تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

رسالة إلى طالب الجامعة

د. محمد بن عبدالله الدويش

 حديث خاص
 طالب الجامعة والمرحلة الجديدة
 هدف الدراسة وغايتها بين طالبين
 الإعداد للمستقبل
 هل أنت في الجامعة أم في الرابعة الثانوية؟
 الطالب الجامعي والتخصص
 طالب الجامعة والدعوة
 الوقت لدى طالب الجامعة
 حتى لا نظلم طالب الجامعة

حديث خاص

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا أله ألا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله . أما بعد:
فحديثنا هذه الأمسية ينطلق من المحاور الآتية:

حديث خاص:
هذا حديث خاص؛ فهو نخبوي، حديث لفئة خاصة من الشباب، وحين يلقى الموضوع داخل أسوار الجامعة ويستمع له طلاب الجامعة فلا بد أن يكون حديثاً حول ما يعنيهم هم.
إننا بحاجة إلى أن نتحدث حديثاً خاصة لفئات شتى من المجتمع: للمرأة، للطفل، للأستاذ، للشاب، لطالب الجامعة، وقد يقف الموقع والمنبر الذي يتحدث المحاضر من خلاله عائقاً دون توجيه الحديث إلى طائفة خاصة ونخبة خاصة، أما وقد كان الحديث هنا داخل أسوار هذه الجامعة فكان هذا دافعاً بالحديث لطالب الجامعة وحده.
إن طالب الجامعة يستحق منا الكثير، يستحق أن نخاطبه، وأن نعني بالحديث عن مشكلاته والبحث عنها وعلاجها، كم هم الآلاف الذين يدرسون لا في هذه الجامعة وحدها، يل في العالم الإسلامي بأسره، وعلى هؤلاء تعقد بإذن الله عز وجل الخناصر والآمال، فهم رجال الأمة في المستقبل، وهم صانعوا مستقبلها، وفي وقت تعيش فيه الأمة مرحلة حرجة، مرحلة حالكة.
إن طالب الجامعة ممن ينبغي أن يسهم أولاً في فهم هذه المرحلة التي تعيشها أمته، وفي إدراك قضيتها ثم في المساهمة بدوره ومسؤوليته.
ومن ثم فحين نعني بتوجيهه والحديث عن مستقبله ومشكلاته، فنحن نصنع الشيء الكثير ونساهم بإذن الله عز وجل في رسم خطوات قد تكون أكثر تفاؤلاً وأكثر صحة لمستقبل طالما تنتظره الأمة.

 للأعلى


طالب الجامعة والمرحلة الجديدة

لا شك أن طالب الجامعة يعيش مرحلة جديدة من حياته، ولعلنا أن نشير هاهنا إلى بعض الملامح التي تميز هذه المرحلة التي يعيشها طالب الجامعة، وقد أطيل فيها قليلاً لأني أشعر أنها مهمة لفهم ما يأتي بعدها، أو بعبارة أخرى لتفهموا المنطلقات التي أنطلق من خلالها في الحديث، وفي طرح بعض ما أراه من رؤية حول طالب الجامعة.

أولاً: طالب الجامعة يأتي إلى هذه المرحلة وقد اجتاز مرحلة المراهقة بكل ما تحمله من مشكلات، كنا مع شاب مراهق تسيره حماسة وعاطفة جياشة، شاب فوجئ بدخوله في مرحلة جديدة من حياته فلم يحسن التعامل معها، شاب يعيش على بوابة مرحلة خطيرة فهي التي ترسم مستقبل عمره، وعاش هذا الشاب سني المراهقة ثم اجتازها.
حين جاء إلى الجامعة كان قد اجتاز تلك المرحلة التي كانت تتسم بالحماسة الفائرة التي تتحكم بنسبة كبيرة في تشكيل تفكير الشاب وتوجيهه وصياغة تصرفاته وأعماله فيما بعد، تلك الحماسة التي تشكل سحباً دون الرؤية المنضبطة الحقيقية، وتسهم في حجب جوانب كثيرة ينبغي أن تحكم تصرفات الشاب وتوجهه، اجتاز تلك المرحلة بما فيها من عواطف جياشة وأحلام اليقظة، بما فيها من مؤثرات قد تكون سبباً في انحراف الشباب وانجرافه.
لقد كنا في تلك المرحلة نتحدث عن الشاب، عن الانضباط وعن الاتزان وعن تحكيم العقل والمنطق، كنا نتحدث مع ذاك الشاب حديث المشفق حديث الناصح بضرورة المحافظة على الهداية والاستقامة، والحرص على الانضباط بالضوابط الشرعية؛ لأننا نرى أنه على أبواب مرحلة قد تزل به فيها القدم.
وهذا لا يعني أننا تجاوزنا هذا الحديث؛ فلا يزال المرء ما دام في دار الدنيا بحاجة أيضاً إلى الحديث في هذا الجانب، ما لم يفارق الدنيا ويودعها، لكن هذا الحديث كان أكثر إلحاحاً في تلك المرحلة السابقة.
إذا فقد أتى الشاب إلى هذه المرحلة وقد اجتاز مرحلة المراهقة بكل ما فيها؛ فلا يسوغ أن يتعامل هو مع حياته على ضوء تلك المعطيات السابقة التي عاشها في مرحلة المراهقة، ولا يجوز أيضاً أن نخاطبه ونعامله معاملة المراهقين.

ثانياً: يعيش الشاب في مرحلته الجديدة تغيراً في عاطفته؛ قد كان في السابق يحمل عواطف معينة تتمحور حول دائرة ضيقة، أما الآن فقد صار يحمل عواطف اجتماعية وإنسانية، صار يدرك ما تعيشه الإنسانية، صار يدرك المجتمع والأمة ومصائبها، صار يدرك ذلك كله ويتطلع للتغير، ويتأثر بهذه العواطف أيًّا كانت ثقافته، بل أيًّا كانت أيدلوجيته وفكره ومعتقده؛ فطالب الجامعة في هذه المرحلة يعيش عواطف اجتماعية وإنسانية تتجاوز حدود محيطه الذاتي، وتتجاوز حدود محيطه الأسري القريب.
ومن ثم تشهد هذه المرحلة في الجامعات عموماً مرحلة الانتماء للأحزاب السياسية والتوجهات الفكرية، والحماس لمنطلقاتها؛ لأن تلك الأحزاب والاتحادات والجمعيات تحمل على عاتقها هم الإصلاح، أياً كان هذا الإصلاح الذي تراه.
قد تختلف برامج الإصلاح بل تتناقض، وتتضارب، لكنها كلها تدور حول الرغبة في الإصلاح سواء كان أولئك جادون فعلاً في رغبتهم أو ليسوا جادين، والذي يرفع الشاب في هذه المرحلة إلى الانتماء لتلك الأحزاب والتنظيمات هو شعوره بالعواطف الاجتماعية والإنسانية، ونحن وقد حمانا الله وكنا في مأمن تلك التوجهات والأحزاب والتنظيمات؛ فصرنا نعيش مجتمعاً خاصاً له طبيعته الخاصة وله تفكيره الخاص ونسأل الله عز وجل أن يجنبننا ما يعانيه من حولنا من تفرق وتشرذم، إلا أن حديثنا هنا عن طبيعة طالب الجامعة وأنه يحمل مثل هذه العواطف للإصلاح والتغيير، وليس هذا دعوة للانخراط في مثل هذه الأفكار والتوجهات.
إذا فطالب الجامعة في هذه المرحلة تغيراً نفسيًّا؛ فقد تجاوز التمركز حول ذاته وبرز له خط الغيرية فصار يفكر في الغير، ويحمل العواطف الاجتماعية والإنسانية.

ثالثاً: التغير العقلي والنمو العقلي؛ فهو يعيش مرحلة خصبة من تفكيره العقلي، وهذه أخصب مراحل العمر، ولهذا ترى الطالب في هذه المرحلة يتعامل مع تخصصات جديدة وعلوم جديدة فيستطيع أن يجتازها، دع عنك من قد يفشل في اجتياز تخصص ما أو قد يجد فيه صعوبة، وقد تكون هذه الصعوبة غير عائدة بالضرورة إلى قدراته العقلية، قد تكون عائدة إلى توافقه مع هذا التخصص أو ميوله أو اقتناعه به، أو إلى أسباب نفسية وخارجية، وقد تعود أيضاً إلى أسباب ترجع إلى قدراته العقلية.
لكن حينما تنظر هذه النظرة الشمولية فإنك ترى أن الأسباب العائدة إلى قدراته العقلية قد لا تحمل بالضرورة المسؤولية الكاملة حول فشل الطالب في هذا التخصص أو غيره.
إذا فالشاب في هذه المرحلة يشهد مرحلة متميزة، مرحلة تمتاز بالعمق والقدرة على الاستيعاب أكثر من غيرها، ومن ثم فهذه المرحلة هي التي يقرأ فيها الطالب كثيراً، وهي التي يستوعب فيها الطالب أكثر.

رابعاً: هذه المرحلة مرحلة التفكير في المستقبل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وتتحكم رؤية الشاب للمستقبل في تحديد مدى هذا التفكير ومساره، ثم ما يترتب على هذه التفكير فيما بعد من رؤية للإعداد للمستقبل وصياغته.
لقد كان الشاب في المرحلة الثانوية -وكان يعيش مرحلة المراهقة - همه الفريق الرياضي وانتصاره، وهمه ظروف معينة يعيشها داخل أسرته، وحتى الشاب المستقيم الخير فإن همه أيضاً يقف دون خطوط معينة لا يتجاوزها، حتى مستقبله لا يفكر فيه إلا تفكيراً عاجلاً، لكن حين صار إلى السنة ا لأخيرة من المرحلة الثانوية وبالتحديد الفصل الدراسي الثاني بدأ يفكر تفكيراً جادًّا في المستقبل فصار على بوابة مرحلة جديدة، إن خريج المرحلة المتوسطة يلتحق بالمرحلة الثانوية، فهو أمام خيار واحد محدد سلفاً، أما خريج المرحلة الثانوية فهو أمام خيارات عدة.
كما بدأ يفكر تفكيراً آخر: في الزواج، في الوظيفة، في سائر مايتعلق بالمستقبل، بدأ يفكر في ذلك كله تفكيراً جادًّا.
تفكير الشاب وثقافته قد تشكل رؤيته للمستقبل، فهناك من تنحصر رؤيته للمستقبل في الزواج والحصول على الوظيفة المناسبة، وقد تكون الوظيفة المناسبة وظيفة قريبة من موقع أهله وسكنه، أو وظيفة تعطيه مكانة اجتماعية مرموقة، أو وظيفة تتفق مع ميوله؛ فتنحصر دائرة المستقبل أمام هذا الشاب داخل هذا الإطار، وهناك من يتجاوز هذا الإطار فيرى أن مستقبله الحقيقي يتمثل في أن يسهم في صياغة مستقبل مجتمعه وأمته، وأن يفكر في أن يكون له دور فعال في صياغة الأحداث، وفي التغيير في المجتمع، فهو الآن طالب، لكنه بعد سنوات محدودة سيقف أستاذاً يتحدث أمام جمع من الطلاب، أو سيقف خطيباً أو يقف خبيراً في دائرة، أو موظفاً يسهم في اتخاذ قرار يؤثر بصورة أو بأخرى في مجتمعه.
إن هذا يفكر في المستقبل، والشخص الآخر الذي يفكر في الزواج والوظيفة ولا يتجاوز تفكيره هذه الدائرة هو الآخر يفكر في المستقبل، إذا فنحن في المرحلة الجامعية مع طالب يفكر في المستقبل أيًّا كان إطار تفكيره وتوجهه، ويشكل المستقبل حيزاً واسعاً من نطاق تفكيره.
لذا فأدعوكم إلى مراجعة التفكير، ما رؤيتك للمستقبل؟ هل هذه الرؤية تليق بموقعك أم هي رؤية عاجلة لا تتجاوز حدود الحصول على وظيفة مناسبة أو على شريكه الحياة وبناء مسكن يقيك من الشمس والهواء والأمطار؟ إنها الأفكار التي كانت تسود لدى رجل الصحراء والبادية، وأحسب أن ثقافة طالب الجامعة وتفكيره تدفعه إلى تفكير أبعد ورؤية أسمى من هذه الرؤية العجلى القاصرة.

خامساً: لقد انتقل الشاب من المرحلة الثانوية إلى المرحلة الجامعية نقله بعيدة، كان في المرحلة الثانوية يدرس كتاباً مطبوعاً بالألوان وعناصر وفقرات محددة، كتاب محدد بصفحاته ثم يتلقى أسئلة الامتحان وهي في الأغلب محددة فيما درس، وتعتمد على حفظه للمعلومات واستظارها فيما بعد، لكنه أتى إلى الجامعة فوجد الصورة تختلف كلية، إما أن يكون مرجعاً أو كتاباً يختلف عن سابقه أو أن يعمد إلى الكتابة مع الأستاذ، أو إلى التصوير ممن يكتب بعد ذلك، المهم أن هذا تغير له أثره في نفسية الطالب فيما بعد، كذلك طبيعة المقررات والتخصصات، فهو الآن أمام مقررات جديدة، قد يقرأ في الجدول عنوان المادة ولا يفهم إلا العنوان وبعض المفردات، أما مضمون هذه العنوان وما وراءه فلا يعرف شيئاً منه، بخلاف دراسته السابقة فقد كان يدرس مادة تتكرر معه طوال دراسته ومراحله .
ونظام الدراسة وطريقتها، القسم، التخصص، ا لجامعة، كل هذه الأوضاع وهذا التغير في طبيعة الدراسة لابد أن يسهم في تغير شخصيه طالب الجامعة ويؤثر فيها بصورة أو أخرى.

سادساً: طالب الجامعة أصبح الناس ينظرون إليه نظرة أخرى تختلف عن نظرتهم إلى طالب المرحلة الثانوية، ولابد أن تترك هذه النظرة أثرها في شخصيته، وفي نظرته هو لنفسه وما ينبغي أن تكون عليه.

سابعاً: كان الشاب يعيش في مدينته وربما في قريته أو ريفه، ثم جاء إلى الجامعة وإلى هذه المدينة بصخبها وضجيجها، جاء وعاش حياة الاغتراب كان في السابق، كانت والدته أو والده يتحمل عناء لإيقاظه لصلاة الفجر، وكان يعتمد على أهله في ذلك، ثم يعود بعد صلاة الفجر ليسترخي على فراشه ويكون على والده أو والدته أو غيرهم مسؤولية إيقاظه إلى المدرسة، وربما إيصاله، أما الآن فهو يتحمل مسؤولية نفسه؛ فيستيقظ للصلاة، ويستيقظ للذهاب إلى الجامعة، ولديه الحرية في الحضور للمحاضرة وعدمه، ولهذا نرى بعض الطلاب قد لا يستطيع أن يحسن استخدام هذه الحرية التي لم يعتد التمتع بها، فتكثر حالات الحرمان والغياب في المراحل الأولى من الجامعة، ثم يستقر به بعد ذلك المطاف.
قد أكون أطلت في الحديث حول المرحلة الجديدة لدى طالب الجامعة، ذلك أني أرى أهميتها، وهي منطلق حديثي وخطابي لطالب الجامعة.

 للأعلى


هدف الدراسة وغايتها بين طالبين

نحن أمام طالبين في المرحلة الجامعية:

الطالب الأول: الذي يرى أن هذه الدراسة فرصة للحصول على وثيقة تؤهله لوظيفة تدر له مبلغاً من المال، أو تعطيه مكانة اجتماعية. وطالب آخر يدرس بنية أخرى تختلف عن ذاك؛ فهو يبتغي وجه الله عز وجل، ويرى أنه خلق لعبادة الله سبحانه وتعالى، وإذا كان المرء خلق لعبادة الله عز وجل فهذه المرحلة التي تتحكم في صياغة حياة الشاب فيما يستقبل حياة من عمر هي مرحلة أوْلى أن تحاط بهذا بالسياج، وأن تكون داخل هذه الدائرة، ومن ثم فإنه يحيط هذا العمل بنية خالصة يبتغي بذلك وجه الله عز وجل، إنه يريد أن يحصل علماً شرعيًّا ينتفع به أو ينفع به غيره، أو يريد أن يحصل على تخصص يخدم أمته ومجتمعه من خلاله.
قد يكون الفرق بينهما في النية فقط، لكنها تترك أثرها بعد ذلك في قرارات كثيرة يتخذها الطالب في دراسته للجامعة.
كيف يُقيِّم كل منهما أستاذ الجامعة؟ إن الطالب الأول يُفضِّل ذاك الأستاذ الذي مقرره لا يتجاوز صفحات معدودة، والذي يكون سخيًّا كريماً في تصحيحه ودرجاته، بفضل الأستاذ الذي لا يرسب عنده أحد، هذا هو المعيار الأول في تقويمه لهذا الأستاذ بعيداً عن شخصيته، وبعيداً عن فكره وتوجهه وعن عمقه، بعيداً عن إخلاصه وصدقه.
أما الطالب الآخر: فالأستاذ المفضل لديه هو الذي يقدم شيئاً جديداً، هو الأستاذ الذي يراه قدوة في فكره الذي يحمله وفي عطائه وفيما يقدمه.
إنني لا أطالب الطالب أن يتخلص من طبيعته وبشريته، وأحسب أني أكون مثالياً حين أطالبك بالتخلص من هذا، فإنني أعرف أنك طالب، ويهمك أن تجتاز المراحل الدراسية، أسال الله أن يعينك ويوفقك، لكن حين يكون هذا هو وحده الحاكم على حياتك وتصوراتك فإن هذا أمرٌ يحتاج إلى مزيد تأمل ومناقشة.
حين يتخرج الطالب فنحن أمام طالبين قد تخرجا ومضت تلك المرحلة بما فيها، الطالب الأول كان همه الحصول على هذه الوثيقة وقد حصل عليها وودع كل ما تلقاه ودرسه حين خرج من بوابة الجامعة يحمل هذه الوثيقة، أما الشخص الآخر فقد تخرج ولا يزال يحمل فكراً ويحمل علماً.
إن الإنسان الجاد الذي يعي مصلحة نفسه يحترم تخصصه، فأيهما يخدم مصلحتك ويخدم مستقبلك: حين تعتني بدراستك وتهتم باستيعاب هذا التخصص وما درسته حتى تكون فيما بعد ناجحاً في عملك؟ ومؤهلاً لان ترتقي في وظيفتك لأنك تحمل المؤهلات التي تؤهلك لذلك، مؤهلاً لأن تنجح في إدارة عملك حين تقوم بالعمل.
إن منطق الإنسان المادي البحث الذي يفكر بعقلانية بحتة بعيداً عن قضية النية الصادقة والخالصة، ينبغي أن يكون جادًّا في دراسته، وأن يعيد النظر في كثير من جوانب نظرته لأستاذه ونظرته للمواد الدراسية؛ لأن هذا يرسم مستقبله وقد يندم في المستقبل حين يدرس مقرراً يعتمد على مقرر سابق.
من الذي سيخدم الأمة والمجتمع ؟ النموذج الأول أم الثاني؟ ثم سؤال آخر ما الفرق بين الحالتين ؟ما الفرق بين الشخص الجاد الذي يتعلق بهدف جاد ويوظف وقته على خدمته وتحقيقه والشخص الآخر والنموذج الآخر؟
إنني أعرض أمامك نموذجين ورؤيتين لطالب الجامعة، ومن حقك أن تقتنع بهذه الرؤية أو تلك، ومن حقك أن تختار هذه الوجهة أو تلك، لكني أحسب أن اختيارك لهذا الخيار أو ذاك سوف يؤثر فيما بعد على جوانب كثيرة من حياتك.

 للأعلى


الإعداد للمستقبل

يفكر طالب الجامعة كثيراً في المستقبل، ويقوده هذا التفكير إلى الاقتناع بأن الشاب يمكن أن يصنع شيئاً كثيراً في المستقبل.
إننا نقول كثيراً لطلابنا في المرحلة الثانوية: إنكم شباب يجب أن تسهموا في مستقبل أمتكم ومجتمعكم، ونتحدث لهم عن المستقبل حديثاً يشعرون أنه مثالي، لكن طالب الجامعة لابد أن ينظر نظرة أخرى؛ فما بقي عليه إلا أربع سنوات أو أقل أو أكثر، وتتحول إلى أستاذ أو إلى معيد في الجامعة، أو إلى موظف في قطاع عام أو خاص، وتسهم إسهاماً فاعلاً في صياغة مستقبل المجتمع والأمة أياً كان هذا الإسهام.
وأعيذك بالله من حال الأستاذ الذي لا يراعي المسؤولية، الأستاذ الذي يرى أن وظيفته ومهمته مجرد إعطاء معلومات جافة ليحصل بعد ذلك على مقابل مادي، أو الموظف الذي يرى أن دوره لا يتجاوز كتابة بضع كلمات على الأوراق.
إذن أنت بين خيارين للمستقبل: أن تكون إنساناً عاملاً منتجاً، أو مجرد موظف أمنيته الحصول على مقر عمل قريب من سكنه، والحصول على عائد مادي يتناسب مع طموحه، وما سوى ذلك لا شأن به.
ومن حقك أن تختار الموقع الذي تراه يليق بشخصك، لكنك حين تختار الخيار الأول –وهو اللائق بك- فينبغي أن تعلم أن هذا الاختيار يفرض عليك الإعداد لهذا المستقبل، الإعداد لأن تكون مؤهلاً لأداء هذا الدور الذي ترسمه لنفسك، من خلال استيعابك لتخصصك الذي تدرسه، وعنايتك به، وشعورك بأن الدراسة أبعد هدفاً من مجرد الحصول على الشهادة، ومن خلال الاستزادة في تخصصك خارج إطار الجامعة، في القراءة والاطلاع والمتابعة.
ويأتي العلم الشرعي في رأس القائمة؛ فهو يحتاجه الجميع، لاليكون طالب علم متخصص، إنما ليحصَّل الحد الأدنى الذي لاغنى للشاب المسلم عنه أياً كان تخصصه، ليؤهله ذلك لقدر من الاستقلال في فهم اجتهادات العلماء، ولأن يقرأ في كتب أهل العلم ويبحث عما يشكل عليه.

 للأعلى


هل أنت في الجامعة أم في الرابعة الثانوية؟

لقد درس طالب الجامعة ثلاث سنوات على الأقل في المرحلة الثانوية، ثم انتقل إلى الجامعة، فهل هو أصبح فعلياً طالباً جامعياً؟ أم أنه لايزال في الرابعة الثانوية؟
إن بعض الطلاب يعيش بعقلية طالب المرحلة الثانوية وتفكيره، فلا يعدو انتقاله إلى المرحلة الجامعية من أن يكون زيادة في رصيده الدراسي من السنوات.
حين يطلب من طالب جامعي إعداد بحث عن شخصية من الشخصيات، فإنه لا يعدو أن يكتب عن: ولادته، نشأته، طلبه للعلم، ثم يذكر لك نتفاً من أحداثه، ثم وفاته وأين دفن؟ وما ذا قال الناس عنه؟ وهذا يقدم مادة مفيدة لمن يقرأ، لكن هل يليق أن يكون طالب الجامعة بمثل هذه العقلية؟ أليس المطلوب من طالب الجامعة أن يحلل هذه الشخصية وأن يبحث –بعد أن يجمع هذه المعلومات- عن أسباب النجاح الذي حققه هذا العلم المترجم له، ثم عما قيل حوله من تهم وأخطاء، وماذا انتقد عليه؟ وما العوامل التي أثرت في تفكيره؟ وما الآثار التي تركها هذا الرجل؟
كثير من البحوث التي يقدمها طلاب الجامعة لاتتجاوز القص واللصق، وقد تتفاوت المهارات تبعاً لمهارة الطالب في الحصول على المكان الذي يبدأ منه القص وترتيب هذه القصاصات التي يجمعها، وتختلف مهارة الطلاب في التوفيق بين هذه المقولات أما التحليل والمناقشة ووجهة النظر الشخصية المبنية على منطلقات علمية فهذا يندر أن يوجد عند كثير من طلابنا.
مثال آخر: طريقة تلقى المعلومات، كان الطالب في المرحلة الثانوية يعتمد على سماع معلومات يلقيها عليه الأستاذ ثم يحفظها ويعيد استظهارها، ولهذا فهو لا يستطيع أن يتحدث عن هذا الموضوع أو هذه المشكلة من خلال وجهة نظر أو اقتناع خاص، أما إذا انتقل إلى المرحلة جامعية فإن انتقل بنفس العقلية السابقة فإنه في الواقع لا يعدو أن يكون في السنة الرابعة الثانوية.
إن طالب المرحلة الجامعية يجب أن يسهم في الحصول على المعلومات، وتقييمها ونقدها وتحليلها، وأن تكون لديه القدرة على صياغة أفكار جديدة من خلال معطيات تعطي له سابقاً.
وطالب الجامعة ينبغي أن يكون له دور في فهم الحياة؛ فلا يسوغ أن يكون مجرد إنساناً يعيش في المجتمع ويتطبع بما فيه، ويحمل الأفكار السائدة أياً كانت هذه الأفكار، بل لابد أن يرتقى إلى مرحلة أعلى، فيسهم في فهم الحياة، ويسهم في فهم المجتمع، وفي تقويم الأفكار والعادات والتقاليد التي يراها في المجتمع، وفي الحكم على صحتها وخطئها، ثم يسهم في التغير الإيجابي.
وحين يشارك طالب الجامعة في الأنشطة التي تقدم من خلال الجامعة، أو الأنشطة الأخرى التي يقضيها مع زملائه، فينبغي أن يكون له معها شأن آخر، لقد اعتاد في المرحلة الثانوية أن تقدم له أنشطة في قوالب محددة يسير فيها، ولهذا لا نلومه حين يتهم هذا النشاط بالفشل أو الضعف، ويقف عند هذا الحد دون أن يكون له دور إيجابي.
أما طالب الجامعة فلا بد أن تتغير رؤيته لمثل هذه الأنشطة، لقد كان في السابق لا يزيد على أن يكون مجرد متلق لمثل هذه الأنشطة أو منفذ لها، أما الآن فلابد أن يسهم في النقد البناء، وأن يسهم في التقويم والإصلاح، ولهذا فليس مما يليق بطالب الجامعة أن ينتقد هذا البرنامج ويقف عند حدود النقد، بل لابد أن يتحمل مسئووليته في الإصلاح والتقويم.
إننا كثيراً ما نسمع انتقاد الطلاب للأنشطة التي تقدم في الجامعة، وأنها ليست على مستوى طموحهم، ومن حق الطالب أن ينتقد ويطالب بمستوى أعلى، لكنه لابد أن يدرك بأن عليه أن يسهم هو في صياغة مثل هذه الأنشطة، وأن يدرك أن موقعه قد تغير؛ فلا يسوغ أن ينتظر منا أن نقدم له برنامجاً على مدار الأربع والعشرين ساعة، أو نقدم له مثل البرنامج الذي كان يعيشه في المرحلة الثانوية؛ إنه الآن في مرحلة جديدة ينبغي أن يتأقلم معها.

 للأعلى


الطالب الجامعي والتخصص

سؤال عند ما أطرحه عليكم فإني لا أزيد على أن أثير الهم والأشجان: ما المعيار الذي اخترتم على أساسه التخصصات التي توجتهم إليها؟ وليس هذا مجال إجابة هذا السؤال.
لكن الطالب الآن أمام تخصص اختاره وتوجه إليه، وقد يكون اختيار هذا التخصص طوعاً، وقد يكون كرهاً، باعتبار أنه لم يجد إلا هذا التخصص، وحتى التخصص الذي اختاره الطالب طوعاً هو الآخر قد يكون ناشئاً عن قناعة وتفكير وشعور بالحاجة إليه، وقد يكون ناشئاً عن موافقة الزملاء، أو لاعتبارات معينة، أو لاعتبار أنه يخدم وظيفة شاغرة في بلده .. الخ هذه العوامل.
ومهما كان معيار اختيار التخصص فالطالب الآن يجب أن يتعامل مع الأمر الواقع، فالأمة الإسلامية بحاجة إلى جميع التخصصات أيًّا كانت، وبحاجة إلى أن يبدع شباب الأمة وجيلها، وهي بحاجة إلى الاستغناء عن أعدائها فيما بعد.
ومن ثم فالطالب الذي تخرج في الجامعة ويحمل شهادة تؤهله أنه مختص في هذا الجانب أو ذاك ينبغي أن يحمل مصداقية في ذلك من خلال عنايته بتخصصه وفهمه له، ومن خلال متابعته لما يطرح في إطار تخصصه.
ولايقف الأمر عند الاعتناء بالتخصص واستيعابه، بل لابد من الاعتناء بالجوانب الشرعية المرتبطة بالتخصص، ويبدو هذا واضحاً في الدراسات الإنسانية، التي ليست علماً محايداً، فلابد من الاعتناء بالتأصيل الشرعي لهذه العلوم، والمنتظر من الطالب الجاد الذي يدرك قيمة تخصصه أن يعتني بتحصيل مايحتاجه من العلم الشرعي في إطار تخصصه، وأن يعتني بمتابعة الطرح الإسلامي المتعلق بهذا التخصص.

 للأعلى


طالب الجامعة والدعوة

يشعر طالب الجامعة بمسؤوليته تجاه الواقع الذي يعيشه داخل أسوار هذه الجامعة، حينها يتساءل ما دور طالب الجامعة في الدعوة؟ كيف ينجح طالب الجامعة في دعوته؟…إلخ هذه التساؤلات.
إن طالب الجامعة بحاجة إلى أن يستفيد من خبرات الآخرين، وبحاجة إلى أن يستنير بآرائهم، لكن لا يسوغ أن يكون مجرد إنسان يجيد طرح التساؤلات والمشكلات، ويبحث عن الحلول الجاهزة.
إن مهمته تبدأ من التفكير في المشكلة، والبحث عن أسبابها وحلولها، ودور خبرات الآخرين ليس في إعطاء الحلول، إنما في إثراء التجربة وتقويمها. أما الطالب الذي يقتصر على التساؤل، وينتظر الوصفات الجاهزة فلو أعطي هذه الحلول فإن قدرته على تطبيقها وتنفيذها قد لا تكون بتلك الصورة المتناسبة مع حجم المهمة التي تنتظر منه.
وأمام طالب الجامعة فرص كبيرة للدعوة؛ فمرحلة الدراسة الجامعية مرحلة النضج، ومرحلة تلقي الأفكار والإيمان بها والحماسة لها؛ ولذا تمثل الجامعات منطلقاً خصباً لكثير من الأفكار والدعوات، الصحيحة والباطلة على حد سواء.
ويضاف لذلك تغرب طالب الجامعة ومفارقته لأهله وعشيرته، ومفارقته لأصدقائه السابقين كل ذلك يهيئ الأرضية المناسبة لاستماعه للدعوة واستجابته لها.

 للأعلى


الوقت لدى طالب الجامعة

يؤدي تغرب الطالب عن أهله وعشيرته إلى توفر قدر كبير من وقت الفراغ لديه؛ وبخاصة أولئك الذين لاتتطلب دراستهم جهداً كبيراً منهم خارج أسوار الجامعة.
ويتساءل كثير من الطلاب: كيف أقضي وقتي وكيف أستفيد منه؟ وتساؤلات أخرى: كيف أدعو في الجامعة؟ كيف أستطيع أن أطلب العلم وأوفق بين التخصص الذي أعيشه والتحصيل العلمي الشرعي؟
قد نقبل من طالب يدرس في السنة الرابعة الثانوية بإلقاء هذه التساؤلات، وهو ينتظر توصيات وخطوات محددة تقف مهمته عند التنفيذ، أما طالب الجامعة فمن حقه أن يثير هذه التساؤلات، وأن يستفيد من رؤية الآخرين، لكن لا ينبغي أن يكون انطلاقه في العمل متوقفاً على حصوله على هذه الإجابة، وحين يتلقى الإجابة فينبغي أن تكون معينة له وموجهة، أكثر من محددة لمساره في خطوت معدودة.
وننتظر من طالب الجامعة أن يطور أفكار الآخرين، وأن يتجاوز القبول المطلق والرفض المطلق لما يسمعه من آراء.
وثمة جانب له أهميته يتعلق بوقت طالب الجامعة المغترب بوجه أخص: فكثيرة هي المناقشات التي تدور بين الشباب في سكنهم ولقاءاتهم، وكثيرة هي القضايا التي تملأ وقتهم، فما نصيب القضايا الجادة من حديثهم؟ وهل فكروا في أن التخطيط لمضمون ما يطرح للنقاش سيولد مع مرور الوقت ثمرات عدة، ويسهم في اغتنام أوقات كثيرة كانت ضائعة؟
وحين نتجاوز المضمون إلى الأسلوب والمنهج، فهل النقاش الذي يدور نقاش موضوعي منطقي، نقاش يليق بطالب في مثل هذه المرحلة؟ هل هو نقاش بعيد عن مجرد النزاع والجدل والخصومة، نقاش يفترض سماع وجهات نظر الآخرين واحترامهم والقبول والرد، نقاش يليق بطالب يعيش في المرحلة؟

 للأعلى


حتى لا نظلم طالب الجامعة

إن العدل منهج شرعي، فحين ننتقد جوانب من شخصية طالب الجامعة اليوم، فينبغي ألا ننسى الجوانب المشرقة والمضيئة لدى شبابنا، فهم التزموا بالإسلام في عصر القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، ولعلهم من أسعد الناس بوصف النبي صلى الله عليه وسلّم بقوله:"فطوبى للغرباء"، وهاهم يقبلون على العبادة والعلم والدعوة وإصلاح أنفسهم والناس، وهاهم يفوقون غيرهم حتى في المجالات الدنيوية، وليس هذا ميدان الإفاضة في ذكر هذه الجوانب المشرقة، إنما هي إشارة عاجلة يقتضيها المقام (وللتفصيل في ذلك ارجع إلى محاضرة القابضون على الجمر).
ومن جانب آخر ينبغي ألا نحمله ما لايحتمله، فكثير من مظاهر الانتقاد التي تناولناها ليس طالب الجامعة هو وحده المسؤول عنها؛ بل هو إفراز لبيئة تربوية واجتماعية، فقد عاش في أسرة تسيطر عليها أنماط معينة من التفكير والنظريات والرؤية للمجتمع والمستقبل.
لقد عاش وهو يسمع والده وأمه يحدثانه كثيراً: اجتهد في دراستك حتى تتفوق وتحصل على وظيفة مناسبة، وحين يرون منه إهمالاً فإنهما يحدثانه عن المستقبل والحصول على الوظيفة المرموقة، أو الحصول على التقدير الذي يؤهله لأن يحصل على تلك الوظيفة التي تتناسب مع مقامه وطموحاته.
ومع هذه التربية التي تلقاها في بيته وأسرته، أتى إلى المدرسة وصار يسمع هذا الكلام من أستاذه للأسف، لقد كنتم تسمعون كثيراً وأنتم في السنة الثالثة الثانوية الحديث عن المعدل والتقدير الذي يؤهل للتخصص المناسب، نعم من حق الطالب أن يحرص على الحصول على معدل يؤهله لاختبار تخصص يريده، ومن حقه أن يجتهد في هذه الدراسة في هذه المرحلة بل ينبغي له ذلك، لكن حين يوجه لذلك فإنه يوجه لا لأجل أن يحصل على تخصص يمتعه بوظيفة ذات مركز اجتماعي مرموق، بل ليخدم الأمة ويسهم في نهضتها، مبتغياً بذلك وجه الله عز وجل ساعياً إلى مرضاته.
كم مرة سمعتم الحديث عن المستقبل الذي يعني المشاركة في بناء الأمة، المشاركة في التغير في المجتمعات لا أقول من آبائكم بل من أساتذتكم ومعلميكم؟
وتحدثنا عن ذاك الذي يفكر بعقلية ساذجة وسطحية، عن ذاك الذي يريد أن يتلقى فقط الأفكار والآراء دون تمحيص ومناقشة، وهذا هو الآخر لا يعدو أن يكون إفرازاً للتربية التي عاشها في بيته؛ فوالده لم يربه على استقلال التفكير، ولم يفتح له المجال للمناقشة، ولم يستمع لوجهة نظره، ووالدته كذلك، وأستاذه كذلك، لقد اعتاد أن الشخص المثالي هو الذي دائماً يهز رأسه ويقول سمعاً وطاعة، وهو الذي يستجيب لكل ما يسمع دون مناقشة وتردد، ولست أدعو هنا إلى التمرد والعصيان والفوضى، لكني أرى أن هذا الشاب الذي تربى على هذا المنهج إفراز لأزمات تربوية نعاني منها داخل الأسرة، بل داخل المؤسسات التربوية.
وهذه الأزمات هي المسؤولة عن خروج طالب الجامعة بمثل هذا التفكير، وبمثل هذه السطحية التي لا تليق بمثل هذه المرحلة.
لكن المؤمل بعد ذلك في طلابنا أن يسعوا إلى تجاوز هذه الأمراض والسلبيات، وألا يستسلموا لها باعتبار المسؤول عنها غيرهم.
وأحسب بعد ذلك كله أنكم توافقوني -وإن اختلفتم معي في بعض النتائج أو بعض الأفكار- إن الأفكار المرضية التي نعاني منها ينبغي أن نتحدث عنها بصراحة ووضوح، فإن هذه أولى خطوات العلاج، لكني أيضاً يجب أن أكون واقعيًّا ولا أحمل طالب الجامعة المسؤولية الكاملة عما هو عليه.
هذا والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وسبحانك اللهم بحمدك ،أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


تعليقات الزوار
الاسـم: سحاب الخير
التعليق: جزاكم الله خير,.. لقد أستفدت الكثير والكثير من هذه المادة بحكم أنني طالب جامعي مستجد أشكر شيخنا المربي ... الرسالة التي وصلتني من هذه المادة أنني في مرحلة جديدة ولن أنجح فيها إلا إذا أعتمدت على ن

الاسـم: بندر بن صالح الخليفة
التعليق: جزاك الله خير يا شيخنا الفاضل ونفع بكم

الاسـم: بندر بن صالح الخليفة
التعليق: " إن طالب الجامعة يستحق منا الكثير، " تكفي هذه منك يا شيخنا الفاضل.. على العهد بك غيور مربي ناصح محبوب ، متابعون لهذه المادة البناءة..

جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008