تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

لماذا لا نعمل؟

د. محمد بن عبدالله الدويش

 مدخل
 معوقات العمل للدين
 خاتمة

مدخل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله. وبعد:
إن عقارب الساعة لا ترجع إلى الوراء، ونحن أحوج ما نكون في تفكيرنا إلى النظر إلى الأمام دائماً، فهناك قضايا استقرت في أذهاننا وأذهان الناس، وتعتبر مناقشتها وتقريرها والتأكيد عليها رجوعاً إلى الوراء، اللهم إلا إذا كانت وصايا للتذكير وإعادة الحفز فهذا أمر نراه في كتاب الله سبحانه وتعالى كثيراً.
 من تلك القضايا مشكلة تطرح كثيراً ونعاني منها في أوساط جيل الصحوة وشبابها، تلكم هي قضية الدعوة إلى الله عز وجل والتي أظن أنها أصبحت قضية واضحة عند الجميع، بل أصبحت في حق شباب الصحوة فرض عين، والواجب البحث عن الأساليب والوسائل والعمل.
وحينما نأتي نقارن بين هذه القناعة الموجودة عند الشباب وبين أثرها الواقعي، نجد هؤلاء الشباب جميعاً مقتنعين بهذه القضية، ولكننا سنجد أن المسافة والهوة شاسعة جداً بين أولئك الذين يقتنعون بضرورة الدعوة والعمل والمشاركة وبين الذين يعملون فعلاً، وحتى تدرك صدق هذه الدعوى انظر إلى أي تجمع في أي مكان كطلاب مدرسة عددهم ثمانمائة طالب أو يزيدون أو ينقصون، ستجد فيها عدداً من الشباب المتدينين الذين يشاركونك هذا الشعور وكل واحد منهم يشعر بأن الدعوة إلى الله واجبة عليه وأنه ينبغي أن يساهم فيها، لكن كم هم الذين يعملون من هؤلاء؟ ولو كان هؤلاء يعملون لرأيت أثرهم واضحاً في هذا التجمع الذي يعيشون فيه.
من الطبيعي أن تجد عدداً محدوداً من الناس لا يعملون، مع اقتناعهم بأهمية العمل،ليست المشكلة حينما نجد واحداً،أو اثنين، بهذه الصفة، لكن المشكلة حينما نجد أن المسافة واسعة إلى هذا الحد.
والظاهر أن الشعور عام بهذه المشكلة بدليل التساؤلات الطروحة مثل قول القائل "إنني شاب، مقتنع بأهمية الدعوة ولكنني لا أعمل ما هو الحل في نظرك؟" فيدل ذلك على الشعور بضرورة حل هذه القضية وبضرورة تحطيم الحواجز التي تحول بيننا وبين العمل، فأحياناً نتصور أن الحل إنما يتم بإقناع الناس بالدعوة إلى الله وأهميتها ووجوبها وهذا في الواقع رجوعٌ إلى الوراء في التفكير إذ أن الناس مقتنعون تماماً بأن الدعوة إلى الله عز وجل في حقهم قد غدت واجبة.
وصحيح أن تذكير الناس بأهمية الدعوة ووجوبها، وتذكيرهم بالقضايا البدهية المستقرة عندهم أمر لا شك في أهميته والنفس تحتاج إليه، ولهذا يأتي التكرار كثيراً في القرآن والسنة.ولكننا بحاجة إلى نقلة نوعية في طريقة التفكير، ومن ثم طريقة الطرح لنواكب بذلك متطلبات جيل الصحوة من الشباب، وحتى يشعر المتلقي بالتجديد فيما يلقى إليه، ويشعر من فوّت على نفسه الفرصة حيناً من الزمن، بضرورة تدارك ما فات وأهميته.
من هنا كانت هذه المحاولة للتفتيش من الداخل، ولإثارة الانتباه لبعض ما يعيق شباب الصحوة عن العمل لهذا الدين مع قناعتهم بضرورة ذلك، ثم الوصول من خلال ذلك إلى حلول عملية لهذه المعوقات.
والتي من أبرزها:

 للأعلى


معوقات العمل للدين

أولاً: العجز والكسل:
ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله عز وجل فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال" متفق عليه. ومرجع كل هذه الأمور إلى العجز والكسل،ومرجع بلاء الإنسان أصلاً إلى العجز والكسل. فإن الإنسان حين يمتنع عن العمل إما أن يكون غير قادر على أداء هذا العمل، وهذا هو العجز، أو أن يكون قادراً ولكنه لا يريد أن يعمل وهذا هو الكسل،والإنسان إن كان مصدر قلقه وألمه عن أمر مضى فهذا حزن وإن كان مصدر قلقه عن أمر سيأتي فهذا هم، ومصدر الهم والحزن أصلاً يعود إلى العجز والكسل، لأن الإنسان حين يشعر مثلاً بأن هناك أمراً أمامه يمكن أن يواجهه فإنه يعيش هماً وألماً وقلقاً، وهذا في الواقع نتيجة العجز والكسل.
إن هذا الأمر الذي أمامك وتتوقعه إما أن تكون قادراً على مواجهته وحل المشكلة فاعمل لذلك، أو أن تكون غير قادر فعلاً فسلِّم أمرك لله، ثم فكِّر كيف تتعامل مع هذا الأمر الواقع، فبعملك هذا ربما تصل إلى نتيجة،وكذلك تتخلص من الهم،وذلك الأمر الذي مضى إن كنت تستطيع أن تعالج أثاره وتخفف منه، فاعمل وبادر. وإن كنت لا تستطيع فسلِّم أمرك لله عز وجل، وفكِّر فيما ينفعك،حتى تتخلص من الحزن.
فالانشغال بالهم والحزن إنما هو صورة للعجز والكسل ونتيجة لهما، والمقصود-أخي القارئ- أن العجز والكسل هو الذي يعوق الإنسان عن مصالح دينه ودنياه وكم يرى الإنسان مثلاً أن هناك فرصاً كثيرةً يمكن أن تتاح له في أي ميدان من الميادين، ويعوقه عن استغلالها وتحقيق هدفه ومراده إما العجز أو الكسل، وهذا الأمر ندركه في أنفسنا جيداً، أو من قضايا لها ارتباط بهذا المعنى.

ثانياً: خوف الفشل:
وهذه المشكلة خاصة ببداية الطريق عند أولئك الذين لا يعملون، فإنه توجد فئة من الناس تجيد تصور الأوهام والفشل ودائماً تنظر نظرة سلبية،فإذا كنت تريد أن تعمل عملاً أياًّ كان فأمامك احتمالان: إما أن تنجح أو أن تفشل، فلماذا دائماً تغلب احتمال أن تفشل؟،ولماذا لا تفترض أنك ستنجح في العمل؟ والإنسان الذي يتصور الفشل في أي مشروع أو عمل لا يمكن أن يعمل أبداً، ودعنا نأخذ مثلاً من حياتك التي مرت عليك، ألغيت فيه احتمال الفشل.فالناس في المجتمع المتعلم الذي أنت فيه، مروا بعدد من المراحل الدراسية: الابتدائية، المتوسطة، الثانوية، وعدد منهم تجاوزوا المرحلة الجامعية، وربما البعض يدرس دراسات ما بعد المرحلة الجامعية، وعندما كان الواحد منهم يدرس كان عنده احتمال قوي أن يفشل ولكن لماذا لم يسيطر عليه هذا الاحتمال ؟ولم نر أحداً من الطلاب تردد في دخول الامتحان حتى لا يفشل؟ بل ربما أن بعض الطلاب احتمال النجاح عنده 1% ومع ذلك يدخل الامتحان ويبقى المؤشر يتأرجح عنده بين احتمالي النجاح والفشل بداية من دخول القاعة والاطلاع على الأسئلة وحتى ظهور النتائج. بل إن الطلاب المتفوقين هم أكثر الناس خوفاً من الفشل لأن الفشل بمقاييسهم هو مجرد النزول عن الامتياز لذلك فهم من أكثر الناس هاجساً.
 والمقصود أن هذه تجربة مرت علينا جميعاً ولم تكن عائقاً لنا عن العمل والدراسة، مع أنه ربما يصل احتمال الفشل عندنا إلى نسبة كبيرة في بعض المواقف الدراسية، ومع ذلك نجحنا واستطعنا أن نتجاوز هذه المرحلة. وكذلك الأشخاص الناجحون في حياتهم من فئات الناس المختلفة: من تجار، وكتاب، وشعراء، كانت نسبة الفشل أمامهم كبيرة ومع ذلك خاضوا التجربة ووصلوا إلى تلك المستويات المتقدمة فلماذا نقف نحن، ويمضي هؤلاء؟.
 وافترض أنك قمت بأي عمل دعوي، كإلقاء كلمة مثلاً، فما أكبر مصيبة يمكن أن تحل عليك؟ أهي الإغماء مثلاً؟!، افترض أن هذا قد حصل فعلاً فهل تعتبر هذا فشلاً؟بالطبع ليس فشلاً إلا على فرض أن هدفك أن تكون خطيباً ناجحاً أو يتحدث عنك الناس. لكنَّ هدفك أن تبلغ الدعوة وأن تعمل شيئاً لله عز وجل، والله سبحانه يحاسبك على العمل، ويأجرك عليه، أما قضية النجاح فقضية أخرى، ولو حاولت أن تؤثر على إنسان، فنصحته، فما استفاد ولا اقتنع، فهل هذا يعني أنك فشلت؟ لاما فشلت أبداً بل إنك عملت وأجرت وأجرك على الله عز وجل، وإن استجاب فالحمد لله، فلا تدري أيهما خير ؟!، وإذا كان الناس يستجيبون لك فهذا إن شاء الله مدعاة لأن تكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً"صحيح،رواه مسلم وغيره، ويشجعك أنك تشعر أن لك مثل أجور من تبعك. وإذا افترضنا أن أكثر الناس لا يستجيبون، فحينها نقول لعلك أن تكون ممن قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء"صحيح،رواه مسلم وابن ماجه وأحمد. وقد وردت روايات كثيرة في تفسير الغرباء منها "أناس صالحون قليل في أناس كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم".إذاً أنت يا أخي إذا كان الذين يطيعونك أكثر من الذين يعصونك فأنت إن شاء الله سوف يحصل لك أجر هؤلاء، كل خير علموه بسبب دعوتك، وبسبب ما قدمت لهم سيحصل لك أجره، وإن كان الذين يعصونك أكثر من الذين يطيعونك فلعلك تكون ممن وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالغرباء، ولك إحدى الحسنيين، كما كان المسلمون يقولون في الجهاد، ولاحظ أولئك الذين كانوا لا يخافون الفشل في الجهاد كانوا يقولون إن هي إلا إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، فقضية الفشل غير واردة.
 ولو شعرت أن مشكلة عدم نجاح هذا العمل أو هذا المشروع يعود إلى تقصيرك أنت فهذه خطوة نحو النجاح، لو كنت مثلاً تريد أن تصل إلى نسبة عالية من النجاح فلا يمكن أن تصل إليه مرة واحدة.

ثالثا ً: الخوف من تبعة الأخطاء:
فالشخص الأول يخاف أن يفشل ويخاف أن يخطئ، والشخص الثاني يخاف من تبعة الأخطاء فيقول: أخاف أن أقع في خطأ فأتحمل تبعة هذا الخطأ أياًّ كان. فهو مثلاً يخاف أن يتحدث مع الناس ويقول كلمة يزلُّ بها فيأثم، أو يخاف عندما يريد دعوة شخص أوينكر عليه أن ينكر عليه بطريقة خطأ فتتسبب في كرهه للمعروف وصده عن الخير، وأظن أن ما قلناه في النقطة السابقة ينطبق على هذا، ولكن تعالوا إلى الناس الذين كانوا في قمة النجاح بعد الأنبياء؟ أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد مرت عليهم مواقف وقعوا فيها بأخطاء كبيرة ومع ذلك لم تكن عائقًا لهم. ومن ذلك قصة أسامة رضي الله عنه، يقول رضي الله عنه: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. قال: فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: فقال لي: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" قال: قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذا قال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" قال: فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.صحيح،رواه البخاري ومسلم. فهذا خطأ وقع من أسامة رضي الله عنه في الجهاد، فهل توقف أسامة عن الجهاد بعد ذلك؟ لا بل كلنا نعرف أنه لما مات الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد جهز جيشاً يقوده أسامة، من هو أسامة؟ أسامة هو الذي قتل ذلك الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، فلو كان يفكر بنفس التفكير الذي نفكر به لكان قال: لماذا أكلف نفسي وأتحمل هذه المسؤولية الكبيرة؟ ولكنه كان يقول: هذا خطأ وقعت فيه وانتهى والله عز وجل يغفره لي، وما كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ليصعدوا المنازل العالية وليرتقوا وهم يفكرون بتلك الأفكار أو يعيشون هذه الأوهام التي نعيشها، وخذ على سبيل المثال أيضاً سرية أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم فقاتلوا في الشهر الحرام، وأنزل الله عز وجل فيهم (يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله..) [الآية.البقرة: 217]. ومع ذلك ما صدهم هذا، وما عرفنا أن واحداً من هؤلاء الذين قاتلوا في هذه السرية تخلف عن الجهاد حتى لا يقع في الخطأ نفسه. وهي مواقف كثيرة نراها في سيرتهم، فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقعون في الخطأ بحكم الطبيعة البشرية لأنه أراد أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر أو يجاهد أو يدعو فوقع في خطأ، ومع ذلك لم يكن الخطأ مسوغاً له لترك العمل.

رابعاً: تهويل الأمر أو تهوينه:
وهما نقيضان، فأحياناً يصور بعض الناس قضية من القضايا على أنها صعبة جداً، ولا يطيقها إلا الناس الكبار. فحين تقول له: لماذا لا تدعو إلى الله؟ يقول لك: الله المستعان، الدعوة هذه تحتاج إلى إنسان يحمل العلم الشرعي، ويجب أن يكون إنساناً حليمًا، ويجب أن يكون إنسانًا شجاعًا وإنسانًا وقورًا، وإنسانًا له قيمته وكلمته عند الناس، و… و…، وقائمة طويلة جداً من الأمور التي أجزم لك أنها لا يمكن أن توجد في بشر. فمن الممكن أن تجد إنسانًا عنده علم لكنه إنسان سريع الغضب بفطرته، أو تجد إنسانًا حليمًا لكن عنده قصور في العلم أو عنده قصور في قدرته على الإقناع أو … أو..، ولو قرأت في تراجم السابقين لوجدت مثل ذلك كثيراً، وما كان ذلك ينقص أحدهم أبداً، وبقي إمامًا، ورجلاً مشهورًا، واستمر رجلاً يؤدي أدوارًا، والأمة لا تزال تتغنى بتلك الأمجاد، ولا يزال كل إنسان يستشهد بما فعله فلان وفلان من الناس.
 ومن الناس من يهوِّن لك القضية، ويقول: هذه قضية سهلة، هذه قضية تافهة، هذه قضية.. الخ، تراه مثلاً يقول لك: الحمد لله، ألقي كلمة بعد الصلاة، وأقرأ عليهم من رياض الصالحين، والذي فيه خير يستمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث كافٍ لكل الناس الذين يصلُّون، والذي ينام عن صلاة الفجر، يكفيه هذا الحديث، والذي نوى عمل معصية يخاف لما يعرف هذا الحديث، والقضية سهلة لكن الناس ما فيهم خير والناس. .. الخ.
والمهم أن كلاهما أمرٌ يعوق الإنسان عن العمل، فالقضية ليست قضية صعبة، ولا هي قضية سهلة، لكن تحتاج إلى جهد وبذل وعمل.

خامساً: أوهام المستقبل:
فبعض الناس يجيد فعلاً تصور الأوهام ويجيد طرح الاحتمالات والإنسان الذي يعيش على الاحتمالات لا يمكن أن يصنع شيئاً أبداً، وربما كان هذا جزءاً من قضية الخوف من الفشل التي أشرنا إليها قبل قليل، لكن هذا الشخص يطرح لك قضايا أخرى ويبدأ يتخوف من أي عمل، يتخوف من أي مؤثر، ويبدأ يخلق أمام نفسه حواجزاً وأوهامًا عجيبة جداً. وتجده عندما تطرح أي مشروع على شخص، يقول لك: ممكن أن يكون كذا، ويمكن أن يقال لك كذا، ويمكن أن يفهمك الناس خطأ ويمكن كذا ويمكن.. الخ.
وهذا منطق غريب فنحن نقرأ كل يوم سير الأنبياء، ونقرأ كل يوم سير المصلحين، فهل تتصور أنهم كانوا يعيشون على الأوهام التي نعيشها؟ وأنتم تقرؤون في القرآن مواقف إبراهيم-عليه السلام- وكيف بذل وكيف دعا وكيف تحمل، وهو كان يعرف أن الكلمة والموقف الذي كان يقفه سيجني من وراءه التبعات. وتعرف مثلاً قصة موسى-عليه السلام- في القرآن وتقرأها كثيراً، وتقرأ مثلاً قصة هود وصالح-عليهما السلام- وغيرهم من الأنبياء. دعنا من ا لأنبياء وخذ مثلاً قصة مؤمن آل فرعون وأنه كان يتوقع أشياء كثيرة لكن مع ذلك قام بهذا الدور حتى قص الله عز وجل علينا قصته في القرآن فصارت عبرة لمن جاء بعده. وتقرأ في القرآن قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، وحين سمع رجل بهذه القضية جاء وقام بدوره وقال: (يا قوم اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون. ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون). الآيات.يس 20-22. وحصل له ما حصل، فلو كان يفكر بالعقلية التي نفكر بها لم يكن من الممكن أن يقوم بأي دور ولا أي عمل.

سادسا: الورع الزائد:
فأحياناً يتورع الإنسان عن أي عمل فعندما تقول له قل كلمة أو افعل هذا الأمر، يقول لك: الله المستعان، أنا لست بأهل لذلك! يرى من الورع أن لا يقول هذه الكلمة. ..،ولو قلت له: تفعل هذا تورعاً، قال: نعم، ولو سألته فقلت: أنت الآن تدرس وتعلم طلاب العلم وتقول كلامًا وتأخذ عليه أجرًا، وأنت تعلم علمًا شرعيًا، فلماذا لم تتورع؟ وأنت تعلم العلم، وتوقع عن رب العالمين وتدرس الناس العقيدة أو تدرس الناس تفسير كلام الله عز وجل، ألم تفكر أبداً أن تكون ممن قال في القرآن بغير ما يعلم؟، ولكن حين يقال لك تكلم في مسجد أو ألقِ موعظة على الناس فإنك تحسب لذلك ألف حساب، وتتخيل أن هذا من الورع، ولو سألته فقلت: أنت الآن تورعت عن القول، لكن ألا يوجد باب آخر في الورع؟ ألا تتورع عن السكوت، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"متفق عليه. فبدأ بقول الخير، إذاً فأنت قل خيراً أو أصمت. ولماذا لم تفكر في يوم من الأيام حين تهم بالسكوت أو بالقعود عن العمل أن الورع يدفعك إلى العمل أصلاً؟، وأن ترى أن من ورعك أن تعمل؟، ولماذا لم تفكر في أيهما أفضل أن تسكت ولا تعمل شيئاً ورعاً، أو أن تجتهد وتبذل السبب وتعمل ولو وقعت في خطأ، وإذا وقفت بين يدي الله عز وجل قلت له يا رب "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها..." الآية.البقرة286. وقد أتيت بما في وسعي واجتهدت، والإنسان إذا اجتهد وبذل ما في وسعه وخطا خطوة فإن كانت غير صائبة فهو مثاب على ذلك، وإن أصابت فله أجران.
والأنبياء هم أئمة الورع وكذلك الذين قص الله عز وجل علينا قصصهم في القرآن، والصالحون السابقون. والله عز وجل أخبرنا في كتابه أنه أخذ الميثاق على الذين آتاهم الكتاب (و إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيِّنُنَّه للناس ولا تكتمونه…). [آل عمران: 187]. وكثير من القراء أوتي الكتاب: أوتي القرآن، أو على الأقل القضية التي نحن نريده أن يقوم بها، هو أوتيَها من الكتاب وهو يعلمها ويعلم حكمها. إذاً فقد أُخذ عليك الميثاق أن تبين للناس، وأخذ عليك الميثاق ألا تكتم ما عندك، لا يوجد مجال للورع في هذا الأمر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من كتم علماً يعلمه جاء يوم القيامة ملجَّماً بلجام من نار" و"من كتم علماً "هذه نكرة تعم أي علم، هل تتصور أنت أن هذا الخطاب خاص بالعلماء؟ أي إنسان عنده علم يجب أن يظهره وإذا كتمه سيلجم يوم القيامة بلجام من نار، ولماذا لا تتورع أنت عن هذا؟، لماذا تتورع أن تقول ما لا تعلم وتخشى أن تكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "كنت آمركم بالخير ولا آتيه"صحيح،رواه البخاري ومسلم. ولم تفكر يومًا من الأيام أنه يمكن أن ينطبق عليك "ألجم بلجام من نار"؟! والله عز وجل يقول في كتابه: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون). البقرة159. وهذه الآية ليست خطاباً لفئة خاصة من الناس، فكل إنسان يعلم شيئًا أنزله الله عز وجل للناس ويكتمه، مستحق لهذا الوعيد، لماذا لا تتورع يا أخي أن تتنزل عليك لعنة الله؟، أن يلعنك اللاعنون؟.
 ولا يكاد ينقضي عجبك وأنت تتأمل سير أمثال هؤلاء، الذي يتصور أن من تمام الورع ألا يقول كلمة، من تمام الورع أن لا يأمر بالمعروف، من تمام ا لورع أن لا ينهى عن المنكر، من تمام الورع أن يغلق عليه الباب ويعيش لوحده، ويقول: أشغل نفسي بالعبادة، والدعوة يقوم بها غيري والحمد لله، لا يا أخي الورع الحقيقي أن تتورع عن السكوت، الورع أن تتورع عن عدم العمل. ونحن بلا شك لا ندعو الناس إلى لتهور، ولا ندعو الإنسان إلى أن يقول ما لا يعمل، وأن يتصدر لما لم يتأهل له، لكن ندعو إلى أن يعلم الإنسان أن الورع له ضوابط ووضع معين، فكما هو في الترك فهو أيضاً في الفعل.

سابعاً: الانشغال بالأمور المفضولة:
أحياناً الإنسان يشغل نفسه في أمور هي خير ومشروعة لكنها أمور مفضولة. وقضية التفاضل بين الأمور قضية نسبية بين الناس، فمثلاً أنت –أيها القارئ- سمعت لعدد من العلماء والدعاة والمتحدثين،وقرأت لكثير من الكتّاب وتدين بالفضل للكثير من هؤلاء، وتعرف أنك استفدت استفادة كبيرة من هؤلاء، لكن لو سألتك سؤالاً، ألا تتصور مثلاً أن هذا العالم الذي سمعت منه أو الكاتب الذي قرأت له أو الشخص الذي استفدت منه كان من الممكن لو فكَّر في التفرغ لقرأ هو واستفاد أكثر؟ علماً بأن أكثر الناس شعوراً بالحاجة للعلم والتعلم هم العلماء. وكلَّما زاد الإنسان علماً ازداد علماً بحاجته للعلم وازداد علماً بجهله. فنقول: نعم التعلم فاضل، لكن حينما تنشغل مثلاً بالتحصيل الذاتي والتعليم الذاتي عن تعليم الناس، وعن الإفتاء، وعن القضاء بين الناس، وعن التدريس، وعن التأليف وعن التصدر للناس فأنت انشغلت بمفضول عن فاضل. وقس على ذلك أمورًا كثيرة. والمقصود أننا يجب أن نفقه مراتب الأعمال. ومن وسائل الشيطان في إضلال الناس أن يشغل الإنسان بالعمل المفضول عن العمل الفاضل. ولا يتصور أحد منا أنه بمجرد أن عمل عملاً مفيدًا صار يعمل ولا حجة لأحدٍ عليه، بل يجب أن نفكر هل هذا هو أفضل عمل يمكن أن نعمله أو لا، هل هذا أولى عمل يمكن نعمله أو لا.

ثامناً: عدم الاقتناع بإمكانية التغيير:
أما عدم الاقتناع بضرورة التغيير أصلاً، والقول بأن المجتمع بخير، وأننا أفضل من غيرنا، وأن الجميع يقعون في المعاصي، فهذه مشكلة يعتبر الانشغال بحلها من إضاعة الوقت، والانشغال بالمفضول عن الفاضل، والفئة التي توجد لديها هذه القناعة قد تجاوزها الزمن.
 ولكن قد تكون مشكلتنا مثلاً مع إنسان مقتنع أن المجتمعات الإسلامية فيها فساد، بل وصل به الأمر إلى أن صار عنده يأس من التغيير،وصار يشعر أنه لا يمكن التغيير مطلقاً. ولهذا نقول يا أخي: طريقنا طريق الأنبياء، والرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أنه "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي"صحيح،رواه البخاري ومسلم. لكن هذه الأمة ليس فيها إلا النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً معنى ذلك أن الأمة مؤهلة أن تقوم بدور الدعوة وحمل الرسالة وإلا لو لم تكن مؤهلة لأرسل الله أنبياء فيها.
وحين جاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في مكة من يقول: لا إله إلا الله. كان هناك ستة من الحنفاء، يعتزلون الناس، لكن البقية في شرك مطبق، وفي تخلف كبير، وكانت البلاد كما قال الرسول صلى الله ليه وسلم: "…وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب…"صحيح، رواه مسلم. فكيف كان التغير الهائل الذي حصل في الجانب الاجتماعي؟!، والجانب الاقتصادي؟، والجانب العلمي؟، أمة كانت متخلفة بكل صور التخلف ثم تغيرت. ربما تقول لي: إن هذا نبي ورسول ومؤيد! أقول لك:حين مات الرسول صلى الله عليه وسلم أين وصل الإسلام؟ كان في الجزيرة ما تجاوزها، وحين جاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تولوا الأمر فوجد الصحابة أمامهم مصيبة كبيرة حصلت بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهي الردة، ولم يبق إلا المدينة ومكة والطائف ومن حولها، فما فكروا هذا التفكير وقالوا: كيف يرجعون مرة ثانية؟!! لكنهم جاهدوا حتى أعادوها للإسلام، وفي سنتين من خلافة أبي بكر، بدأت الفتوحات. وبدءوا يغزون فارس والروم ويفتحون البلاد، وكانت بلاد العراق، وخراسان، ومصر، والشام، بلاداً مطبقة على الشرك ومع ذلك يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه:"ارتج علينا الثلج ونحن في أذربيجان" وأبو أيوب دفن تحت أسوار القسطنطينية، وغيرهم. هل كان أهل تلك البلاد يعرفون لغة العرب؟ لم يكونوا يعرفون لغة العرب، ولم يكونوا عرباً، ومع ذلك استطاع الصحابة أن يغيروا في بلادهم.
وهذه البلاد قبل أن يأتيها الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، كيف كانت؟ وكيف أصبحت؟. فلو كان الشيخ محمد بن عبدالوهاب يفكر بهذه العقلية التي نفكر فيها ما عمل شيئاً، وهو بشر وإمام مجدد غير الله عز وجل على يديه.
وانظر إلى عكس هذه الصورة: فقد كانت مجتمعات المسلمين مجتمعات محافظة وتغيرت نحو الفساد، أياً كان السبب. فكما أن هذه المجتمعات كانت صالحة وتغيرت نحو الفساد فإنه يمكن تماماً أن تكون فاسدة وتتغير نحو الصلاح. هذا وضع طبيعي والمجتمعات كلها تتغير حين تكون عندها إرادة. ولقد درسنا التاريخ وعرفنا أن أوروبا التي يقول العالم الآن أنها بلاد العلم والتقدم، كانت في يوم من الأيام في ظلمات وجهل، وكانوا لا يفقهون شيئاً، وفي قمة التخلف في كل مجالات الحياة وميادينها، ثم بدءوا يتعلمون وتغيرت حياتهم. ونحن نعرف أن هذا التغير فيه انحراف، لكن هذا يوضح لنا أن المجتمعات إذا أرادت أن تتغير يمكن أن تتغير. والله عز وجل أرسل هذه الرسالة الخاتمة وأرسل هذا الدين، وتعبد الناس به، لأنهم قادرون فعلاً على أن يغيروا المقصود أنه أحياناً ثقل الواقع والفساد الذي فيه، يخيل لنا أنه لا يمكن أن يتغير الواقع، وأننا غير قادرون على التغيير. ولهذا نستسلم ونقول: الله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والمشتكى إلى الله، إلى غير ذلك من العبارات التي استخدمها الناس لترك العمل. إننا لا نعجب حين نسمع هذا الكلام من عامي، أو من رجل جاهل، أو رجل لا يعرف دوره، لكنَّنا نعجب كل العجب أن يسيطر على الناس الصالحين هذا الكلام. نعم، الله المستعان لكن يا أخي اعمل واستعن بالله. حسبي الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم. متى قال هذه الكلمة؟ قالها بعد ما أنكر على قومه حتى أرادوا أن يلقوه في النار، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل. أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وخرجوا وبذلوا. لكن نحن نقولها ونحن قاعدون، بل نقولها حجة للقعود. لا يا أخي، حسبنا الله ونعم الوكيل يقولها الناس العاملون، الناس الجادون.
فأقول: إن مشكلة الشعور بأن الواقع لا يمكن أن يتغير، وأننا لا يمكن أننا نغيره، هذا مما يعوقنا عن العمل وعن التغيير.

تاسعاً: الانشغال بالنقد:
أحياناً، الانشغال بالنقد فعلاً يجعل الإنسان لا يعمل. لا شك أن النقد ضرورة ومطلب، ونحن لا نُسكِت الناقدين ولا نعترض على أي إنسان ناقد، وما ندَّعي العصمة. فلا يسوغ مثلاً: أن نتصور أن حسن النية، ونبل المقصد، وسلامة الأهداف، أن هذا يجعلنا نستعصي على النقد، لكن أحياناً يتحول النقد إلى صورة أخرى، صورة فعلاً مثبطة عن العمل. وهناك نماذج كثيرة من الناس ممن يجيد النقد والتفكير في النقد على حساب العمل. فهو مثلاً يقول لك: رجال الهيئات يقعون في أخطاء، عندهم كذا وكذا…، الدعاة يقعون في أخطاء يقولون كذا ويفعلون كذا…، والناس يفعلون كذا…،والشباب فيهم كذا، ويبدأ بإعطائك قائمة طويلة من هذه الأخطاء. أحياناً تجد بعض الناس القاعدين الكسالى فتقول له: لماذا لا تعمل في أي ميدان؟ يقول لك: يا أخي فلان يفعل كذا، والناس يفعلون كذا، والشباب يفعلون كذا، هذا الكلام صحيح، لكن لماذا أنت لا تعمل؟.فلنفترض فعلاً أن هذا النقد الذي تقوله صحيح، وأن هذا هو الغالب على أحوال هؤلاء، وبعدما نقارن الجوانب السلبية والإيجابية نشعر أن الأخطاء أكثر ولهذا يجب أن نلغي هذا العمل، هذه قضية قابلة للنقاش، افترضنا ووصلنا إلى نتيجة، يا أخي أنت لماذا لا تعمل؟ أنت أرنا العمل الذي يسلم من هذه الأخطاء، ونحن نتمنى فعلاً أن نجد عملاً سليماً من الأخطاء. وأنت لم تنقد ما عمل هؤلاء الذين تنتقدهم إلا لأن الساحة خلت من أمثالك، وغيرك من أصحاب القدرات الذين لا يمكن أن يقعوا في مثل هذه الأخطاء. أحياناً تشعر أن صاحب هذا النوع من النقد جادٌّ فعلاً، وفيه خير، وليس إنساناً ينقد نقداً مغرضاً وربما يعطيك أشياء صحيحة فعلاً، وواقعة، ولكن في أحيانٍ أخرى كثيرة، يصبح هذا النقد حيلة نفسية، فهذا الإنسان متخوفٌ من العمل لأي سببٍ، لا يريد أن يعمل، لا يستطيع أن يعمل، غير جادٍّ، المهم أن هناك عائقاً يمنعه عن العمل. بمعنى: أنا إنسان لا أريد أن أعمل، وقاعد، ومُتصوِّر أن الناس الذين يعملون في حلقات تحفيظ القرآن ناجحون، وأسأل الله أن يوفقهم، والذين يسافرون إلى الخارج ويدعون إلى الله ناجحون، والذين يكتبون ناجحون، والذين يتحدثون ناجحون…، والذين يفعلون …، هذا معناه أنني إنسان فاشل وأني غير عامل وأني كسول و…، فلكي أُزيل هذه القضية من نفسي تجدني أحاول من حيث لا أشعر أن أثبِّط الآخرين. فيقول لك أحدهم: يا أخي الكلام الذي تقوله صحيح، لكن هؤلاء يخطئون ويصنعون كذا وكذا. هؤلاء يخطئون، فلم لا ترينا أنت العمل؟، اعمل كما يعملون إذا كنت جاداً. أقول لك فعلاً إنهم يخطئون أكثر مما يصيبون، لكن هؤلاء مساكين ما وجدوا أحداً يعمل في الساحة إلا هم فعملوا وهذا غاية ما عندهم، لكن أنت اعمل، وهل تتصور أن الإنسان عنده رغبة في تحمل المسؤوليات وله رغبة في تحمل العمل؟. كلنا نقع في أخطاء، ربما نشعر أن أخطاءنا كثيرة، لكن يرى الإنسان أن هذا الميدان تخاذل عنه الناس فيُقدِم والمشتكى إلى الله عز وجل. فأنت أيها الإنسان الذي تنتقد اعمل حتى تسد هذه الثغرة وحتى يقعد هؤلاء. أحياناً، هذا النقد يصدره صاحبه بصورة ناصحة فعلاً، ولا يعلم أن نقده هذا في الواقع إنما هو صورة حقيقية من صور الفرار من المسؤولية، وصورة من الحيل النفسية التي يفر بها من المسؤولية تجاه نفسه. لأنه عندما يقرر في نفسه أن عليه واجباً، وأنه قادر على أن يعمل، وأنه مخطئ، وأن الناس ناجحون، فإن هذا يعني أن نفسه ستلومه، وحتى يتخلص من لوم النفس، يحاول أن يوهم نفسه بصواب جلوسه عن العمل بهذه الطريقة.
ثم إنه من المعروف أن النقد دائماً سهل، فلو قلنا لمجموعة من الطلاب في مدرسة: على كل واحد منكم أن يعطينا ملاحظة على المكان الذي هو فيه، وعلى بناية المدرسة، فكل واحد سيخرج لنا أي ملاحظة، لكن لو قلنا له: اعمل العمل الفلاني، فإنه لا يستطيع. إذن النقد سهل، تستطيع أن تنتقد أي إنسان يعمل أي عمل، وإن كنت لا تجيد هذا العمل. مثال آخر لو أخذنا شخصاً يجيد الرسم، وطلبنا منه أن يرسم لنا لوحة، ورسمها لنا، ووضعناها أمام مجموعة من الناس الذين لا يجيدون الرسم، وقلنا: أعطونا ملاحظاتكم على هذه اللوحة، كل واحد منهم يمكن أن يستخرج عليها ملاحظاته، لكن لو طلبنا من أي واحدٍ منهم أن يرسم مثل هذه اللوحة لما استطاع. لو أخرجنا خطيباً مفوهاً، وقام يخطب، وقلنا للحضور: أعطونا ملاحظاتكم، كل واحد منهم يستطيع أن يعطينا ملاحظة، لكن لو قام يخطب لما استطاع. إذاً، ليس النقد بالضرورة دليلاً على القدرة على العمل. إنما النقد من القاعد سهل، فالقاعد الذي يتفرج على الناس من هنا وهناك سهل عليه النقد. وحين يبدأ الإنسان بالنقد، وتسيطر عليه هذه القضية، يشعر أن هذا الميدان خاطئ، وفلان فاشل لا يصلح أن نتعاون معه، والآخر لا يصلح أن نعمل معه، والآخر...، فيقعد عن العمل وينشغل بالانتقاد. ولهذا قال السلف "طوبى لمن شغله عيب نفسه عن عيوب الآخرين". وحذرونا من الاشتغال بعيوب الآخرين، لأنها تشغلنا عن عيوبنا، وتشغلنا عن العمل وعن الميدان الحقيقي.

 للأعلى


خاتمة

لعلي أكتفي بما قلته، وإن كانت هناك فعلاً قضايا كثيرة لو فتشنا في أنفسنا كما قلت في بداية الموضوع،لوجدنا أن هناك قضايا كثيرة من أمور ربما تعوقنا عن العمل مما لم أذكره، لكن على الأقل لعل هذا الموضوع أن يفتح لنا ميداناً لنفكر في مثل هذه المجالات.
 وفي الختام، أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من الدعاة لدينه والعاملين له، وأن يوفقنا وإياكم جميعاً لطاعته، إنه سميع مجيد، وصلى الله على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008