تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

هكذا كانت حياتي / الطبعة الثالثة

د. محمد بن عبدالله الدويش

 المقدمة
 هكذا كنت
 حقائق قادتني للهداية
 هكذا حياة الصالحين
 نهاية طريق الشهوات
 مصارع العشاق
 حين رأيت جدتي
 من القدوة؟
 ماذا يريدون من المرأة؟
 بين ثناءين
 بين صوتين
 شهادة غير مجروحة
 باب التوبة لم يغلق

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
فماذا دهى فتاة الإسلام اليوم؟ فتاة ولدت من أبوين فاضلين، وعاشت فى بيت محافظ تستيقظ وتنام وتغدو وتروح وهى تسمع الدعاء لها بالستر والعافية، ولكنها مع فتن العصر وصوارفه، ومع الغربة الحالكة بدأت تنظر ذات الشمال، وتلتفت إلى الوراء، فترفع سماعة الهاتف لتخاطب شابا لم تعرفه إلا من كلامه، وتسهر أحيانا على فلم ينسخ من ذاكرتها كل صور البراءة والعفة لتتراءى أمام ناظريها مظاهر السفور والعلاقة المحرمة.
فتعيش في دوامة من الصراع، تسمع تارة هذا الصوت النشاز الذي يدعوها إلى الارتكاس والتخلي عن كل معاني العفة، وتسمع أخرى الصوت الصادق يهزها من داخلها هزاً عنيفاً ليقول لها رويدك فهو طريق الغواية وبوابة الهلاك، وتتصارع هذه الأصوات أمام سمعها وتتموج هذه الأفكار في خاطرها.
ومع ذلك كله فقد بليت بأب غافل قد شغل بحياته الخاصة وعلاقته مع أصدقائه وزملائه، وأم بعيدة عنها كل البعد لا يعنيها شأنها ولا تشغلها قضيتها.
لقد كان هذا الواقع نتاج حملة ظالمة مسعورة، لم تستهدف الفتاة المسلمة فحسب، ولا الأسرة وحدها، بل الأمة في أعز ما تملك، في الأم محضن الرجال، ومربية الأجيال.
ومع هذا الواقع المؤلم رأينا بحمد الله من استعلين على الواقع السيئ، وأقبلن على الله، فصرن معالم لطريق الهدى والصلاح.
وهذه محاولة متواضعة من الكاتب، لخطاب الفتاة المسلمة ودعوتها للعودة إلى الأصل، لسلوك الجادة المستقيمة، والسير في ركاب الصالحات القانتات.
وقد آثرت أن تكون هذه الرسالة بلسان فتاة مسلمة، فتاة أقبلت وعادت إلى الله بعد أن سارت خطوات في طريق الغفلة والهوى.
أرجو الله أن أكون قد وفقت في إبلاغ هذه الرسالة، وأن يجعل عملي خالصاً صواباً، وأن ينفع به من قرأه إنه سميع مجيب.

 

محمد بن عبد الله الدويش
الرياض 8/8/1418هـ
ص ب(52960) الرياض (11573).

 للأعلى


هكذا كنت

 يحرص كثير من الناس على تدوين مذكراتهم وقصصهم وتجاربهم في الحياة، أما قصتي وتجربتي فلها شأن آخر، وهي مع ذلك لا تستمد قيمتها من شخصية من كتبها وبلاغة لسانه وسيولة قلمه، ولا من كونها قصة غريبة فريدة، إنما لأنها تحكي قصة الحياة، قصة الهداية الغاية الأسمى للوجود.
وليس من حقي فرض وصاية على أفكار الآخرين واقتناعاتهم، ولا إلزامهم بآرائي وتجاربي الشخصية، لكن من حقي أن أسمعهم رأيي، ومن حقهم بعد ذلك أن يصلوا لأي نتيجة.
كنت -شأني شأن كثير من الناس- أشعر أن غاية الحياة وقيمتها تتمثل في المتعة العاجلة التي يجنيها صاحبها، ومن ثم أصبحت ألهث في سعار وراء تحقيق الرغبات والملذات، وأبذل في سبيل ذلك الغالي والرخيص.
كانت أمنيتي تقف عند تحصيل رغبات النفس التي كانت أغلى ما يتطلع إليه أترابي، وكانوا يبذلون في سبيل تحقيقها المال والوقت، بل السمعة الحسنة، بل يجرؤ بعضهم إلى أن يدفع ثمن تحقيقها من أعزّ ما تملك المرأة في هذه الدنيا من حيائها وعفافها.
لقد كان الحديث في سماعة الهاتف، والمغامرات العاطفية، ورسائل العشق والغرام المتبادلة، بل واللقاء مع غير المحارم، كانت كل تلك الممارسات تعني مكسباً للاتي يظفرن بها، والوفاء للصديقة كان يعني التعاون معها في تبادل الأرقام الهاتفية والعلاقات، وربما تزكيتها لدى فلان أو فلان من الشباب، واقتراحها صديقة جديدة.
كان اللهو يعني لدي شيئاً ذا بال وثمن، لا بل كان أفضل ما أقضي فيه وقتي وأفني فيه ساعات عمري، لقد كانت غرفتي مليئة بأكوام المجلات والصحف، لا رغبة في العلم والثقافة، لكن جرياً وراء ما تدعو إليه وتدفع قراءها له دفعاً.
كنت أجلس الساعات الطوال أمام الشاشة أعيش مع مسلسل أو فيلم تأسرني مشاهده وتشدني مواقفه، أعجب ببطولة أو شاب وسيم، أو فستان أو كلمة غرام وهوى.
كنت كأولئك الذين ينظرون إلى أحكام الشرع وتكاليفه على أنها قيود وآصار تكبلهم وتحد من حرياتهم وتحول بينهم وبين تحقيق ما يريدون، ومن ثم كانوا يحتالون عليها، ويقفزون على أسوارها، بل أحيانا يتجرؤون على مخالفتها صراحة، بل وإعلان التبرم منها والتضايق.
إن تلك الصور من التحايل على الحجاب الشرعي الذي تسلكه بعض النساء اليوم لا يمثل إلا مظهراً واحداً من مظاهر هذه النظرة وهذا الشعور تجاه الأحكام الشرعية وواجباتها.
وحين أرى المتدينين والمتدينات يفتر ثغري عن ابتسامة ساخرة، أقول بلسان حالي -وأحياناً بلسان مقالي- مساكين هؤلاء كيف ينظرون هذه النظرة السوداء إلى الحياة؟ كيف يعيشون هذه العقد ويلازمون هذه الأوهام؟ فالجمال والمتعة والأنس كلمات لا وجود لهم في قاموس حياتهم، بل لعلهم لا يدركون لها معنى.
وأتساءل في نفسي سؤالاً آخر كيف يطيق هؤلاء العيش والصبر على هذه الحياة وكأنهم يدفعون إليها دفعاً، بل كان يدور في خاطري أحياناً حين لا أجد الإجابة على هذا اللغز المحير أن هؤلاء يعانون من عقد نفسية وأن لهم شأناً غير شأن سائر بني الإنسان.
أما الذين يجدون لهم مكاناً رحباً في قلبي فهم أولئك النجوم، نجوم الفن، ونجوم الرياضة، ونجوم التمثيل، ولم يكن يرد في ذهن صاحباتي التفريق بين هؤلاء على أساس عرق أو جنس أو فضيلة أو أي أمر آخر، كانت النجومية هي المعيار الأول والأخير في الإعجاب بهؤلاء وأولئك.
هكذا كانت حياتي، وهكذا كانت سيرتي حتى من الله علي بفضله وكرمه فبدا لي مشعل الهداية، وأضاء أمامي نورها، فسلكت سبيلها وطريقها، وودعت طريق العبث واللهو الفارغ.

 للأعلى


حقائق قادتني للهداية

الأولى: من الشاذ؟:
خرجت يوماً مع أهلي إلى الصحراء وسرحت طرفي هنا وهناك: في الجبال الشاهقة، والأشجار الباسقة، والأرض التي اهتزت وربت وتزينت، حينها تذكرت قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ). [الحج: 18].
تأملت حين تشرق الشمس كيف يتقلص الظل ويقصر، ثم ما يلبث أن يمتد مرة أخرى حتى يلف الليلُ الأرضَ بظلامه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً* ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً). [الفرقان: 45-46]
حينها تذكرت قوله تعالى: (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ). [الرعد: 15].
إن العالم الفسيح من حولنا بأرضه وسمائه ونجومه وأفلاكه، وكل صغير وكبير ندركه ولا ندركه، كل ذلك يسجد ويخضع لخالقه تبارك وتعالى، ويلهج بالتسبيح له عز وجل.
والظل الذي نتقي به لهيب الشمس المحرقة يتفيأ ذات الشمال واليمين ساجداً لله تبارك وتعالى.
بل هذه الشمس التي نراها كل يوم، تعلن خضوعها وسجودها لخالقها، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلّم لأبي ذر حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب؟. قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ). [يس: 38]". [رواه البخاري 3199، ومسلم 159].
فما بال الإنسان بعد ذلك؟!.
 ما باله يستنكف ويستكبر على خالقه؟!
بل ما باله يتمرد على نظام الحياة أجمع؟ وماذا عساه يساوي في هذا الكون؟ وأين مكانه في هذا العالم الفسيح؟!.
حينها تساءلت: من الشاذ والغريب؟!.
ومن الذي يسبح ضد التيار؟!.
أهو المسلم القانت الساجد المسبح لله تبارك وتعالى فيتجاوب ذلك مع هذا الكون الخاضع لربه؟!.
أم هو الذي يتمرد على خالقه، ويستنكف عن طريق الهداية، فيستظل ويختبئ حين يواقع المعصية وراء حائط يسبح ويسجد لربه، والسيارة والهاتف والقلم؟!… وسائر ما ييسر له طريق المعصية يخضع لمولاه ويسبح ويسجد له.
فشعرت بعد ذلك أنني حين أسلك طريق الهداية أسير وفق السنة التي يسير عليها الكون أجمع.
وشعرت أن الذين يتنكبون طريق الهداية يعيشون تناقضاً في حياتهم، ليس مع الكون الأرحب الواسع بل مع ذواتهم وأنفسهم، فأجسادهم وأعضاؤهم تخضع لله، ولذا ذكر تبارك وتعالى ضمن من يسجدون لله: (وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ). [الحج: 18].
قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "يقول تعالـى ذكره: وكثـير من بنـي آدم حق علـيه عذاب الله فوجب علـيه بكفره به، وهو مع ذلك يسجد لله ظله".

الثانية: سر الوجود:
أما الحقيقة الثانية التي قادتني إلى الهداية فهي أني تفكرت كثيراً في سر الوجود.
إنّ الشخص الوحيد الذي يعمل وهو لا يدري لماذا يعمل هو المجنون، وحين يرى المرء آلة متقنة الصنع بديعة المنظر فأول تساؤل يطرحه على نفسه لماذا صنعت هذه الآلة وما وظيفتها؟ وهو يرفض رفضاً قاطعاً أن تكون صنعت عبثاً.
فما بالك بالإنسان الذي يملأ هذا العالم المترامي الأطراف، الإنسان الذي يحمل هذه الطاقة الهائلة، الذي يدير بعقله هذا الكون ويتعامل فيه مع سائر المخلوقات، فضلاً عن عالم الجان الذي لا نعرف عنه إلا النـزر اليسير، وحتى لو افترضنا صدق الخرافات والتصورات التي في أذهان العامة عن عالم الجن فهي لا تمثل إلا اليسير من هذا العالم الغريب العجيب.
هذا الإنسان والجان إنما تتمثل غاية وجودهم في عبادة الله وحده، وهي حقيقة لا يجادل فيها مسلم مهما كان إيمانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). [الذاريات: 56]. وهي حقيقة لها دلالاتها وآثارها المهمة فمن ذلك:
1-  أنه قد ركب وخلق بما يتناسب مع هذه الوظيفة الشريفة العالية، فعواطفه ومشاعره وأحاسيسه وصفاته كلها تتسق مع هذه المهمة وهذه الوظيفة.
2-  أنه قادر على القيام بأعباء هذه الوظيفة ومهماتها؛ ذلك أن الذي خلقه تبارك وتعالى هو الذي اختار له طريق العبودية، فهو أعلم به وبما يعينه أو يعيقه عنها: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ). [الملك: 14].
وأولئك الذين يزعمون أنهم لا يطيقون تكاليف هذه العبودية يجهلون هذه الحقيقة، أو يكابرون فيها.
3-  أن حياته لا تستقيم، ولا تتسق إلا حين يحقق هذه العبودية، كيف الأمر بسيارة أعدت لأن تسير على الطرق المعبدة وجهزت بوسائل الراحة؟ كيف بها حين تسير في طريق صحراوي؟ وفي المقابل فالسيارة التي أعدت لتحمل أعباء الصحراء ومشاقها لا يجد فيها من يسير بها على الطرق المعبدة ما يجد في غيرها.
وهكذا الإنسان فحين يتنكب طريق الهداية ويسلك سبيل الضالين الكافرين يعيش ألواناً من التناقض مع ذاته، ويتمثل هذا التناقض في اضطرابات في المشاعر وتعاسة وقلق؛ ذلك أن هذا الكيان وظف في غير ما خلق له، إنه كالذي يسبح ضد التيار ويسير عكس اتجاه الريح، وتزداد الهوة، ويعظم الثمن الباهظ الذي يدفعه صاحبه حين يزداد بعده عن هذا الطريق، لذا فأهل الإلحاد والكفر أكثر الناس معاناة، وأهل الإيمان والطاعة أكثر الناس استقراراً واتفاقاً مع أنفسهم.
حينها أدركت أن سلوكي هذا الطريق أمر لا مناص منه ولا محالة.

الثالثة: الرحيل ليس منه مهرب:
كنت كغيري من المسلمين أقرأ القرآن -إن قرأته- قراءة جامدة، فلا أتدبر ولا أعي معاني كلام الله عز وجل، وذات يوم أتيت للسلام على جدتي، وإذا هي مطرقة تستمع مقرئاً يتلو القرآن بصوت خاشع من جهاز التسجيل، وسمعته يقرأ قوله تعالى: (كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ). [آل عمران: 185].
فوقعت هذه الآية في نفسي موقعاً، وحين انصرفت واستلقيت على سريري عاد هذا الصوت الخاشع يتردد في ذهني، وشعرت بهول الأمر وفداحة الخطب، إنه الرحيل الذي ليس منه بد، إنها النهاية المتحتّمة لكل بشر في هذه الدنيا مهما علا شأنه وارتفع قدره، يرحل الجميع الشريف والوضيع، الغني والفقير، يرحلون من هذه الدار بخرقة بيضاء سرعان ما تبلى، ويوسدون الثرى.
حينها ما قيمة الدنيا بأسرها؟ وهب أن المرء عمّر فيها ما عمّر، وتمتع فيها بالشهوات والملذات، فهي النهاية والمصير الذي ليس منه مهرب، وليته المثوى الأخير والنهاية المتحتّمة للمرء إذاً لهان الأمر وسهل الخطب، لكنه بداية لما بعده من البعث والنشور والقيام بين يدي رب العالمين جل جلاله.

 للأعلى


هكذا حياة الصالحين

تدفع اللذة والشهوة العاجلة أولئك الذين يمتعون أنفسهم بالحرام، ويدركون أن لها معنى وقيمة ليس لغيرها، وكنت أشعر كغيري أن أولئك الذين يستعلون على شهواتهم ولذاتهم يعيشون مرارة الحرمان والمعاناة، وأنهم يدفعون أنفسهم دفعاً للقيام بالتكاليف والواجبات الشرعية.
لكني أدركت بعد أن سلكت طريق الهداية أن عالم الصالحين عالم آخر غير هذا العالم، وأنه في مقابل هذه اللذات التي يحصل عليها أهل الشهوات لذائذ أعظم وأولى، ومنها:

1- لذة الإيمان:
وهي لذة حرمها الغافلون المعرضون، ولم يدركها إلا عباد الله الصادقين، أهل الإخلاص والتقوى.
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". [رواه البخاري 16، ومسلم 43].
عن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولاً". [رواه مسلم 34].

2 - لذة الانتصار على الذات:
وثمة لذة أخرى أعظم من لذة أولئك الذين يعاقرون الحرام، إنها لذة الانتصار على النفس والاستعلاء على الشهوات.
إنها القيمة الحقّة للإنسان، بل أي قيمة لذاك الذي يصير أسيراً مكبلاً للشهوات الفانية، سرعان ما ينهار عندها ويهوي، فهو يبذل وقاره وحياءه وماله وسمعته ثمناً لتحصيل اللذة الفانية، ولا يطيق أن يقول لنفسه لا في موقف من المواقف.
وهاهي عباراتهم ومقولاتهم تشهد وتنطق بعبوديتهم للشهوات ووقوعهم في أسرها: (لا أطيق، لا أصبر، كيف أنساه؟!...).
تقدمت إحدى الباحثات بدراسة علمية لجامعة عين شمس، حصلت فيها على درجة الماجستير حول الآثار النفسية والسمات الشخصية للحجاب، أجرتها على مائتين وخمسين طالبة محجبة وغير محجبة، تم اختيارهن من سبع كليات مختلفة، وكان من نتائج هذه الدراسة: أن غير المحجبات أكثر انفعالية وتوتراً وإحساساً بالقلق، وأنهن أقل اتزاناً وجدانياً من فئة المحجبات. [رسالة إلى حواء. الرسالة الخامسة 67].

3 - صحبة الصالحات:
كنت أشعر أن تركي لصاحبات السوء سيجعلني أعيش في عزلة وبعد عن الناس، وأني سأنتقل إلى عالم الهموم والأشجان، لكني رأيت الأمر غير ذلك حين شرفني الله بصحبة الصالحات.
الصدق في الحديث عنوان منطقهن، حديثهن عن إحداهن بما تكره مثل أكل لحمها ميتاً، ونقل الكلام المفسد للآخرين كبيرة من الكبائر.
يخترن أطايب الكلام كما يخترن أطايب الثمر، والسب والفحش والألفاظ البذيئة كلمات معدومة في قاموسهن.
هذه بعض الثمرات العاجلة، أما ثمرات الآجلة فتجل عن الوصف.
ففي يوم القيامة حين يتبرأ الخليل من خليله، ويفر المرء من أبيه وصاحبته وأخيه، فخلتهم ومودتهم باقية: (الأخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إِلاّ الْمُتّقِينَ). [الزخرف: 67 ].
ويكرمهم تبارك وتعالى بمنـزلة يتطلع إليها سائر الناس، كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلّم: "قال اللَّه عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء". [رواه الترمذي 2390، وأحمد 21575].
وحين يكون عمل أحدهم دون عمل أصحابه يكرمه الله فيحشره معهم، عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: "أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال: المرء مع من أحب". [رواه البخاري 6170، ومسلم 2641].
وحين يكرمهم تبارك وتعالى بدخول الجنة يتحقق لهم تمام الصفاء، ويزول ما قد يكون في النفوس مما لا يخلو منه بشر: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَاناً عَلَىَ سُرُرٍ مّتَقَابِلِينَ). [الحجر: 47].

4 - الشوق للقاء الرحمن:
ومن أعظم ما يجده الصالحون الشوق للقاء لله تبارك وتعالى، والتمتع بثوابه وجنته، بل والتلذذ بالنظر لوجهه الكريم تبارك وتعالى، ولعظم منـزلة الشوق للقاء الله كان النبي صلى الله عليه وسلّم يسأل ربه أن يرزقه إياه، وقرنه بالنظر لوجهه تبارك وتعالى، فسأل الله أعلى نعيم الجنة وهو النظر لوجهه، وسأله أعلى نعيم الدنيا وهو الشوق للقائه.
فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلّم: "... وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة...". [رواه النسائي 1305، وأحمد 17861].

 للأعلى


نهاية طريق الشهوات

كنت أشعر أن طريق الشهوات طريق ممتع، طريق يمتد عبر عمر الإنسان -الذي يتخيل مع سكر الشهوة أنه لن ينتهي-.
لكني شعرت أنه طريق محفوف بالمخاطر العاجلة والآجلة، ورأيت بعض الصور التي أودت بشرف بعض الفتيات، بل أتعست حياتهن، ومنها:

الصورة الأولى:
فتاة كانت تمتع نفسها بالحديث عبر الهاتف، ويمتد هذا الحديث مع فارس الأحلام والعشيق الموهوم ليتطور إلى لقاء ولقاءات، قد تكون هذه اللقاءات بريئة بمصطلح هؤلاء -فالبراءة لديهم ما لم يصل إلى حد مقارفة الفاحشة- وما هي بريئة بالمفهوم الشرعي للنظافة والبراءة.
فتدور الأيام دورتها وتتزوج الفتاة، وتبدأ مرحلة أخرى من حياتها في عش الزوجية الهادئ الحالم، ظانة أن تلك المرحلة مرحلة صبوة قد ودعتها إلى غير رجعة، وأنها قد مضت بأفراحها وأتراحها.
فما تلبث أن تفاجأ بأن تلك المرحلة قد غدت بذرة لنبتة سوء تهدد كيان الزوجية كله بالانهيار، فأولئك الذين التقت بهم، وعاشرتهم وحادثتهم لم يقر قرارهم، فينتهزون الفرصة ليتخذوا من انتقالها إلى هذه الحياة الجديدة ورقة لابتزازها مستثمرين العلاقة السابقة أو الخطيئة السابقة.
ويبدأ موقفهم أقوى وهم يملكون سلاح التهديد بكشف أوراق الماضي أمام الزوج، ويتجرءون حينها على المطالبة بما لم يطالبوا به من قبل، إذ زال ما قد كان عائقاً بينهم وبين مقارفة السوء والفاحشة -حمانا الله-.
فتبقى الفتاة بين خيارين أحلاهما مر، مواجهة الواقع ورفض الابتزاز، وذلك قد يعرضها لأن تكشف أوراقها وتهتك أستار الماضي، فتنهد أسوار بيت الزوجية، وتخرج من بيتها تحمل الحسرة والأسى والألم، لم تعد صاحبة زوج تسكن إليه ويسكن لها وتعفه ويعفها، عادت إلى منـزل أهلها ضيفة ثقيلة تستسلم وحدها للخواطر والأفكار، وتحلم بأن يا تيها خاطب آخر.
والخيار الآخر أن تستجيب للضغوط، وتخضع للمطالب الآثمة على كره وأسى، ظانة أنها بتجرعها كأساً واحداً من الرذيلة والممارسة المحرمة ستغلق الملف، وتضع حداً للمأساة، لتكتشف أن هذا الكأس أصبح سلاحاً لدى الساقطين أمضى وأخطر من السلاح السابق، فيراهنون به على المزيد.

الصورة الثانية:
فتاة تصحب صديقها! في خلوة محرمة تقع في قبضة رجال الحسبة أو الأمن، ويستدعى والدها إلى هناك فيفاجأ بهذا المشهد الذي كان يتمنى أن يواريه الثرى قبل أن يراه، فينعقد لسانه ، وينهار وهو الرجل القوي الصلب، وتتدافع الكلمات والأنات على لسانه.
وينصرف يحمل ابنته، ويحمل معها العار والهوان والأسى، وتعلم الأم هي الأخرى بالمأساة فينطلق لسانها (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً). [مريم: 23].
وتبدأ رائحة الفضيحة تبدو وتظهر للناس من هنا وهناك، فيزيد الناس فيها وينقصون، وتلوك القضية الألسن، وتغدو هذه الفتاة بقعة سوداء في تاريخ أسرتها وأهلها، والسبب انسياق غير متزن مع العاطفة والشهوة الحرام.

الصورة الثالثة:
ونترك فيها الحديث لصاحبة الشأن تتحدث عن مأساتها:
في مجلة مرآة الأمة الصادرة بتاريخ 22/ 7/ 1987م نقرأ هذه المأساة:
"أنا فتاة أبلغ من العمر التاسعة عشرة في السنة الأولى في الجامعة، اعتدت أن أراه في ذهابي وعند عودتي من الجامعة، في كل مرة يبادلني التحية، وتصادف أن التقينا في مكان عام، وشعرت معه بمعنى الحياة، تعاهدنا على الزواج، ثم تقدم لخطبتي وعشت أياماً سعيدة.
وفي ذات يوم حدث بيني وبينه لقاء فقدت فيه عذريتي ووعدني أن يسرع بالزواج، وبعد عدة شهور من لقائنا اختفى من حياتي وأرسل والدته لتنهي الخطوبة، ولتنهي معها حياتي كلها، فالحزن لا يفارق عيني أعيش في سجن مظلم مليء بالحسرة واللوعة والأسى، ولا تقولي لي إن الأيام كفيلة بأن تداويني بنعمة النسيان، فكيف أنسى ما أصابني من الذي أعطيته كل شيء، وجعلني لا أساوي شيئاً".

النهاية الآجلة:
وأيقنت أيضاً أن سالك هذا الطريق إن فاتته الأولى فسيدرك الأخرى، فأولئك الذين أدركوا من شهوات الدنيا ما أدركوا، وأصابوا ما أصابوا، ولم يا تهم ما يعكر عليهم، أولئك تنتظرهم نهاية أليمة تنسيهم في لحظة واحدة لذة الشهوات والنعيم الزائل.
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط". [رواه مسلم 2807].
فما قيمة الدنيا بأسرها حين مصيرها النسيان أمام غمسة واحدة في العذاب، فكيف بما وراء ذلك؟ فعجباً لأولئك الذين تقودهم شهواتهم عبر الطرق والأزقة المظلمة الموحشة إلى نهاية مفزعة في الدنيا والآخرة، عجباً لهم إذ يشترون شقاء الدارين بنـزوات طائشة سرعان ما ينساها صاحبها لتبقى حسرة وندامة.

 للأعلى


مصارع العشاق

وتأملت في حال أولئك الذين سلكوا طريق العشق والغرام كيف آلوا إلى ما آلوا إليه، رأيتهم ورثيت لحالهم وحق لي ذلك.
إنهم أسرى وعبيد لهذه الشهوة المحرمة تأمرهم فيطيعون، وتنهاهم فينتهون، ولسكرهم في لذتهم لا يدركون ما هم فيه، وهاهو أحدهم لا يجد شبهاً لنفسه وحاله إلا بأهل الجنون، فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم العشق أعظـم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه *** وإنما يصرع المجنون في الحين

إن أحدهم يقدم ما يملك فداء لمن يعشقه ويحبه، بل قد ينحر دينه قرباناً بين يدي معشوقه، وهاهو أحدهم يعبر عن ذلك:
رهبان مدين والذين عهدتــهم يبكون من حذر العذاب قعوداً

لو يسمعون كما سمعت كلامها *** خروا لعزة ركعاً وسجــوداً

ويستغرق المعشوق فؤاد من يعشقه فلا يبقى فيه مكان للبحث عن رضا مولاه، بل قد يصبح رضا الله مرتبة دون رضا معشوقه، كما قال هذا الشقي عن محبوبه - عافانا الله -:

رضاك أشهى إلي مـ *** ـن رحمة الخالق الجليل

فحمدت الله تبارك وتعالى أن أنقذني بفضله قبل أن أخوض في هذا المستنقع الآسن.
رأيت كيف أن هؤلاء يختصرون الحياة كلها في هذا المعنى، وكيف أن سكرة العشق تغطي على عقل أحدهم وتفكيره فضلاً عن دينه، فتصبح الشهوة هي الآمر الناهي في حياته.

 للأعلى


حين رأيت جدتي

ذهبت للسلام على جدتي وزيارتها فجلست أستمتع بحديثها عن ذكريات الماضي وأخباره، فطار خيالي إلى واد آخر، بدأت أعيد النظر في جسمها النحيل، وظهرها المتقوس، ووجهها المتجعد، وعدت بعدها إلى الماضي، إلى مرحلة الشباب.
لقد كانت فتاة تتقد حيوية وشباباً، كانت يضرب بها المثل في الجمال وبهاء الطلعة ويخطب ودها الجميع، وكم كان سرور جدي حين أجيب مطلبه بخطبتها.
ثم مضت السنون وسارت الأيام، فآلت إلى هذه الحال، ولهذا كان غيرنا -من الأمم التي لا تدين بهذا الدين- يلفظونها حين تبلغ هذا المبلغ فلا تجد من يلتفت إليها ويعنى بها؛ ذلك أن الوفاء والبر والصلة كلمات معدومة في قاموسهم.
لقد قادني هذا الموقف إلى التفكير فيما أنا عليه، فكم سنة: عشر، عشرون، أكثر من ذلك..؟ وبعدها أودع مرحلة الشباب والحيوية إلى غير رجعة، ويبدأ العد التنازلي فأضع قدمي في أول طريق الهرم والشيخوخة، فما تعدو حينها مرحلة الشباب أن تكون مجرد ذكرى وطيف يمر بالخيال.
وتساءلت: ترى لو كانت حال جدتي كما هي حال بعض الفتيات الغافلات اليوم، فكيف تنظر إلى ماضيها الآن؟ إنها سوف تجتر الأسى والحزن على هذه الأيام التي ذهبت بلذاتها ورغباتها وشهواتها وبقي الألم، بقيت الذكرى السيئة، وبقي الشعور بالخوف من المستقبل، من اليوم الذي يجزى فيه المرء على الصغيرة والكبيرة.
فحمدت الله على أن سلكت طريق الخير والصلاح، وشعرت أني مهما طال بي العمر، ومهما متعت نفسي بالشهوات واللذات فإن قطار الشباب ما يلبث أن يقف معلناً دخولي مرحلة الهرم والشيخوخة.
ماذا تستحق تلك السنوات القصيرة حين نقضيها في لهو وعبث فارغ، وماذا سنقول عن أنفسنا حين يحدودب الظهر ويتجعد الوجه، أم ترانا -عافانا الله وحمانا وأحسن لنا الخاتمة- نصطحب السوء والصبوة معنا إلى مرحلة الشيخوخة؟
بل وما أسعد من تحفظ الله في شبابها لتكون ممن قال فيهم صلى الله عليه وسلّم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه...". [رواه البخاري 660، ومسلم1031. والنساء شقائق الرجال، فما يثبت للشباب يثبت للفتيات].
ومتى ذلك التكريم والثواب؟.
إنه يوم تعظم الأهوال ويشتد الخطب بالناس، ويصف لنا الناصح الأمين ذلك الموقف بقوله: "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل".
قال سليم بن عامر -أحد رواة الحديث-: "فوالله ما أدري ما يعني بالميل؛ أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين؟!"
قال: "فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما". قال: "وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلّم بيده إلى فيه". [رواه مسلم 2864].

 للأعلى


من القدوة؟

كنت أنظر إلى جيل أهل الفن والتمثيل أنهم هم القدوات، وكانت تشدني أشخاصهم وتأخذ بنفسي، بل إن هذه العواطف لم تبق حبيسة النفس فانعكست آثارها على مظهري فصار لباسي، وقصة شعري، وحذائي، وحقيبتي، بل كل ما أقتنيه صار ذلك معرضاً متنقلاً لمقتنياتهم.
وبعد أن هداني الله شعرت أن حياة هؤلاء عالم آخر وجحيم لا يطاق، وهذا نموذج يصور حالتهم:
الممثلة الراحلة - كما يقال - (مارلين مونرو) نالت المال الذي تستطيع أن تحصل به على كل شيء، والشهرة التي جعلت اسمها وصورتها تملأ صحف العالم، والجمال الذي يشد أنظار الرجال إليها ويجذبهم نحوها، لقد وجد المحقق الذي درس قضية انتحار هذه الممثلة الشهيرة رسالة محفوظة في صندوق الأمانات في (بنك مانهاتن) في نيويورك، فتح المحقق الرسالة وجدها مكتوبة بخط (مارلين مونرو) نفسها وهي موجهة إلى فتاة تطلب نصيحة مارلين عن الطريق إلى التمثيل فتقول في رسالتها إليها:
"احذري المجد، احذري كل من يخدعك بالأضواء، إننى أتعس امرأة على هذه الأرض، لم أستطع أن أكون أماً، إنى امرأة أفضل البيت أفضل الحياة العائلية على كل شيء، إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل إن هذه الحياة لهي رمز سعادة المرأة بل الإنسانية".
نعم هذه المرأة التي تجعلها فتيات المسلمين قدوة لها، أما أنا فكان لي شأن آخر، ورأيت بعد أن هداني الله أن قدوتي ليست في الساقطات، إنما في أولئك الصالحات اللاتي سطرن صفحات بيضاء في التاريخ.
هاهي امرأة صالحة يثني عليها تبارك وتعالى في كتابه، بل يضرب بها المثل للمؤمنين.
(وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لّلّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنّةِ وَنَجّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ). [التحريم: 11].
ويشهد لها أصدق الناس بشهادة خالدة، فعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". [رواه البخاري 3411، ومسلم 2431].
لقد حاولت أن أضع كل تلك الأوسمة وألوان الثناء، وعبارات المديح والإعجاب التي يتلقاها النجوم في كفة، وأضع هذه الشهادة من رب الناس أجمع، والشهادة من النبي صلى الله عليه وسلّم سيد ولد آدم في كفة أخرى.
فرأيت أنه لا مجال للمفاضلة، بل إنه من سوء الأدب أن تقارن هذه التزكية الشرعية بآراء البشر وأهوائهم، وأين يأتي الثرى من الثريا؟

ألم تر أن السيف ينقص قدره *** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

روى ابن جرير عن سلمان - رضي الله عنه - قال: "كانت امرأة فرعون تعذّب بالشمس. فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة".
وروى القاسم بن أبي بَزّة، قال: "كانت امرأة فرعون تسأل من غلب؟ فيقال: غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت بربّ موسى وهارون فأرسل إليها فرعون، فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في السماء، فمضت على قولها، فانتزع الله روحها، وأُلقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح".
إنها لم تكن امرأة عادية "فقد كانت امرأة فرعون أعظم ملوك الأرض يومئذ، في قصر فرعون أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي، ولكنها استعلت على هذا بالإيمان، ولم تعرض عن هذا العَرَض فحسب بل اعتبرته شراً ودنساً وبلاءً تستعيذ بالله منه، وتتفلت من عقابيله، وتطلب النجاة منه، وهي امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية... ولكن هذه المرأة وحدها في وسط ضغط المجتمع، وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية، والمقام المملوكي، في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء".. [في ظلال القرآن 6/ 3622] قائلة: (وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ). [التحريم: 11].

 للأعلى


ماذا يريدون من المرأة؟

يسعى كثير من الناس إلى خطب ود المرأة، فهاهم الشباب يبدون إعجابهم، ويسطرون كلمات الثناء على الفتاة الحسناء، ويسعون لكسب ودها واللقاء معها بما يملكون.
وهاهم يعبرون عن الصدق والحب والوفاء من خلال سماعة الهاتف أو الرسالة أو مشافهة، وهو منطق ربما انطلى على كثير من فتيات المسلمين.
لقد عشت برهة أشعر أنهم صادقون وأنهم محبون، عشت كغيري أنظر إلى هذا السعار المحموم من الشهوات على أنه عواطف صادقة بريئة، لكني شعرت بعد ذلك أن سكر الشهوة كان يحول بيني وبين إدراك ما وراء ذلك، وتساءلت كثيراً، أهؤلاء صادقون فعلاً في حبهم ووفائهم وصداقتهم البريئة، أم أنهم يخفون وراء ذلك أهدافاً أخرى؟.
بعيداً عن سراب العاطفة ووهمها الخادع لو كانت تلك الفتاة التي تقيم العلاقة المحرمة منطقية مع نفسها وطرحت هذا السؤال: ماذا يريد هذا الشاب؟ ما الذى يدفعه لهذه العلاقة؟ بل ماذا يقول لزملائه حين يلتقى بهم؟ وبأى لغة يتحدثون عني؟
إنها حين تزيح وهم العاطفة عن تفكيرها فستقول وبملء صوتها إن مراده هى الشهوة الحرام ليس إلا، إذاً ألا تخشى الخيانة؟ أترى هذا أهلاً للثقة؟
لقد خان ربه ودينه وأمته ولن تكون هذه الفتاة أعزّ ما لديه، وما أسرع ما يحقق مقصوده لتبقى صريعة الأسى والحزن والندم.
وحين يخلو هؤلاء الشباب التائهون بأنفسهم تعلو ضحكاتهم بتلك التي خدعوها، أو التي ينطلي عليها الوعد الكاذب والأحاديث المعسولة، فليت أخواتي الفاضلات يدركن شيئاً من اللغة التي تسود مجالسهم وتملأ حديثهم، وليتهن يسمين الأمور بأسمائها، ويضعنها في نصابها الصحيح، ويتجاوزن لغة الإعلام الساقط الذي يصف الخنا والفجور والفواحش بألقاب الغرام والعلاقة العاطفية، والحب البريء، والصلة بالجنس الآخر.
فوالله؛ ما هؤلاء بأصدق من النبي صلى الله عليه وسلّم، وحاشاه - بأبي وأمي - أن يبالغ في حديثه، فها هو يحدثنا عن خطوات الشيطان، ويسميها باسمها الصحيح.
 عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة؛ فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه". [رواه البخاري 6234، ومسلم 2657].
فيالله، كم نظرة محرمة آثمة يتبادلها الشاب والفتاة؟.
كم كلمة هوى وصبابة؟.
كم خطوة نحو اللقاء؟ بل كم خلوة؟.
وأيما خلوة فلابد أن يشهدها الشيطان، وهاهو صلى الله عليه وسلّم يحذر أصحابه وهم من هم في الصفاء والطهر والورع فيقول: "لا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما… ". [رواه أحمد 115، والترمذي 2165].
هكذا كنت أشعر أن العلاقة مع الشباب توصلني إلى قمة السعادة والمتعة، لكن حمدت الله أن أدركت النهاية المؤلمة لهذا الطريق قبل أن أتوغل فيه.

صورة أخرى:
لقد انتشرت صورة المرأة في الإعلان التجاري بشكل يعبر عن معنى الاحتقار لإنسانية المرأة، ويمثل اختزالاً صارخاً لدورها.
وثمة سؤال يطرحه كل مسلم غيور، يقدر حق المرأة، ويشعر أنها مخلوق أسمى وأعلى من أن يكون وسيلة لترويج سلعة أو بضاعة كاسدة.
لماذا يختار هؤلاء صورة المرأة بالذات، ولماذا تتكرر صورتها ومشاهدها في سلع ربما لا تمت إليها بصلة؟.
إنها وسيلة ساقطة ترخص مكانة المرأة وتدوسها، ووسيلة ساقطة تتاجر بأعراض المسلمين وعفافهم، ووسيلة ساقطة تجعل الربح المادي والشخصي هدفاً يرتقى إليه على سلم الأعراض ومقومات المجتمع المسلم المحافظ.
لقد شعرت حين أدركت ذلك أنني صاحبة مكانة أسمى وأعلى، وشعرت كيف ترخص الأعراض لدى هؤلاء، فحمدت الله على حجابي وعفافي وحيائي.

صورة ثالثة لاحتقار المرأة:
مَن مِن الناس اليوم لم تقع عينه على مجلة اختارت للغلاف صورة فتاة حسناء؟.
وتسهم الجاذبية في هذه الصورة بقدر كبير في ترويج هذه المطبوعة وانتشارها، فعجبت كيف خدعنا هؤلاء؟ كيف جعلوا من المرأة سلماً للثراء والأمجاد الشخصية؟
هاهي إحدى الساقطات تستيقظ برهة لتدلي بهذه الشهادة.
"نشرت إحدى الصحف أن ممثلة فرنسية بينما كانت تمثل مشهداً عارياً أمام الكاميرا ثارت ثورة عارمة وصاحت فى وجه الممثل والمخرج قائلة: أيها الكلاب أنتم الرجال لا تريدون منّا النساء إلا أجسادنا حتى تصبحوا من أصحاب الملايين على حسابنا ثم انفجرت باكية، لقد استيقظت فطرة هذه المرأة في لحظة واحدة على الرغم من الحياة الفاسدة التي تغرق فيها، استيقظت لتقدم الدليل القاطع على المأساة التي تعيشها المرأة التي قالوا إنها متقدمة". [المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التقدم، ص 32- 33].

 للأعلى


بين ثناءين

كانت عبارات الثناء والإعجاب تعني شيئاً كبيراً لدي، وكنت كغيري من الفتيات يعتبرن الوصف بالجمال وحسن المظهر وساماً غالياً، ومن ثم كن يدفعن ثمن هذا المديح والثناء في سباق محموم لإبداء شيء من المفاتن، وفي المجتمعات المحافظة يمارسن ألواناً من التحايل على الحجاب الشرعي والالتفاف عليه.
لكن بعد أن استيقظت ووفقني الله لسلوك طريق الصالحين شعرت أن هناك ثناء أعظم وأجل، إنه ثناء الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم في آيات تتلى إلى يوم القيامة: (فَالصّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ). [النساء: 34].
وقال تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً). [الأحزاب: 35].
وحين أمر الله نساء المؤمنات بالحجاب شرفهن وأعلى من قدرهن حين ربط الأمر بذلك بخير النساء: زوجات النبي صلى الله عليه وسلّم وبناته: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً). [الأحزاب: 59].
أما أولئك اللاتي يتسابقن إلى ثناء أصحاب الشهوات وإعجابهم، فحذار لهن من هذا الوعيد الشديد الذي يحدثنا عنه أنصح الخلق للخلق صلى الله عليه وسلّم.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا". [رواه مسلم 2128].
أما تلك التي تستعطر وتتطيب حين تخرج لتلاحقها الأنظار، فويل لها من هذا الوعيد:
عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية". [رواه أحمد 19212، وأبو داود 4173، والترمذي 2786، والنسائي5126].

 للأعلى


بين صوتين

ابتلي كثير من فتيات وشباب المسلمين بسماع الغناء، وأصبح جزءاً من حياتهم.
إن أحدهم يردد أبياته صباح مساء، ويتمثل بها ويستشهد، وتتفاعل أصابعه وأعضاؤه معه، فيضرب بها ويعبث هنا وهناك.
وحين أنقذني الله بفضله شعرت أي حرمان يعيشه هؤلاء إذ كان سماع الغناء يصدهم عن سماع كلام الله تبارك وتعالى؟ فالغناء صوت الشيطان ومزماره، كما قال تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً). [الإسراء: 64].
 أما القرآن فهو كلام الله تبارك وتعالى، فشتان بين صوت يتلو كلام الله وصت يتلو مزمار الشيطان، لقد حُرِم هؤلاء لذة سماع كتاب الله والإقبال عليه والتأثر به، فلنقرأ هذا التصوير الدقيق لحالهم: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ.وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلّىَ مُسْتَكْبِراً كَأَن لّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنّ فِيَ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). [لقمان: 6- 7].
أقرأ القرآن الكريم، فتنتابني رهبة حين أشعر أني أقرأ كلام الله تبارك وتعالى، فكل ما فيه حق لا يقبل النقاش والجدل، أعيش مع روعة الأسلوب وجمال التعبير، ومع أحسن القصص وحوادث السابقين، ومع الأحكام والأوامر والنواهي وما فيها من أسرار التشريع وعظمته، ومع الحديث عن الله تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وأنطلق إلى الكون الفسيح لأرى عظمة الله في مخلوقاته وآياته الدالة على وحدانيته وربوبيته.
وأحيانا أنتقل إلى هناك لأرى نعيم الجنة ومتاع أهلها فيها، فأرفع يدي لله سائلة إياه أن يجعلني من أهلها، وأرى الجانب الآخر أهل النار يتضاغون فيها ويصطرخون ربنا أخرجنا منها نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل، فألهج بالحمد والثناء لله تبارك أن منَّ علي فأنقذني من عمل أهل النار، وأسأله أن ينجيني ويجيرني منها بعفوه وفضله.
أشعر أني كلما قرأت كتاب الله تبارك وتعالى أزداد إيماناً ويقيناً وطمأنينة، وشتان شتان بين الغناء الذي يختصر الحياة في الهوى والصبابة والغرام وبين كلام الله الذي هذا شأنه.
أي علم وأي يقين؟ وأي طمأنينة في القلب يجنيها أهل الغناء؟ بل هو الإثم والوزر وشقاء الدارين.
وعلاوة على ما في تلاوة كتاب الله تبارك وتعالى من الأثر والخير فكل حرف أتلوه وأقرأه فيه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلّم.

 للأعلى


شهادة غير مجروحة

قد كنت فيما سلف من حياتي أسير على طريق السفور والتبرج؛ إذ كنت أشعر أن ذلك بوابة السعادة واستقلال الشخصية، لكني أدركت بعد ذلك أنه طريق الضالين المعرضين عن منهج الله تبارك وتعالى، وأن المسلمة حين تسلكه فهي تسعى لدخول جحر الضب وراءهم.
وهاهو أحد عقلائهم يسجل هذه الشهادة وهو دكتور فرنسي متخصص في جراحة الأمراض النسائية فيقول:
"إن أغلب الأمراض الجنسية التي نعاني منها سببها الاختلاط غير المشروع بين الرجل والمرأة، ولو عدنا إلى أصول هذه المشكلة لوجدنا أن سببها تخلي المرأة والرجل عن حيائهما الذي وضعه الله في كل رجل وامرأة وبخاصة وبشكل كبير لدى المرأة، فالمرأة بعد أن تخلت عن حيائها، وخالفت بذلك طبيعتها الإنسانية، راحت تختار الألبسة التي تكشف عن مفاتنها، فانتشرت الفتنة في المجتمع، وانتشرت الأمراض بعد ذلك…لابد من التزام المرأة بلباس موحد على مدى الأزمان لا يغير مواصفات الحشمة فيه وإن تغيرت نوعيته، فاللباس المحتشم للمرأة في العصور الوسطى هو نفسه لباس الوقحات في العصور القديمة، ولباس المرأة المحتشمة اليوم هو نفسه لباس العاهرات في القرون الوسطى، في البداية كانت المرأة تغطي وجهها بغطاء سميك مع تغطية سائر جسمها، وكانت الوقحات في ذلك الوقت يضعن خماراً شفافاً على وجوههن مع اللباس الساتر لأجسادهن، وبعد زمن راحت فئة من النساء غير المحتشمات تقصر أثوابها الطويلة شبراً فوق الكعب، ثم بعد زمن آخر أصبح هذا اللباس هو لباس المحتشمات، بينما راحت الوقحات يكشفن أذرعهن وشيئاً من صدورهن، وهكذا حتى أصبحت الشريفات اليوم يلبسن ما كانت تلبسه عاهرات الأزمان الماضية". [من أجل تحرير حقيقي للمرأة 149- 150، نقلاً عن مجلة المجتمع 738].
إن هذه الشهادة لا تستمد قيمتها لدينا من كونها صدرت من رجل له قيمته، وشهادته لا ترد، إنما لكونها صدرت من رجل من ذلك المجتمع الذي عاش التحرر والتخلي عن الدين والحجاب والعفاف.

 للأعلى


باب التوبة لم يغلق

وأخيراً أختي المسلمة:
إن كنت قارفت سوءاً، فالبدار البدار بالتوبة والإقبال على الله، وحذار من اليأس من رحمة الله والقنوط من عفوه، فالله تبارك وتعالى يخاطب المسرفين المقصرين ناهياً إياهم عن اليأس والقنوط: (قُلْ يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). [الزمر: 53].
ويأمرهم تبارك وتعالى بالمبادرة قبل حلول العذاب: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ* وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ). [الزمر: 54- 55].
حينها تتحسر نفوسهم ويندمون ولات ساعة مندم: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ* أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). [الزمر: 56- 57].
ويتمنون الرجعة ليعملوا صالحاً فهيهات:
(أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). [الزمر: 58].
(حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). [المؤمنون: 99- 100].
ويعظم النبي صلى الله عليه وسلّم لأصحابه منـزلة التوبة، ويخبرهم أنه تبارك وتعالى يفرح بتوبة عبده إذا تاب ثبت عنه صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها - قد أيس من راحلته - فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح". [رواه البخاري 6309، ومسلم 2747 من حديث أنس. ومن حديث ابن مسعود. ورواه مسلم من حديث البراء، ومن حديث النعمان بن بشير، والترمذي من حديث أبي هريرة].
وما أجمل تلك الحكاية التي ساقها ابن القيم رحمه الله حيث قال: "وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه حصل له شرود وإباق من سيده، فرأى في بعض السكك باباً قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً، فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، ولا من يؤيه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مرتجّاً فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدى، أين تذهب عنى؟ ومن يؤيك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلتُ عليه من الرحمة بك والشفقة عليك، وإرادتي الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت.
فتأمل قول الأم: لا تحملنى بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلتُ عليه من الرحمة والشفقة.
وتأمل قوله صلى الله عليه وسلّم: "لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها". [رواه البخاري ومسلم]
وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟ فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه، فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به.
فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها، ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة وتدق عن إدراكه الأذهان". [مدارج السالكين 1/ 235-236].
والآن أشعر أن المداد قد نفد، وأنه آن الأوان لطوي الصفحة ورفع القلم، فهذه قصتي مع الهداية، فأحمد الله على أن وفقني لسلوك هذا الطريق، وأسأله الهداية والثبات، وأتمنى أن أرى أخواتي وإخواني معي على هذا الطريق.

وصلى الله وسلم علـى نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين،،،

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


تعليقات الزوار
الاسـم: ابومشاري فتى العقيدة
التعليق: جزاك الله عن الامـــــــــــــــــــــــة خير الجزاء

جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008