تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

القابضون على الجمر

د. محمد بن عبدالله الدويش

 مدخل
 لماذا الحديث عن الإيجابيات؟
 إيجابيات هذا الجيل المبارك

مدخل

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلّم عبده ورسوله ،أما بعد:
فعنوان حديثنا هذه الليلة: القابضون على الجمر، وهو كما تعلمون حديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم فقد أخبر صلى الله عليه وسلّم: "أنه يأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر".
وهو ليس حديثاً عن القابضين على الجمر بأصنافهم وأحوالهم وأمورهم؛ إنما هو حديث عن طائفة نحسبهم والله حسيبهم ممن يصدق عليهم هذا الوصف النبوي.
لقد مرت الأمة بجهود للتغريب، وجهود لسلخها عن دينها وإخراجها من عقيدتها، ولقد تضافرت جهود أعداء الأمة بصد الشباب وفتنتهم عن دين الله تبارك وتعالى، ورأينا صوراً في عالمنا الإسلامي تدمي وتحزن وتحرك أشجان من كان له قلب، ومن يملك غيرةً وعاطفة على هذه الأمة المباركة، من بُعد شباب المسلمين عن الله تبارك وتعالى، ومن سَيْر هؤلاء وراء قذارة وتقليعات هذه الحضارة المعاصرة، وسيرهم وراء أعداء الله.
وفي وسط هذا الواقع المظلم البائس، وفي وسط هذا الانحراف والبعد؛ رأينا نماذج فذّة، ورأينا صوراً إيجابية، رأينا صوراً لامعة من ذلكم الشباب المتدين، الشباب الصالح المحافظ، الذي أصبحنا نراه يتوافد على المساجد وعلى ما يدله على دين الله تبارك وتعالى، من مجالس العلم، ومجالس الخير، والصحبة الصالحة، ورأيناه يأخذ طريقاً غير طريق أقرانه وأترابه.
وها هم هؤلاء الشباب أمام مرأى المسلمين وجمعهم، ها هم يلتزمون بأمر الله تبارك وتعالى، ويستقيمون على طاعة الله عز وجل، في هذا العصر المائج المضطرب.
فحديثنا هذه الليلة عن بعض الجوانب المشرقة من واقع هؤلاء القابضين على الجمر.

 للأعلى


لماذا الحديث عن الإيجابيات؟

الحديث عن هذا الموضوع له دوافع عدة:

أولها:
أنه تثبيت لهؤلاء السائرين على هذا الطريق، والذين قد يواجهون ما يواجهون، فهم حين يشار لهم بما ميّزهم الله به وخصهم به، وحين ترفع أمامهم هذه اللافتات؛ يزيدهم هذا ثباتاً، ويزيدهم إصراراً في المضي على الطريق، ويزيدهم عزيمة لأن يحتملوا ما يصيبهم في هذا الطريق من اللأواء والنصب والنكد.

ثانيها:
هذا الحديث دعوة لأولئك الذين لمّا يسلكوا هذا الطريق، أولئك الذين لا يزالون يسيرون في ركاب الغفلة والبعد عن الله تبارك وتعالى، فنقول لهم: ها هو الطريق، وها هم أولاء قد سبقوكم، فبادروا فالميدان رحب واسع فسيح، لا يزال يتسع لكم ولأمثالكم، وأنتم طالما سمعتم الدعوة من خلال الترهيب من هذا المسلك السيئ الذي تسلكونه، ومن خلال التحذير من مغبة هذا الطريق المعوّج الذي تسيرون عليه، لكن ربما كان ذكر بعض الجوانب المشرقة من الطريق الآخر الذي ندعوكم إليه، الطريق الذي سلكه أقرانكم وأترابكم، ووفقهم الله تبارك وتعالى، بل أكرمهم عز وجل بسلوكه، إنكم حين تعرفون مزايا هذا الطريق، وحين تعرفون الجوانب المشرقة، وحين تعرفون تلك المنزلة التي يصلها أولئك الذين جانبوا الشهوات واللذات، وهجروا اللهو واللعب وساروا في طريق الصالحين، إنكم حين تعرفون هذه الجوانب ربما كان هذا دافعاً لكم أن تسيروا، وأن تلحقوا بالقافلة، وأن تدركوها، كما أن الخطر يتهددكم حين تمضون على هذا الطريق المظلم؛ فإن الطريق الآخر أمامكم مفروش بالأضواء، الطريق أمامكم يدعوكم ويقول: هَلُمُّوا فإن الطريق لا تزال تتسع لكم ولغيركم.

ثالثها:
لا نزال نسمع الحديث الكثير عن النقد لبعض المظاهر السلبية لواقع الشباب الصالحين، والحديث عن بعض الأخطاء التي يقعون فيها، وهو حديث لا شك أن الكثير منه يصدر بلغة النصح ومنطق الإشفاق على هؤلاء، والهدف الرائد له الإصلاح والتغيير، وأشعر أنني ممن يشارك أيضاً في الحديث في هذا الأمر، فقد تحدثت كثيراً عن بعض الجوانب، وعن بعض الأخطاء والسلبيات التي ربما وقع فيها هؤلاء الشباب الأخيار، لكننا نخشى حينما يكثر الحديث عن هذه الجوانب السلبية، وحينما يكثر الحديث عن الأخطاء -وهو وإن كان بمنطق النصح والإشفاق - أن يحوَّل الصورة لدينا إلى صورة سلبية، وإلى صورة بائسة، وأن نتصور أن الالتزام والاستقامة التي عليها هؤلاء الشباب لاتعدو أن تكون سراباً ووهما، وأنها قضية خادعة.
إن هؤلاء الشباب يقعون في أخطاء في عبادتهم لله تبارك وتعالى ويقصرون، إنهم يقعون في المعاصي، ويرتكبون طائفة منها، إنهم يقعون في أخطاء في دعوتهم إلى الله تبارك وتعالى، إنهم يقصرون في حقوق إخوانهم، في حقوق أهلهم، في هذا الجانب وذاك، حتى لا تكاد ترى جانباً من الجوانب إلا وترى الحديث عن الأخطاء حوله.
إننا نخشى حين تطول هذه اللغة، وحين يرتفع هذا الصوت، أن تتحول القضية إلى قضية سلبية، وأن نشكك في أصل استقامة هؤلاء الشباب، وفي حقيقة تدينهم والتزامهم، وأن تُحول القضية إلى سراب ووهم خادع، لذا كان لا بد من الحديث عن الجانب الآخر، حتى لا نغلو في هذا الجانب وهذا الميدان.

رابعها:
أن الحديث عن هذه الجوانب المشرقة فيه دعوة للناس، أن يدركوا موقع هؤلاء الشباب الذين أكرمهم الله تبارك وتعالى بهذه الهداية والسير على هذا الطريق، أن يدركوا عِظم منزلتهم ومكانتهم، وأن يدركوا قيمة هذا الإنجاز الذي حققوه؛ فيتعاطفوا معهم في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى التعاطف مع قضيتهم.
إن هؤلاء الشباب الأخيار مع ما من الله عز وجل عليهم من الهداية والاستقامة على طاعة الله، يواجهون أخطاراً تهددهم، إنهم يواجهون الخطر الأكبر الذي يؤرقهم: أن يختلجوا من هذا الطريق، وأن يسلكوا بنيات الطريق فينحرفوا.
وها هم يرون أنهم يعيشون في واقع يعج بالفتن والمغريات، واقع يدعوهم صباح مساء إلى أن يعرضوا عما هم عليه، واقع يدعوهم إلى أن يسيروا مع طريق الضلالة والغواية، ولا عجب فها نحن نرى فِئاماً من الشباب ممن كتب الله له الاستقامة والصلاح في أول عمره، ربما تنكب الطريق، وزاغ وضل، إنها قضية تؤرقهم، قضية تستدعي أن يتعاطف الجميع معهم في هذه القضية التي يرونها قضية القضايا عندهم، أن يتعاطف الآباء، وأن يتعاطف المصلحون، وأن يتعاطف الغيورون في مجتمعات المسلمين، وأن يدركوا أن هذا النشء، وهذا الجيل المبارك يستحق أن نحميه، ويستحق أن نثبِّته، ويستحق أن نعينه.
 إن هؤلاء الشباب يعيشون أيها الاخوة في هذا العصر، يعيشون مأزقاً، بحاجة إلى أن يتعاطف معهم الجميع؛ ففتن الشبهات والشهوات قد بدأت تحاصر المسلمين الآن، وللشباب من ذلك نصيب وافر، بل لهم نصيب الأسد من ذلك، ومن ثم فنحن حين نتحدث عن قضية هؤلاء، حين نتحدث عن ما أنجزه وحققه هذا النشء المبارك، وهذا الجيل الطيب، الذي نسأل الله عز وجل أن يثبته، وأن يعصمه من مُظلات الفتن، وأن يكتب له الامتداد، وأن يكتب له تبارك وتعالى الخير والتمكين.
ولذلك وغيره رأيت أن أتحدث بعض هذه الجوانب التي كثيراً مانهملها وننساها.
وحديثنا لا يعدو أن يكون استثارة لصور نراها من واقع هذا النشء، ودعوةً للتذكير بهذه الصور التي قد ننساها.
قد تتهمني بأني أنطلق من منطلق عاطفة، وأنا لا أبرئ نفسي، ومعاذ الله أن أسعى إلى أن أتخلى عن هذه العاطفة، كيف لا وأنا أدين الله تبارك وتعالى، وأتعبد الله عز وجل بحب هذا الجيل المبارك، وهذا النشء المبارك،. لقد أخبر صلى الله عليه وسلّم في ما رواه طائفة من أصحابه في الصحيحين وغيرهما أن المرء يوم القيامة يُحشر مع من أحب، فإنني أملك عاطفة تجاه هذا الجيل لأنه أطاع الله تبارك وتعالى، بل إنني أتعبد الله عز وجل بحب هذا الجيل، بالولاء له، بالتعاطف معه، وأشعر أن الإيمان وحب الله تبارك وتعالى يستلزم منا حب من يحب الله ويحبه الله تبارك وتعالى، أليس النبي صلى الله عليه وسلّم قال:"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله…"، ألم يخبر صلى الله عليه وسلّم أن ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، إنني حين أسعى إلى دفع تهمة العاطفة عن حديثي هذا فإنني أسعى إلى أن أتخلّى عن واجب شرعي، وحق شرعي، في أن أحب من يطيع الله تبارك وتعالى ومن يحبه الله، بل إننا جميعاً نتعبد الله بحب الصالحين، ونشعر أن مما يكرم الله عز وجل به من أحب الصالحين: أن يبلغهم منازلهم ولو لم يلحق بهم، لقد سئل صلى الله عليه وسلّم عن المرء يحب القوم ولمّا يلحق بهم فقال صلى الله عليه وسلّم:"المرء مع من أحب" ولهذا قال الشافعي –رحمه الله-:

أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارتهم معاصي ** وإن كنا سويًّا في البضاعة

فإن كان الشافعي - رحمه الله - يقول هذه المقولة تواضعاً منه، وإلا فهو -نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً - من الصالحين المصلحين، فنحن نقول هذا حقًّا وصدقاً، فنحن نتعبد الله بمحبة الصالحين.
فالدعوة إلى إلغاء الشعور بالعاطفة ها هنا دعوة غير مقبولة، لكن الذي ينبغي ألا تؤثر في الحكم والتقويم.
وقد تقول لي: إن هؤلاء يقعون في أخطاء وعيوب، فأقول: نعم لكننا لسنا في مقام التقويم، ولسنا في مقام المقاضاة، ولسنا في مقام الموازنة بين الأخطاء والمحاسن، بل أعلم وتعلمون أني تحدثت عن كثير من هذه الأخطاء في أكثر من مناسبة، وأن حديثي عن هذه الأخطاء أكثر من حديثي عن هذه الجوانب، فأنا حين أتحدث عن هذه الجوانب المشرقة لست أدعي العصمة، ولست أدعي السلامة من الأخطاء، ومن ذا الذي لا يذنب؟ ومن ذا الذي لا يقع في الخطأ؟ ولكن هذه الأخطاء مهما كثرت وعظمت لا يمكن أن تُقارن بجوانبِ الإحسان وجوانب الخير، خاصة وأن كثيراً من الأخطاء ليس مصدره الهوى وتعمد العصيان وركوب طريق الغواية.

 للأعلى


إيجابيات هذا الجيل المبارك

الأول: أنه من أسعد الناس بتحقق طائفة من الأوصاف الشرعية:
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلّم: "يأتي على الناس زمان القابض فيهم على دينه كالقابض على الجمر" ، رواه الترمذي وأحمد وأبو داود.
إن هؤلاء قد استقاموا على طاعة الله تبارك وتعالى وابتعدوا عن الشهوات في عصر يعجّ بالفتن والشهوات، في عصر يدعوهم إلى ركوب الغواية، لا شك أنهم كالقابضين على الجمر.
وهم من أسعد الناس بقوله صلى الله عليه وسلّم: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء". وفسر النبي صلى الله عليه وسلّم الغرباء بأنهم الذين يصلحون إذا فسد الناس، وأنهم أناس صالحون في أُناسِ سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، فهنيئاً لكم يا شباب الإسلام، وقد أخذتم على عاتقكم الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فأنتم بين إحدى الحسنيين؛ إن استجاب لكم الناس وأطاعوكم فأنتم من أسعد الناس بقوله صلى الله عليه وسلّم: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً"، وإن عصاكم الناس وأعرضوا عن دعوتكم فأنتم سعداء بقوله صلى الله عليه وسلّم: "أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم".، وهذا النشء المبارك من أسعد الناس بقوله صلى الله عليه وسلّم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل وشاب نشأ في طاعة الله …"الحديث.
إننا حين نقول هذا فإننا لا نشهد لفرد بعينه، ولا لشخص بعينه أن هذه الصفة أو تلك تحققت فيه، لكننا نرى أن هذا الجيل المبارك في الجملة من أسعد الناس بهذه الصفات، ومن أقرب الناس إلى تحققها.

الثاني: استقامتهم على الدين في وسط يحتقر الدين والتدين:
إن العالم الإسلامي اليوم قد فتن بصورة من صور الردة عافانا الله وإياكم، صورة احتقار الدين واحتقار المتدينين، حتى أصبح بعض من المسلمين يستحي حين يصلي مع أقرانه، يستحي حين يعمل طاعة من الطاعات، يستحي حين يمتنع عن معصية من المعاصي، ولئن تفاوتت الدرجات أو الدركات حول هذه الخطيئة التي عمت في بلاد المسلمين، فإن مجتمعات المسلمين تشترك في أن لها نصيب وافر من احتقار الدين وأهل الديانة والتدين، ووصفهم بأقبح الأوصاف وأحطها، واتهامهم بهذه التهم، ومع ذلك يسير هؤلاء الشباب ويستقيمون على طاعة الله تبارك وتعالى ويحتملون ما يواجهونه من احتقار الناس، ولعلهم من أسعد الناس بقول الله تبارك وتعالى:(إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرحِمِين* فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ* إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآئِزُون).  وقوله تبارك وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُون*وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُون* وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ* وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَآلُّون*وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ*فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ* عَلَى الاَْرَآئِكِ يَنظُرُونَ).
قال ابن عبد البر: وقد دأب أهل العلم على الاحتجاج بما نزل من الآيات في الكفار على من تشبه بأعمالهم ولو كان من المسلمين.

أيها الشباب المبارك:
لا يهوَّلنكم أن يسخر الناس بكم ما دمتم تعتزون بدين الله تبارك وتعالى، لقد أخبر الله عز وجل عن طائفة من المنافقين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات فقال تبارك وتعالى عنهم: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وأخبر تبارك وتعالى عن حال الذين يقولون لشياطينهم إنا معكم إنما نحن مستهزئون فقال:(اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون). أيّ منزلة أعلى وأكمل من أن يسخر الله تبارك وتعالى بأولئك الذين يسخرون بعباده الصالحين، وأن يستهزئ بالذين يستهزئون بهم، وأي خسارة وبوار لأولئك حين يتعرضون لسخرية الجبار، وأن يستهزئ بهم تبارك وتعالى.
إن استقامة هؤلاء الشباب وثباتهم في هذا الوسط الذي يحتقر الدين والمتدينين، ويَعُد من صفات القصور والنقص في المرء؛ أن يكون متديناً، إن هذا من أعظم الإيجابيات، ومن أعظم جوانب الإنجاز التي حققها هؤلاء.
الثالث: انتصاراتهم على شهواتهم في وسط مجتمع يعجّ بالفتن والشهوات:
إنها قضية أيها الأخوة ليست بحاجة إلى تمثيل، ليست بحاجة إلى بيان، وأنتم جميعاً لستم بحاجة إلى أذكركم بما تعجّ به مجتمعات المسلمين من مظاهر الإغراء والرذيلة، تلك المظاهر التي تدعو الشباب وتدعو الفتيات إلى مواقع الرذيلة والفساد، حتى صارت الرذيلة تلاحق الشاب والفتاة، في الشارع وفي السوق، بل في منزله، ومع ذلك ينتصرون على شهواتهم ويسيرون في طريق العفة، بإذن الله وتوفيقه تبارك وتعالى.
إن هذا وحده كافٍ في أن نتجاوز كل ما يقع فيه هؤلاء من تقصير في مقابل ما استطاعوا أن يحققوه في وسط فتن تؤزهم إلى الفساد أزًّا وتدعوهم إلى الفساد بكل وسائله وصوره وألوانه.

الرابع: أن هذا النشء المبارك قد أحيا سنة حفظ كتاب الله تبارك وتعالى:
لقد كنا قبل سنوات في مجتمعنا يندر أن نرى إماماً يصلي بالناس وهو حافظ لكتاب الله تبارك وتعالى، فضلاً عن أن نجد شابًّا حافظاً، حتى صار يقال: إن في بني فلان شاب أو رجل يحفظ كتاب الله، بل إنه كان من النادر أن تجد من يتقن تلاوة كتاب الله عز وجل ولو كان المصحف بين يديه.
أما الآن فها نحن نرى هذا الجيل المبارك، هانحن نراه يتوافد ويُقبل على كتاب الله تبارك وتعالى، وهانحن نرى هؤلاء الشباب قد أقبلوا على حفظ كتاب الله تبارك وتعالى، ونرى العديد من هؤلاء مع ما ينشغل به من مشاغل: من الانشغال بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى، من الانشغال بدراسته، من الانشغال بمصالح نفسه ومصالح أهله، مع ذلك نجد العديد بل المئات من الشباب والفتيات قد أتموا حفظ كتاب الله، بل أصبحت وبحمد الله لا تكاد ترى شابًّا من هؤلاء الشباب المتدينين إلا وقد بدأ بحفظ كتاب الله وشرع فيه، حتى أولئك الذين قعدت بهم همتهم وقعد بهم كسلهم وفتورهم لا نزال نراهم يتساءلون في كل مناسبة: كيف أحفظ كتاب الله ؟ما الطريق إلى حفظ كتاب الله عز وجل، وهي صورة أوضح وأظهر من أن نشيد بها وأن نتحدث عنها.

الخامس: العلم الشرعي والعناية به وإحياؤه:
لقد مرت على مراكز العلم وحِلقه ودروسه حالة من الجفاف، حالة من الفقر، كادت الأمة فيها أن تنسى العلم الشرعي، فما لبث هؤلاء الشباب وما لبث هذا الجيل المبارك أن يقبل ويتوافد على حلق العلم وأن يحييها.
إذا أردت مصداق ذلك فاذهب يمنة ويسرة وتأمل في حلق العلم، من هم روادها ؟ من هم الذين يثنون ركبهم في حلق العلم، في وقتٍ يتوافد أترابهم وأقرانهم على أماكن اللهو والمتعة واللعب، في وقت يدعوهم فيه الناس إلى الشهوات، إلى أن يَسعدوا باللهو واللعب؟ ومع ذلك يضحّي هؤلاء فيتركون لذة الفراش والنوم، ويتركون لذة اللهو واللعب، ويثنون ركبهم أمام المشايخ، وأمام حلق العلم، يتعلمون العلم.
وهانحن نرى بحمد الله الدراسات الشرعية والكليات الشرعية، تشهد إقبالاً واسعاً منقطع النظير من هذا الجيل بعد أن مرت بالأمة مرحلة يستحي الطالب فيها أن يقول أنه يدرس في كلية شرعية، وكان المسلمون يرون أنه من العيب والنقص في الشاب أن يدع سائر التخصصات ويقبل على العلم الشرعي.
 إن رواج حلق العلم والإقبال على التخصصات الشرعية، ورواج الكتاب الإسلامي وانتشاره - بل كون الكتاب الإسلامي هو أكثر الكتب رواجاً وانتشاراً في العالم العربي كله - إن هذا دليل على إقبال الناشئة على العلم الشرعي، وهو بلا شك أمارة وعلامة على أن الأمة سائرة نحو المنهج الحق، وعلى أن هذه الدعوة المباركة سائرة على المنهج الصحيح وفي الطريق إليه، لأن الناس حين يقبلون على علم الكتاب والسنة فإن هذا بإذن الله عنوان عصمتهم من الأهواء والفتن والصوارف والضلال.

السادس: الدعوة إلى الله تبارك وتعالى وحمل هم الإصلاح:
إن هذا الجيل وهذا النشء المبارك قد أخذ هذه الدعوة على عاتقه، هانحن نراه يصعد المنبر يخطب الناس أو يقف أمامهم واعظا أو داعيا بأي وسيلة من الوسائل، هانحن نراه يحيي الدعوة بمدرسته، في جامعته، في حيه، بل هانحن نرى هؤلاء هم أبرز الناس وأكثرهم حملاً للدعوة
لقد أصبح همّ الإصلاح وهمّ التغيير في مجتمعات المسلمين يسيطر عليهم بل يُشغلهم عن سائر الهموم التي يهتم بها أقرانهم، ولا عجب ولا غروَ فقد كان للشباب من فرط هذه الأمة ورعيلها الأول: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم من ذلك نصيب وافر، إن خمسة من العشرة المبشرين بالجنة كان أعمارهم حين دخلوا الإسلام دون الخامسة والعشرين، وطائفة من السابقين الأولين إلى الإسلام أمثال علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وخباب بن الأرت والأرقم وغيرهم وغيرهم كانوا لم يصلوا العشرين من أعمارهم ومع ذلك كانت لهم أدوار مثلى، وكان لهم القَدَحُ المعلى في الدعوة لهذا الدين والجهاد في سبيله والقيام بنصرته، ولهذا لا غَروَ أن نجد هذا الجيل وهذا النشء المبارك يحيي سنة أسلافه، ومن تشبه بقوم فهو منهم، ومن سار على طريق أولئك فهذا بإذن الله حريٌّ وجدير به أن يحشره الله تعالى معهم ، فالمرء يحشر يوم القيامة مع من أحب.

السابع: مساهمة كثير منهم في إصلاح بيوتهم:
كثيرة هي البيوت التي صلحت بدعوة شاب ربما لم يبلغ الحلم، أو لم يجاوز العشرين من عمره، وكثير من الآباء والأمهات الذين أصلحهم الله تبارك وتعالى واستقاموا وصلحت بيوتهم؛ فزالت منها المنكرات، واستقامت على طاعة الله تبارك وتعالى بسبب جهد شاب صالح أو فتاة صالحة من هذا النشء وهذا الجيل المبارك.
وطائفة ممن لم يستطيعوا إصلاح بيوتهم والتأثير عليها، قد بذلوا الجهد في ذلك؛ فهم كثيراً مايتساءلون عن وسائل إصلاح بيوتهم، ويحدثونك بأن بذلوا هذه الوسيلة وتلك، وعملوا هذا الأمر، لكنهم لم يوفَّقوا ولم يستطيعوا، والنتائج بيد الله عز وجل.

الثامن: النفع للناس في أمور دنياهم:
إن هذا الجيل المبارك من الشباب والفتيات الصالحين قد أخذ على عاتقه حمل قضية الدعوة والإصلاح، وقد شَعَر أن قضية الناس الكبرى والأساس هي القضية التي خُلقوا من أجلها، لعبادة الله تبارك وتعالى(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).، وشَعَر أن أعظم خير ونفع يقدمه للناس هو أن يدعوهم إلى عبادة الله تبارك وتعالى وطاعته؛ فأخذ على عاتقه هذا الهم، ومع ذلك لم يكن ذلك مشغلاً له عن أن يقوم بالواجب الآخر: أن ينفع الناس في أمور دنياهم، وهو أمر ظاهر بحمد الله، مَن هم الذين يتصدرون للإحسان إلى المحتاجين والفقراء؟ مَن هم الذين يقومون ويسهرون على المبَرّات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية؟ ويجهدون في نفع المسلمين في أمور دنياهم، في مسح دمعة يتيم، أو إطعام جائع في مسغبة، أو التخفيف عن مُصَاب في مصيبة؟
وقد أدرك أعداء الإسلام هذا الجانب، وشعروا أن هذه القضية قد تُكْسِب هؤلاء بعداً عند الناس؛ ولهذا سعوا في حجب هذه الأدوار عن هؤلاء، لكن حالهم حال أولئك الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يُتِمَ نوره.
وهانحن نرى - والحمد لله - هؤلاء الصالحين في كل مكان في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، حين تلم بالمسلمين كارثة أو تصيبهم مصيبة، هانحن نراهم يبادرون لنجدة إخوانهم ونصرتهم ولمسح الدمعة عنهم ولا غَروَ فقد ورثوا هذا الهدي من نبيهم صلى الله عليه وسلّم فقد كان صلى الله عليه وسلّم يحمل الكَلَّ ويعين على نوائب الدهر، وكان صلى الله عليه وسلّم هو القدوة في الإحسان إلى الناس في أمور دينهم وأمور دنياهم.

التاسع: التفوق في سائر مجالات الحياة المختلفة:
مع ما شُغل به هؤلاء، من الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، ومن حفظ كتاب الله، وتعّلم العلم الشرعي، ومن نصرة قضايا المسلمين والاشتغال بها؛ مع ذلك كله ها هم يثبتون للناس أنهم هم المتفوقون في مجالات الحياة، ولا شك أن الاطلاع على نتائج الامتحانات في جامعة من الجامعات في بلاد المسلمين أو مدرسة من المدارس للشباب أو للفتيات؛ تعطينا دليلاً على أن هؤلاء المتدينين والصالحين هم الذين يتصدرون القائمة، وأن أغلب الذين يحققون التفوق هم والحمد لله من هؤلاء.
لقد سعى أعداء هذه الدعوة إلى أن يصوروا للأمة أن هذا التدين وهذه الاستقامة إنما هو إفراز لمشكلات نفسية، أو مشكلات اجتماعية واقتصادية، أنه إفراز لتخلف يعاني منه هؤلاء. لكن حين يرى المسلمون بأعينهم أن هؤلاء -كما أنهم قد تفوقوا في العلم وفي حفظ كتاب الله- فقد تفوقوا في سائر التخصصات في الكليات التي تُعْنَى بالدراسات التطبيقية، وفي إحدى كليات الطب كان في سنة من السنوات: الخمسة الأوائل من الطلاب من الشباب المتدينين الصالحين.
وفي إحدى الدول العربية -والتي كانت أول بلاد سُعي فيها إلى تحرير المرأة ورفع الحجاب –كانت ثمانية من الطالبات العشر الأول في نتيجة الثانوية العامة على مستوى الدولة من الفتيات المحجبات، في بلد هي أول من نزع الحجاب ومع ذلك تأتي تلك الفتيات ليقلنَ للعالم أجمع أن قضية الحجاب وقضية التدين ليست كما يطرحه أولئك: (إفراز لعقد نفسية، أو مشكلات اجتماعية)، وليثبتن أن هؤلاء المتدينين هم أقدر الناس على النجاح والتفوق؛ لأنهم يدركون أن قضية الحياة قضية جادة، فهم أينما ساروا وأينما ذهبوا هم المتفوقون.

العاشر: أن اهتماماتهم تجاوزت اهتمامات الناس الفارغة:
ما هي القضايا التي تسيطر على همّ المسلمين صغاراً وكباراً، شيباً وشباناً؟ إنها قضية الدينار والدرهم، إنها قضية الشهوة، قضية العبث، قضية اللهو الفارغ، هي القضية التي سيطرت على حياة المسلمين، أما هذا الجيل المبارك وهذا النشء المبارك فهو يحمل همّاً آخر، يحمل قضية أخرى.
إن القضية التي تقلقه وتشغل باله هي: كيف يستقيم على طاعة الله؟ كيف يحفظ كتاب الله؟ كيف يحصّل العلم الشرعي؟ كيف ينفع المسلمين؟ كيف يدعو إلى الله تبارك وتعالى؟
وهو إنجاز من أعظم الإنجازات، حينما يتجاوزون ما يهتم به سائر المسلمين والمسلمات ولسان حال أحدهم يقول:(يا قوم أنتم في واد وأنا في واد، يا قوم لكم همّ ولي همّ آخر، لكم شأن ولي شأن آخر).  وهذا جدير بهم أن يكونوا ممن يقولون يوم القيامة لله تبارك وتعالى حين يُسألوا: قد مضى الناس ولم تمضوا، يقولون: يارب فارقنا الناس ونحن أحوج ما نكون إليهم، نعم لقد فارقناهم بالدنيا ونحن أحوج ما نكون إليهم، وهانحن نفارقهم يوم القيامة أحوج ما يكون الناس إلى ذلك، فنحن ننتظر ربنا تبارك وتعالى كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلّم في حديث الشفاعة الطويل.
إنهم يغتنمون الفرص لكل مافيه نصر للدين ودعوة إليه؛ فهم يتساءلون في كل مناسبة: في مقتبل الإجازة، في الحج، في رمضان، في كل مناسبة، يتساءلون كيف نستثمر هذا الموقف في الدعوة إلى الله عز وجل ؟ كيف نستغل هذا الوقت وهذا الموسم وهذه الفرصة في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ؟
في حين كانت القضية التي تُشغل غيرهم في الإجازة هي قضية السفر واللهو واللعب، وفي حين أن القضية التي كانت تشغل بعض المسلمين في شهر رمضان هي كيف يمتعوا أنفسهم بأطيب الطعام والشراب ؟ كيف يرتبون أوقاتهم في اللهو واللعب؟
ولهم أسوة بنبيهم صلى الله عليه وسلّم الذي كان لا يدع قضية من القضايا وباباً من الأبواب وميداناً من الميادين إلا ونشر فيه علماً، ودعا فيه إلى الله تبارك وتعالى، أليس صلى الله عليه وسلّم يأتي في موقف ربما لا يزيد أثره في الناس أن يستثير بعض عواطف الأمومة والأبوة نحوهم فيرى صلى الله عليه وسلّم امرأة تأخذ طفلاً من السبي فتضمه إلى صدرها فيستوقف أصحابه صلى الله عليه وسلّم ويقول: "أترون هذه طارحة ولدها في النار ؟" فيقولون: لا، فيقول:"لله أرحم بهذه من ولدها" أو يقول:"والله لا يلقي حبيبه في النار".
لقد كانت قضية الدعوة وقضية التعليم قضية تشغل النبي صلى الله عليه وسلّم، وكان يستثمر كل هذه الفرص، ولهذا أخذ هذا النشء وهذا الجيل المبارك هذا الهدي المبارك منه صلى الله عليه وسلّم فصار سؤاله في كل وقت: كيف يستثمر هذا الوقت في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى؟

الحادي عشر: أنه أحيا سنة الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى:
إن تجربة الجهد الأفغاني تجربة قريبة وتجربة لم ولن تنساها الأمة، في وقت كادت الأمة أن تنسى الجهاد وتنسى هذه الفريضة، بل للأسف كان بعض من يتصدر للتعليم وتدريس الناس الفقه يقفز باب الجهاد حين يصل إليه لأن الأمة قد نسيته ، وحين قام هذا الجهاد في تلك البلاد وفتح الميدان رأينا الشباب ممن لم يتجاوزوا العشرين أو تجاوزها بقليل، رأيناه يترك الدنيا ويترك الدينار والدرهم، ويترك كل ما يسير إليه الناس من متعهم، ويرحل إلى هناك إلى بلاد لا يعرف لغتهم، إلى بلاد لا يعرف طريقتهم، ولا يعرف حياتهم، ولسان حاله يقول وقد قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه حين ودع أصحابه وقالوا له حفظكم وردكم إلينا، قال: لا ردنا الله إليكم ، وقال:

لكنني أسأل الرحمن مغفرة ** وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طَعنةٍ بِيَدَي حرّانَ مُجْهزةٍ ** تغوص من الأحشاء تقذف الكبدَا
حتى يقال إذا مروا على جدثي ** يا أرشد الله من غاز وقد رشدا

وكان يسأل الشهادة ويقول وهو يخاطب راحلته:
 
إذا أديتِني وحملت رحلي ** مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم وخلاك برء ** ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وخلفوني ** بأرض الشام منجدل الثواء
هنالك لا أبالي طلع بعل ** ولا نخل أسافلها رِواءِ

ولسان حاله يقول كما قال الأول:

أذا العرش إن حانت وفاتي فلا تكن ** على شرجع يعلى بخضر المطارف
ولكن أحِن يومي سعيداً بصحبة ** يمَسُّون في فج من الأرض خائف

لئن قالها صاحب بدعة وصاحب ضلالة، فهو يقولها وهو على السنة وهو يتمنى أن يرزقه الله الشهادة تحت لوائها.
وبعد أن نسيت الأمة صور الشهادة، ونسيت صور الجهاد، رأينا نماذج من هؤلاء، ممن قتلوا في سبيل الله -نحسبهم والله حسيبهم- من الشهداء في سبيل الله، فأحيوا فريضة الجهاد، وضربوا للأمة أروع الأمثلة في التضحية والبطولة والفداء، في وقتٍ كان يسافر أترابهم وأقرانهم لقضاء الرذيلة، ولقضاء الشهوات المحرمة، وفي وقتٍ كان يسافر فيه الكبار والصغار للنزهة، كان هؤلاء الشباب يسافرون لأن يتيسر لهم في تلك البلاد ما لا يتيسر لهم في بلادهم، أما هؤلاء فلهم شأن آخر وقضية أخرى وحياة أخرى.
وأولئك الذين لم تكتحل أعينهم برؤية ميدان الجهاد، ولم تتشنف أسماعهم بسماع صوت الجهاد، كما كان أحدهم يتغنى:

لا شيء يشجيني ويطرب مسمعي ** كأزيزِ رشاشي وصولة مدفعي

إنهم وإن لم تكتحل أعينهم برؤية تلك المشاهد، ولم تتشنف أسماعهم بسماع ذاك الصوت، ولم يحصل لهم شرف المشاركة في تلك الميادين؛ فإنما عاقهم عائق وحبسهم حابس عن هذه الميادين، وأحدهم يتمنى أن تتاح له الفرصة، وأن يفتح له الميدان.
إنها صورة تستحق الإشادة، وتستحق أن نحْفِل بها، وأن نشعر أنها من منجزات جيلنا المبارك، وكما قال صلى الله عليه وسلّم:"من خير معاش الناس لهم في دينهم ودنياهم رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة طار يبتغي القتل والموت من مظانه".

الثالث عشر: أنهم قد أحيوا سنة الأخُّوة في الله:
لقد كادت الأمة أن تنسى الحب في الله والأخُّوة في الله، فجاء هذا النشء المبارك ليحيي معاني هذه الأخُّوة وليتأسى بنبيه صلى الله عليه وسلّم والجيل المبارك الذين تآخوا على غير أرحام بينهم.
ولعل هؤلاء من أسعد الناس بقوله صلى الله عليه وسلّم: "رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه" مما حدا بأحد شعراء هذه الصحوة أن يستبشر حين رأى هذا الأمل:

الله أكبر إن عيني قد رأت ** نوراً بآفاق السماء يتلالا
فلعله فجر الأخُّوة قد بدا ** يحيي النفوس ويبعث الآمالا
ويميط عن هذه القلوب هوانها ** فتروح ترسل روحها إرسالا

الرابع عشر: موقف هؤلاء من المعاصي:
إن هؤلاء -شأنهم شأن سائر المسلمين- قد يقعون في المعصية وقد يواقعون الذنب، ومن هو الذي لا يقع في الذنب والمعصية؟"لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"و"كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّاءين التوابون"كما قال صلى الله عليه وسلّم.
إن هؤلاء -وإن وقع أحدهم في المعصية - فحالهم مع المعصية ليست كحال سائر المسلمين، إن أحدهم ما يلبث أن يبادر إلى التوبة إلى الله والإقلاع، ولعله بهذا من أسعد الناس بقوله تبارك وتعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون* وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَىِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ).، وبقوله تبارك وتعالى: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالاَْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين) ثم ذكر تبارك وتعالى في صفة هؤلاء أنهم: (إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله)، في حين يصرُّ غيرهم على هذه المعاصي.
وهم لو وقعوا في المعصية فإن أحدهم يستعظم المعصية وتعظم عنده، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن المؤمن يرى ذنبه كالجبل يوشك أن يقع عليه، وإن المنافق يرى ذنبه كذباب طار على أنفه فقال به هكذا".
كم يستهين كثير من المسلمين بالنظر الحرام بل يستنكر حين يُنكر عليه هذا الأمر كم يستهينون بالكبائر والفواحش؟ أما هذا الجيل فإنك تراه حين تقع منه معصية أو نظرة محرمة فإنه يستعظمها ويقبل على الله عز وجل مستغفراً تائباً ويشعر أن هذه القضية تكاد وتوشك أن توبقه.
وهم أيضاً لو وقعوا في المعصية فإنهم إنما يقعون وقوعاً عارضاً، فلا يسعون إلى المعصية، ولا يبحثون عنها، لكن قد يواقع أحدهم المعصية وقد غلبته شهوة وقد غلبه هوى، ولعله أسعد الناس بما قاله ابن القيم رحمه الله كما في مدارج السالكين: "والله تعالى إنما يغفر للعبد إذا كان وقوع الذنب منه على وجه غلبة الشهوة وقوة الطبيعة، فيواقع الذنب مع كراهته له من غير إصرار في نفسه، فهذا ترجى له مغفرة الله وصفحه وعفوه، لعلمه تعالى بضعفه وغلبة شهوته له وأنه يرى كل وقت مالا صبر له عليه. فهو إذا واقع الذنب واقعه مواقعة ذليل خاضع لربه، خائف، مختلج في صدره شهوة النفس الذنب وكراهة الإيمان له، فهو يجيب داعي النفس تارة، وداعي الإيمان تارات. فأما من بنى أمره على أن لا يقف عن ذنب ولا يقدم خوفاً ولا يدع لله شهوة، وهو فرح مسرور يضحك ظهراً لبطن إذا ظفر بالذنب، فهذا الذي يخاف عليه أن يحال بينه وبين التوبة ولا يوفق لها".
وهم أيضاً لو وقعوا في المعصية لا يجاهرون بها ويستحي أن يراه أحد عليها، ولا شك أن هذا بإذن الله دليل خير فكما قال صلى الله عليه وسلّم: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين" ولعله أن ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلّم في حديث النجوى:" يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول عملت كذا وكذا؟ فيقول:نعم، ويقول عملت كذا وكذا؟ فيقول:نعم. فيقرره ، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم".
أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن نشأ في طاعة الله تبارك وتعالى، وأسأله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم من الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وأن يجعلنا وإياكم ممن يقبض على دينه فيكون كالقابض على الجمر ، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008