تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

البعد الزمني الغائب

د. محمد بن عبدالله الدويش

 توطئة
 مظاهر لغياب البعد الزمن في تفكيرنا
 العوامل التي أدت إلى غياب البعد الزمني
 لماذا نحتاج إلى البعد الزمني
 آثار غياب البعد الزمني

توطئة
توطئة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله, أما بعد:
في صحراء مكة, التي كانت تلفح بالحر الشديد، كان هناك شابٌ لا يزال دون العشرين من عمره, آمن بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم واستجاب لها، وحينها لاقى ما لاقاه إخوانه من التعذيب والأذى الذي بلغ حداً لا يطاق, فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاكياً له من سيِّده الذي كان يتفنن في تعذيبه وإيذائه, يروي لنا القصة صاحبها رضي الله عنه وهو خبّاب بن الأرت, حيث جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة, فقال له: ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ قال: فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو محمرّ وجهه ثم قال: "لقد كان من كان قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه, ما يصده ذلك عن دينه, والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون"( أخرجه البخاري رقم(6943)).
فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يخاطب هذا الشاب الذي ربما كان الاستعجال لديه شعوراً نفسياً، فهو لم يكن طائشاً أو متهوراً رضي الله عنه, وإنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يدعو ربه أن ينصرهم ويكشف عنهم الضر، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم لمس من نفس خبّاب رضي الله عنه استبطاء النصر, ولمس منه قدراً من الاستعجال، فوجه له هذا الخطاب, ولو عرفنا ما لقيه خبّاب لشعرنا أنه معذور في هذا الموقف, فإنه حين أسلم كان قيِّناً للعاص بن وائل, وكان العاص جباراً متسلطاً, فكان يعذبه أشد العذاب, حتى إن كتب السيرة تروي لنا أنه كان يشعل الجمر فيرميه على ظهره حتى لا يطفئ الجمر إلا ودك ظهره رضي الله عنه, وكان لا يزال شابا يانعاً (رواه أبو نعيم في الحلية"1/143-144"، وابن سعد في الطبقات "3/165").
دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته فقال له عمر: "اجلس فما أحق بهذا المجلس منك إلا عمار", وذلك لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تأخر إسلامه فكان يعتقد أن ما لقيه خبّاب أقل مما لقيه عمار رضي الله عنهم جميعا, فكشف له خبّاب رضي الله عنه ظهره فأراه آثار التعذيب التي لا زالت باقيةً على جسده إلى وقت خلافة عمر رضي الله عنه (رواه ابن ماجه"153").
وحين مرَّ عليٌّ رضي الله عنه بقبر خبّاب، بكى وقال: رحم الله خباباً أسلم راغباً وهاجر طائعاً وعاش مجاهداً وابتليَ في جسمه أحوالاً ولن يضيع الله أجره (الإصابة"1/416") .
إن من يتأمل ذلك الموقف الذي كان يعيشه خبّاب بن الأرت رضي الله عنه يدرك أن هناك ثمة مبرر حين يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويطلب منه أن يسأل الله النصر وهذا الأمر ليس فيه- فيما يبدو لنا - استعجال, لكن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعلم بنفس صاحبه أراد أن يربي عنده هذا المعنى.
إننا حين نريد الحديث عن الاستعجال فإنه قد يطول بنا الحديث، لكننا سنتناول جانباً من جوانب الاستعجال, ألا وهو غياب البعد الزمني.
وغياب البعد الزمني مشكلة في التفكير قبل أن تكون في المواقف والعمل؛ فالمواقف والعمل نتيجة لقرار وتصور يرسمه الإنسان.
إننا نعاني من فقدان هذا البعد في تفكيرنا حيث إننا أسرى اللحظة الحاضرة, ننظر دائماً إلى ما تحت قدمينا, ولا ننظر النظرة البعيدة, وتظهر آثار هذه النظرة ونتائجها في أقوالنا, ومواقفنا, وأعمالنا.
إنك لو أردت أن تزرع بقلة من البقول فسوف تنتظر ثمرتها عن قريب, لكنك حين تزرع شجرة زيتون فلا يمكن أن تنتظر ثمرتها قريباً, لأنك تعرف أنها تحتاج إلى مدة زمنية حتى تكبُر ثم تثمر, وهكذا سنة الله في الحياة.
إذا كان هذا الأمر في عالمنا المادي القريب فما بالك بما هو أبعد؟

 للأعلى


مظاهر لغياب البعد الزمن في تفكيرنا
مظاهر لغياب البعد الزمني في تفكيرنا
يغيب البعد الزمني في تفكيرنا ومن مظاهر ذلك:
1- في حياتنا الاجتماعية:
لو قابلت إنساناً تتمنى أن تكرمه, فدعوته إلى منزلك ثم قال لك: لا أستطيع اليوم, ليكن بعد غد, أو قال: لا أستطيع أن آتيك إلا بعد أسبوع أو أسبوعين, فإنك ستستبطئ الموعد, فكيف إذا قال لك: لا أستطيع أن آتيك إلا بعد شهر أو شهرين.
مظاهر لغياب البعد الزمني في تفكيرنا
يغيب البعد الزمني في تفكيرنا ومن مظاهر ذلك:
1- في حياتنا الاجتماعية:
لو قابلت إنساناً تتمنى أن تكرمه, فدعوته إلى منزلك ثم قال لك: لا أستطيع اليوم, ليكن بعد غد, أو قال: لا أستطيع أن آتيك إلا بعد أسبوع أو أسبوعين, فإنك ستستبطئ الموعد, فكيف إذا قال لك: لا أستطيع أن آتيك إلا بعد شهر أو شهرين.
2- وفي مشاريعنا الشخصية
في مشاريعنا الشخصية كثيراً ما نخطط ونتطلع إلى مدىً زمنيٍّ محدود قريب، قد يحتاج الإنسان إلى أن يفكر إلى ما بعد عشر سنوات أو عشرين سنة -إن أحياه الله عز وجل- فيرسم له صورة وهدفاً يريد أن يصل إليه, ويبدأ الآن وأمامه هذه المدة, لكن هذا الأمر يغيب كثيراً عما نخططه لأنفسنا.
3- في علاج المشكلات:
كلنا نعاني من مشكلات في أنفسنا, فقد أعاني من مشكلة تتمثل في سيطرة عادة سيئة عليّ - أياً كانت هذه العادة -, أو هب أني إنسان سريع الغضب, أو لا أجيد التعامل مع الآخرين أو أني قليل الصبر أو عجل أو كسول, أي صفة سيئة أعاني منها, ثم اكتشفت هذه المشكلة في نفسي, فكيف أعالجها ؟
إن القضية ليست قضية معرفية وليست مجرد أن أعرف أن هذا السلوك غير صحيح حتى أتجنبه, وإنما أحتاج إلى جهد حتى أعود وأروض نفسي على أن أتجاوز هذه السلبيات.
بالأمس القريب (البارحة) كانت تحدثني فتاة تعاني من مشكلة مع والدتها, تقول: إنها تسئ التعامل مع والدتها، حيث تنفعل وتسئ لوالدتها ثم تتضايق كثيراً حتى إنها تستيقظ في الليل ثم تبكي عند والدتها وتعتذر منها, وتلح عليها بالسؤال أنها إذا سئلت يوم القيامة هل كانت ابنتها بارة بها أم عاقة؟ فما ذا تجيب؟ لكنها لا تلبث أن تعود إلى ما كانت عليه.
وكانت تقول: إنني لا يمكن أن أغيِّر ما أنا عليه أبداً!! فحاولت إقناعها فعجزت.
فقلت لها: أليس لك رغبة في التغيير؟
قالت: ليس عندي رغبة في التغيير.
قلت: لماذا اتصلت عليَّ إذن، وما هو السبب, فترددت قليلاً.
فقلت لها: دعيني أجيب عنكِ, إنك تعتقدين أنني قد أساعدك على حل هذه المشكلة فلذا اتصلت تعرضين عليَّ وتتحدثين عن قضية خاصة في حياتك الشخصية وتستشيريني فيها، وأنت تؤملين أن تجدي مني حلاً يمكن أن يساعدك على تجاوز هذه المشكلة.
أليس هذا هو دافع الاتصال؟
قالت: نعم.
قلت: إذاً هناك شعور ورغبة في التغيير.
قالت: إنني حاولت لسنوات طويلة ولم أتخلص من هذه العادة.
فسألت سؤالاً - وأتمنى أن يكون هذا السؤال قاعدة لنا في التعامل مع مشكلاتنا- هل الإنسان خرج من بطن أمه بهذه السلوكيات أم أنه اكتسبها؟
فأجابت: لا شك أنه اكتسبها، ولكن قد يكون وراثة.
قلت: ما يتعلق بوراثة السلوك جزء كبير منها نتاج تربية أكثر من أن تكون قضية وراثية فحسب، فليست القضية متعلقة بالجينات وأن هذا السلوك صار جزءاً من دم الإنسان, ولكن هب أنني ولدت مثلاً من أب يتصف بصفة من الصفات, فتربيت في أحضانه وعشت في هذا الجو، فمن الطبيعي أن أرث هذه الصفة، وإنما ورثتها تربية وتأثراً وليس بالضرورة أنني ورثتها يوم أن ولدت.
فالسلوك الذي نملكه أمر اكتسبناه, وما دمنا اكتسبناه وتعودنا عليه فيمكننا منطقياً أن نتعود على خلافه, لكننا نريد أن نحل مشكلاتنا في وقت قصير لا يمكن أن تحل فيه.
4- في المشروعات الإصلاحية:
حينما نفكر في مشروعات إصلاحية على مستوى مجتمعاتنا إلى أي مدى تقف نظرتنا؟!
إننا دوما ندور في إطار محدود وقريب، لا نفكر في مشروعات على مدى عشر سنين أو عشرين سنة، فضلا عن أن نفكر فيما بعد جيلنا, إننا إذا كنا نعرف سنة الله في المجتمعات، وكيف تتغير، فالمفترض أن تكون مشروعاتنا الإصلاحية تهيئ للجيل اللاحق.
إننا نريد أن تصلح هذه المجتمعات التي نعيش فيها ما بين عشية وضحاها؛ ولهذا يسيطر علينا دوماً الخطاب العاطفي والحماسي, و هو الذي يستهوينا كثيراً ونطرب لسماعه، وهو الذي نشعر أنه يسهم في إصلاح مجتمعاتنا.
إن الخطاب العاطفي المتزن مطلوب ولابد منه، وقد يحل مشكلات معينة؛ لكن لا يمكن أن يغير في المجتمعات, فمشروع إعادة بناء الأمة لا يكفي فيه خطاب يطالب الناس بالتوبة والرجوع إلى الله، وإن كان مطلوباً ولابد منه ويسد ثغرة.
ومن خلاله وحده لا يمكن أن نغير قيم الناس وطريقة تفكيرهم، ولا يمكن أن نواجه التيار الوافد الذي يهاجم الناس, ولا يمكن أن نربي الناس تربية متكاملة.
فالبعد الزمني نفقده كثيراً في تفكيرنا, وفي حياتنا الاجتماعية, ومشاريعنا الشخصية وكذا الإصلاحية التي نسعى إليها في مجتمعاتنا.

 للأعلى


العوامل التي أدت إلى غياب البعد الزمني
العوامل التي أدت إلى غياب البعد الزمني
هذه الطريقة في التفكير تولدت من خلال عوامل عدة لن أستطرد فيها - لأن ما بعدها من نقاط أولى بالحديث - لكني أشير إليها باختصار شديد.
العامل الأول: العجلة من طبيعة الإنسان:
أن من طبيعة الإنسان العجلة كما جاء في كلام الله عز وجل (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَل) [الانبياء:37]. والله تعالى هو الذي خلق الخلق وهو أعلم بهم، لكن هذا لا يعني الاستسلام وعدم التخلص من العجلة؛ فقول الله عز وجل: (إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً) [المعارج:19] لا يعني الإقرار لأن نتصف بالهلع.
العامل الثاني: ضغط الواقع:
الواقع السيئ يشكل ضغطاً قوياً، فالإنسان الذي يحمل الغيرة في قلبه ويريد التغيير، يتضايق من هذا الواقع وما يراه فيه، وكل يوم يجد أمامه متغيرات وأوضاع سيئة جديدة, فلا يطيق ولا يصبر.
ويزيد من حدة ذلك الخطاب العاطفي السائد، فيبحث الإنسان حينئذ عن حلول قريبة، فإذا حدثته عن مشاريع لها بعدٌ زمني يراها الجيل الذي بعده، فلن يستوعب هذا الكلام بل لا يتلاءم مع الشعور الذي يحترق في داخله.
العامل الثالث: التربية:
إن طريقة التربية التي تعودنا عليها وطريقة تفكيرنا هي التي غرست عندنا هذا النمط من النظرة القريبة المتعجلة، فتفكيرنا دائماً بسيط محدود، والعمق في تفكيرنا غائب سواء على مستوى العمق في الأفكار أو على مستوى العمق في المدى الزمني, ولأجل ذلك ولَّد عندنا هذه النظرة.
يستحيل أن يتخلص الإنسان من العجلة نهائياً, لكن المؤمل من الناس الذين يتطلعون للإصلاح في المجتمعات أن يعيدوا النظر في مدى تلاؤم نظرتهم للمدى الزمني مع الواقع, وهل هم يعطون مشروعاتهم الإصلاحية المدى الزمني الذي يتلاءم معها أم لا ؟!

 للأعلى


لماذا نحتاج إلى البعد الزمني
لما ذا نحتاج إلى البعد الزمني؟
حين نطالب بأن يأخذ البعد الزمني مداه المناسب في تفكيرنا فإن الذي يدفعنا لذلك أمور عدة، منها:
1- نصوص القرآن الكريم:
يقول الله تبارك وتعالى في سورة الأنبياء: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ)[الانبياء:36] يخبر الله في هذه الآية عن الكفار أنهم كانوا إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم استهزءوا به وسخروا منه.
ثم يقول الله عز وجل في الآية التي تليها: (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ)[الانبياء:37] .
فكأن الإنسان يتساءل ما دام أن الكفار يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسخرون به فلماذا لم يعذبوا؟ ولماذا لم ينزل عليهم العذاب؟
وقال تعالى: (ألم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)[الروم:1-5] .
فكأن اللحظة قريبة، فاليوم ينتصر الفرس على الروم، وسيغلب الروم فيما بعد، ثم هذه أمارة بنصر المسلمين.
ثم يقول الله عز وجل (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم:7،6]
2- نصوص السيرة النبوية:
وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نلمس هذا واضحاً, بل يبدو في الموطن التي تبعث على اليأس, لقد لقي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة من العذاب ما لا يطاق؛ حتى ذهب يبحث عن موطن لدعوته، فرحل إلى الطائف, وحين رحل إلى الطائف لقي الصدود والإعراض من أهل الطائف ولم يستجيبوا له - وكان يوم الطائف من أشد ما لقي صلى الله عليه وسلم, كما أجاب بذلك عائشة حين سألته. فخرج مهموماً ولم يستفق إلا وهو بقرن الثعالب - مكان بين مكة والطائف- فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله قد سمع ما قال قومك لك, وهذا ملك الجبال فمره بما شئت, فقال: لو شئتَ لأطبقتُ عليهم الأخشبين - جبلين في مكة - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا, لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله عز وجل" (أخرجه البخاري "3231" ومسلم "1795").
إن نظرة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقف متفائلة مع هذا الجيل فحسب؛ بل إنه ينتظر أن يخرج من أصلاب هؤلاء من يعبد الله عز وجل, وبعبارة أخرى كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر الجيل القادم, مع أنه في موقف يبعث على اليأس.
وفي هجرته صلى الله عليه وسلم – وأخبارها لا تخفى - وكيف خرج صلى الله عليه وسلم واختفى في الغار، فجعل المشركون جائزة عظيمة لمن يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه حياً أو ميتاً, فلحقه سراقة بن مالك ثم كان ما كان بينه والنبي صلى الله عليه وسلم من حوار حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ (الإصابة"2/19"، الاستيعاب "2/120") .
وفي غزوة الأحزاب وكان المسلمون محاصرين لا يستطيع أحدهم أن يذهب لقضاء حاجته منفرداً من الخوف، يعدهم صلى الله عليه وسلم بقصور الشام وفارس واليمن؛ عن البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق قال وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم هبط إلى الصخرة فأخذ المعول فقال:"بسم الله" فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر وقال:"الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا" ثم قال:"بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال:"الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا" ثم قال:"بسم الله" وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال:"الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" (رواه أحمد "18219")
وجاء عدي بن حاتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"هل تعلم مكان الحيرة؟" قال قلت: قد سمعت بها ولم آتها، قال:"لتوشكن الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف" (رواه أحمد18888).
3- سير الأنبياء:
يقول الله عز وجل مخبراً عن النصر وتنزله على رسله: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ )[يوسف:110].
ولنقرأ شيئاً من العبر في قصص الأنبياء.
حين دعا نوح عليه السلام على قومه قال في دعائه: (وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً)
[نوح:27]، لقد كان يؤمل في أولادهم أن يستجيبوا، فكان نظره يتجاوز جيله الذي يعيش فبه، ولم يدع على قومه إلا حين علم أن الأمل قد انقطع من أولادهم.
وفي قصة موسى عليه السلام يقول الله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص:4-6].
هنا يتحدث القرآن عن بطش فرعون وعلوه ثم يقول الله عز وجل: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)[القصص:5] فيولد موسى, وينشأ في بيت فرعون ويشب, ثم يخرج إلى مدين ويبقى فيها يرعى الغنم عشر حجج أو ثمان, حتى يبلغ بعد ذلك أشده، ثم يأتيه الوحي، ويعود بعد ذلك إلى فرعون, وكل هذا إتماماً لهذا الوعد.
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)[القصص:5].
ويبدأ تقدير الله من هنا منذ أن ولد موسى عليه السلام وهو طفل رضيع إلى أن ذهب وتربى هناك وبقي يرعى الغنم, وفرعون لا يزال يبطش ويتجبر ويذبح الأبناء حتى مضى جيل بعد ذلك ثم أتى موسى, وأتم الله عز وجل لبني إسرائيل ما وعدهم .
ويوسف عليه السلام رأى رؤياً وهو لا يزال صغيراً (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ)[يوسف:5،4].
ثم طال الوقت وكاد به إخوانه, ورموه في الجب, وذهب إلى بيت العزيز, وبقي فيه وقتاً, ثم سجن, ثم بقي على خزائن الأرض سبعاً وسبعاً, ثم جاءه بعد ذلك يعقوب وأهله وخروا له سجداً فقال: (يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً)[يوسف:100].
وتبقى هذه الأمور في عمر الزمن أمراً محدوداً لا يساوي شيئاً.
4 – هكذا سنة الله في المجتمعات:
لو رأيت رجلاً مكتمل الرجولة, يمتلئ حيوية ونشاطاً، فأنت تعرف أنه كان يوماً من الأيام رضيعاً لا يستطيع أن يأكل الطعام بنفسه, ولا يستطيع أن يقوم أو يعبر عما في نفسه, لا يعرف لغة إلا البكاء, فينمو وينمو من خلال وقت طويل وزمن؛ حتى يصبح كما تراه أمامك رجلاً جلداً قوياً.
إذا كان هذا في عمر الأفراد فكيف في عمر المجتمعات؟
عمر الأفراد لا يقاس بعمر المجتمعات أبداً, وإذا كنت ترى التغير في عمر الفرد فما تراه في المجتمع يحتاج إلى أضعاف ذلك الوقت بكثير.
لكننا حين نريد أن نغير في المجتمعات، فإننا في الواقع لا نتعامل معها بأعمار الأفراد فضلاً عن أعمار المجتمعات.
5 – البعد الزمني يتيح لنا التعامل مع متغيرات عدة:
إن طول المدى الزمني يتيح لنا أن نتعامل مع متغيرات عديدة لا تتيحها لنا النظرة القريبة, فحينما نريد أن نقيم مشروعاً دعوياً, سنجد أنه يحتاج إلى جهود إصلاحية ومشاريع إعلامية متميزة, ويحتاج إلى مدارس متميزة وعلماء, فإذا كنا سنعمل على مدىً زمني بعيد فبإمكاننا حينئذ أن تدخل كل هذه المتغيرات.
حين نحتاج إلى إعلام إسلامي ولا نملك مختصين يمكن أن نوجه عدداً من الخريجين فيتخصصوا تخصصات إعلامية، وبعد سنوات سنملك عدداً يمكن أن يُدرِّبوا غيرهم، وهكذا في سائر التخصصات.
المؤسسة التجارية التي تستهدف تحقيق ربح, وحضور في السوق التجاري, لا يمكن أن تربح بين يوم وليلة, فهذه المؤسسة وإن كانت تملك عاملين لهم ولاء خاص للمؤسسة؛ لكن ضعف المهارة في التسويق وضعف الخبرة الإدارية سيؤثر على إنتاجهم، وسيؤثر على موقع هذه الشركة في ظل هذا السوق الذي هو تسود فيه حمى التنافس.
فإذا كان صاحب الشركة يفكر على مدى بعيد فإنه سيدرب هؤلاء كل على حسب حاجته فمن كان يحتاج إلى لغة أُعطي دورات في اللغة، ومن كان يحتاج أن يتدرب على الحاسب الآلي دُرِّب عليه، أو مهارات علاقات عامة أو تسويق أو استقطاب أفراد عملاء, إنه حين يفكر على مدى عشر سنوات أو أكثر فإنه سيستطيع أن يوجد طاقات، وتكون أمامه متغيرات عديدة يستطيع أن يتحرك من خلالها، خلافا لما لو كان ينظر إلى اللحظة الحاضرة.
6 – الواقع المعاصر لم يكن وليد لحظة:
إن الواقع الذي نعيشه اليوم وهو واقع غير مرضٍ, ويحتاج إلى إصلاح وتغيير، ليس هو نتاج حدث عابر أو عامل واحد.
إنك لو سألت طائفة من الناس: ما سبب تخلف المسلمين؟ فسوف تجد إجابات متعددة، وكل إجابة لها ما يؤيدها من الواقع، لقد اجتمع هذا العامل والثاني والثالث مع العامل الزمني فأدى إلى تخلف المسلمين, فالتغير إنما حصل من خلال عوامل وأثر تراكمي, ومن خلال فترة زمنية طويلة.
وحين نريد إصلاح هذا التغير الذي تم خلال عقود متطاولة، ونتاج عوامل عدة، فلا يمكن أن يتحقق ذلك في فترة محدودة، وليس حتما أن نعطي مشروع الإصلاح المدى الزمني الذي استغرقه مشروع الفساد والتغيير، ولكن على الأقل أن يتناسب معه.
فالمفاهيم والقيم المنحرفة السائدة لدى المسلمين لم تأت مرة واحدة، ولم تكن نتاج فيلم شاهده الناس فغير حياتهم, أو موقفا رأوه في السوق والشارع.
دعوني أضرب لكم مثالاً:
من القيم السائدة اليوم في مجتمعات المسلمين بين الشباب المراهقين والفتيات المراهقات أن الشاب أو الفتاة حينما يصل إلى مرحلة المراهقة لا بد أن يخوض تجربة يسميها "تجربة الحب" مع طرف آخر، وتبدأ هذه القصة ثم تمتد على علاقات عاطفية، وفي النهاية تكون هي نواة مشروع الزواج.
شعور الإنسان بالحب في قلبه أمر لا يلام عليه ، لكن الملامة أن تصبح مشروعاً من مشاريع الإنسان حينما يصل إلى هذه السن، فيظن أنه لا بد أن يحب فتاةً ثم يبني علاقة معها, وقطعاً سيقعون في أمور محرمة لما يحصل بينهم خلوة وغيرها.
هذا السلوك اليوم أصبح سلوكاً طبيعياً عند الشباب والفتيات لايشعرون تجاه بأي تأنيب للضمير.
هذه القيم السائدة في أوساط شباب وفتيات المسلمين لم تنشأ من خلال قراءة لرواية أو رؤية فيلم, بل من خلال أثر تراكمي طويل، بمجموعة أفلام يشاهدها في الإعلام، أو روايات وقصص يقرأها, أو أحاديث لزملائه وزميلاته, فلما اجتمعت هذه الأمور ولدت هذا التأثير التراكمي الذي استقر وشكل هذه القيمة.
فهل يمكن أن تتغير هذه القيم من خلال جمع مجموعة من الشباب وإخبارهم أن هذا السلوك خطأ ويجب تركه ؟
فإذا كنا نريد أن نصلح ونغير، فلا يشترط أن نعطي نفس المدى الزمني ونفس الزخم والمؤثرات, لكن على الأقل نحتاج إلى تنويع وسائل التأثير ونحتاج إلى مدى زمني يتناسب مع زخم هذه العوامل التي أدت إلى هذا الواقع.

 للأعلى


آثار غياب البعد الزمني
آثار غياب البعد الزمني
حينما يغيب البعد الزمني في تفكيرنا, ولا ننظر إلا إلى اللحظة القريبة فإننا سنجني نتائج مرة وسيئة، نلحظها اليوم في الأنشطة الدعوية والمشروعات الإصلاحية القائمة في الأمة.
أولاً: الابتعاد عن الأعمال المنتجة العميقة الأثر:
وذلك بالابتعاد والانصراف عن الأعمال تلك التي تحتاج إلى وقت وجهد في القيام بها, ولا تظهر آثارها في الزمن القريب، والاتجاه للاعتناء بالأعمال سريعة الأثر وقريبة النتائج.
فلو قيَّمت المشاريع الدعوية القائمة اليوم, لوجدت أن المشاريع التي تستهوي الشباب والناس عامة هي غالباً المشاريع التي يظهر أثرها قريباً.
فحينما تذهب إلى شباب يجلسون على الشاطئ أو على الأرصفة وتناصحهم ويستجيب لك واحد أو اثنان, أو حينما تذهب إلى مجموعة من الجاليات غير المسلمة وتدعوهم ويسلم واحد أو اثنان.., أو حينما تتحدث مع الناس حديثاً وعظياً مؤثراً ويستجيب لك الناس, هذه الأعمال - التي يكون أثرها سريعاً - هي التي تستهوينا كثيراً وتلقى رواجاً.
ونحن لا نعترض عليها بل لابد منها, وغيابها غير صحيح, لكنا نعترض على غياب المشروعات البعيدة الأثر في الأمة .
الأمة اليوم تحتاج إلى عمل إعلامي يتناسب مع الزخم الذي تواجهه.
المنتج الإعلامي - الدعوي - لا يزال محدوداً وضعيفاً وهشاً رغم العمر الطويل للصحوة الإسلامية، ومصدر ذلك ليس غياب الداعية الغيور، ولكن طريقة التفكير التي تريد العمل القريب الذي تلمس آثاره قريباً، والعمل الإعلامي يحتاج إلى أوقات ومتخصصين وخبرات لا تتاح في الزمن القريب.
مثال آخر: حين تصلي في أحد المساجد في رمضان يغلب أن تجد من يقف عند الأبواب لجمع التبرعات للمشاريع الدعوية, وهذه ظاهرة جيدة وصحية، لكن إلى متى يقتصر تمويل مشاريعنا الدعوية والإصلاحية على تبرعات الناس؟ لماذا لا يكون هناك تفكير في مشروعات استثمارية قوية تخدم الدعوة؟ وهذا لا شك أنه لا يمكن أن يتم بين يوم وليلة، لأنه يحتاج إلى تدريب أناس متخصصين، وبذل جهود كبيرة، ووقت يطول على المتعجلين.
أين نحن من المشاريع الاجتماعية التي تستهدف تغييراً وإصلاحاً اجتماعياً؟ بل أين نحن من المشروعات التربوية حيث نعاني اليوم من مستوى تعليم ضعيف متخلف, وكذا نعاني من تربية هشة, وضعف في بناء الأسرة؟ إن ذلك كله لايمكن أن يتم في زمن يتفق مع مدى تفكيرنا.
ثانياً: غياب الرؤية البعيدة والنظر العميق للواقع:
من نتائج غياب البعد الزمني فقد الرؤية البعيدة، وغياب النظر العميق للواقع، وعدم دراسة المتغيرات التي تحكمه، وهذا يجعلنا دائماً نقع أمام مفاجآت ولا نتنبأ بالمشكلات التي تحصل في مجتمعاتنا، فضلا عن أن نفكر في الإعداد لها ومواجهتها بطريقة صحيحة.
حينما تدرس ظاهرة السفور, فهل ترى أنها بدأت حين ألقت النسوة المتمردات على شرع الله حجابهن في ميدان التحرير؟ أم أنه تلك الخطوة كانت تتويجا لتغير بدأ ينخر في المجتمع منذ عقود؟
إن هناك تغييرات هائلة تحصل في داخل المجتمع لا نبصرها بنظرتنا القاصرة, وإنما نصطدم أمام المفاجأة فحسب.
كاتب ينشر مقالاً يتهجم فيه على الحجاب, يولد لدينا ردة فعل جامحة، لكن أين نحن من التأثر والتغير البطيء ، ولماذا لا نلتفت إليه؟
وحتى حينما نحلل مشكلة من المشكلات, فإننا ننسبها إلى عوامل قريبة ومحدودة، وننسى الخلفية والأرضية التي هيأت لها.
وحين ننتقل إلى مستوى أعلى من ذلك فإنه يغيب كثيرا عن حديثنا أن ندرس العوامل التي تؤثر في المجتمع، وحركة التغيير فيه.
ومن باب أولى لا يمكن أن نتنبأ بما سيحصل في المستقبل.
ثالثاً:غياب الأولويات:
ثمة مشكلة في رعاية الأولويات في حياتنا, فالأمور الملحة تفرض نفسها علينا, فالطالب يشغله البحث حين يقترب موعد تسليمه، ويقل أن يبذل جهدا في وقت مبكر في مادة تصعب عليه.
وصاحب العمل التجاري يقدم الأمور المستعجلة, ويتناسى الأمور البعيدة وإن كانت أعظم أثراً، فيقدم إنجاز الصفقات العاجلة والعقود لأنها هي التي تلح عليه, أما تدريب العاملين والارتقاء بهم فلا تأخذ إلا حيزا محدودا من اهتمامه، مع أنه قد يكون أكثر أولوية من إنجاز هذه الصفقة أو هذا المشروع.
وقل مثل ذلك في شأن الدعاة والمصلحين، فكثيرا ما تشغلهم الأعمال الطارئة العاجلة عن الأعمال الأكثر تأثيراً.
فعند غياب الأولويات تصبح الأولوية للأعمال السريعة, خصوصاً أن الأعمال البنائية والإصلاحية لا تظهر آثارها قريباً, ولا تشكل ضغطاً مباشراً على صاحبها بخلاف الحدث الذي يزعجنا ونراه في لحظتنا، ولأجل ذلك تختلط عندنا معايير الأولويات.
رابعاً: الاتجاه لأعمال غير منتجة:
لو أن إنساناً يطهو طعاماً يحتاج إلى ساعة كاملة، واستعجل إخراجه قبل أوان نضجه، فلن يهنأ بأكله ناضجاً، وقد لا يستطيع أن يعيده إلى قدره.
وهكذا الأعمال المتسرعة لاتحقق لصاحبها النتيجة، ولو عاد إلى الطريق الصحيح فسيرى أن تسرعه أفسد عليه الكثير.
حين يكتشف الأب لدى ولده مشكلة ما وهذه المشكلة ليست نتاج لحظة حاضرة بل هي نتاج عوامل عديدة، فإن العقوبة القاسية التي يسلكها لحلها قد لا تقف ثمرتها عند فشله في حل المشكلة، بل قد تتجاوز ذلك إلى تزيد المشكلة تعقيداً.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك اتجاه بعض الشباب الغيورين إلى أعمال العنف، إنه لا يطيق الواقع الذي يراه, فيقول: كيف نصبر والأمة تحكم بالباطل؟ كيف نصبر والمسلمون يهانون ويذلون؟
لا بد أن نغير هذا الواقع, والحل أن نحمل السلاح وسينصرنا الله عز وجل.
ولا شك أن الله ينصر عباده ولكن بأخذ أسباب النصر ومنها عدم الاستعجال كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه (ولكنكم تستعجلون).
وهاهي أعمال العنف تجني على الأمة آثاراً وخيمة، بل لا تقف عند ذلك فتؤخر كثيراً من مشروعات الإصلاح وبرامج التغيير.
خامساً: التسرع في التقييم :
حينما تكون نظرتنا قريبة, وأفقنا الزمني محدود, فإن هذا بلا شك سيؤثر على تقويمنا للأعمال, وسنقول: هذه الأعمال غير منتجة, وهذه الأعمال آثارها محدودة, نظراً لأننا نبحث عن الآثار القريبة التي تتناسب مع طريقة تفكيرنا المحدود, أما حينما ننظر إلى مدىً زمنيٍ أبعد فسوف نقيس هذه الأعمال ونقيمها بمعيار آخر.
هذه خواطر عاجلة خلاصتها أننا نعاني من غياب البعد الزمني في التفكير, وأننا دائماً ننظر إلى اللحظة الحاضرة ولا ننظر إلى المدى البعيد, وهذا يوقعنا في أخطاءٍ كثيرة، ويفوت علينا فرصاً عديدة وهو مصداق ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولكنكم تستعجلون) وهو خطاب ليس خاصاً لخبّاب رضي الله عنه بل للأمة كلها أجمع.
لا أريد أن أطيل عليكم وأثقل عليكم فأكتفي بهذا القدر وأسأل الله تبارك وتعالى أن يكون هذا اللقاء لقاءاً طيباً ومباركاً وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008