تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

وحدة العمل الإسلامي

د. محمد بن عبدالله الدويش

 مدخل
 من سلبيات التفرق
 لماذا هذا الواقع؟
 الحلول والعلاج

مدخل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد.
فوحدة العمل الإسلامي موضوع يستحق الكثير من الحديث ولو كان تكراراً ؛ ذلك لأن وحدة العمل الإسلامي مطلب للجميع من داخل الصف الإسلامي ومن خارجه، فقد وصلنا إلى قناعة على مستوى قواعد الصف الإسلامي بأن الواقع المعاصر واقع غير شرعي ويحتاج إلى تغيير، وأنه لا بد من وحدة للعمل الإسلامي. لكن مشروعاً في مثل هذه الضخامة ومثل هذا القدر أحسب أنه لا يكفي أن نختزله فقط في الحديث عن ضرورة الوحدة وأهميتها وذم الفرقة، فهذا أمر يتفق عليه الجميع ويسعون إليه، ولا إخال داعية جاداً مخلصاً يرى أن الفرقة والنزاع والجدل والخصومة واقع شرعي.
إن الكثير يتحدثون عن وحدة العمل الإسلامي، والكثير يتحدثون عن الفرقة والواقع المرير الذي يعاني منه العمل الإسلامي بسلبياته .. لكن الذين يتحدثون عن برنامج عملي للوحدة قلة قليلة حين نقارنهم بأولئك الذين يدعون دعوة مجملة إلى الوحدة ويذمون الفرقة. والواقع المعاصر واقع لسنا بحاجة إلى الإفاضة في الحديث عنه، لكني سأشير باختصار شديد لثلاثة محاور ستدور المحاضرة حولها وأول تلك المحاور: الإشارة إلى مشكلات الواقع المعاصر والمرتبطة بقضية التفرق أو قضية افتقاد الوحدة، وثانيها: أسباب الواقع المعاصر، وأخيراً: بعض المقترحات للعلاج ولعلّي أركز على الشق الأخير.

 للأعلى


من سلبيات التفرق

ثمة سلبيات ظاهرة هي إفراز لتعدديةٍ غير شرعية للعمل الإسلامي، منها على سبيل المثال:
• التحزب وتحول العصبية إلى أحزاب، حاملةً المواصفات نفسها التي تحملها تلك الصراعات القبلية أو المذهبية التي كانت ولا تزال الأمة تعاني منها.
• الولاء والبراء على أساس الانتماء الحزبي.
• التهارج والاتهام فنجد القضية تتجاوز حد الصراع اللفظي إلى التأليف والتصنيف في معايب ومساوئ هذه الجماعة ومعايب ومساوئ الأخرى، وتعلوا فيها لغة السب والشتم والتهارج والصراع أكثر من لغة النقد والتقييم الموضوعي.
• صراع المواقع حيث أن هذه الجماعات تلتقي في قطر واحد أو بلد واحد فتعيش صراعاً حميماً على مواقع النفوذ وكأن القضية قضية صراعٍ مع تيار علماني أو مع تيار مفسد، فتراهم يرون أن من أهداف وأولويات المرحلة اكتساب المواقع قبل هذا التيار.
• اعتقاد سلامة المنهج دون غيره من المناهج فكل منتمٍ إلى جماعة أو طائفة يعتقد أن منهجه هو الحق وأن ما عليه هو الصواب وأنه هو وحده الكفيل بتغيير واقع الأمة، أما المناهج الأخرى فهي مناهج فاشلة لأنها لا تملك الشمول أو صحة المنهج؛ فهي تحمل من الفشل ما لا يؤهلها للتغيير، فليس ثمة منهج مؤهل للتغيير إلا المنهج الذي ينتمي إليه.
• عدم الاستفادة من انتقاد الآخرين، فلا شك أن كل جماعة تطرح انتقاداً سواءً كان مباشراً أو غير مباشر، موجهاً أو غير موجه لتلك الأخطاء التي تقع فيها الجماعات الأخرى، والواقع أنّا لا نكاد نرى استفادة تذكر من الانتقادات التي يطرحها الآخرون، والداعية الجاد الناصح يستفيد حتى من أعداءه فضلاً عن إخوانه.
• إن الصورة المرضية للتعددية الموجودة في الواقع المعاصر فرضت حجاباً حال دون الاستفادة من انتقاد وتقويم الآخرين ورأيهم، مما أدى إلى افتقار التكامل في العمل الإسلامي.
• اعتبار الانتماء معياراً للجرح والتعديل فيكفي لقبول شخص من الأشخاص أو رفضه أن تعرف أنه ينتمي إلى هذا الاتجاه أو هذا العمل. وتتعجب حينما تجد شخصاً قد يلقى قبولاً عند الناس، فحين يعرف انتماءه واتجاهه يتغير الموقف عليه، والعكس صحيح، فأصبح المعيار في القبول والرفض معرفة الاتجاه والولاء.
• تناقض المواقف فهناك قضايا وأحداث تحتاج إلى أن يوقف منها موقف مشترك بين فصائل العمل الإسلامي، ومصلحته تقتضي وحدة الموقف ومع ذلك نرى صراعاً مريراً حول المواقف دون النتسيق ولعل أبرز الأمثلة على ذلك: أزمة الخليج الثانية التي حولت العمل الإسلامي في كثير من المناطق والبلدان الإسلامية إلى تيارين وشقين متصارعين وكل منهم يقذف صاحبه بافتقار المنهج لأنه وقف هذا الموقف. مع أن هؤلاء لو تناقشوا واجتمعوا لرأوا أن ثمة نقاط يتفقون على قبولها، وثمة نقاط يتفقون على رفضها فتبقى بعد ذلك دائرة الخلاف ضيقة يمكن تنسيقها كموقف موحد، ومما يؤسف له في بعض البلاد الإسلامية التي تؤمن بالعمل السياسي والنيابي أنه حين يدخل تيار إسلامي معترك العمل السياسي تجد أن الآخرين ممن لا يرى مشروعية هذا العمل يقفون ضدهم وربما صوتوا ضدهم ودعوا الناس لذلك، فيشعر العلمانيون أن هؤلاء يقدمون لهم خدمة بالمجان !

معشر الأخوة الكرام:
هذه بعض مشكلات التعددية غير المشروعة في العمل الإسلامي، ونحن حين نتحدث عنها فإن هذا لا يعني أنها موجودة لدى الجميع، فهناك قدر من الموضوعية والإنصاف يتصف به طائفة من الدعاة إلى الله تعالى، ولا شك أن هناك طائفة قد قطعوا خطوات في تنسيق المواقف وإزالة هذه الحواجز لكننا نتحدث عن الجانب المريض وحده فنسلط الضوء على المرض وحده ومع ذلك أيضاً لا نعمم النتيجة، ونرى أن كل الدعاة إلى الله وكل العاملين للإسلام مصابون بهذا الوباء.
إنه من المؤسف أن نرى نداء رفض التعددية المقيتة على مستوى القواعد أكثر منه وأنضج على مستوى القيادات، ولو كانت القضية تحمل القدر من الإصلاح لدى قيادات العمل الإسلامي لكانت الصورة تختلف عن الواقع الذي نعيشه. على كل حال أرجو أن لا يكون هذا العرض لتلك الصور السلبية عرضاً تشاؤمياً فنحن إنما نسلط الضوء على المرض لنتناول سبل علاجه.

 للأعلى


لماذا هذا الواقع؟

إن من أهم الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع ما يلي:

أولاً: ضعف العلم الشرعي:
فالعلم الشرعي هو المعيار الذي يمكن أن نصل من خلاله إلى ما يسوغ الخلاف فيه وما لا يسوغ، ويمكن أن نوجد من خلاله الحلول للعديد من المواقف التي هي محل جدل وخصومة وتهارج.
إن العمل الإسلامي يعاني بالجملة من ضعف العناية بالعلم الشرعي وعدم إعطائه الوزن الطبيعي الصحيح له.

ثانياً: الهوى والتعصب:
إن من المؤسف أن تجد من يحمل العلم الشرعي يكون سبباً في إثارة الفرقة والخصومة باسم العلم الشرعي و الدعوة إلى الوحدة، فمع العلم الشرعي لا بد من التجرد عن الهوى والتعصب والجمود أيضاً.

ثالثاً: الخلاف في توصيف الواقع:
إن من أكبر نقاط الخلاف بين فصائل العمل الإسلامي مسألة الحل الإسلامي للواقع المعاصر الذي يعتبر انعكاساً ونتيجةً لتوصيف الواقع، فمثلاً: من فصائل العمل الإسلامي من يرى أن مشكلة المسلمين هي وقوعهم في المعاصي واتباعهم للشهوات ويرى أن التركيز على الإصلاح الداخلي وتصحيح السلوك عند المسلمين وتخليصهم من شهواتهم يحل المشكلة، ومنهم مثلاً من يرى أن المشكلة تتمثل بفقد العلم الشرعي ويرى الحل الوحيد للواقع الذي تعاني منه الأمة المسلمة إنما هو في العلم الشرعي ونشره، ومنهم من يرى أن المشكلة تتمثل بانتشار البدع والخرافات ويرى أن تصحيح التصور والمعتقد هو وحده الكفيل بحل المشكلات، ومنهم من يرى أن الواقع السياسي هو المشكلة … وهكذا نرى نظرات تختلف في تحديد وتوصيف الواقع الذي تعاني منه الأمة، وبناءاً على توصيف الواقع يقدم برنامج الحل والعلاج.
نحن لا نشك أن الكثير من هؤلاء يتحدثون عن جزء من المرض، والمشكلة تأتي من قضية تجزئة الواقع، فكلٌ ينظر إلى زاوية من زوايا الواقع ويحاول أن يعيده إلى عامل أو سبب واحد يرجع إليه. لكن الحقيقة أن واقع الأمة الإسلامية الذي يعاني منه واقع أوسع من هذا بكثير، وأنه يحمل كل هذه المشكلات، وهو بحاجة إلى كل هذه الجهود، وحينما يتصدر فرد أو جماعة لعلاج مشكلة من المشكلات فلا غضاضة في ذلك، لكن أن ترى أن الحل الوحيد لواقع الأمة يشتمل فيما تقوله فهذه هي المشكلة.

رابعاً: غياب المنهج الشرعي للنقد والحوار:
إن وجود منهج شرعي للنقد والحوار يسهم في إثراء ونضج هذه التعددية، وأن تكتشف كل جماعة ما لديها من أخطاء من خلال ما يطرحه الآخرون، فيصبح هذا الخلاف مدعاة للنضج والإثراء دون أن يكون مدعاة للصراع والتهارج.
خامساً: الأعداء والمنافقون في داخل الصف الإسلامي:
ولهم وجود داخل الصف الإسلامي، وهم يسعون جاهدين إلى إشاعة الفرقة والخلاف والنزاع، وفي أوضاع النزاع والخصومة يكثر السماعون لهؤلاء.

سادساً: ضعف التربية:
ذلك أن بعض فصائل العمل الإسلامي جعلت همها الأول تحقيق الانتماء والولاء الحزبي دون الاعتناء بالتربية على التجرد والإخلاص لله سبحانه وتعالى وأن تكون الدعوة إلى الله هي الهم الأول والأخير، والتي تنتزع الصفات البشرية المرضية التي ورثتها الأمة من التعصب والتقليد والتحزب والهوى … الخ إن مثل هذه الأمور تحتاج إلى جهد تربوي طويل في انتزاعها وأن تقدم الفصائل برنامجاً تربوياً واسعاً لتتخلص من مثل هذه الأمراض وحينئذٍ يكون العمل الإسلامي مؤهلاً بإذن الله لتجاوز هذه المراحل.

 للأعلى


الحلول والعلاج

وهو المحور الذي أرى أننا بحاجة إلى أن نفيض فيه، مع اعتبار أننا لسنا وحدنا الذين ندعو إلى وحدة العمل الإسلامي، بل هناك نماذج ومناهج مطروحة لهذا الأمر ولعلّي أن أشير باختصار إلى بعض الرؤى المطروحة حول وحدة العمل الإسلامي ثم أطرح ما أراه وجهة نظر شخصية آمل أن تثرى بالنقاش والتعليق والتسديد حتى نخرج بصورة أكثر نضجاً.

التصور الأول: إن هناك من يقول أن الواقع الذي نعيشه إنما هو من اختلاف التنوع لا التضاد، وأن ما يحصل في الساحة الإسلامية إنما هو في الواقع اختلاف في الاجتهادات والأدوار فقط ولا نعتبره اختلاف تضاد. ولا أظن أن هذا يتفق مع الواقع الملموس، فنحن نجد صراعاً وتهارجاً واختلافاً، وتجد من يعتقد أن التيار الآخر إنما هو عدو للإسلام ويفسد أكثر مما يصلح ولا يمكنه أن يطرح حلاً عملياً لمشاكل الأمة !!
إذن لا أظن أن المتأمل لما يحدث في الساحة من صراع يوافق على أن الواقع الذي نعيشه واقع اختلاف تنوع بل هو اختلاف تضاد وتهارج. كما أن القضية ليست مجرد اختلاف اجتهادات بل يتجاوز الأمر حين نجد أموراً مما لا يسع الخلاف فيها مطروحة أحياناً عند بعض فصائل العمل الإسلامي وهي بحاجة إلى مراجعة ومناقشة ولا يمكن أن نضعها ضمن دائرة ما يسع فيه الاجتهاد.

التصور الثاني: هو من يقول أن هذه الفرق أو الجماعات ينطبق عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة ـ رضي الله عنه ـ: (( دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها … إلى أن قال حذيفة: فما تأمرني ؟ قال اعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) ويطبق على هذه الفرق والجماعات قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة )) ويرى أن الحل هو اعتزال تلك الفرق والطوائف والعمل لوحده معتزلاً لتلك الفتن.

التصور الثالث: هو من يدعو إلى الوحدة من خلال توجه أو تجمع معين، وهو طرح واسع في الساحة؛ ذلك أن تأتي جماعة تذم الواقع المعاصر والتعددية المعاصرة، وترى أنها مرض ينبغي التخلص منه، ولا بد أن يتفق الجميع لكن على ماذا ؟ إننا نرى كماً من الجماعات تدعو إلى الوحدة والاجتماع لكن تحت رأيها وتجمعها وما تراه هي منهجاً، وهذا ليس بالطرح العملي الواقعي ولا يمكن أبداً أن تطالب فصائل من العمل الإسلامي التخلي عن برامجها وأطروحاتها لتستجيب لنداء شخصٍ آخر لا يريد أن يتحول نداؤه إلا محاولة للكسب أكثر من أن يكون طرحاً للوحدة.
تلك هي ثلاث أطروحات تطرح للوحدة وأظنها بحاجة إلى إعادة نظر، لكن أليس هناك من تفكير آخر واقعي يأخذ في الاعتبار مشكلات الواقع المعاصر من منطلق شرعي مقدماً حلولاً عملية لا مثالية يمكن تحقيقها على أرض الواقع؟

ترشيد التعدد:
إن الوحدة التنظيمية الحركية أمر قد يستحيل في المرحلة المعاصرة، وأن التعددية قد تكون مقبولة حين تتجاوز الأمراض والمشكلات التي تعاني منها. إننا في ما سبق من الحديث ننتقد أوضاع التعددية لا باعتبار ذاتها ولكن باعتبار الواقع المعاصر. وحينما نطرح حلاً عملياً واقعياً فإننا ينبغي أولاً: أن لا نطالب الفصائل الإسلامية بالتخلي عن البنية التنظيمية لها، أو أن نطالب الحركات الإسلامية والفصائل الإسلامية أن تصب في بوتقة حركة واحدة، فإن هذا ربما أدى إلى بعض السلبيات. ألا يمكن أن تقدم الوحدة من خلال ترشيد التعددية المعاصرة أو على الأقل تقليص مجالات الخلاف، فإن هذا مطلب أول بحد ذاته.

بين اختلاف التضاد واحتلاف التنوع:
إننا بحاجة إلى السعي الجاد إلى تحويل الخلاف من اختلاف تضاد إلى اختلاف تنوع وهذا يمكن أن يتم من خلال البرامج الآتية:
أولاً: محاولة الوصول إلى منهج واضح لأهل السنة والجماعة، يمكن أن يفهمه الجميع بلغة العصر كأن يدور حوار أو أن يطرح برنامج أو توضع ثوابت للعمل الإسلامي يرى منه خلالها أن الحركة الإسلامية تكون حركة مقبولة وداخلة ضمن إطار الطائفة الناجية المنصورة، فتلتزم بتلك الثوابت ومتى ما خرجت عنها كانت خارجة عن إطار الطائفة الناجية وبالتالي الخروج عن منهج أهل السنة والجماعة، ونحن نتفق جميعاً أن منهجاً لا يسير وفق منهج أهل السنة والجماعة منهج محكوم عليه بالفشل والبوار ولا يمكن أن يحقق التغيير ؛ فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
ثانياً: أن نصل إلى طرح علمي واقعي للثوابت التي لا يسع الخروج عليها والتي حين نجد فصيلاً من فصائل العمل الإسلامي قد خرقها وخالفها فقد خرج عن هذه الدائرة، لكن يجب أن نفرق بين قضيتين بين أصول وثوابت لا يسع الخروج عليها وبين اجتهادات الأمر فيها واسع، فهناك من يطرح برامج طموحة وعلمية، لكنه يرى أن الاجتهادات التي توصل إليها ملزمة للآخرين وأنها مواصفات ينبغي أن يتصف بها التيار الإسلامي حتى يكون تياراً مؤهلاً للتغيير.
وحينئذ سنعود إلى المشكلة الأخرى وهي الدعوة إلى الوحدة من خلال تيار وتوجه معين.
ثالثاً: السعي إلى وحدة المواقف قدر الإمكان، والتنسيق على الأقل من داخل القطر الواحد.
إنه مما يؤسف أن نقرأ في مجلة علمانية مقابلة لأحد زعماء الفصائل الإسلامية في بلد إسلامي تدخل الجيش فيه ضد فصيل آخر من فصائل العمل الإسلامي فيقول: إن الجيش تدخل لحماية الشرعية ! فأي شرعية يمثلها ذلك النظام العلماني ؟ ولنفترض أن هذا الفصيل قد وقع في خطأ كبير، فهل هذا مسوغ إلى أن يصل الأمر إلى هذا الحد فيكون هذا التيار عوناً ومعيناً لنظام علماني ضد إخوته ؟ وقل مثل ذلك في مواقف كثيرة يقف بعض الإسلاميين فيها ضد إخوانه في خندق واحد مع الأنظمة والأحزاب العلمانية والسبب لا يزيد على الاختلاف في اجتهاداتهم، وكثيراً ما يخسر المسلمون في نتائج الانتخابات بسبب عدم التنسيق ؛ فهذا الفصيل يرى عدم مشروعية الانتخابات وذاك الآخر يرى مشروعيته، نعم .. من حقه أن يرى أن الانتخابات ليست مشروعة لكن يجب عليك احترام اجتهاد الآخرين وتدعو الناس للتصويت لهم لا لغيرهم من الأحزاب العلمانية، وكذلك تجد أحياناً الصراع على المواقع حين يرشح أكثر من حزب إسلامي في حين نجد أن الفصائل العلمانية تنسق وتحدد وتتآمر. إذن ينبغي أن نعلم أن مصلحة المجتمع والأمة ترتكز على التنسيق في الأمور والجهود.

مراجعة المناهج والوسائل:
إن المسلم مطلوب منه أن يحاسب نفسه في سلوكه الشخصي ويراجع نفسه في عباداته وتعامله مع الآخرين، ويكتشف أخطاءه التي بحاجة إلى تصحيح، أما حين يكون همنا رسمة فلان أو ألا نخرج ما رسمة الجماعة الفلانية فستبقى الأخطاء في واقعنا ونضيف إليها الأخطاء التي هي نتيجة تقصيرنا أو إهمالنا.
لا بد أن نكون جميعاً على استعداد تام أن نقول إننا أخطأنا في هذا العمل، وليس من عيبٍ في المسلم حين يقع في الأخطاء عن اجتهاد بل إنه مأجور بإذن الله، أما حين نسعى إلى تبرير الأخطاء والدفاع عنها فهذا خطأ وواقع مرفوض. كم نرى الآن في الساحة الإسلامية مما يكتب أو ينشر حينَ بَيّنَ فصيلٌ إسلامي بعض أخطاء هذه الجماعة أو تلك أو أخطاء بعض الزعماء الذين مضوا وماتوا، وكأن انتقاد هؤلاء طعن في الدين، وأن الراد عليهم كالراد على المعصوم. إننا حين نصر على عدم المراجعة، ونتشبث بواقعنا فلا سبيل للوحدة ولا سبيل للالتقاء.

التخصص:
حين نتأمل في الواقع اليوم نرى فئات من الدعاة اكتسبوا قوة التأثير على الفسقة والعصاة ونرى أحدهم يحوّل ـ بتوفيق الله ـ مروّج المخدرات والسكير العربيد إلى رجل مخبت لله تعالى وينجح في هذا العمل أكثر مما ينجح غيره، لكن عنده أخطاء وأمراض في جوانب أخرى. وفي الجانب الآخر نرى سد ثغرة في بيان العقيدة ومحاربة البدع، وبذل جهداً لا يشق له فيه غبار لكن عنده أمراض وأخطاء في جانب آخر. وهناك من نبغ في الجانب الفكري ومصاولة العلمانية ومواجهتها ولا يشق له غبار في هذا الميدان لكن عنده أخطاء في ميدان آخر. حين نطلب من كل فصيل من هؤلاء أن يجمع الأمور كلها أظن أن هذا مما يصعب و تفنى الأعمار دونه، لكن حين نتحول إلى قضية التخصص مع التصحيح فنقول لهذا التيار أو لفلان من الناس ما دمت قد نبغت في هذا الميدان فتخصص فيه لكن ضع في اعتبارك الآتي: أولاً: أن لا ترى عملك وحده هو العمل المؤهل للنهوض بالأمة ولا تحتقر جهود الآخرين. ثانياً: ينبغي أن تصحح هذه الأخطاء وتلك إننا لا نكاد نرى مرضاً من أمراض الأمة والمجتمع إلا وفصائلٌ تصدت له، ونرى جهوداً ولله الحمد قد قطعت شوطاً كبيراً في محاولة تصحيح هذا المرض، لكن نتيجة مشكلة التهارج واعتقاد أن هذا المرض وحده هو مرض الأمة لم نستطيع أن نستثمر هذا النبوغ. فحين نسلك أسلوب التخصص فإننا حينئذ نستطيع أن ننجح بتحويل كثير من خلاف التضاد إلى خلاف التنوع، وحينئذٍ تتفق الجهود وتسير في منظومة واحدة متقاربة.
قد نجد لا شك نوع من الاختلاف في الآراء ووجهات النظر فهذا لا بد منه وأن نصل إلى رأي واحد فهذا أمر لا يمكن تحقيقه لكن فرق بين هذه الصورة وتلك.

عامل الزمن:
عامل الزمن والمرحلة أمر مهم، إن من مشكلات بعض الحلول المطروحة أنها حلول تريد أن تعالج مرضاً نتيجة عوامل عدة وعامل الزمن كان عاملاً مهماً منها. وحين نريد أن نعالج الأمراض في أوقات محدودة، وأن نجمع الناس كلهم في لحظة واحدة ونقول للناس تخلصوا من التعصب والحزبية وصححوا أخطاءكم واتحدوا فلا بد من أن نعي البعد الزمني المناسب، وأظن أنا لو طرحنا مشاريع للوحدة وفق مراحل معينة تأخذ في الحسبان عامل الزمن و الصعوبات والعقبات، وبعد كل مرحلة نقف ونراجع ماذا حققنا وماذا أنجزنا فنستطيع بهذا أن نقطع خطوات عملية. أما حين نريد أن يتحقق هذا في لحظات أو سنوات معدودة فإن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق ولو أخذنا على سبيل المثال هذا المبنى الذي نحن فيه لعلمنا أنه يتم على مراحل، مرحلة نجمع فيها المال ونشتري الأرض ثم ننتقل بعد ذلك إلى مرحلة أخرى ونخطط المشروع ثم نطرح بدائل لتصور تخطيط البناء والمشروع، ثم نبدأ البناء فنجد بعد ذلك أننا أخذنا وقتاً طويلاً في إعداد مبنى مبسط، فما بالكم بالبناء الإسلامي الذي هو أعظم من هذا كله ؛ لا شك أنه بحاجة إلى مراحل أوسع وحين نأخذ في الاعتبار المرحلية فإننا يمكن أن نصل على الأقل إلى صورة أفضل بكثير من الصورة المعاصرة التي نعاني من أمراضها ومشكلاتها.
تلك بعض الآراء وبعض الحلول المقترحة التي أرى أننا ينبغي أن نأخذ بها في دعوتنا إلى الوحدة وحين ندعو إلى وحدة العمل الإسلامي ينبغي أن نكون واقعيين منطقيين وأن لا نتصور أن فلاناً من الناس يمكن أن تجتمع عليه كل فصائل العمل الإسلامي أو أن يكون وصياً وقيّماً على كل تيارات العمل الإسلامي فهذا لا يمكن أن يتحقق. لكن لا بد من أن نفتح لنا على الأقل بعض الأفكار حول هذا المشروع وطرح هذا الموضوع أكثر.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008