تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

من حقوق أهل الحسبة / الطبعة الأولى

د. محمد بن عبدالله الدويش

 مقدمة
 صفحة من تاريخ الحسبة
 وقفة مع المحاسن
 ألايخطيء هؤلاء؟
 وقفة مع الشائعات
 الناس تجاههم
 رسالة للمحتسب

مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.أما بعد:
فإن الحسبة كانت بنياناً شامخاً في الأمة، وكان لها أدوار لا تنكر في حماية الشريعة، والذب عن الدين وإنكار المنكرات، ومجتمعنا الذين امتاز بهذه الميزة بين المجتمعات المعاصرة، لم يبتدع بدعة ليس لها مثال سابق. وهذه الرسالة ليست مخصصة للحديث عن جوانب هذا الجهاز الإداري، ودوره في الأمة، إنما هو حديث عن رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمعنا الذين يقومون ببعض وظائف الحسبة، ويمثلون دور المحتسب. قمت بتسطيرها رغبة في الوفاء ببعض الواجب علينا تجاه هؤلاء الجنود المخلصين، ولست أدعي أني قلت ما قالت حذام، وأني سأقطع قول كل خطيب، إنما هو اجتهاد قد يخطئ ويصيب، والكمال لمن خلقه، والعصمة لأصحاب الرسالة.
وإني في هذه السطور لا أخاطب العاملين في هذا الجهاز. ولا أخاطب من يدركون دوره ويتعاونون معه. ولا أخاطب صاحب شهوة ونزوة قطع عليه هؤلاء الطريق. ولا أخاطب حاقدا يسوءه علو الكلمة الصادقة، وانتشار الفضيلة. ولا أخاطب مثاليا يطلب الكمال من البشر ولا يعفو عن الزلة.
إنني أخاطب الكثير من أبناء مجتمعنا، ممن يحملون العاطفة الخيرة، إنهم يحبون الخير وأهله، ويمقتون الشر ودعاته. وهم مع ذلك قد يقعون في أعراض هؤلاء، ويشاركون من حيث لا يشعرون في الحملة التي تشن ضدهم. لم يدعهم لذلك شر متأصل، أو كراهية للفضيلة، لكنه الجهل بحالهم، ومنجزاتهم، وحقوقهم، فيدركون خطأً أو أكثر،يرتسم في أذهانهم فيغطي على ما سواه، فلهؤلاء وحدهم أكتب هذه السطور.
وأرجو أن لا تدفعني العاطفة للمبالغة، ولا محبة الإنصاف لهضم حقوقهم، فالتطرف سهل يطيقه الجميع، أما العدل فقلّ من يوفق إليه. فإن أصبت فمن الله وأن أسأت فمن نفسي والشيطان.
وصلى الله على خير آمرٍ بالمعروف وناه عن المنكر. محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه وسنته.

محمد بن عبد الله الدويش

 للأعلى


صفحة من تاريخ الحسبة

ولنفتح صفحة من تاريخ الحسبة، لنرى شيئا من قيمتها ومكانتها في الأمة، فلنقرأ هذا التقليد لمنصب الحسبة (وهو خطاب يرسل للمحتسب) الذي أنشأه الوزير الأديب ضياء الدين ابن الأثير، وأورده في كتابه المثل السائر (2/240- 243) فمما قال:
"ومن أهم ما نقرر بناءه، ونقدم عناءه، ونصلح به الزمان وأبناءه أن نمضي أحكام الشريعة المطهرة على ما قررته في تعريف ما عرفته، وتنكير ما نكرته، ومدار ذلك على النظر في الحسبة التي تتنزل منه بمنزلة السلك من العقد، والكف من الزند، وقد أخلصنا النية في ارتياد من يقوم فيها ويكفيها، ويصطفي لها ولا يصطفيها وهو أنت أيها الشيخ الأجل (فلان).. فابدأ أولا في النظر في العقائد واهد فيها إلى سبيل الفرقة الناجية..فمن انتهى من هؤلاء إلى فلسفة فاقتله ولا تقبل منه صرفاً ولا عدلاً، وليكن قتله على رؤوس الأشهاد، مابين حاضر وباد.. وما تجده من كتبها- الفلسفة - التي هي سموم ناقعة... فاستأصل شأفتها بالتمزيق، وافعل بها ما يفعله الله بأهلها من التحريق، ولا يقنعك ذلك حتى تجتهد في تتبع آثارها، والكشف عن مكامن أسرارها، فمن وجدت في بيته فليؤخذ جهارا، ولينكل به إشهارا، وليقل هذا جزاء من استكبر استكبارا ولم يرج لله وقارا".
ثم تحدث عن: القدر، التجسيم، خلق القرآن، ثم قال: "وأما الفرقة المدعوة بالرافضة (الشيعة) التي هي لما رفعه الله خافضه؛ فإنهم أناس ليس لهم من الدين إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه... وإذا فرغنا من الأصول التي هي للدين ملاك فلنتبعها بالفروع التي هي له مساك، وأول ذلك الصلاة..فاجمع الناس عليها، واحملهم عليها.. وراقبهم عند أوقات الأذان في الأسواق التي هي معركة الشيطان، فمن شغل منهم بتثمير مكسبة.. فخذه بالآلة العمرية (الدرة) التي تضع من قدره، وتذيقه وبال أمره، ولا يمنعك من ذي هيبة هيبته، ولاعن ذي شيبة شيبته، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.. وها هنا عظيمة عضيهة (الإفك والبهتان) وفاحشة يفقه لها من ليست نفسه بفقيهة وهي الربا..ونحن نأمرك أن تشمر في هذا الأمر تشميرا يرهبه الناس، ولا تدع ربا حتى تضعه وأول ربا تضعه ربا العباس فتأديب الكبير قاض بتهذيب الصغير.. ومما نأمرك به أن تمحو الصغيرة كما تمحو الكبيرة فإن لمم الذنوب كالقطر يصير مجتمعه سيلاً متدفقاً..- وذكر- الحرير والذهب،الصّور، الإسبال، لبس النساء، قراءة القرآن بالألحان، القينات، الخضاب بالسواد، مجالس التعازي والنياحة، أهل الذمة...
ثم قال: "... ويتصل بهذه المنكرات المذكورة أشياء أخرى تجري مجراها في التقديم، وتنزل منزلتها في التحريم، فاحكم فيها بحكمك، وامض في شبهاتها بدليل علمك، ونب عنا في التذكير والتحذير، والتعريف والتنكير، حتى يتقوم الأود، ويتضح الرشد، ويمكث في الأرض ما ينفع ويذهب الزبد.. . واعلم أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر عبادة يتعدى نفع صاحبها إلى غيره وتستضيف خير المأمور بها إلى خيره، وهي الجهاد الأكبر الذي تقاتل فيه عواصي النفوس وتضرب فيه رؤوس الشهوات، التي هي أمنع من معاقد الرؤوس، فقتيله يحيا بقتله، وجريحه يؤسى بجراحه ونصله، وبمثل هذا الجهاد تستنزل أمداد النعم مضعفه، كما تستنزل أمداد النصر ردفة، فأقدم عليه ذا عزم باتر، وطرف ساهر، وقدم ثابت صابر، حتى تظل لمعاقل الشيطان فاتحا، وتكون فيمن دعا إلى الله وعمل صالحا".

 للأعلى


وقفة مع المحاسن

 من هم الذين تحاك حولهم الروايات، وتنسج عليهم الشائعات؟.
إنهم أقوام من الخيرين نحسبهم والله حسيبهم، ولا نزكي على الله أحدا، نحسبهم ممن يخلصون أعمالهم لله لا يرجون جزاء ولا شكورا، إنني لا أتحدث عن القلوب، ولا أدعي صفاء نوايا أقوام لم أطلع على دواخلهم.
لكن أخي القاريء: ألا توافقني أن الأغلب من هؤلاء تلمس أنت منه صدق النية، وأنه لا يعمل لمقابل مادي إنما لله عز وجل.
الثانية: وهم ثانيا يعملون أوقاتاً طويلة خارج الدوام الرسمي، فالساعة الثامنة مساءً نهاية دوامهم، أما دوامهم الفعلي فكثيرا ما يمتد لقبيل أو بعد صلاة الفجر، سهرا على حرمات المسلمين وعوراتهم، فلله كم رجل منهم برق عليه الفجر، وهو ساهر على أعراض من لم يتورعوا عن الخوض في عرضه. أما ليلة الجمعة، ليلة المناسبات واللقاءات العائلية فلا يعرف فيها هؤلاء طعم الراحة، مع أنها لهم كغيرهم وقت إجازة، أفلا يشفع لهم ذلك للإغضاء عن بعض أخطائهم؟.
الثالثة: فأما الثالثة فقد أوجب الله على هذه الأمة واجبات عامة، لابد للأمة من القيام بها وأدائها، فإن قام بها البعض سقط الإثم عن البقية، وإن قصروا أثمت الأمة جمعاء - وذلك ما يسمى بفرض الكفاية - ومن أوجب فروض الكفاية وأهمها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد قال عز وجل (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). [آل عمران: 104]. (َلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ). [هود: 116].
فهم يتحدثون باسمك، ويقومون بهذا الواجب نيابة عنك، ولئن تخلى هؤلاء وغيرهم ممن يقوم بهذا الواجب فسوف ينالك الإثم لأنك من الأمة ومخاطب بهذا الواجب الشرعي.
الرابعة: فتاة كانت على علاقة مع شاب سيء والتقت معه في الخلوة مراراً وصار بينها وبينه كل سوء غير ما يوجب الحد، وفي ليلة ليلاء، وقد بقي على زواجها ليلتان فقط، كانت معه فتناولا الطعام سوية في أحد المطاعم، وبيناهما في الطريق إلى أحد أوكار الفساد، وقد أوقعها في خدعة ووافقت له على تدنيس عرضها، وتلطيخ شرفها، وإلحاق العار بأهلها، إذا برجال الهيئة يقبضون عليهما - عفوا ينقذونهما من الفاحشة- فكأنما استيقظت الفتاة المسكينة من سباتها فلهجت لهم بالشكر والثناء على حمايتها وإنقاذها.
وفتاة أخرى شأنها كهذه. وثالثة بعد أن تزوجت زوجاً صالحاً سافرت معه للخارج فما كان من زميلها وخليلها إلا أن اتصل بها هناك، بعد حصوله على هاتفها اتصل مهدداً لها بإرسال بعض الصور والأشرطة لزوجها، إن لم توافق على تدنيسه لعرضها بعد أن فاته ذلك أيام العشرة المحرمة، وحين أن علم أنها ستقدم لأهلها، ولم؟ لأجل أن تضع مولودها الأول. فأسقط في يد المسكينة، وحارت العفيفة، أتستطيع إخبار زوجها؟!. وهل تطيق أن تبوح له بشيء من الأمر؟ لكنها اتصلت على أخيها الذي وجد ملجأه في مركز الهيئة، فتوصلوا إليه، وأتلفوا ما لديه بعد تعزيره بما يستحق.
ولكم أن تتخيلوا ما موقف والدها بعد ذلك، وكيف كانت مشاعر إخوتها وكأني بأمها العفيفة المصونة،تختلط دموع فرحها مع أصوات دعائها الصادق لهؤلاء الذين أنقذوها وابنتها. فالرابعة هي حمايتهم لأعراض المسلمات. فلله كم من فتاة حصان رزان كادت أن يدنس عرضها فأدركوها بعد رحمة الله في اللحظات الأخيرة! وكم من عائلة شريفة عفيفة حموها من تدنيس السمعة وتلطيخ الشرف!.

أخي الكريم:
إنها نماذج يطول استقصاء بعضها، لن تسمعها من أصحابها، وهل تريد من مسلم أغلى ما يملك عرضه أن يتحدث بما حصل له، أو كيف أنقذت ابنته، أو ابنه؟.

الخامسة: أتعلم أخي القارئ أن مركزاً واحداً في مدينة الرياض قبض على عصابة جاءت من خارج البلاد بحجة العمرة ثم دخلت الرياض قوامها ثلاثة عشر عضواً، بل ثلاث عشرة داعرة تمارس البغاء الرخيص. وأن مركزا واحدا قبض على (11) مروج للمخدرات ليس في عام، ولا شهر، بل في أسبوع واحد! وأن المركز نفسه قبض على (88) مصنعاً للخمر في عام واحد!.
وكم هم أعضاء هذا المركز؟ إنهم ستة من الشباب فقط!.
كم ستفعل هذه البغايا في هذا المجتمع المحافظ النزيه؟.
وكم من شاب سيدمره بائع السموم هذا المروج؟.
 بل كم من منزل سينهار، ويقضي عليه هؤلاء المجرمون؟.
بعد ذلك، ألا توافقني أخي أن الخامسة من محاسنهم حماية المجتمع من الفساد والجريمة. السادسة: مجرم محترف له عشر سوابق ضبط في جريمة تصنيع الخمر، هداه الله على يديهم، تحول بعد ذلك إلى داع لله واعظ.
وذات ليلة قبضوا على مروج للهروين فجاء شاب في العام السادس من العقد الثاني من عمره ( 16) سنه، يتهادى يسقط تاره وينهض أخرى، إنه يريد جرعة من الهروين وبعد جهد هؤلاء هداه الله على يديهم، فجاء والده المسكين للمركز ومشاعر الفرحة والسعادة تملأ فؤاده، جاء ليعبر لهم عما في قلبه من ود، وعما يكنه من عرفان وتمناهم أن يطلبوا ثمناً، وأنى أن يفعلوا. فلم يجد إلا أن يقسم على رئيس المركز أن يسمح له بتقبيل رأسه، وهو يوقن أن هذا ليس الثمن الذي يقدمه لهم، لكنه وسيلة للتعبير عن بعض المشاعر الصادقة!.
امرأة اعتادت الفساد ومخالطة الشباب من غير المحارم تبكي وتعلن توبتها في المركز بعد أن وقف أحد الأعضاء ينصحها ويعظها وهو تحت وابل المطر، وقد تجاوبت عيناه مع السماء فهو يبكي، فتقول: أدركت فعلا أنه رجل صادق.
شاب يلاحق فتاة في الشوارع ويقف ينتظرها عند مشغل تجاري، تنهمر عيناه بالبكاء ويعلن التوبة على يد العضو إياه الذي سمع منه الموعظة.
امرأة يقبض عليها المرة الخامسة في قضية بيع للعرض، وممارسة للبغاء يهديها الله على أيديهم. وليست هي الوحيدة، ولا هذه النماذج يتيمة فذلك غيض من فيض، وقطرات من بحر.
مروج للمخدرات يستفيق من غفلة بعد رعاية وحسن معاملة أحدهم. فما أن خرج من السجن حتى جاء يبحث عنه شاكراً، والآن حين تراه لا تصدق تاريخه السيئ!.
فلو سألتك بعد ذلك عن السادسة لقلت بأعلى صوتك: "استنقاذ الكثير من أوحال الفساد وإنقاذهم من طريق الضلال".

السابعة: أما السابعة من محاسنهم فهي مساهمتهم في دفع العقوبة الإلهية التي تنزل حين يقارف المنكر، ولا يجد من ينكره. (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ). [هود: 117]. (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). [الأنفال: 25].

الثامنة: كم مجرم قبض عليه هؤلاء، وكم من عصابة محترفة للفساد والرذيلة، وكم من مروج للمخدرات، ومصنّع للخمور. أتظن أن مواجهة هؤلاء أمرا سهلا؟. وبأي قوة يواجهه هؤلاء الرجال أولئك العتاة، جلاوزة الإجرام، وعصابات الفساد؟.
أليسوا يخاطرون بحياتهم وأرواحهم عندما يواجهون أولئك؟ أليست هذه ثامنة المحاسن؟.

التاسعة: ومع هذه الجهود، وحماية الأعراض، ومواجهة الفساد، والتضحيات الغالية، يحمون أعراض من لا يتورع عن الخوض في أعراضهم، ويقدمون الخير لمن لا يكف لسانه عنهم. فمع هذا الجهد ينظر البعض إليهم شزراً، فيسمعون النقد اللاذع، ويقرأون في وجوه البعض أمارات عدة يجمعها عدم الرضا عنهم. ومما يزيد الطين بلة، والهم غماً، صدور النقد والتجريح من بعض الأخيار، وطلاب العلم الذين ينتظر منهم فوق الكف عن الإساءة: الإعانة، والتأييد. فما حال من يرى الإساءة ممن أحسن إليه، ونكران الجميل لمن أهداه إليه، أوَ ليست تاسعة المحاسن: تحمل الأذى النفسي، ومواجهة إحسانهم بالإساءة?. بلى والله.

العاشرة: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم". [رواه ابن ماجه].
بل يقسم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فيقول في حديث حذيفة: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم". [أخرجه أحمد والترمذي].
إذاً فحين يقصر الناس في هذا الواجب الشرعي يستحقون لهذه العقوبة الشنيعة، ألا وهي انغلاق أبواب السماء، ومن يفتحها؟ إنهم أولوا البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض. فبقيام هؤلاء وغيرهم بهذا الواجب، تندفع هذه العقوبة، وينفتح للناس هذا الباب.

الحادية عشرة: لقد أثنى الله على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فوصفهم بالفلاح فقال ({وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). [آل عمران: 104]. ووصفهم بأنهم أولو بقية (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ). [هود: 116].
وبعد هذه الجولة مع المناقب والمحاسن، كأني أحس أنك ستقول، وتسأل: بعد أن عرفت هذه المحاسن ماذا عما يصدر منهم من تجاوزات؟ وما يرتكبون من أخطاء؟ أم أنك لا تعلم شيئا عنها؟ أو أنك تنظر بعين الأعور إلى المحاسن وحدها؟

وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** ولكن عين السخط تبدي المساويا

فلئن انطبق علي أنا القارئ شطر البيت الأخير فلن تخلو أيها الكاتب من نصيب من الشطر الأول. لعل هذا قد يختلج في صدور بعض القراء الكرام. فأقول: أرجو أن لا أكون كذلك، وأن لا أدافع بالحماسة والعاطفة، فالخطأ يحصل ولابد. ولا يسوغ أن ندافع بالباطل. لكن دعنا نطبق المنهج الشرعي في ذلك.

 للأعلى


ألايخطيء هؤلاء؟

أولاً: أليس البشر عرضة للخطأ، وهل رأيت في حياتك أحدا خلا من الخطأ؟ تفكر في أعز أصدقائك وأقربهم إليك ألا تجد منه عيبا؟ ألم يرتكب ضدك خطأ يوما من الدهر؟
إذا كنت في كل الأمور معاتبا *** صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه.
فهل كون هؤلاء في هذا المجال يجعلنا نريد منهم العصمة؟ فليست لأحد بعد أنبياء الله.
ثانياً: هل عرف التاريخ أبر وأطهر ممن اختارهم الله لصحبة نبيه، وهل سطر أحد في صفحاته أنصع مما سطره ذاك الجيل الفريد، ومع ذلك فهل سلموا من الخطأ؟ جاء رجل جاهل فبال في طائفة المسجد، فماذا كان من أولئك رضوان الله عليهم؟ لقد انتهروه، وفي غير ما حادثة يقول أحدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم دعني أضرب عنق فلان، وقد يكون لم يرتكب ما يوصله إلى ذلك. فهل أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلظ عليهم؟ أليسوا قد وقعوا - رضوان الله عليهم - في الخطأ في أسلوب الإنكار. وهل تريد بشرا في هذا العصر أفضل من أولئك؟ !
ثالثاً: الخطأ حين يقع فلا يتحمله إلا صاحبه، فلِم يؤخذ الجميع بجريرة الواحد؟ والناس لا يلفت انتباههم إلا الخطأ، فيرون رجال الحسبة مررا ولا تبقى في مخيلتهم المواقف المشرفة، وحين يرون خطأً يرتسم في أذهانهم، وهكذا البشر.
رابعاً: الهيئة جهاز حكومي كسائر الأجهزة، فهل هم وحدهم يقعون في الخطأ؟ أفليس لرجال المرور تجاوزات، ورجال الشرطة، ورجال الجمارك … أوليس هناك أخطاء لرجال الصحة والبلديات قد يذهب ضحيتها أرواح بريئة؟! وهكذا سائر الموظفين؛ فلم هؤلاء وحدهم؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟.

خامساً: من أبسط قواعد العدل والمنهج الشرعي أن تذكر المحاسن مع المساوئ، والإنجازات مع التجاوزات، أوليس صلى الله عليه وسلم عفا عن رجل أفشى سرا عسكريا خطيرا للأعداء لأنه شهد بدراً؟ أننسى العشر السابقة مقابل خطأ واحد؟ وهل سمعتم من المتحدثين عن المزالق والتجاوزات من يردفها بحسنة واحدة مما قلنا وما لم نقل، فأين العدل يا أمة العدل؟!.

سادساً: هل تفضل هذا المتحدث يوما بزيارة أحد المراكز ليرى صدق ما سمع، وليبدي النصيحة، ويناقش أصحاب الشأن؟ أليس هذا هو الواجب الشرعي، وبعض ما يمليه منطق العدل والإنصاف، حينئذ يدرك الأمر على حقيقته ويطلع على ما كان خافيا عليه من قبل، ويجد الإجابة على أي تساؤل يطرحه. ويسمع للنصيحة الصادقة حين تصدر منه.

سابعاً: هب أن المساوئ ربت على المحاسن، والتجاوزات طغت على الإنجازات، هب ذلك جدلا، ولو كان محالا حقيقة، فما الحل؟. أهو الحملة الشعواء، والتجريح اللاذع، والثلب اللا مسئول؟ أم هو الإصلاح، والمناصحة؟ ولو وصل الأمر إلى هذا الحد. أفيترك واجب الأمر والنهي، وتوصد أبواب الإصلاح بهذه الحجة، أم نسلك سبيل الإصلاح والتغيير؟ فهل الوسائل التي يسلكها الكثير من الناس الآن، وسائل إصلاح فعلية؟ وهل تخدم أم تهدم؟. وبأي منطق عقلي، أو مستند شرعي تدرج هذه الأساليب الهوجاء في قائمة الغيرة على المجتمع والسعي لإصلاحه؟.

ثامناً: ثمة رجلان:
الأول: يرى المنكر فتأخذه الحمية لدين الله، والغيرة على حرماته، فيتحرك الدم في عروقه غضبا لله وانتصارا لدينه؛ فينكر بأسلوب خاطئ، ويسيء وهو يريد الإصلاح.
وأما الثاني: فيرى المنكر بملء عينيه، ويسمع عن انتهاك حرمات الله، ومع ذلك لا يلفظ ببنت شفه، ولا يحرك لديه ساكناً، لأنه ليس وكيلاً لآدم على ذريته، ولن يحجز السيل بعباءته -كما يقول البعض - واحتكم إليك الرجلان. فأيهما أكثر خطأ، وأيهما أكبر جرما؟ وإياك أن تحكم عقلك، ومنطقك البشري. فالحكم ليس إلا لله ولشرعه (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ). [المائدة: 49].
فهل من اجتهد فأخطأ، أشد خطأً ممن يتخلى عن الواجب الشرعي بحجج باردة، ومنطق بشري، دون عذر أو مبرر؟.
وهب أن الأول كان أشد خطأً، وأعظم إثما، فهل صفحة الثاني بيضاء نقية؟. وإذا تحمل الأول 70% من الخطأ فلم لا يحوّل جزء من الحملة، ويوجه بعض النقد لصاحب الـ 30%؟ إنه المنطق المعكوس.
أما إن أردت الفصل، فالأول أخطأ من حيث أراد الصواب، والله يغفر له بل يجزيه أجر على اجتهاده، وأما الآخر فقد قصر لسكوته عن المنكر وسيسأل يوم القيامة: "ما منعك إذ رأيت المنكر أن لا تنكره".
وما أكثر الصنف الثاني الذي يرى المنكر بعينه وعيانه، فلا يصنع شيئاً، ولا يحرك ساكناً!! فله شأن غير هذا، والأمر يعني غيره. فهل سمعنا في المجالس من ينقد هؤلاء الساكتين، ويبين خطأهم تلميحاً أو تصريحاً؟!. فإن كان الحديث عن رجال الحسبة وأخطائهم مبعثه الغيرة على الدين، فلِمَ لم تفعل الغيرة فعلها هنا؟. أو ليس هذا خطأ؟.

تاسعاً: التثبت في الأخبار من صفات العقلاء، فضلاً عن أنه منهج شرعي، فهل نحن نسلك هذا المنهج في التعامل مع الأخبار التي نسمعها عن هؤلاء، فقد يروي لك أحدهم خبراً وقد عاقبوه، أو قبضوا عليه، وتُسلّم بكل ما يقول، ومثل هذا ولو كان عدلاً فهو خصم، فهل تسمع قول أحد الخصمين وحده. فكيف لو كان فاسقاً، أو غير موثوق، أو لا يتورّع عن الكذب، والنقص والزيادة؟.

 للأعلى


وقفة مع الشائعات

ولنقف وقفة يسيرة مع الشائعات التي كثيراً ما نسمعها، وللأسف نتعامل معها بغير المنهج الشرعي.

القسم الأول: وهذا باطل جملة وتفصيلاً، فقد تلقى أحد رؤساء المراكز مكالمة هاتفية تستفسر عن حالة قتل حصلت له، وآخر تلقى تعزية في عضوين جالسين أمامه وأما ثالثة الأثافي فرجل تلقى مكالمة للتأكد من أن عضواً سينفذ فيه القصاص غداً الجمعة، لأنه اختصم مع شخص فقتله خطأ يوم الثلاثاء، وانظر كيف يحمل الخبر مقومات كذبه، ومع ذلك ينطلي على بعض العقلاء، فقتل الخطأ لا قصاص فيه، وكيف يتم التحقيق، والحكم، والتّصديق من هيئة التمييز ثم من المجلس الأعلى للقضاء، والأمر بالتنفيذ من الجهة التي تملكه في يوم واحد. وأمثلة ذلك كثيرة. أن تروج الإشاعة وتلوكها الألسن، ويرددها الكثير، ومع ذلك فلا أصل لها.

القسم الثاني: أما الثاني فهو صحيح جملة، لكن تفاصيله غير صحيحة، بل قد تكون أضعاف الأصل، قصة شهدت بعض فصولها في أحد المراكز، وقد قبض على رجل أجنبي حقيقة وحكماً، وهو طرف في قضية تمتد إلى الدعارة، وبيع لحم الخنزير، فبينما هو في غرفة التوقيف، إذا به يخنق نفسه منتحراً، ثم سمعت بعد ذلك من أكثر من مصدر، أنهم قاموا بضربه حتى فارق الحياة، أرأيتم كيف تفارق هذه الأخبار الحقيقة، بل وأحد الناقلين طالب علم وللأسف.

القسم الثالث: وثالث الإشاعات أن يرى الناقل خبراً لا يدرك تفاصيله، فيجتهد -رحمه الله- في تفسير الخبر، قائلاً: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وشممت بأنفي، كذا وكذا. قبض مرة رجال الحسبة على مروج للمخدرات واحتاج منهم ذلك لبعض العراك، وكان الأمر وقت الأذان، أتدري ماذا قال الحاضرون، وبم فسروا الحدث؟ أترك لك استنباط ذلك. مع قصة لها شبيهة، مع ثالثة قبضوا فيها على شاب يعتدي على امرأة أثناء خروجها من أحد المحلات التجارية فتستنجد المسكينة، برجال الهيئة القريبين منها، فيقبضون على صاحب النزوة، وفي آخر السوق يراهم أحد المارة، فيعلق. ألأجل تأخره عن الصلاة تفعلون به ذلك؟ إنها مواقف كثيرة من هذا القبيل، فثمت فرق بين رواية الخبر وتفسيره، والحديث عن أبعاده، وكثيراً ما يخلط المستمع للخبر بين الرواية، والتفسير.

القسم الرابع: أما هذه فيكون الراوي فيها هو صاحب القضية، فيعمد إلى حذف بعض المقاطع المهمة، ليصور نفسه بريئاً، وجميع الناس ظلموا المسكين الغافل، كان المذكور يعاكس في السوق، ويتعرّض للحرائر، فيحول بينه هؤلاء وبين تحقيق شهوته فتسمع الرواية. "كنت في السوق فقبض عليّ دون جريمة، ودون تهمة". تماماً كما يفعل الطالب الكسول فيصور مشكلته لوالده! وكأنه مظلوم تمالأ الجميع عليه وهو مسكين بريء، فحين يقدم للمدرسة يرى مواضع حذفها الراوي، هي أهم فصول المشكلة.
وقد يكون راوي القصة لا يشهد الصلاة أصلاً، أو من المعروفين بالفسق، أو من الذين لا يتورّعون عن الكذب، وما أكثر هذا الصنف، فبأي منطق يطعن في الأخبار العدول، بخبر من الكذب أهون عليه من شرب الماء؟.
القسم الخامس: وقد تصدق الخامسة، وحينئذ فما الموقف الشرعي؟! أهو التندر بها في المجالس، أم المناصحة بعد التأكد، ومقارنتها بالمحاسن؟! فالماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث.

 للأعلى


الناس تجاههم

كيف يتعامل الناس مع هؤلاء الرجال؟ وما مواقفهم منهم؟ إنهم أصناف:

الصنف الأول: من يتعاون معهم، ويشعر أنهم يقومون بالواجب نيابة عنه، ويدافعون عن عرضه، وعرض إخوانه، فهو ينافح عنهم، ويؤازرهم، ويشعر أن قضيتهم قضيته.

الصنف الثاني: من يقع فيهم، ويتحدّث عن مثالبهم، وينتقدهم، دون إشارة إلى محاسنهم، وهؤلاء الصنف ليسوا فئة واحدة. فأولهم رجل عدوّ للدين يسوؤه أن يرى راية الدين والحق عالية. وثانيهم رجل صاحب شهوة، ونزوة، يقطع عليه هؤلاء شهوته.

وأما الثالث: فرجل خَيّر فاضل مستقيم، يحب الخير وأهله، ويمقت الشرّ وأعوانه، ولو دعته نفسه لمقارفة شهوة، أو السير وراء نزوة، فلن يدعوه ذلك للوقوف ضد الخير ولسان حاله:

أحبّ الصّالحين ولست منهم *** لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارتهم معاصي *** وإن كنا سويًّا في البضاعة

وصاحبنا الثالث إنما أُتى من جهله بواقعهم، وسماعه لبعض أخطائهم، والناس أعداء ما جهلوا.
الصنف الثالث: من لا يعنيه الأمر في قليل ولا كثير، ولا يشعر أن له ناقة في الأمر أو جملاً، فلسان حاله يقول: مالي وهؤلاء وجدوا أو لم. صدق ما يقال أو لم؟ وهمه هل سيخسر متجري، أو ينقص مرتبي؟ أو أفقد منزل؟ إنه المنطق الأناني، منطق من يعيش لنفسه لا لأمته.

أخي الغيور:
أعرف أن الكثير ممن يروج هذه الإشاعات ممن لا يقصد الإساءة إنما أتى من جهله بواقع هؤلاء الذين لاجتهادهم لا يتحدثون عن منجزاتهم، ولم يجدوا من يفتح لهم المجال، إلا صحفي سار يشوه السمعة إما بمقال غير مسئول، أو مقابلة مع أحد المسئولين منهم يزيد فيها ويحذف، ناهيك عن الأسلوب غير المؤدب في طرح الأسئلة على أمثال هؤلاء. فلنستنطق لغة الأرقام، ونفتح صفحة من سجل الإحصاءات لنرى بعض منجزات هؤلاء التي لم تجد من يتحدّث عنها.

أخي الكريم:
أتدري من الرابح ومن الخاسر في هذه الحملة ضد هذا الجهاز الذي عرفته الأمة من صدر الإسلام واسع الصلاحيات، شامخ البنيان، ساري الأمر على الصغير والكبير؟.
إنه أحد اثنين لا ثالث لهما: مغرض يُريد الإفساد، أو طائش يُريد فتح أبواب شهوة أغلقها عليه هؤلاء.

أخي الكريم:
إياك والمنطق المعكوس، منطق الأنانية والفردية، ممن يقول وما مسئوليتي في الأمر، وما علاقتي وشأني في هذا وذاك؟.
أنسيت يا أخي أنك عضو في أمة، وأنك تنتمي لمجتمع، فحين تتخلى أنت عن مسئوليتك، ويعتقد الآخر أنه غير مسئول، ويقول الثالث هذا ليس من شأني، فمن يتبنى قضايا الأمة، ومن يحمل هموم المجتمع؟!.
 أتعلم يا أخي، أن من ذبّ عن عرض أخيه، ذبّ الله عن وجهه النار يوم القيامة؟ فلم لا تخلص النية، وتحتسب في الأمر، وتقول كلمة في الدفاع عن هؤلاء. لا عن عاطفة واندفاع، ولا عن حماس فائر إنما عن واقع ومعرفة.

 للأعلى


رسالة للمحتسب

أخي القارئ بعد هذه الجولة التي آمل أن تكون ممتعة لك، أستأذنك في أن أوجه رسالة للمحتسب.

أخي المحتسب:
ندرك تمام الإدراك ما تقوم به -حفظك الله- من جهد، وما تبذله -رعاك الله- من تضحيات. ولئن كان السكوت عن الشكر، وغضّ الطرف عن الجهود الخيرة، عدم عرفان للجميل، وعدم وفاء لصاحب الفضل. لئن كان الأمر كذلك فليته وقف هاهنا. ليتك يا أخي نجوت كفافاً لا عليك ولا لك، وليت الذين تدافع عن أعراضهم، وتحمي مجتمعاتهم كفّوا عن عرضك، ورعوا حرمتك. وإن كان الواجب هو العرفان، والوفاء.

أخي الكريم:
إن هذا مما يزيدك منزلة عند من تعمل من أجله، وتضحي في سبيله. فهل سواء -أخي المحتسب- من يعمل وهو يتلقى الدعم والتأييد، ومن تنكر جهوده، وتدفن محاسنه، بل يتلذذ الناس بالولوغ في عرضه؟.
نعم أخي، أجزم أنك تدرك الإجابة.
إننا يا أخانا الفاضل مع رجائنا أن تقف المعركة، وأن يتورّع الجميع عن الولوغ في الأعراض البريئة، نقول: -وما تلقاه لا يسرنا أبداً- لقد أضفت إلى عملك عملاً آخر، ألا وهو ما وعد الله صاحبه بالجزاء من غير حساب (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ). [الزمر: 10].
نعم أخي، إنه باب آخر من أبواب العبادة، ومنقبة أخرى لك لن ينساها الأوفياء.

أخي الكريم:
لقد قيل قبلك لمن هو خير منك:
(وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ). [هود: 27].
(لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ). [الشعراء116].
(لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ). [الشعراء: 167].
(قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ). [هود: 91].
وغير ذلك كثير، أو لا تودّ أن تتشبه بهؤلاء، فمن تشبه بقوم فهو منهم.

أخي الكريم:
ومع هذه الكآبة، والمضايقة، هناك ألسنة جادّة، صادقة تلهج بالثناء عليك، بل والدعاء والتضرعّ لك، نعم، وليسوا -يا أخي- قلة، وإن لم تسمعهم فنحن نسمعهم، وما فعلوا ذلك إلا لأنك قائم بالحقّ، فهم يرجون وجه الله.
أفليس لك من العزاء أن تنال مع أجر الصابرين، ثناء الصّادقين، ودعاء الرّاكعين السّاجدين؟.

أخي الكريم:
إن البنت التي أنقذتها من الورطة لن تنساك أبداً، وإن والديها - وإن لم يقولا للناس- فلن يفتر لسانهما عن اللهج لك بالدعاء والتوفيق. وإن الذي هداه الله على يديك أقل ما يكافئك به دعوة صادقة في ظلمة الليل.

أخي الكريم:
ومع ذلك كله فمعك أقوى نصير، وأكرم معين:
(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا). [الحج: 38].
(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). [التوبة: 79].

أخي الكريم:
أستأذنك في أن أودعك راجياً أن يشفع لي ما سطرته دفاعاً عنك، وانتصاراً لك، أن يشفع لي ذلك في التجاوز عما ارتكبته من تقصير في حقك، حفظك الله ووقاك، وأيدك وأعانك على أداء الأمانة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


تعليقات الزوار
الاسـم: fsdfsdf
التعليق: التجربة

جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008