تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

دعوة للعمل

د. محمد بن عبدالله الدويش

 دعوة للعمل
 القرآن يدعو إلى العمل
 وفي السنة النبوية دعوة للعمل
 أهل العلم على الجادَّة يدعون إلى العمل
 من صور الإخلال بالعمل
 صور مشرقة

دعوة للعمل
دعوة للعمل
سنة الله في الحياة ألاَّ يعيش فيها ولا يفلح إلاَّ الرجل العامل، بل ولا يأكل رزقه إلاَّ الرجل العامل، وحتى أصحاب الشهوات والمبادئ الأرضية لا بد لهم من عمل يحصلون من خلاله على ما يريدون، فكيف بالمسلم العابد لله عز وجل؟
إن صاحب المؤسسة الخاصة والعمل الشخصي لا يريد أن يوظف لديه إلاَّ الرجل العامل المنتج، والتقارير ومعايير الكفاية لديه مرتبطة بالعمل الذي يقدمه والإنتاج الذي يحققه، ومدير الدائرة الرسمية هو الآخر لا يريد إلا الموظف العامل، ومعايير التقويم الرسمية وغير الرسمية لديه أيضاً مرتبطة بعمل الموظف وما يقدمه، ولا نزال نسمع أن فلاناً المسئوول أو فلاناً المدير، حين انتقل من دائرته أو من شركته اختار بعض الموظفين في مكتبه لينقلهم معه، والسبب في ذلك أنه أدرك أنهم عاملون جادون، فهو يريد رجلاً عاملاً يعينه ويعتمد عليه.
فالعمل هو مطلب الجميع ومعيار التقويم، بل حتى في تاريخ الأمم أيضاً، فالأمم إنما ترتقي وتفلح بالعمل والإنتاج، وأي أمة سطرت لها تاريخاً سواءً أكانت حضارة مرتبطة بدين سماوي قامت به على هداية الناس، أم حضارة مادية ارتفعت بها على الناس في دنياهم، فأي أمة دخلت التاريخ لم تدخل التاريخ إلاَّ من بوابة العمل. وفتش في صفحات التاريخ فإنك لن تجد فيه مكاناً لأمةٍ من الكسالى أو غير العاملين، اللهم إلاَّ أن تجد لها صفحات من الذم، والحديث أنها كانت ضحية للمتآمرين والطامعين.

 للأعلى


القرآن يدعو إلى العمل
القرآن يدعو إلى العمل:
حين نقرأ القرآن الكريم نجد أنه قد أولى هذا الأمر عناية وجعله مطلب أساساً؛ فالإيمان لابد وأن يعطف العمل الصالح على الإيمان في أكثر من خمسين موضعاً في القرآن الكريم.
ولا شك أن ذكر الإيمان مجرداً يدخل فيه العمل الصالح؛ إذ الإيمان كما وصفه النبي  : "الإيمان بضع وستون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
ثانياً:- الإيمان في القرآن حين لا يصاحبه عمل يصبح دعوى فارغة لا يحق لصاحبها أن يدَّعيها ((قالت الأعراب آمنَّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن يطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم * إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون))، إنه لا يحق لكم أن تدعوا الإيمان ولا يحق لكم أن تقولوا آمنَّا لأنكم لمَّا تصلوا إلى مرحلة الإيمان، فالمؤمنون هم الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، إن المؤمنين حقًّا هم العاملون الذين عملوا وقدموا أنفس ما يملكون من الأنفس والأموال جاهدوا في سبيل الله عز وجل بأعز ما يملكون أولئك هم الصادقون.
ثالثاً:- يعلق القرآن الجزاء في دار الدنيا على العمل: ((يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون)) ،إنَّنا نقرأ في القرآن الكريم كثيراً من المصارع التي آلت إليها الأمم المكذبة والأمم الضالَّة، ونقرأ التعقيب في آيات القرآن الكريم أن هذا الجزاء الوخيم الذي صار إليه أولئك المكذبون إنما كان في مقابل عملهم السيئ وفي مقابل ما قدَّموه، فالعمل هو الذي قادهم إلى هذا المصير المحتوم.
والعمل الصالح يلقى المرء جزاءه في الدنيا بركةً وسعةً في الرزق: ((و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)).
رابعاً: السؤال يوم القيامة والحساب إنما هو عن العمل ((ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدة ولكن يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون)) ، ((وترى كل أمةٍ جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون)) ،فحين يسأل المرء يوم القيامة ويحاسب ويجزى، فهو إنما يحاسب ويجازى على أعماله، وعلى ما قدّم أخيراً كان أم شرًّا ؛ فالعمل إذا هو مناط الحساب والجزاء.
خامساً: الثواب الأخروي وهو الأساس الذي شمَّر إليه المشمرون، الذي تسابق إليه العاملون، وتنافس فيه الصالحون مرتبط أيضاً بالعمل، ((ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون)) ((كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون))، فما فاز من فاز، ولا أفلح من أفلح في دار القرار ودار النعيم المقيم إلاَّ بالعمل، والرصيد الوحيد الذي يؤهله لهذا التكريم وتلك المكانة إنما هو عمله الصالح.
سادساً: العقاب الأخروي في نار الجحيم مرتبط هو الآخر بالعمل: ((ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلاَّ ما كنتم تعملون)) ، ((فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنَّا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون)) ، وحين يطالبون بالعودة إلى دار الدنيا -وأنَّى لهم ذلك- فهم إنَّما يطلبونها من أجل أن يمكنوا من العمل؛ فقد أدركوا الآن قيمة العمل، فقد نسوا الدنيا التي كانوا يعيشون فيها من أجل الشهوات الفانية: من أجل المال، من أجل الجاه، وتلك المعاني التي كانت تستحق عندهم التضحية بالمبادئ، وبكل ما يملكه الإنسان؛ فهم يريدون العودة إلى الدنيا لأجل أن يعملوا: ((و هم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنَّا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكَّر)) ، ((فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنَّا نعمل)).
سابعاً: التفكير في آيات الله عز وجل وما يتبعه من مشاعر لا بد أن يتحول إلى رصيد عملي يقول الله عز وجل: ((إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار * ربنا إنَّنا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنَّا ربَّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنَّا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار * ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد * فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيل وقاتلوا وقتلوا لأكفرنَّ عنهم سيئاتهم ولأدخلنَّهم جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار)) هذا التفكير وهذا الدعاء دعاهم إلى العمل ((فاستجاب لهم ربهم أنِّي لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى))، وما هو هذا العمل؟ ((فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا))، إن الهجرة والإيذاء في سبيل الله عز وجل وما يتبعها إنما هي نتيجة لذلك العمل الذي كانوا يقدِّمونه، حين تصدَّوا لحمل دين الله عز وجل ودعوة الناس إليه حتى واجهوا ما واجهوا من قومهم وأوذوا وقاتلوا وقتلوا وأخرجوا من ديارهم، وهاجروا من أجل أن يفرِّوا بدينهم من تلك الفتنة التي تعرضوا لها. إنَّ هذه الهجرة مع أنّها عمل، وهذا الإيذاء الذي تعرضوا له مع أنه عمل إلاَّ أنهما أيضاً ناشئان عن عمل وجهد، فلن يتعرض للإيذاء ولن يضطر للهجرة إلاَّ ذاك الذي واجه الأعداء بما يكرهون، والذي أعلنها صريحة مدوية في وجه الأعداء فاضطر لأن يتحمل الأذى والضيم في سبيل الله عز وجل، ويُتبع ذلك بالخروج من تلك الديار وتلك البلاد فاراً بدينه من الفتن.
ثامناً: والوعظ والتأثر به والخوف من الله سبحانه وتعالى لابد أن يقود إلى العمل؛ فينتج رصيداً عملياً: ((يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا * ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منك جزاءً ولا شكوراً، * إنَّا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً * فوفاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا))، لقد كانوا يخافون من هذا اليوم العبوس القمطرير، فماذا كان أثر هذا الخوف؟ وماذا كانت نتيجته؟ لقد دعاهم هذا الخوف وهذا التأثير الذي لمسوه في قلوبهم إلى أن يطعموا الطعام على حبه للمسكين واليتيم والأسير، وفي آية أخرى ((ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)).
وهكذا سائر المشاعر القلبية؛ فالحب الذي هو شعور من المشاعر القلبية التي تختلج في مشاعر الإنسان لابد أن يدفع إلى العمل ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني بحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)).
تاسعاً: لقد مقت الله عز وجل القول بغير عمل وذمه وعابه: ((يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)) ،وأتبعت هذه الآيات بقوله: ((إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص)) ، فالله سبحانه وتعالى إنما يحب العاملين، إنما يحب المقاتلين الذين يجاهدون في سبيل الله عز وجل، الذين يعملون ولا يشغلهم القول عن العمل.
هذه شواهد متضافرة من كتاب الله سبحانه وتعالى الذي نتلوه جميعاً صباح مساء كلها تدعونا إلى العمل، وكلها تجعل القضية مرتبطة أصلاً بالعمل.

 للأعلى


وفي السنة النبوية دعوة للعمل
وفي السنة النبوية دعوة للعمل:
فالعلم -الذي هو من أشرف العبادات وأفضل من النوافل- ما لم يقد صاحبه إلى عمل، يصبح شرًّا يستعاذ بالله منه. لقد دعا  وعلمنا أن ندعو: "اللهم إنِّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع" فالعلم أيًّا كان هذا العلم ما لم يقد صاحبه إلى عمل، ما لم ينفع صاحبه لا يصبح فضولاً فقط، بل يصبح شرًّا يستعاذ بالله منه وما قيمة العلم إذا لم يثمر العمل؟
ووظيفة المسلم في الحياة هي العمل؛ فقد علمنا  أن ندعو للمريض إذا عدناه بأن نقول: "اللهم اشف عبدك فلاناً ينكأ لك عدوًّا أو يمشي إلى صلاة" فأمرنا عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء للمريض لأن وظيفة المسلم في هذه الحياة هي أن يعمل؛ فينكأ العدو بجهاده بسنانه، وينكأ العدو بأن يغيظ قلوبهم بالكلمة الصادقة، وبالدعوة لدين الله عز وجل، وبقول كلمة الحق غير وجلٍ ولا هياب، والنكاية بالعدو وإغاظته عمل متعد نفعه إلى سائر المسلمين، ثم ذكر الصورة الأخرى من العمل الذي نفعه قاصر على الإنسان نفسه وهي الصلاة، فذكر أعلى الأعمال القاصرة وهي الصلاة، وأعلى أعمال العبد التي يتعدى نفعها إلى الآخرين وهو الجهاد.
إذاً فوظيفة المسلم وهمه وشغله في هذه الحياة هو أن ينكأ عدواً أو يمشي إلى الصلاة، وحين يصاب بالمرض فإنه يدعو له بالشفاء من أجل أن يعود لأداء مهمته.
و أما الواقع العملي للنبي  فهو خير شاهد على ذلك، إنك حين تقرأ سيرة النبي ، تقرأ فيها سيرة ذاك الرجل الداعي إلى الله عز وجل، الذي يضحي بأوقاته وراحته وبكل ما يملك  في العمل ونصرة هذا الدين، إنك تراه  في أوائل صفوف المجاهدين، وأول من يفزع إذا سمع وجبة أو صيحة، وأول من يرق قلبه حين يرى بعض أصحابه قد أصابته فاقة، وأول من ينفق على محتاج أو يحن على مسكين، وتراه  سبَّاقاً في كل ميدان من ميادين العمل، أليس لنا فيه قدوة  وأسوةٌ حسنة؟
إنّنا حين ندعو إلى اتباع سنة النبي  وإلى التأسي بسنته وحين نقول: إن من علامة محبة المرء للنبي  اتباعه لسنته، فإنه لا يجوز أن نقصر هذه السنة على جزء يسير من حياته ، من أعمال أو مظهر أو هيئةٍ كان عليها ؛ فسنَّة النبي  هي أداء الصلاة في وقتها مع الجماعة، هي قيام الليل، هي صيام النوافل، هي تشمير الثياب، هي إعفاء اللحية، هي الدعوة إلى الله عز وجل، هي الجهاد في سبيل الله عز وجل، هي الرحمة بالخلق، هي الإحسان إلى الناس، هي العمل بكل هذه الشريعة وبكل ما جاءت به، إن تمام التأسي بسنة النبي  واتباعها أن ننظر إلى سيرته  في كل أحواله وسائر أيامه  ونسير وراءها.
وكان  يربي أصحابه على العمل :
جاءه رجل فقال له يا رسول الله: متى الساعة؟ فقال : ما أعددت لها؟. إن الذي ينبغي أن يشغلك ليس الحديث عن وقت الساعة متى تكون، فهذا أمر علمه عند الله عز وجل، إنَّما الأمر الذي ينبغي أن يشغلك وينبغي أن تسأل عنه هو العمل، فأنت عرضة لأن يتخطفك الأجل في ساعة من ليل أو نهار، وهمك المرتبط بالساعة والذي يعنيك من الساعة هو أن تسأل ماذا عملت؟ وما قدمت؟ وماذا أعددت لهذه الساعة؟

 للأعلى


أهل العلم على الجادَّة يدعون إلى العمل
أهل العلم على الجادَّة يدعون إلى العمل:
حين نقرأ في سير العلماء من سلف هذه الأمة بدءاً بأصحاب النبي  وعبر تاريخ هذه الأمَّة الطويل نجد أن أهل العلم كانوا على هذا المنهج يدعون إلى العمل؛ فهم قد تتابعوا على أن يوصوا طالب العلم بالعمل، وعلى أن يعقدوا فصولاً فيما يكتبون من آداب العالم والمتعلم، وفصولاً في الحديث عن العمل بالعلم.
و للخطيب البغدادي رحمه الله جزءٌ مشهور أسماه "اقتضاء العلم العمل" وأقوالهم مشهورةٌ مشهودةٌ في ذلك.
فأبو الدرداء رضي الله عنه يقول: "إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: قد علمت فماذا عملت فيما علمت". ويقول أيضاً: " لا تكون عالماً حتى تكون بالعمل عاملاً".
و كان يقول علي رضي الله عنه: علمت فاعمل.
و قال الحسن: الذي يفوق النَّاس بالعلم جدير بأن يفوقهم بالعمل.
ثانياً: المسائل الفقهية التي لا يترتب عليها عمل تعتبر من لغو الحديث عند علمائنا، ولهذا فإنهم يوصون طالب العلم أن يعتني بقراءة وبحث المسائل التي يترتب عليها ثمرة عملية، وكثيراً مايعقب علماء الأصول وعلماء الفقه بحث كل مسألة بأن يقولوا: والثمرة العملية لهذه المسألة كذا وكذا. أي ما يترتب عليها من عمل.
ثالثاً: السائل حين يسأل وحين يستفتي لا بد أن يسأل عن مسألة يعقبها عمل، فهو يسأل ليعمل، وإلاَّ كان مجادلاً مماحكا لا يستحق الإجابة عن سؤاله.
و أما واقعهم العملي وتاريخهم فخير شاهدٍ على ذلك، لقد كانوا يتصدرون لتعليم الناس، ويقضون نفيس أوقاتهم في ذلك، وهذا من خير العمل الذي يقدمونه للأمة، وما هذا التراث الذي نراه بين أيدينا من التصنيف والتأليف والتعليم إلاَّ جزاءً من نتيجة هذا العمل الذي كان يبذله سلف الأمة ويتواصون به.
وكانوا أيضاً قائلين بالحق محتسبين على العامَّة والخاصة، قد حفظت تراجمهم مواقف خالدة في إنكار المنكرات وقول الحق والوقوف في وجه الفجرة والظالمين.
ومع ذلك كانوا في الصفوف الأولى من المعارك، فقد كان في مقدمة صفوف صلاح الدين الفقهاء والمحدثون والعلماء، حتى أمر أحد المحدثين أن يحدث ويقرأ وهو بين الصفين، ثم قال: هل سمع أحدٌ في هذا الموطن؟ قال: لا. فصار يفتخر صلاح الدين رحمه الله أنه أول من سمع الحديث وهو بين الصفين وقد التحمت السيوف.
إذاً فقد كان أهل العمل عاملين، سبَّاقين في تعليم العمل والتصدي للناس ونفعهم والإحسان إليهم، وفي قول كلمة الحق، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي التجديد لهذا الدين، وكم صفحة مرَّت على هذه الأمة فاحتاجت إلى مجدد ليرفع الغشاوة عن هذه الأمة فقام أهل العلم وتصدوا وتحملوا ما تحملوا من مضايقة الناس ونقدهم وعيبهم والتشكيك في نواياهم والطعن فيهم، فقد واجه عبدالغني المقدسي رحمه الله ما واجه، وواجه شيخ الإسلام ابن تيمية ما واجه، وواجه محمد بن عبدالوهاب ما واجه، وكل المصلحين الذين مرُّوا على تاريخ هذه الأمة واجهوا ما واجهوا من الطعن والتشكيك في نواياهم وتآمر أهل الفساد وعلماء السوء وأهل البدعة والهوى عليهم، ومع ذلك تحملوا ذلك كلَّه في ذات الله سبحانه وتعالى؛ فقد كان همهم وداعيهم هو العمل.
ولعل ما ذكرنا من الآيات القرآنية والشواهد من سنة النبي  ومن مواقف أهل العلم يعطينا الاقتناع التام بأن العمل يجب أن يكون همَّنا دائماً، وأن يكون هو الهاجس الوحيد لنا؛ فنتساءل دائماً ماذا عملنا وماذا قدمنا؟

 للأعلى


من صور الإخلال بالعمل
من صور الإخلال بالعمل:
ثمة صور من الإخلال بالعمل قد تبدو لنا أحياناً أنها مفيدة، وأنها من مجالس الخير لكنَّها صور شاذة، لا يقع فيها إلاَّ الذين تخلَّوا عن العمل، فلنشر إلى بعض هذه الصور:
أولاً: لغة النقد التي يحترفها البعض وتملأ مجالسهم؛ فينتقد الأفراد والجماعات والدعاة والعلماء والكتَّاب، وينتقد البرامج والمؤسسات الدعوية نقداً صارخاً لا يبقي على الأخضر واليابس، بل يكون النقد هدفاً يقرأ من أجله ويسمع من أجله.
إن هناك من تطوع ليقدم خدمة لأعداء الدين وأعداء الدعوة بالمجان، فقضى نهاره ولياليه في الطعن والنقد والتصنيف والإثارة، إنك حين تتساءل عن حال هذا الرجل ماذا قدم؟ هل هدى الله عز وجل على يديه شابّاً ضالاًّ؟ أو أنقذ فتاةً من الغواية أو دعا رجلاً غير مسلم إلى الإسلام؟ أو أنكر منكراً ظاهراً أو تصدى لتعليم علم؟ لا تكاد تجد رصيداً يذكر من هذه الأعمال.
مساكين أولئك الذين أوقاتهم في مثل هذه الأحاديث، مساكين أولئك الذين أصبح همهم الطعن في الآخرين والنقد والتقويم والتصويب، فأنت ترى من اشتغل بالعمل، واشتغل بالعمل لنصرة الدين طلباً للعلم أو تعليماً ونشراً له، أو تحفيظاً لكتاب الله عز وجل، أو دعوة إلى الله عز وجل، دعوةً للمسلمين المقصرِّين ، دعوةً لغير المسلمين، جهد هنا وجهدٌ هناك، فترى هذا التيار المتدفق من هذه الجهود المبذولة، وترى أولئك قد أفلسوا من هذا الرصيد كلِّه وانشغلوا بالغيبة والنميمة والتصنيف.
إن أشد عقوبة وأقسى عقوبة يعاقب بها المرء أن يحرم العمل، وأن ينشغل الآخرون فيغتنموا أوقاتهم بالعمل المنتج والمثمر الذي يكون لهم رصيداً عند الله عز وجل، أما هو فيشغل المرء نفسه بمثل هذه الأعمال، فماذا عساه أن يلقى عند مولاه حين يوقفه فيسأله ماذا عملت وأنت ترى المنكرات العامة التي أصبحت تعج بها المجتمعات؟ ماذا فعلت وأنت ترى الأمَّة تقاد إلى الهاوية ، وأنت ترى الأعداء قد تآمروا على الإسلام من الشرق والغرب؟
إنَّنا لا نرفض مبدأ النقد ولا نرفض مبدأ الحديث عن الأخطاء، لكن هذا شيء وما يُصْنَع وما يدور في مجالس هؤلاء العابثين شيء آخر.
ثانياً: كثرة الشكوى من مشكلات الواقع، ومشكلات العمل الإسلامي، ومشكلات الشباب والدعوة، إلى آخر هذه القائمة الطويلة، وهي غالباً ما تكون شكوى صادقة، لكنَّها تحتل مساحة من التفكير فينطبع أثرها على السلوك والعمل فيصبح صاحبها محطم الآمال سريع اليأس.
قد ترى أحد الشباب قد شغل بمشكلة خاصة؛فهو –على سبيل المثال- يشتكي من أنَّه يقع في هذه المعصية أو تلك، تراه يشتكي أنه يقصر في هذه الطاعة أو تلك؛ فتسيطر هذه المشكلة على تفكيره وتستولي عليه؛ فتصبح هاجساً أمامه، حتى يتحول إلى شاب محطم الآمال، ليس له قدرة على أن يعمل أو ينتج؛ فتتحول تلك المشكلة وبالاً عليه.
أو ذاك الذي شغل بمشكلات الدعوة ومشكلات العمل الإسلامي ومشكلات الأمة؛ فأصبح محطَّم الآمال، لا يتحدث إلا عن صور الإحباط الذي حصل له: من جرَّاء ثقته بهذا العمل فبان على خلاف ما يظنه، أو ثقته بفلان فبان أنه ليس كذلك، إلى غير ذلك…..
إن هذه المشكلات موجودة سواءً أكانت في شخصك، أم كانت في أوساط الشباب والناشئة، أم في أوساط العمل الإسلامي، وهي مشكلات يعاني منها الجميع، وتؤرق ذهن المخلص الصادق، وذهن من يحمل همَّ هذا الدين وهذه الدعوة الصادقة، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا قدَّمنا من عمل؟ وماذا يغني الانشغال بالمشكلات والتفكير فيها؟ إنه لا يعدو أن يكون فيروساً يقتل العمل المنتج، فيروساً يقضي على الإبداع، فيروساً يحطَّم كل همة يمكن تتولد عند صاحبها.
لقد نهى الله نبيه  أن ينشغل بهذه الأمور وبهذه الهموم؛ فنهى نبيه العامل الذي تحمل ما تحمل في سبيل الدعوة لدين الله عز وجل والجهاد لإعلاء كلمته نهاه سبحانه وتعالى عن أن يهلك نفسه وأن ينشغل بالهم على أولئك المعرضين: ((فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً)) ،((لعلك باخع نفسك ألاَّ يكونوا مؤمنين إن شاء الله ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين)) ، ((فإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتعي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكوننَّ من الجاهلين)). فما بالنا بعد ذلك ننشغل بالحديث عن المشكلات؛ فتسيطر علينا حتى تؤدي بنا إلى الإحباط.
ثالثاً: كثرة التساؤل: ما دوري؟ ماذا أصنع؟ كيف أطلب العلم؟ كيف أحفظ؟ كيف أدعو؟ إلى غير تلك القائمة الطويلة من الأسئلة التي ترد، ولا يعقبها خطوات عملية جادَّة.
إن التساؤل ابتداء مطلب مهم لا جدال فيه، لكنه مطلب سليم حين يكون مصحوباً بإرادة العمل، بالهمة التي تدفع إلى العمل، أما حينما يكون سؤالاً يكرره الشاب في كل مناسبة فليس الأمر كذلك.
قف الآن وتفكر في نفسك ماذا قدَّمت وأنت على مدى سنين تطرح هذه الأسئلة؟ أليس هذا من القول بغير عمل؟ ألم تصل إلى إجابة على هذه الأسئلة؟
إنها أسئلة قد تكون جادَّة لكن لا بد أن تكون أسئلة مصحوبة بالعمل بإرادة العمل والنية الجادة العازمة.فإذا شعرنا أنَّنا لم نتقدم خطوات جادَّة فإنِّنا غير عاملين.
رابعاً: الانهزام أمام أي مشكلة، أو تعويق أو مضايقة، والتخلي بحجة عدم فتح المجال، وعدم التأييد إلى غير ذلك من الأعذار.
شابٌ يدرس في مدرسة أو يعمل في مؤسسة أو يدرس في جامعة في أي مكان على عرض هذا العالم الإسلامي وطوله؛ فيحاصر نشاطه وتوصد الأبواب أمامه، فيقف مكتوف الأيدي بانتظار فتح الأبواب أو طلب الانتقال إلى مجال آخر يمكن أن يعمل فيه، أي منطق يسيطر على تفكير هذا الصنف من الناس، هل كان أنبياء الله عز وجل كذلك؟ ومن بعدهم الدعاة والمصلحون، هل كانوا يفكرون بهذه العقلية؟
بل وهل كان دعاة الفتنة وأصحاب الطوائف والمبادئ الأرضية كذلك؟ ألم يكونوا يعملون، سنوات طويلة وهم يضايقون ويتعرضون للسجن والمضايقة والملاحقة والمتابعة، ومع ذلك يدعون ويتحملون؟ وأقرأ في تاريخ الطوائف الباطنية، بدءاً بالعصور المتقدمة من تاريخ الإسلام كيف كان القرامطة والإسماعيلية والدروز والنصيرية والرافضة وغيرهم من أصحاب الأفكار الضالة؟ كيف يعملون ويتعلمون مع المضايقة ومع التضييق على جهودهم؟
فما بالنا نحن يسيطر علينا هذا المنطق: لدي استعداد أن أعمل لكن عندما يفتح المجال أمامي، عندما تبارك جهودي، عندما أُدعى إلى العمل.
خامساً: الاكتفاء بحمل المشاعر المؤيدة للخير وأهله، والمشاركة في المنتديات والدروس العامة، دون أدنى خطوة إيجابية أو مشاركة فعَّالة، ولعلنا نجد قطاعاً كبيراً من الناس يرى أن دوره يقف عند هذا الحد؛ فيتصور الشاب أن هذا غاية ما يمكن تقديمه، وأن الذهاب والإياب مع الأخيار والمشاركة في الأعمال والمنتديات كافٍ في أن يجعله في قطار الدعاة إلى الله عز وجل.
إن هذا بلا شك خطوة مطلوبة، أن يختار الشاب رفقة صالحة يصحبهم في حلهم وترحالهم، في إقامتهم وسفرهم، ويشاركهم مناشطهم، لكن هذا وحده لا يكفي أن يجعله منخرطاً في سلك العاملين والدعاة إلى الله عز وجل، فلابد أن يقدم عملاً، لا بد من أن يقدم مبادرة ومشاركة في أي مجال يمكن أن يساهم فيه.
سادساً: ما يدور في مجالس المثقفين خاصة وأنصاف المتعلمين من الحديث المستفيض عن الدعوة والدعاة.
فليت الدعاة يصنعون كذا، ولعلهم يقولون كذا أو يتحفظون من هذا القول أو من ذاك، وهي مقترحات جادَّة وانتقادات منضبطة، لكنَّها تدار في هذه المجالس والمتحدث يعبث بمسبحته أو يهز يده، إنهم يتحدثون كثيراً في مجالسهم ومنتدياتهم عن الدعوة وعن همومها، ولو فعل الدعاة ولو صنعوا ولو تجنبوا ولو صار كذا وكذا، ولكن هذا الحديث لا يعدو أن يكون حديثاً مجرداً في مثل هذه المجالس وهذه المنتديات، لا تكاد ترى له أثراً عمليًّا أو مشاركةً فعالة من أولئك.
إنَّها طبقة من الناس المؤيدين للخير والمحبين له، لكنها طبقة تعاني من البطالة والفراغ العملي، ويظن أحدهم أنه حين يملأ مجالسه بمثل هذا الحديث قد قدم خيراً كثيراً للأمة.
سابعاً: الحديث المستفيض عن واقع المجتمع: نقداً لصور الانحراف وقصص الفساد؛ فيأخذ الحديث ساعات طوال مع النماذج والأمثلة، يجتمع النّاس والخيرون منهم خاصة في مجلس من المجالس فيتحدثون عن انتشار الفواحش، فهذا يذكر قصة، والآخر يذكر حادثة، والثالث قضية، والرابع إحصائية وهكذا يستمرون في حديث طويل لا يقطعهم عنه إلا شغل آخر؛ فيظنون أن هذا حديثاً خيراً، وأن هذا من باب إشغال المجلس بما يفيد؛ فيقضون ساعات طويلة، وينتهي المجلس بعد ساعات دون أي نتيجة عملية، إن هذا الحديث ولو كان مصحوباً بالبكاء والنشيج والتألم على واقع المجتمع، فهو لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يمكن أن يدفع الأمة ولو خطوة واحدة، لقد تجاوزنا جميعاً ويجب أن نتجاوز الاكتفاء بالشعور بواقع المجتمع، ونتجاوز مرحلة فساد الناس، ومرحلة الاكتفاء بالحوقلة والاسترجاع، أن نتجاوز ذلك إلى العمل والمشاركة الفعالة، وماذا يجدي عنَّا شابٌ يتوقد همةً وحيوية يملأ مجالسه بالبكاء والتألم على واقع الأمة، والإفاضة في الحديث عن ذكر الصور المؤلمة من ألوان الانحراف والفساد التي تعج بها مجتمعات المسلمين، دون أن يتبع ذلك بأي رصيد عملي أو خطوة عملية.
و لو ألزمنا بعد نهاية كل مجلس من هذه المجالس أن نخصص ونقتطع جزءاً من هذا الوقت للسؤال عن الدور العملي الذي يجب أن نقوم به لمواجهة هذه المشكلة أو تلك، لتحول حديثنا إلى لغةٍ أخرى، ولتحولت مجالسنا إلى مجالس منتجة.
ثامناً: الحديث عن المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام والصحوة من الأعداء في الداخل والخارج، حديث المتشائم، حديث من يقول بلسان حاله رويداً، فالسيل لن تسدَّه بعباءتك، ولست وكيلاً لآدم على ذريته، منطق من يقول لكم دينكم ولي دين، لقد فسد الناس ومرجت عهودهم، ولا مجال للإصلاح؛ فالدعوة تحاصر، والمنكر يحمى ويدعى إليه، وماذا عساك أن تقدم؟ فلا يزيد صاحبنا على الحوقلة والاسترجاع.
إن الحديث عن الأعداء وعن تآمرهم مطلب مهم بل ملح، فلا بد أن نكون واعين لما يحيك أعدائنا من المؤامرات، ولا بد أن نتحدث عن الأعداء وخططهم ومؤامراتهم، التي تحاك في الداخل والخارج من القريب والبعيد، لكن هذه الأحاديث يجب أن تدعونا إلى العمل، وإلى أن يكون رصيداً عملياً، أما أن تسيطر هذه الأحاديث علينا فتصبح هماً يشغلنا عن العمل، هماً يحولنا إلى أناس محطمين ومبددي الأعمال فهذا من الانشغال بالقول عن العمل.
تاسعاً: تدافع الأدوار والمسئووليات وإلقاء التبعات على الآخرين، يحق لموظف يعمل من أجل أن يتسلم الراتب أن يقول إن إنجاز هذا العمل من مهمة فلان، ويحق له أن يقول هذا ليس شأني بل هو من اختصاص فلان، يحق لعامل بناء أو عامل في شركة أن يتحدث بهذا المنطق، أما الدعاة إلى الله عز وجل، أما الذين يسابقون في الخيرات ويعملون لله فيجب أن يكون لهم منطق آخر ولغة أخرى.
كم نحتاج إلى ذلك الصنف من الناس الذي همه العمل، إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، ذاك الصنف الذي يعمل في كل الأحوال: في السرَّاء والضراء، الذي يعمل مع المشكلات ومع العقبات، يعمل بهدوء وصمت، ويتكيف مع الظروف أيًّا كانت.

 للأعلى


صور مشرقة
صور مشرقة:
حتى لا يكون حديثنا متشائماً، وحتى نضع الأمل المشرق أمام الراغبين في الاستجابة للدعوة إلى العمل، فلنختم بالإشارة إلى بعض العناصر الفعَّالة والنماذج الجادة العاملة.
إن منهم: ذلك الشاب الذي ثنى ركبته في بيت من بيوت الله، ليعلَّم أبناء المسلمين كتاب الله عز وجل، في حين يعيش أقرانه جلسات الانبساط والحديث المتبادل.
وذاك الذي أخذ على عاتقه تربية النشء ومصاحبتهم، والتوجه لكل مؤامرات الأعداء التي تسعى لغمس الشباب في مستنقع الرذيلة .
والآخر الذي تصدَّى لإنكار المنكرات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار ليله في الأسواق والمجامع العامة، أو في مراكز الاحتساب متحملاً الأذى والمضايقة، بل حتى الامتناع من حضور هذه المجالس حيث لا تتيسر له. وقبل يومين كنت أتحدث مع أحدهم فصار يحدِّثني عن موضوع هذه المحاضرة ويقول إنه لن يتيسر لي حضورها لأنِّي منشغل بهذا العمل وهذا الميدان، فقلت: لا يعنينا حضورك؛ فأنت من العاملين ولست بحاجة إلى أن ندعوك إلى العمل.
والرابع الذي رقَّ قلبه للأكباد الجائعة والبطون الخاوية، فصار يقوم على المحتاجين، فيعتني بشؤونهم ويقوم برعايتهم في المبرَّات الخيرية أو الجمعيات الاجتماعية، التي تسهر على رعاية حال أولئك.
وهل ننسى بعد ذلك ذاك الشاب الذي اختار الغربة والبعد عن العشيرة والأهل، ليعمل في منطقة نائية محتسباً لله عز وجل، فلله درُّه كلما رأيناه تذكرنا التضحية والصدق والعزيمة الجادة، وتذكرنا مصعب بن عمير ومعاذ بن جبل –رضوان الله عليهم- وغيرهم من أولئك الذين كانوا يغتربون للدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى.


إنها صور كثيرة مشرقة من صور أولئك العاملين، فها هو الميدان أمامك فإن شئت فاقرأ التاريخ: تاريخ الأنبياء والدعاة والمصلحين، تاريخ سلف هذه الأمة، وإن شئت فانظر إلى هذه النماذج التي تراها بعينيك؛ فترى هذه النماذج الفعَّالة العاملة، إنها كلَّها تقول بلسان حالها: هيا إلى الميدان والعمل، كلها تدعوك بلسان الحال والمقال إلى العمل الجاد والمنتج.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008