جادلوا في آيات الله عز وجل يقول تعالى في سورة غافر: (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا). وقوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه). وفي سورة الحج: (و من الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير). وفي سورة لقمان يقول سبحانه وتعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير).
إن العلم في شريعتنا ليست قضية لا يدركها إلا خاصة من الناس، قد يسوغ هذا الأمر عند النصارى الذين يرون أن رهبانهم لهم الحق وحدهم في فهم الكتاب المقدس وفي تفسيره وبيان مراد الله عز وجل، وقد يكون هذا الأمر سائغاً عند أولئك الذين يجعلون لهم أئمة عدد شهور العام هم وحدهم المؤهلون لمعرفة الدين وهم وحدهم الذين يفهمون مراد الله عز وجل، وقد يكون هذا سائغاً عند أهل الخرافة الذين يرون أن التلميذ ينبغي أن يكون عند شيخه كالميت عند مُغسّله يقبله كيف شاء، أما المسلمون فهم يقرؤون في كتاب الله عز وجل (و لقد يسرنا القرآن لذلك فهل من مذكر) ،(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، (كتابٌ أنزلناه إليك مباركاً ليدبروا آياته).
ه – أولئك الذين ادعوا المساواة بين المجرمين والمؤمنين، وبين المسلمين والكافرين طالبهم الله سبحانه وتعالى أيضاً بالحجة والبرهان (أفنجعل المسلمين كالمجرمين* ما لكم كيف تحكمون* أم لكم كتاب فيه تدرسون* إن لكم فيه لما تخيرون* أم لكم إيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون* سلهم أيهم بذلك زعيم).
و - طالب الله عز وجل أيضاً بالبرهان والحجة إخوان القردة (اليهود والنصارى) وأولئك لا يعرفون منطق الدليل ولا البرهان والحجة، أولئك لا يحسبون لكلماتهم أي حساب، فهم إما قوم مغضوب عليهم قد لعنهم الله عز وجل وطبع على قلوبهم أو قوم ضالون.
فاليهود قوم قد غضب الله عز وجل عليهم وطبع سبحانه وتعالى على قلوبهم وصاروا لا يحسبون للكلمة حساباً أليسوا هم القائلون: إن الله فقير ونحن أغنياء تعالى الله عما يقولون؟ أليسوا هم القائلون -أخزاهم الله- يد الله مغلولة؟ يلعنهم الله عز وجل في كتابه لعنات متتابعة إلى يوم القيامة، ومع سخف مقالتهم وشناعتها، ومع سخف مقالة إخوانهم من الضالين النصارى الذين لم يعرفوا منطق الحجة والبرهان فهم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، هم أولئك الذين أعاروا عقولهم لطغاة الرهبتة والقساوسة حتى يفكروا في النيابة عنهم وحتى يفهموا الكتاب المقدس في النيابة عنهم وحتى يمسخوا عقولهم ويقولون ليس لكم حق في فهم كتاب الله عز وجل وكلام الله، مع ذلك يدعي اليهود والنصارى دعوى عريضة دعوى مضحكة، (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) فيجادلهم القرآن بالحجة والبرهان والدليل يقول الله سبحانه وتعالى حاكياً مقالتهم: (و قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).
إن كل ما سبق يعطينا دلالة على أنه لا يحق لأحد أن يدعي دعوى إلا ببرهان وحجة وسلطان مبين، وأيضاً أنه لا يحق لامرئٍ أن يجادل أو يناقش أو يبطل دعوى أخرى إلا بالبرهان والحجة والسلطان، ويتنوع الحديث عن الدليل في القرآن تارة يأتي بالبرهان وتارة بالحجة وتارة بالسلطان وتارة بالعلم وكلها معان تدور حول معنى الحجة بعيداً عن العاطفة، وبعيداً عن الأحكام المسبقة، وبعيداً عما سماه الله عز وجل أماني ودعاوى كاذبة.

ثانياً: ذم المقلدين:
يتكرر ذم التقليد وأهله في كتاب الله عز وجل، ومن ذلك:
أ - عاب الله سبحانه وتعالى على أولئك الذين يقلدون الآباء والأجداد يقول عز وجل في سورة الزخرف: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون* وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثرهم مقتدون).
إن لكل أمة تراث ورثوه من آبائهم وأجدادهم ويعتزون به وينافحون عنه، أما وقد وصلت القضية إلى مبدأ الاعتقاد والدين فينبغي أن يطرح ما عليه الآباء والأجداد، وأن يكون الدليل والبرهان والحجة هو السائد في التلقي، وهو السائد في التعبد لله عز وجل، وهو السائد في منطق الحجة والبرهان، وعليه فإن من ينعى عليك أنك قد خالفت أمراً ألفه الآباء والأجداد، أو أنك أتيته بأمر لم يعهده فإن هذا قد سلك منطق أولئك الذين قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة، ولو كان يملك دليلاً وبرهاناً وحجة على ما يقول لساقه، ولهذا صار يضرب في وجه كل من يدعوا إلى إحياء سنة قد أميتت، أو إلى إنكار منكر ألفه الناس بأن هذا أمر لم نعهده، وهذا أمر جديد، أو بعبارة أخرى: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.
ب - أيضاً ينعى الله عز وجل على أولئك الذين قلدوا الأحبار والرهبان، يقول سبحانه وتعالى في سورة التوبة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إله واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) ،وتأمل في هذه الآية الكريمة كيف ربط الله سبحانه وتعالى الأمر بعبادته والخضوع له؛ فمقتضى العبودية لله سبحانه وتعالى تعني أن يسلم المرء أمره لله عز وجل بعيداً عما ورثه عن آبائه وأجداده، وبعيداً عما تلقاه من فلان وفلان من الناس؛ فيسلم الأمر لله سبحانه وتعالى فلا يتعبد الله عز وجل إلا بما جاء في كتابه سبحانه وتعالى وعن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ج -ينعى عز وجل أيضاً على أولئك الذين يقلدون السادة والكبراء كما نعى على الذين قلدوا آباءهم وأجدادهم، وعلى الذين قلدوا الأحبار والرهبان، يقول الله عز وجل في آيات كثيرة تحكي ذاك الحوار الذي يجري يوم القيامة بين أهل النار عافانا الله وإياكم منها يقول سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: (وقالوا ربنا إنا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا* ربنا آتهم ضعفين من العذاب  والعنهم لعناً كبيرا).
إن من يسير وراء سادته وكبرائه مغمضاً عينيه ينبغي أن يضع نصب عينيه هذه الآية الكريمة حتى لا يكون من أولئك الذين يقولون هذا الكلام، وفي سورة غافر يقول سبحانه وتعالى: (و إذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار. قال الذين استكبروا إنا كلٌ فيها إن الله قد حكم بين العباد). نعم لقد حكم الله سبحانه وتعالى بينهم بالعدل والقسط وما كان الله سبحانه وتعالى ليظلم أحداً، لقد كان على أولئك الذين استضعفوا أن يحكموا عقولهم وأن يفكروا مليًّا وطويلاً فيما ورثوه عن أولئك الذين استكبروا، وأن لا يغمضوا عيونهم ويسيروا وراء أولئك ويتبعوهم دون حجة أو برهان، ألم يخلق الله لهم عقولاً؟ ألم ينزل الله سبحانه وتعالى كتباً؟ ألم يرسل الله سبحانه وتعالى رسلاً يدعون الناس لكمة الحق؟ فلماذا يغمض أولئك عقولهم ليسيروا وراء كبرائهم ويتبعوهم وتكون النهاية أن يتبرؤوا منهم يوم لا تنفع البراءة.
و مع مشهد آخر في كتاب الله عز وجل يحكي أيضاً هذا الجدل والتعاتب في سورة إبراهيم: (ويرزوا الله جميعاً فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لوهدانا الله لهديناكم سواءً علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص).
و في سورة سبأ: (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لو لا أنتم لكنا مؤمنين* قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين* وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن تكفر بالله ونجعل له أنداداً وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعلمون).
نعم هذا عملهم لقد كان باستطاعتهم أن يكفروا بهم، كان باستطاعتهم أن يتبعوا الهدى الذي آتاهم الله إياه يقرؤونه في كتاب الله عز وجل، ويسمعونه من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم والله عز وجل يقول :(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً).
إذاً تقليدهم لكبرائهم وأسيادهم وطغاتهم أولئك الذين دعوهم إلى أن يمرغوا جباههم أمام أضرحة يرجون منها التبرك، وتقليدهم لكبرائهم الذين أفتوهم أن الصلاة قد تسقط عنهم وأن الصيام لا يعدو أن يكون كتم أسرارهم، وتقليدهم لكبرائهم وطغاتهم الذين أصبحوا يفسرون كلام الله عز وجل على ما لا يحتمل فيسيرون وراءهم، أو تقليدهم لكبرائهم الذين يدعونهم إلى الشهوات قادهم إلى هذه المؤمل عافانا الله وإياكم، إلى أن يتخاصموا ويتجادلوا يوم القيامة في النار لكن حين لا ينفع الجدل ولا تنفع الخصومة، ولم يجزهم الله عز وجل إلا بما كانوا يعملون، وما كان الله سبحانه وتعالى ليظلم أحداً.
وحين ينتهي جدلهم وحوارهم يقول الشيطان كلمة الفصل (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفر بما أشركتمون من قبل).
نعم لم يكن للشيطان سلطان عليهم، ولم يكن حتى لكبرائهم وأسيادهم سلطان عليهم، لكن اتباع الهوى بعد أن آتاهم الهدى هو السبب لأن يصيروا إلى ما صاروا إليه، وإلى أن يصلوا إلى هذه النهاية.

ثالثاً: المطالبة بالحجة في قصص الأنبياء:
لقد ساق الله تبارك وتعالى قصص الأنبياء ومطالبتهم بالحجة والبرهان، حتى تكون عبرة وعظة وقدوة وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم (:أولئك الذين هدى الله بهداهم اقتده)، ومن جوانب الاقتداء في الأنبياء الاقتداء بهم في منهج الدعوة ومخاطبة الناس، وها هي بعض الأمثلة التي تبين أن الأنبياء أيضاً كانوا في دعوتهم لأقوامهم وخطابهم معهم يطالبونهم بالحجة والبرهان.
هود عليه السلام يطالب قومه بالحجة والبرهان ،قال عز وجل في سورة الأعراف :(قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما نَزَّلَ الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين).
و يوسف عليه السلام يقول الله عز وجل عنه في سورة يوسف: (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله من سلطان إن الحكم إلا الله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
و إبراهيم عليه السلام يقول الله عز وجل عنه: (وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون* وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون).
و محمد صلى الله عليه وسلم يأمره الله عز وجل أن يطلب الحجة والبرهان (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) . ولو استطردنا في ذكر قصص الأنبياء ومطالبتهم قومهم بالحجة والبرهان لطال المقام، والمقصود أنه كما أن الله سبحانه وتعالى طالب المكذبين والمعرضين المعاندين بالحجة والبرهان والدليل فكذلك أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يطالبون أقوامهم بالحجة والبرهان والدليل، مع أن دعوى أقوامهم كانت دعوى فاسدة.

رابعاً: الحديث في القرآن عن الجوارح:
و هو حديث كثير فالحديث عن الجوارح يأتي في القرآن حديثاً فيه الإشارة إلى قضية الدليل والبرهان والحجة.
أ- يمتن الله سبحانه وتعالى على عباده بأن سخر لهم هذه الجوارح. يقول سبحانه في سورة النحل :(و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) ،وفي سورة المؤمنون :(و هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون)، وفي سورة السجدة :(ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون) ،و في سورة الملك: (قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون).
ماذا يعني امتنان الله عز وجل على خلقه بأن جعل لهم السمع والبصر والعقل؟ إن تعطيلها من تغيير خلق الله، ولا يجوز تغيير خلق الله.
فلماذا يخلق الله للناس سمعاً وأبصاراً وأفئدة وعقلاً إذا كانت سنة الله في الناس أن يتبعوا غيرهم وأن يسيروا وراءهم، فلم لم يخلق الله سبحانه وتعالى لنخبة خاصة من الناس عقولاً وسمعاً وأبصاراً، ويترك البقية كالذي ينعق بما لا يسمع يسيرون وراءهم؟
 أما وقد خلق الله للناس سمعاً وأبصاراً وأفئدةً وأمتن بها عليهم فهذا يعني أن يحكموها وأن يستخدموها في البحث والوصول إلى الحق.
ب - أمر الله عز وجل خلقه باستخدام هذه الجوارح، يقول سبحانه في سورة الحج: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).
أرأيت الذي يتلقف ما يسمع من فلان أو فلان دون أن يفكر ودون أن يتأمل ودون أن يسمع أو يبصر، أرأيت هذا قد أتى بما أمره الله به؟ أرأيت الذي ترفع له راية ويدعى بصوت فيسير وراء الداعي دون أن يعي أو يستخدم جوارحه؟ أترى هذا وذاك قد التزم أمر الله أم تراه ممن عابه الله سبحانه وتعالى؟
ج- أخبر الله عز وجل أن الطبع على هذه الجوارح عقوبة يعاقبهم الله بها، يقول الله عز وجل في سورة البقرة :(ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة). ويقول أيضاً :(أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) عجباً لأولئك، يخبر الله سبحانه وتعالى أن الطمس على هذه الجوارح عقوبة يعاقب بها بعض عباده فكيف يطمس العبد جوارحه كيف يطمس قلبه ويطمس سمعه ويطمس بصره ليصبح بعد ذلك إمعة يقوده الناس فينقاد؟
د – أخبر الله عز وجل أنه سيحاسب الناس على هذه الجوارح قال تعالى :(ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) ، الذي أمره الله أن يسمع وأمره أن يبصر وأمره أن يتفكر ويفكر ولم يلتزم أمر الله عز وجل ،ألن يسأل عن هذا؟.
ه - لقد عاب الله عز وجل في القرآن على أولئك الذين لم ينتفعوا بهذه الجوارح ولم يستفيدوا منها، يقول سبحانه وتعالى في سورة البقرة :(صم بكم عمي فهم لا يرجعون) ويقول :(ومثل الذين كفروا كمثل الذين ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً صم بكم عمي).
و هذه الآية فيها أمران: الأمر الأول: بأن الله عابهم بأنهم صم بكم، الأمر الثاني: أن الله شبههم بالذي ينعق بما لا يسمع، ومن الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء؟ إنه الراعي فالبهيمة لا تسمع إلا الدعاء والنداء، لكنها لا تفقه ما يقوله الراعي، تفهم أن هذه الكلمة كلمة زجر، تفهم أن هذه الكلمة دعوة للطعام، وأن هذه الكلمة دعوة للشراب ، وأن هذه الكلمة دعوة إلى للمراح والمبيت.
إذاً فالذي يعطل جوارحه عن سماع كلمة الحق وعن سماع الحجة والبرهان لا يسوغ أن يمتدح بأن يسير على الجادة، بل هو ممن قال الله عز وجل فيهم: (صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم).

 للأعلى


خاتمة

والإفاضة في الحديث عن آيات القرآن الكريم يطول، أظن أن فيما تحدثنا عنه كفاية في دعوة الناس إلى أن يتعبدوا الله عز  جل بما في كتاب الله سبحانه وتعالى، وأن يتعبدوا لله بما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، بعيداً عما ورثوه من آبائهم وأجدادهم، وبعيداً عن تلك التقاليد والرسوم التي عهدوها وألفوها، وبعيداً عما يسمعونه من رأي فلان وفلان من الناس، سواء أكان علماً متبوعاً أم سيداً مطاعاً.
إن هذا كله أيضاً دليل على أن أولئك الذين يسيرون ويعطلون عقولهم ليسوا أهلاً للمدح والثناء، بل أشبه بأولئك الذين ذمهم الله عز وجل وعابهم وأخبر أنهم ضالون، والسلف لهم مقالات طويلة في العيب على المقلدة وذمهم ونقدهم ليس هذا وقت حصرها لكني أورد أبياتاً لإمام المغرب ابن عبد البر رحمه الله يقول:

يا سائلي عن موضع التقليد ** خذ عني الجواب بفهم لب حاضر
وأصغي إلى قولي دون فصيحتي ** واحفظ على بوادري ونوادري
لا فرق بين مقلد وبهيمة ** تنقاد بين جنادل ودعاثر
تباً لقاض أو لمفت لا يرى ** عللاً ومعنى للمقال السائر
فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة ** المبعوث بالدين الحنيف الظاهر
ثم الصحابة عند عدمك سنة ** فأولئك أهل نهي وأهل بصائر

و لا يزال المصلحون يعانون من هذا الصنف من الناس الذي يحتج عليه دائماً بما ورثه عن آبائه وأجداده، أو بما قلده عن فلان وفلان، وهي معاناة لا تعدو إلا أن تكون امتداداً لمعاناة الأنبياء الذين حين يجيبهم قومهم بقولهم ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.
فهذا المنذر بن سعيد رحمه الله كان مصلحاً وكان يدعو للإصلاح ولهذا يحكي معاناته مع قومه فيها رواة عنه ابن عبدالبر يقول:

عذيري من قوم يقولون كلما ** طلبت دليلاً هكذا قال مالك
فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب ** وقد كان لا تخفى عليه المسالك
فإن زدت قالوا قال سحنون قبله ** ومن لم يقل ما قاله فهو آفك
فإن قللت قال الله ضجوا وأكثروا ** وقالوا جميعاً أن قرن مماحك
وإنه قلت قد قال الرسول فقولهم ** أنت مالكاً في ترك ذلك المسالكُ

نعم كان يعاني من أولئك الذين يحتجون عليه بقول الرجال، فإن قلت قال الله عز وجل ضجوا، وإن قلت قال النبي صلى الله عليه وسلم قالوا إن فلاناً أعلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يترك ذاك إلا وقد أنته الحجة والبرهان في هذا.
و بعد هذا السرد الطويل لهذه الآيات في كتاب الله عز وجل، ولما لبعض ما روي عن سلف الأمة من عيبهم لأولئك، لا بد من الاعتماد على الحجة والبرهان في اعتقادنا، فلا يسوغ أن نعتقد أمراً في ذات الله سبحانه وتعالى إلا وعندنا فيه حجة وبينة وبرهان وإلا كنا مثل أولئك الذين حينما يأتيهم نبي يقولون ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.
و في عبادتنا أيضاً فلا يسوغ حين يدعونا فلان من الناس ومعه حجة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعونا أن نترك أمراً مبتدعاً في دين الله، لا يسوغ أن نحتج عليه بأنه أمر ورثناه  واعتدنا عليه ولم نشهد له نكيراً.
ولا يسوغ حين ينكر علينا منكر أو حين تؤمر بأمر لم نعهده، لا يسوغ حين ندعي لذلك بدليل وبرهان أن نحتج بما لقيناه وورثناه عن آبائنا وأجدادنا أو ما سمعناه من فلان وفلان من الناس.
وفي دعوتنا فحين تدعو الناس ينبغي أن ندعو بالحجة والبرهان والدليل، وهكذا كان أنبياء الله.
وفي المحاجة والمخاصمة؛ فحين نجادل ونحاج الناس أيًّا كان خطؤهم فلا بد أن نحاج بالدليل والبرهان والحجة، أليس الله عز وجل قد حاج الذين اتخذوا من دونه آلهة وطالبهم بالبرهان؟ أليس قد طلب البرهان من الذين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، ومن الذين ادعوا أنهم وحدهم هم الذين يدخلون الجنة يهوداً كانوا أو نصارى، فغيرهم من باب أولى.
و من هنا فلا مقام في ميدان الجدل إلا للدليل والبرهان، والحجة والدليل لا يقف أمامها أحد، ويخضع لها الناس الصادقون الذين ليس لديهم هوى وميل إلى حظوظ النفس.
وصاحب البرهان والحجة هو وحده الذي لا يتناقض، أما الذي تحكمه العواطف فهو يوماً يقول قولاً ثم تأتيه عاطفة أخرى فيقول بخلافه، ويوماً يقول القول وينقضه غداً.
أما الذي دافعه ورائده الحجة والبرهان فإنه لا يتناقض ولو رأى الدليل في غير ما قاله بالأمس، فإنه يستطيع أن يقوله بكل ثقة وطمأنينة قد كنت أقول هذا القول فبدا لي خلافه والحق ضالة المؤمن، والرجل الشجاع والصادق هو الذي يرجع إلى الحق حين يستبين له.
إن صاحب البرهان هو الذي يستطيع أن يطرح رأيه بوضوح، بعيداً عن الضجيج والصخب والاتهام والإرهاب الفكري.
إن الذين يحتاجون إلى الألقاب الواسعة والذين يعمدون إلى لغة الصخب والضجيج ورفع الأصوات، وإلى مصادرة أصوات الخصوم هم أولئك الذين لا يملكون حجة ولا برهاناً، أما الذين يملكون الحجة والبرهان فهم يعرضون رأيهم بوضوح وهدوء، وهم على أتم الاستعداد أن يدافعوا عن قولهم وينافحوا عنه، بعيداً عن الاتهام والصخب والضجيج والحديث عن النوايا والألفاظ المنمقة.

و أخيراً:
صاحب الحجة والبرهان والدليل هو الذي ينجو يوم القيامة لأن الله عز وجل سيسأل يوم القيامة (و يوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) ،فالناس جميعاً سيسألون ماذا أجبتم المرسلين فيما أتوكم به من كتاب الله سبحانه  وتعالى وفي ما أتوكم به مما قالوه لكم وهم لا ينطقون عن الهوى، فلئن اجتهد المرء في أمر واتبع نصًّا من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فلم يوفق لاتباع الحق فهو مأجور أجراً على اجتهاده، أما الذين يتبعون البشر دون حجة وبرهان فويل لهم حين يسألون هذا السؤال.
ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في خصامه مع أهل البدع:
لا بد أن نلقاه نحن وأنتم ** في موقف العرض العظيم الشان
وهناك يسألنا جميعاً ربنا ** ولديه حقًّا نحن مختصمان
فنقول قلت كذا وقال نبينا ** أيضا كذا فإمامنا الوحيان
فافعل بنا ما أنت أهل بعد ذا ** نحن العبيد وأنت ذو الغفران
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم إتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجنبنا وإياكم الأهواء ومضلات الفتن؛ إنه سبحانه وتعالى سميع قريب مجيب، هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008