تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

محاضرة في مخيم

د. محمد بن عبدالله الدويش

 المقدمة
 أولاً: الشاب غير الملتزم مسلم كسائر المسلمين
 ثانياً : كيف تتعامل مع المعصية ؟
 ثالثاً: حين لاتلتزم
 العلاقة بين الشباب الملتزم و الشاب غير الملتزم
 أسباب هذه الفجوة

المقدمة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد :
فهي فرصة طيبة أن نلتقي بالإخوة الكرام في هذا اللقاء المبارك، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبت القائمين على هذا المخيم وأن يجعل ما يقومون به في ميزان حسناتهم، ونحن في الواقع بحاجة إلى مثل هذا التوسع في أنشطتنا الإسلامية وفي دعوتنا وفي برامجنا، وهي فكرة رائدة سرتني كثيراً، وأتمنى أن نرى في المستقبل المزيد من مثل هذه الأفكار ومثل هذه الجهود لأن المسلم يرى أن دينه وأن دعوته تتطلب منه جهداً أكثر في التفكير والابتكار والعمل والجهد، فلئن كان أصحاب التجارة وأصحاب الأموال يبتكرون الوسائل والأساليب في الدعاية والإعلان وترويج منتجاتهم، ولئن كان أصحاب الفساد والفجور يبذلون المستحيل ويجلبون الأفكار، ويطورون ويبتكرون، كل ذلك لإبداع واكتشاف ألوان من الفساد،والحصول على ما يريدون والتحايل على الناس، لئن كان أولئك كذلك فأهل الحق أولى،ألا يكونوا مجرد أسرى تجارب ووسائل ورثوها، أو أفكار اعتادوا عليها فصاروا لا ينطلقون إلا من خلالها، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعظم الأجر والمثوبة لإخواننا وأن يجعل ما قدموا في ميزان حسناتهم وأن يجعلنا وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
معشر الشباب ..لقد أدرك أعداء الإسلام أنه لا مجال للانتصار على هذه الأمة والقضاء عليها إلا بسلخها عن دين الله سبحانه وتعالى،وأدرك أولئك جميعاً أن الشباب هم الأمة وليست الأمة إلا شباب- وليسوا عدة الأمة وأملها فحسب- بل على أكتافهم وسواعدهم تقوم المجتمعات، وهم في المستقبل القادة، وهم الرجال الذين يوجهون المجتمعات والأمم على أساس ما نشأوا عليه في شبابهم وفتوتهم، وبناءًا على ما أدركه أولئك الأعداء من قيمة هؤلاء الشباب وخطر شأنهم في الأمة، سعوا لإضلالهم وفتنتهم وصدهم عن دين الله سبحانه وتعالى،فقامت تلك الجهود ومن ورائها تلك الفئات من الطابور الخامس المنتشر في مجتمعات المسلمين في عرض الأمة وطولها، يمهد للأعداء ويقوم بتنفيذ خططهم نيابة عنهم، و لا يزيد على أن يأخذ وكالة فقط حتى تتغير الواجهة و اللافتة، والمقصود من وراء ذلك كله واحد هو سلخ شباب هذه الأمة وصدهم عن دين الله سبحانه وتعالى، فتنوعت أساليب الإغراء والإثارة والصد،بدءاً بتشكيك أولئك بدين الله سبحانه وتعالى وإخراج أجيال ممن يتشكك في الدين ويرتضي الإلحاد والردة عن دين الله سبحانه وتعالى، وصار يـبحث له عن مناهج بديلة عن منهج الدين ومنهج الإسلام،ومروراً بوسائل سعى فيها أولئك الأعداء إلى إثارة غرائز الشباب، وإلى إثارة اهتمامات الشباب وصرف الهمة الجادة والعالية،فخرج لنا جيل همه فرجه، وشهوته، صار يسعى إلى تحصيل هذه الشهوة بكل وسيلة وكل طريق، وإن لم تتح له في بلده وفي موطنه فهو على استعداد أن يوفر جزءًا كبيراً من ماله حتى يسافر إلى بلاد الكفر ليقضي شهوته ويمتع نفسه باللذة الحرام، وخرج لنا جيل يتعلق بالرياضة ويفتن بها حتى صارت هي كل همه وأساس تفكيره، وخرج لنا جيل يعتني بما يسمى بالفن،وصار أولئك مرايا عاكسة لآخر صرعات الفن في عالم الغرب
إنه – معشر الأخوة الكرام - نتاج جهد متواصل من أولئك الأعداء قابله تخاذل من هذه الأمة وانشغال من الصالحين الذين كان أولى بهم أن يقفوا على بوابات الحراسة في مجتمعات المسلمين، ليحموا هذه الأمة من هذا الغزو الماكر، وبقيت مجتمعات المسلمين وبالأخص الشباب دهراً في سبات عميق، وما كان لهذا النوم أن يطول، وما كان لهذه الأمة أن تطيل في الغيبوبة، وهي الأمة الشاهدة، وهي الأمة القائمة بدين الله عز وجل للبشرية جميعاً إلى قيام الساعة، فأذن الله سبحانه وتعالى بانبلاج فجر الصحوة، وخرجت تلك الصحوة مع هذا الجيل الذي كان ينتظره الأعداء متشبعا من كل ألوان الفساد والانحراف،خرجت الصحوة في هذا الجيل ليعود إلى دين الله عز وجل، وأصبحنا مرة أخرى نرى الأفواج تتقاطر إلى طريق الاستقامة والصلاح والخير، صارت الأفواج تتسابق إلى المساجد وهي الأفواج نفسها التي كانت تسابق إلى الملاعب وإلى أماكن اللهو والرقص، بل صار أصحاب السفر والفساد والمجون والمخدرات والفن هم الآخرون يعودون إلى هذا الطريق وينضوون تحت لوائه، وصار العدد يتضاعف يوماً بعد يوم،وعاماً بعد عام، وهي مسيرة بإذن الله سائرة فحين أشعل الفتيل وحين أعلنت المسيرة، فهذا إيذان باستمرار المسيرة إلى أن يتحقق وعد الله عز وجل: ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) ( ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون ) إنها مسيرة – معشر الأخوة – لا بد أن تصل بإذن الله عز وجل، ولا بد أن تؤتي ثمارها بإذن الله سبحانه وتعالى رغم الكيد، رغم التآمر رغم ألوان المكر والتحايل الذي تواجَه به هذه الأمة، فإن استيقاظ الأمة إعلان لبدء المسيرة، إعلان لهذا التيار الجارف أن بالإمكان إيقافه ولم تعد القضية معلقة بشخص أو بفرد أو بلد أو مجتمع حتى يمكن إيقافها، فهو تيار لا يمكن أن يقف أحد في طريقه .
معشر الإخوة الكرام .. ليس هذا موضوع حديثنا، هذه مقدمة بين يدي هذا الموضوع، أقول: حين عاد الجيل الناشئ بإذن الله عز وجل والذي نؤمل عليه - بعد توفيق الله عز وجل -آمالاً عريضة أصبح عندنا فئتان من الشباب: فئة من الشباب الذين عادوا إلى الله عز وجل ..الذين عادوا إلى الأصل، عادوا إلى الفطرة فاستقاموا على دين الله سبحانه وتعالى، وفئة مقصرة،وهي لا تزال الأكثر والأغلب.
صار لدينا فئة من الشباب اصطلح على أن يسمى (الشاب الملتزم)، وفئة أخرى من الشباب (غير الملتزم)، نحن لسنا في موضوع تحديد المصطلحات ومدى سلامة هذا المصطلح أو ذاك وأيهما أولى ولكن هذه القسمة نشأت عنها مفاهيم مغلوطة هي ما سنحاول إلقاء الضوء عليه في هذه الدقائق، نشأ عن هذه القسمة مفاهيم ومشاعر أصبحت جزءًا أصيلاً من تفكيرنا،وهكذا شأن الأخطاء الخطأ، يبدأ الخطأ ثم ينتشر ويتوسع،حتى يصبح بعد ذلك جزءًا من التفكير أصلاً، فيصبح الإنسان يفكر في هذه الزاوية ولا يستطيع أن يتخلص بحال من هذه النظرة التي تسيطر على تفكيره.
سأتحدث بصراحة مع الجميع وفي محضر الجميع عن أخطاء يقع فيها الشباب الملتزم تجاه أخيه، وعن أخطاء يقع فيها الشاب غير الملتزم، ونحن ينبغي أن نكون جميعاً صرحاء ولو أدى ذلك إلى أن تكشف الأوراق بمحضر الجميع،وأن نتحدث عن الأخطاء بمحضر الجميع مادام المقصود هو النصيحة، هناك الكثير يتحدثون عن الأخطاء، وهناك الكثير ينتقدون، ومن ثم فنحن حين نريد أن نقطع الطريق على أولئك الذين يتخذون من النقد سلماً ووسيلة للإثارة، وسيلة للفتنة، وسيلة للتعويض، حين نريد أن نقطع الطريق على أولئك فلن نقطعه إلا حين نبني منهجاً سليماً للنقد، ومنهجاً واضحاً صريحاً يتحدث عن الأخطاء تحت ضوء الشمس وفي وضح النهار، وحينئذ نقطع الطريق على من يريد أن يتكئ على هذه الأخطاء وأن يستثمر هذه الزلات ليجعل منها تكأة يهدم من خلالها.

 للأعلى


أولاً: الشاب غير الملتزم مسلم كسائر المسلمين
أولاً: الشاب غير الملتزم مسلم كسائر المسلمين:
إن الشاب غير الملتزم مسلم يجب عليه ما يجب على المسلمين جميعاً، وهو مخاطب بكل التكاليف الشرعية وبكل النصوص الشرعية، إنه يتخيل أحياناً أنه مادام غير ملتزم فينبغي ألا يوجه له هذا الخطاب، إنه يعتقد أنه يجب أن يخاطب بلغة واحدة فقط لا غير هي:تب إلى الله عز وجل وتخلّ عن طريق الإعراض والغفلة،وكن سائراً في ركب الصالحين والملتزمين، وهذا لا شك خطاب وكلمة لا بد أن تقال وهي أساس ومبدأ حديثنا وهي التي حولها ندندن، ولكن .. مع ذلك يبقى لنا حديث آخر، فمثلاً ..: هذا الشاب حينما تطالبه بطاعة من الطاعات، وهب أنها من النوافل، فتقترح عليه أن يصوم يوم الإثنين أو يصوم يوم الخميس أو يقوم الليل أو يصلي النافلة يفاجئك فيقول : لست ملتزماً، ويتخيل أنه مادام كذلك فلا ينبغي له أن يخادع نفسه، ويرى أن صيامه أو تلاوته لكتاب الله عز وجل أو قيام الليل أو عمل أي عمل صالح-أيًّا كان هذا العمل- إنما هو من المخادعة و النفاق، بل حينما يرى زميلاً له غير متدين يعمل طاعة من مثل هذه الطاعات فإنه يتهمه بالنفاق والمخادعة ، إنه منطق عجيب فلماذا كانت هذه المعاصي التي وقعت فيها مانعة لك من تلك الطاعات ؟إن الطاعة ثقيلة على العصاة لكن ذلك لا يعني تركها، أو اعتقاد أن فعلها من باب النفاق،إن الشاب غير المتدين مسلم ومخاطب – شأنه شأن الآخرين – يصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألف لام ميم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف "، ويصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : هل من سائل فأعطيه سؤاله، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه ".
عهدتك لا تنام إلا قبيل الفجر فها أنت مستيقظٌ في الثلث الأخير من الليل، فما رأيك لو طرحت عليك هذا الاقتراح : اختصر من وقت السهرة التي تقضيها مع زملائك ومع أقرانك وربما كانت على معصية الله عز وجل ،نصف ساعة واقضها في صلاة ركعتين لله عز وجل أو أربع ركعات وتتضرع فيها إلى الله -عز وجل- في سجودك وتدعوه -سبحانه وتعالى- أن يهديك ويعينك ويوفقك، لأني أجزم تماماً أنك تتمنى أن يهديك الله سبحانه وتعالى.
إنك -أخي الكريم- أحوج إلى الطاعة من غيرك لأنك تملك رصيداً أو ركاماً هائلاً من المعاصي والذنوب،وأنت تراه كالجبل يوشك أن يهوي عليك، فأنت أحوج الناس إلى التخفف،وإلى ما يكفر الذنوب.

 للأعلى


ثانياً : كيف تتعامل مع المعصية ؟
ثانياً : كيف تتعامل مع المعصية ؟
إن الكثير من الشباب يضع أمامه خيارين لا ثالث لهما، الخيار الأول: أن يتوب ويترك المعاصي ويكون من الناس الصالحين الأخيار، وهذا لا شك هو المطلوب، الخيار الثاني :حين يفشل في هذا فإنه يبقى على المعصية دون أي وازع ودون أي رادع، ويرى أنه لم يبق أمامه خيار ثالث . إن هناك خياراً ثالثاً وقبل أن أبينه أقول:أن هذا الخيار لا يعني أن نتنازل عن الخيار الأول الذي هو الأصل، الذي هو ترك المعصية وتوديعها والتوبة الصادقة النصوح إلى الله سبحانه وتعالى، لكن هب أنك فشلت ولم تستطع أن تتوب –مع أنك غير صادق في هذه الدعوى- فكل مسلم وكل إنسان قادر أن يسلك هذا الطريق، وما كلف الله عز وجل الإنسان إلا ما يطيق، هب أنك لم تستطيع ذلك،فلماذا تجاهر بالمعصية وأنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" كل أمتي معفى إلا المجاهرون " ؟ إنك تفعل المعصية بالليل بينك وبين نفسك لا يعلم عنها أحد، وربما لا يعلم عنها إلا شريكك في المعصية فما بالك إذا أصبحت تلقى زميلك في المدرسة فتخبره ماذا عملت وماذا صنعت؟فإذا كنت تدعي أنك لا تستطيع التخلص منها..ألا تستطيع أن تبقيها سرًّا بينك وبين الله -سبحانه وتعالى- ؟ فإن ذلك أدعى إلى توبتك وإقبالك على الله سبحانه وتعالى،إن الذي يجاهر بالمعصية حين يهم بالتوبة بعد ذلك تثقل عليه التوبة،ويصعب عليه أن يسلك طريقها لأنه أصبح مشهوراً بين الناس وبين زملائه وأقرانه بالسوء والفساد، وهو الذي جنى على نفسه.
ومما يتعلق بالمعصية: الدعوة إليها فلماذا لا تقتصر على نفسك ؟ لماذا تدعو غيرك إلى المعصية ؟ ولماذا تسعى إلى تسهيل المهمة على غيرك ؟ فأنت كثيرا ما تتحدث مع زميلك فتخبره ماذا فعلت بطريقة تمارس فيها دعاية بالمجان لهذه المعصية، بل ربما تدله على الوسيلة التي يمكن أن تعينه على فعل المعصية،وربما وظفت نفسك مستشاراً دون مقابل لزملائك وأقرانك تدلهم على أسباب ووسائل الاحتيال على تحصيل المعصية .
أليست هذه دعوة للمعصية والفساد ؟ ألا تخشى أن ينطبق عليك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً " وأن ينطبق عليك قول الله عز وجل: ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم) وقال ( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ) ؟ ألا تخشى أن تأتي يوم القيامة وأنت تحمل وزرك على ظهرك ووزر من أضللته ؟
قد تقول مرة أخرى، إن لك مبرراً وعذراً في فعل المعصية، ولكن ما العذر والمبرر أن تدعو غيرك للمعصية وتسهلها عليه ؟
ومما يتعلق بالمعصية أيضاً الاستهانة بها: فما بالك تستخف بالمعصية وتستهين بها ؟ لقد حدثنا أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب لنا مثلاً بليغاً، أرجو أن ترعي سمعك حتى لا ينطبق عليك المثل بل لعلك أن تصف نفسك مع الفئة الأخرى : " المؤمن يرى ذنبه كالجبل يوشك أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كالذباب طار على أنفه فقال به هكذا " ما بالك حين تواجه بالنصيحة والإنكار تستخف وتستهون شأن المعصية؟
إن فعل المعصية شيء والاستخفاف بها والاستهانة معصية أخرى، بل إن الاستخفاف بالصغيرة يحولها إلى كبيرة، فما بالك بالاستخفاف بالكبيرة والاستهانة بها ؟ مرة أخرى أقول لك : حين تفشل في ترك المعصية وتعجز عن تركها فهذا لا يعني أن تفتح لنفسك الباب على مصراعيه، فهناك خيار ثالث وخطوة ثالثة أرجو وآمل أن تكون مقدمة وبداية لتوبتك إلى الله عز وجل، التوبة الصادقة النصوح، مع أننا نطالب بالمطلب الأساسي والمهم ولا زلنا نرفع صوتنا به، بالتوبة الصادقة النصوح التي تودع فيها المعصية إلى غير رجعة .

 للأعلى


ثالثاً: حين لاتلتزم
ثالثاً: حين لاتلتزم:
إن إعراضك وإدراجك لنفسك ضمن قائمة غير الملتزمين ليس مبرراً لك أن تتخاذل، إنك ترى الجميع الآن يأتي إلى المسجد فترى فيه محاضرة، هذه المحاضرة سُلِكَت خطوات في إعدادها و الإعلان عنها، في دعوة الحضور، في ترتيب اللقاء إلى غير ذلك، ترى مثل هذا المخيم الذي تستمع فيه لمثل هذه الكلمة، وترى الجهد الذي بذله الشباب الذين قاموا عليه، ترى من يوزع الشريط، ترى من يوزع الكتاب، وربما تكون أنت تلقيت منه الشريط و الكتاب، ترى زميلك في المدرسة وهو يمد يده ليناولك كتاباً أو شريطاً، وتراه يحرك لسانه ليقول لك كلمة صادقة ناصحة، ترى الجهود تبذل لخدمة دين الله عز وجل هنا وهناك فما بالك لا تبحث لك عن موقع في هذا الميدان؟ نعم ..إنني أقدر موقعك، إنني لا أنتظر منك وأنت على هذه الحال أن تتحول إلى واعظ أو تتحول إلى خطيب أو محاضر أو رجل يتحدث باسم الإسلام،فيؤلف ويصنف ويكتب وينافح عن دين الله عز وجل، لا أريد ذلك بل لو أردت ذلك لقلت لك رويدك وليس هذا مكانك، لكن تستطيع أخي الكريم أن تقدم خدمة جليلة لدين الله عز وجل،تستطيع أن تساهم في خدمة دين الله سبحانه وتعالى.
نقرأ في تاريخ الإسلام فنرى نماذج كثيرة من أولئك الذين ساهموا في خدمة دين الله عز وجل وحملة العلم الشرعي، ولكننا مع ذلك نرى نماذج من أولئك الذين لم يكونوا على حال أهل الصلاح والاستقامة، كانت لهم مساهمات في دين الله عز وجل والوقت يطول فلعلي أذكر مثلاً واحداً، كان الإمام أحمد رحمه الله وهو إمام أهل السنة الذي قال كلمة الحق في وجه المبتدعة ونصر دين الله عز وجل في وقت كادت أن تطغى فيه البدعة وتعم، الإمام أحمد رحمه الله كان كثيراً ما يدعو لرجل يقال له أبو إسحاق، فكان يقول : اللهم اغفر لأبي إسحاق إذا قام و إذا جلس، فسأله أحد أبنائه : من يكون ؟ وكان الابن ينتظر أن يكون زاهداً، رأى منه الإمام رحمه الله قدوة في الزهد أو قدوة في العبادة، كان ينتظر أن يكون شيخاً للإمام أحمد تعلم منه علمه، فأخبره الإمام أحمد رحمه الله أن هذا الرجل كان لصًّا، كان قاطع طريق، حينما جيء بالإمام أحمد رحمه الله ليجلد في فتنة خلق القرآن، جذبه بردائه فقال : أتعرفني ؟ قال : لا أعرفك . قال : أنا أبو إسحاق العيار اللص الطرار مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني جلدت كذا وكذا في السرقة ومع ذلك ما صدني ذلك، وأنت تجلد على كلمة الحق، فأنت أولى مني أن تثبت .
أرأيت هذا اللص الذي في السجن ولا يزال مصرًّا على جريمته ومع ذلك يرى أنه يستطيع أن ينصر الإسلام، يستطيع أن يقدم خدمة، وما هذا الجهد ؟!! إنها ليست تأليفاً لكتاب، ولا إقامة درس ولا إلقاء خطبة، ولم يكن هذا الرجل مؤهلاً لذلك، إن هذه الخدمة كانت تتمثل في أن يقف مع الإمام أحمد رحمه الله ويقول له تلك الكلمة التي زادته تثبيتاً ولم يجد هذا اللص في تاريخه شيئاً يمكن أن يستثمره إلا تاريخه المليء بالإجرام والسرقة فوظف ذلك التاريخ ليكون شاهداً وليكون معيناً للإمام أحمد رحمه الله، بل تراه يستعين بتاريخه السابق السيئ فيقول للإمام أحمد : أنا وأنا صاحب المعصية وصاحب الهوى أتحمل في سبيل السرقة، فأنت أولى مني أن تتحمل وأنت تقول كلمة حق، إننا نطلب منك أن تساهم، أن تشعر أن الدين يعني الجميع وأن الدين دين الناس جميعاً وأنك مادمت مسلماً فإنه ينبغي لك أن تسير مع القافلة بل لعل هذا يكون بمشيئة الله عز وجل بداية خير وطريق توبة.
فماذا عليك لو أخرجت مبلغاً من المال في سبيل الله وأنت تخرج مبالغ كثيرة مماثلة لتقدم لزملائك بعض المشروبات والمأكولات ؟ والذي تقدم أضعافاً منه ليكون وسيلة لتشتري به ما يعينك على المعصية، ماذا عليك مثلاً لو أخرجت جزءًا من هذا المبلغ فأعطيته أحد الصالحين والأخيار أو أحد الدعاة إلى الله عز وجل وقلت له : اصرف هذا المبلغ في الدعوة إلى الله عز وجل في سبيل الله سبحانه وتعالى، ماذا عليك حين تستمع إلى شريط أن تهديه إلى أحد زملائك، أن تشتري كتاباً،أن تشتري شريطاً ولو أردت مجالاً للخير ونصرة دين الله عز وجل لاستطعت أن تجد الآلاف من الوسائل والسبل فقد عهدناك مفكراً، عهدناك في البحث عن شهواتك ورغباتك لا تعتمد على التقليد، بل أنت مجتهد فيها، أنت تبتكر ولا ترضى بحال أن تستعير فكرة غيرك، فأنت كل يوم تخرج لنا بفكرة جديدة وطريقة جديدة، فوظف هذا التفكير، ووظف العقل أيضاً لتقدم شيئاً يسيرًا في نصرة دين الله سبحانه وتعالى، علّ هذا أن يكون خطوة لك تنقلك إلى طريق الاستقامة والخير بإذن الله عز وجل.

 للأعلى


العلاقة بين الشباب الملتزم و الشاب غير الملتزم
العلاقة بين الشباب الملتزم و الشاب غير الملتزم:
إن هناك أخطاء ترتكب من الجميع - ولا ننزه أنفسنا - وحين نقول إن هناك أخطاء فإننا نعرف وبجزم أن هذه الأخطاء أو معظم هذه الأخطاء قد لا تكون بالضرورة صادرة عن عمد وسبق إصرار، بل ربما عن اجتهاد وحسن نية، وهناك أخطاء ألفانها فصارت جزءًا من تفكيرنا.
إن أول خطأ هو هذه الهوة السحيقة، وهذه الفجوة بين هذين الجيلين، بين الشباب الملتزم وبين غير الملتزم فكل منهم يعتقد أنه في ميدان والطرف الآخر في ميدان آخر يقابله،بل نرى انهما قد أصبحا في ميدان تنازع وتنافس،وربما في ميدان صراع، ولا شك معشر الأخوة الكرام أن سلوك المرء واستقامته ودينه يؤثر على علاقته ونظرته للناس، والمشابهة في الظاهر تورث المحبة واللقاء في الباطن، والتنافر في الظاهر يورث التنافر في الباطن، ولكن هذا شيء والواقع الذي نعاني منه شيء آخر.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح:من المستفيد من هذه الفجوة وهذه القطيعة ؟ إنهم الأعداء لأنهم يحولون دون وصول الخير،والكلمة الناصحة الصادقة إلى الطرف الآخر،ودون وصول النقد والتقويم إلى الآخر.
ويمكن أن نعيد طرح السؤال نفسه بطريقة أخرى : من الخاسر ؟ الخاسر نحن جميعاً، ولست أقول غير الملتزم، بل حتى الملتزم، إن الشاب غير الملتزم يخسر، يخسر خسارة كبرى حين يساهم – وهو يساهم فعلاً – في إيجاد هذه الهوة وهذه الفجوة، إنه يخسر حين يقيم هذه الهوة وهذه الفجوة، فيقيم أمامه سُحباً تمنعه من الرؤية وتمنعه من وضوح الرؤية المستقيمة،وتجعل حاجزاً بينه وبين طريق الخير وطريق الصلاح والاستقامة، فيفرض حواجز ويفترض عوائق تحول بينه وبين طريق الخير وبين الكلمة الصادقة، فهو الخاسر الأكبر.
إن مثل هذا الشاب كما أنه يحتاج إلى دعوتك ويحتاج إلى جهدك وإلى نصيحتك،فأنت أيضاً تحتاج إلى أن تبني معه هذه العلاقة وتفتح معه هذه الصفحة لتقدم بين يديك عملاً صالحاً تدخره عند الله عز وجل : ( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين )، " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً "، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ولأن يهدي الله بك رجلاً خيراً لك من حمر النعم ".
إن مثل هذه القطيعة المفتعلة بل القطيعة التي نمارسها نحن ونسعى إليها،تحول بيننا وبين هذا الميدان الواسع الفسيح من الدعوة، بل تكون عقبة لنا عن أداء هذا العمل الصالح الذي هو من أفضل الأعمال التي نتقرب بها إلى الله عز وجل، ويخسر الشاب غير الملتزم حين يحول بين نفسه وبين طريق الهداية وطريق الكلمة الناصحة.
ويخسر أيضا خسارة آخرى ويقع في خطأ شنيع خطأ قد يكون محبطاً لعمله الصالح،وهو السخرية من الشاب الملتزم والاستهزاء به، وهذا أمر قد يقود الإنسان عافانا الله وإياكم إلى أن ينطبق عليه قول الله عز وجل : ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبا لله آياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين )، وهذه الآية نزلت كما تعلمون جميعاً في قوم كانوا يقولون في قرّاء النبي صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قراؤنا أرغبنا بطوناً وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء، إنه يخشى أن ينطبق عليه قول الله عز وجل : ( إنه كان فريق من عبادي يقولون، ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين، فاتخذتموه سخرياً حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون، إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون )، يخشى أن ينطبق عليه قول الله عز وجل : ( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين، وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون،وماأُرسلوا عليهم حافظين، فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الآرائك ينظرون ).
وفي المقابل فالشاب الملتزم هو عرضة لآفة تنشأ عن هذه القطيعة، آفة تنشأ عن هذه الهوة المفتعلة، هي الاستكبار والاستعلاء والشعور بالعلو واحتقار ذاك الذي يقع في المعصية، يُخشى أن يكون كأحد صاحبي بني إسرائيل الذي كان مطيعاً لله عز وجل مقبلاً على الله سبحانه وتعالى، وكان صاحبه مفرطاً كان صاحبه مهملاً لنفسه فكان يدعوه، ويدعوه إلى ترك المعصية وينصحه فيدعوه إلى الصلاح، ونتيجة لأن هذه الدعوة الملحة قد طالت دون نتيجة قال له صاحبه : مالك ولي، دعني وربي يفعل بي ما يشاء فقال : والله لا يغفر الله لك، فقال الله عز وجل : من ذا الذي يتألى علي، قد غفرت له وأحبطت عملك
بل أول معصية نشأت إنما نشأت من الكبر والعجب ممن قال:(خلقتني من نار وخلقته من طين)،
وهي ثالثاً أيضاً تنشئ عند الشاب غير الملتزم سلوكاً آخر مرفوضاً، سلوك حرصه على فتنة هذا الشاب وصده و إغوائه بأي وسيلة، أحياناً عن طريق السخرية، أحياناً بالناقشة، أحياناً بإثارة الفتنة أمامه، أيًّا كان .. وكم نرى من الشباب من يمارس الفتنة والصد، وهذه جريمة أخرى وشنيعة أخرى، إنك حين تقع في المعصية وحين تستحقرها فأنت على خطر وأنت قد قصّرت –نسأل الله عز وجل أن يعيننا وإياك على التوبة النصوح لله سبحانه وتعالى – ولكن حين تساهم في دعوة غيرك للمعصية فحين تساهم في فتنة وصد ذاك الشاب العفيف، الشاب الخير الشاب المستقيم حين تساهم في فتنته وصده عن دين الله عز وجل فأنت ترتكب جريمة أخرى، وأنت تقف مع الأعداء في خندق واحد وصف واحد، سواء شعرت بذلك أم لم تشعر، وأيضاً يقابل ذلك آفة أخرى عند الشاب الملتزم هي نتيجة من نتاج هذه الهوة، هي نتيجة من نتاج هذه القطيعة، وهي أنه يُعرِض عن دعوة ذاك الشاب وعن الإنكار عليه، وعن أمره ونهيه، فقد يكون عُرضة بأن يحق عليه وعيد من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعيد من رأى أمراً لله عليه فيه مقال ثم لم يقل، يكون عرضة لأن يوقفه هذا أمام الله عز وجل فيحتج عليه بأنه رآه على المعصية فلم ينكره، فلم يأمره ولم ينهه .
أيها الاخوة الكرام .. معشر الشباب الملتزمين .. وغير الملتزمين .. إن هذا كله نتاج ومواليد غير شرعيين لتلك العلاقة السيئة، لتلك الهوة المفتعلة التي نفتعلها بيننا، فنرى أنفسنا في معسكرين ؛ معسكر الشاب الملتزم ومعسكر الشباب غير الملتزم، ونفتعل القطيعة بل نسعى إلى إذكاء القطيعة والعداوة وإلى إشعال نارها، ونرى أن ديننا و استقامتنا وصلاحنا يفرضان علينا ذلك، إذن فنحن بعد أن أدركنا هذا النتاج وبعد أن أدركنا تلك المقدمات كلها، بحاجة إلى أن نسعى إلى كسر الحواجز وتحطيمها، و حين نكسر هذه الحواجز ونحطمها فإننا بإذن الله عز وجل سنرى نتاجاً أكبر وسنرى جهوداً خيرة قد أثمرت ، لقد تضاعف عدد المسلمين بعد صلح الحديبية، فالذين أسلموا بعد صلح الحديبية إلى فتح مكة كانوا مثل الذين أسلموا منذ أن جاء الإسلام إلى صلح الحديبية بل كانوا أكثر، والسبب في ذلك كما يقول أهل السير أن صلح الحديبية كان مجالاً للقاء والمناقشة والدعوة، كانت هدنة أوقفت الحرب فصارت مجالاً لنشر الدعوة واللقاء مما زاد بعد ذلك من عدد المهتدين والداخلين في دين الله عز وجل.
وحين ندعو إلى كسر الحواجز فإننا ندعو الطرفين جميعاً ؛ ندعو الشاب الملتزم لأنه هو الذي يحمل الهمة العالية، لأنه هو الذي يرى أن هذه الدعوة وظيفته، وأن هذه الدعوة شغله الشاغل، وأن هذه الدعوة هي همه وهي حياته، وندعو أيضاً الشاب غير الملتزم والعاصي ونقول له : إن الخطأ مشترك وإن الذي يجني الثمرة المرة الجميع، وأنت تجني أمرّ الثمرتين، وأنت تجني أسوأ النتيجتين، ونقول له : إن الشاب قد فاقك في سلوك طريق الخير والاستقامة وقطع خطوة وله حسنات، فعليك أن تبادر أنت وتقطع هذه الخطوة فتكون أنت السابق ولو على الأقل في هذا الميدان، إننا ندعو الجميع أن يساهموا في إزالة هذه الحواجز وأن يساهموا في ردم هذه الخنادق وبناء الجسور على مثل تلك الهوة التي كانت حاجزاً ومانعاً عن كلمة صادقة كان يمكن أن تصل، كانت حاجزاً ومانعاً عن مناصحة وعن مناقشة وعن حديث صريح .
معشر الشباب .. إنها دعوة صادقة، دعوة ملحة إلى كسر الحواجز وتحطيمها وإزالتها فنفتح صفحة من الحوار والنقاش والمجادلة بالتي هي أحسن ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة وجادلهم بالتي هي أحسن )، النقاش والحوار الهادئ بين الجميع وبين الطرفين، فسنرى أن الشاب غير الملتزم سيطرح عوائق وعقبات يراها أمامه في طريق الالتزام، فيساهم له صاحبه وأخوه في تذليل هذه العقبات والإجابة عن هذه التساؤلات وإعانته عليها، وأن نرى في المقابل، الشاب غير الملتزم يطرح بعض الانتقادات وبعض الأخطاء وبعض العيوب التي يرى أن أخاه وزميله الملتزم يقع فيها فتكون مدعاة لتوضيح الرؤية ووضوح الصورة ومدعاة لتصحيح الأخطاء أيضاً . إن هذا النقاش وهذا الجدل يكون بالتي أحسن وحين نفتح حلقات للحوار والنقاش في المدرسة في الشارع في المنزل في كافة اللقاءات، نقاشاً يضبطه الضابط الشرعي فسنستفيد منه جميعاً ولو على الأقل أن تقترب وجهات النظر.
وحتى ينجح هذا الحوار فلابد أن نكون واضحين و صرحاء، فأتحدث لك عن خطئك بوضوح وصراحة، وتحدثني أنت كذلك ومع هذا فالصراحة ليست مبرراً لسوء الأدب.
ويتطلب أيضاً مني أن أعترف بأخطائي وأن أعترف بعيوبي، وأن أكون واضحاً صريحاً مع نفسي ومعك، وحين يفتقد النقاش الصراحة والوضوح فلن يجدي ولن ينتج الثمرة الطيبة المرجوة، بل لعله أن يزيد في اتساع الهوة.

 للأعلى


أسباب هذه الفجوة
أسباب هذه الفجوة:
حين نريد تقويم هذه الهوة فلابد أن نكون واقعيين وأن نبحث عن أسبابها.
فمن ذلك أن الشاب الملتزم يرى أن دينه و استقامته وصلاحه تفرض عليه أن يحب في الله ويبغض في الله،و أن يحب فلاناً ويبغض فلاناً، ومادام فلان يجاهر بالمعصية فإن عليه أن يبغضه وأن يظهر له البغضاء،وهذا من دين الله عز وجل ولا نطلب إلغائه ولا زواله، لكن هذا شيء والدعوة والملاطفة وحسن العشرة شيء آخر.
إنه لا يضيرني أن آخذ صاحبي بحديث ودي فأقول له إنك مسلم وإني أجزم أنك تحب الله ورسوله وإنني أحب فيك الطاعة وأحب فيك أن أراك في المسجد، أن أراك تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكني واضح صريح معك، فلست أدعي أني أحبك كما أحب أخي، لست أدعي أني أحبك من سويداء قلبي، إنني مع ذلك أرى عليك أثر المعصية وأثر الانحراف وأرى أن هذا يفرض علي سواء أردت أم لا، أن أبغض فيك هذه المعصية، فإني أتمنى أن تكمل المحبة وأن يتم اللقاء، ولن تكمل هذه المحبة ولن يتم هذا اللقاء إلا حين تزيل سبب القطيعة وسبب البغضاء وهو هذه المعصية.
ومن أسباب القطيعة أن الشاب الملتزم يرى أنه حين يحسن العشرة معه فإن هذا مدعاة لأن يصحبه فيتأثر به، فيدعوه ذاك من حيث لا يشعر إلى الارتكاس وإلى الانتكاس عافانا الله وإياكم، إنه يرى أن هذه الاستقامة وأن هذا الالتزام وأن هذا الخير الذي حصله مكسب لا يقاس بثمن،وثمرة لا تعادلها ثمرة، فهو يريد أن يحيطها بهذا السياج،ويريد أن يضع عليها هذا السور المنيع حتى لا تخترق، فيرى أنه إن صاحب ذاك بالحسنى وأحسن له وعاشره فسيكون مدعاة إلى أن يكون وسيلة للصحبة السيئة التي تقوده من حيث لا يشعر إلى الانتكاس وإلى الحور بعد الكور، فهو يضع هذا السياج ويبني هذا السور حماية لنفسه من التأثر،و الوقوع في الزلل والخطأ والانحراف والحور بعد الكور.
ونحن نقرّه أن الثمرة التي حصلها غالية ونقره أن الاستقامة لا يعدلها شيء وأن السلامة لا يعدلها شيء وأنه ينبغي أن يحرص عليها، ولكن ما ندعوك إليه ليس أن تقضي لياليك ونهارك مع صاحبك، ليس أن تقضي وقتك كله معه، ليس أن تضاحكه وتمازحه وتعاشره، لا .. إنما ندعوك إلى كلمة تقولها، وابتسامة صادقة، إلى دعوة ناصحة، إلى نقاش حكيم .. ثم بعد ذلك يجب أيضاً أن تحرص وأن تحتاط وأن تعرف أن طول العشرة والألفة واللقاء قد يكون مدعاة لأن تتأثر أنت، فتتحول من مرسل إلى مستقبل، تتحول من داعي إلى مدعو، فيقودك معه إلى المستنقع حين أردت استنقاذه، وحينئذ فمع دعوتنا إلى كسر الحواجز ومع دعوتنا إلى اللقاء والنقاش والحوار فإننا ندعو أيضاً أن يكون هناك ضوابط تكفل عدم الانسياق،و ألا تتحول بعد ذلك إلى خسائر أخرى، إلى أن يكون أولئك أصحاب الشهوات هم الذين يدعون الآخرين ويجرونهم إلى طريقهم.
وليكن الأمر مقتصراً على كلمة صادقة وعلى هدية و ابتسامة وعلى حسن عشرة، ثم بعد ذلك نقطع الطريق ونقول لهم أيضاً بصراحة ووضوح - ونحن قد اتفقنا على الصراحة والوضوح -إننا نرى طول لقائنا بكم وإلفنا معكم قد يكون مدعاة لأن نقع نحن معكم، فنعتذر لكم عن طول اللقاء و طول المعاشرة، لأننا نخشى على أنفسنا، وحين تعودون وتسيرون في الجادة فنحن سنصبح وإياكم إخواناً .
معشر الإخوة الكرام إن ما أطرحه في هذا اللقاء لا يزيد على أن يكون محاولة من قلب يتفطر ألماً وحرقة على الواقع المرير الذي نعانيه، من قلب يرى مثلكم، يرى أولئك الشباب في الشارع، يراهم هنا في هذه المخيمات، بل يراهم أمامه في الفصل وقد أنصتوا إليه، يراهم أمامه في الحي فيتفطر قلبه ويبدأ يفكر، وقد يقوده هذا التفكير إلى مثل هذه الرؤى، وهذه النتائج، وهذه الرؤى ليست بالضرورة معصومة وليست بالضرورة نتائج مسلمة، بل هي ينبغي أيضاً أن تحاط دائماً بسياج الشرع الحكيم، وينبغي أن نكثر المراجعة وأن نكثر المناقشة لها مرة أخرى، وأن نكثر التفكير ونطيله في مدى اتفاق ما نقوله مع شرع الله عز وجل لأن هذه الدعوة وهذا الدين ينبغي أن يحاط بسياج الشريعة، ومهما كانت أهدافنا نبيلة ومقاصدنا عالية وسامية فإن ذلك ليس مبرراً لنا أن تنطلق أفكارنا واقتراحاتنا دون ضوابط من شرع الله عز وجل.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008