تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

فتيات الصحابة / الطبعة الثانية

د. محمد بن عبدالله الدويش

 المقدمة
 مدخل
 طلب العلم
 العبادة
 نصرة الدين
 تحمل المشاق في سبيل الله
 القيام بحق الزوج
 الولاء والبراء
 الإنفاق  في سبيل الله
 الهدي والسلوك
 المناقب
 الخاتمة

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
فللنموذج والقدوة أثر بالغ في النفوس؛ إذ هو الشاهد على تأهل المعاني النظرية للتطبيق، وليس أدل على ذلك من عناية القرآن الكريم بالنموذج والقصة، فيتكرر الحديث كثيراً في القرآن عن قصص الأنبياء والصالحين، بل يجعلهم الله مثلاً للمؤمنين (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ). [التحريم: 11 - 12]
والسيرة والتاريخ الإسلامي بحاجة اليوم إلى إعادة قراءة، وإلى أن يعرض ويبرز أمام الجيل بلغة أخرى ومنهج آخر، وذلك لا يعني طي صفحات ما سطره سلف الأمة وإنما إعادة عرض بعض الصفحات وترتيبها بما يتلاءم مع احتياجات الناس في هذا العصر.
إن دراسة موقع الطفل والشاب والمرأة في التاريخ الإسلامي - بدءاً بسيرة النبي صلى الله عليه وسلّم - وجمع المتفرق منها وتحليله، يجيب عن تساؤلات وإشكالات يعاني منها المربون اليوم، ويرسم نموذجاً وقدوة صالحة أمام الجيل.
الجيل المسلم اليوم أحوج ما يكون إلى القدوة الصالحة، في هذا العصر الذي فقدت أمة الإسلام فيه هويتها، ودخل معظم شباب المسلمين وفتياتهم سباقاً محموماً على الشهوات والملذات، وأصبحت قدواتهم ومُثُلهم محصورة في جيل الفن الساقط والغناء الماجن، أو في جيل الرياضة واللهو العابث.
وقد أدرك الأعداء خطورة موقع المرأة فتشدقوا بتبني قضيتها، وارتفعت الصيحات هنا وهناك مطالبة بتحريرها، مدعية أن التبرج والسفور، والخروج للعمل والاحتكاك بالرجال، بل السير وراء طرق الفاحشة والرذيلة، أن ذلك كله حق مسلوب للمرأة تفتقده اليوم.
وعمت أصوات دعوات التغريب مشرق العالم الإسلامي اليوم ومغربه، وها هي الصحف والمجلات، وها هي برامج الإعلام الساقط تملأ الآفاق وكلها تضرب على هذا الوتر وتقرع طبول الحرب على الدين والفضيلة والعفاف.
فحري اليوم بمن يملك في قلبه غيرة على دين المسلمين وتاريخهم أن يسعى لإبراز الصفحات اللامعة المشرقة من تاريخ الصدر الأول أمام شبابنا وفتياتنا.
ولئن كان الشباب بحاجة ماسة لإبراز هذا النموذج، فالفتيات أشد حاجة، وقضيتهن أعظم إلحاحاً.
ومن هنا تجيء هذه المحاولة لجمع شتات طائفة من أخبار فتيات الرعيل الأول متممة ومكملة لأختها "شباب الصحابة"، وتأتي ضمن سلسلة رسائل للشباب تأكيداً على ما يراه الكاتب من أن ما صدر من هذه السلسلة ليس خاصاً بالشباب وحدهم؛ إذ الخطاب في الشرع يجيء للمؤمنين، والمؤمنات يدخلن فيه تبعاً، وهو يرى أنه كما أن الفتيات بحاجة للاستنارة والاستفادة من سير شباب الرعيل الأول، فالشباب كذلك بحاجة لدراسة سير من اصطفاهن الله ومنَّ عليهن بفضيلة الصحبة.
إن من يتأمل سير المؤمنات من الرعيل الأول يرى فيهن مثلاً عالياً وقدوة صالحة في الإيمان والعبادة والصلة بالله تبارك وتعالى، وفي البذل للدين والتضحية والصبر والثبات، وفي الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، وفي طلب العلم الشرعي وتحصيله، وفي الخلق الحسن والسمت الصالح، إنها مُثلٌ وقدوات تبقى أمام الجيل على مدى الزمان والمكان، أمام المؤمنين والمؤمنات، أمام الرجال والنساء على حد سواء.
فاستعنت بالله تبارك وتعالى في جمع ما تيسر من أخبار فتيات الصحابة وسيرهن، وقد سلكت في هذا الكتاب ما سلكته في الكتاب السابق "شباب الصحابة". [انظر كتاب: شباب الصحابة، ص 6]. غير أني مددت العمر إلى الثلاثين، لأن ما روي من أخبار النساء لا يقارن بما روى من أخبار الرجال، فكانت سير الشباب تضيق عن إيراد من فوق الخامسة والعشرين بخلاف سير الفتيات.
وسعيت قدر الإمكان إلى ربط القصص والنماذج بالواقع المعاصر وهموم الفتاة المسلمة، وإيراد بعض الشواهد خاصة من أخبار النساء وسيرهن. [تنبيه: التزمت أن تكون النماذج من أخبار الفتيات اللاتي دون الثلاثين، لكن قد أورد أخباراً لغيرهن للاستشهاد].
أسأل الله أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، وأن يبارك في هذا الجهد وينفع به، وأن يرزقنا محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم ويحشرنا معهم؛ إنه سميع مجيب.


محمد بن عبد الله الدويش
ص ب 52960 الرياض 11573
dweesh@dweesh.com
الرياض 7/ 8/ 1419هـ
 

 للأعلى


مدخل

ثمة مفاهيم واقتناعات حول قضية المرأة تكونت وترسخت بفعل عوامل ومؤثرات عدة، وتحولت إلى بدهيات جعلت كثيراً من الناس ينطلق منها مباشرة ويغفل عن أصلها ومنشئها ومدى سلامتها واتفاقها مع المنهج الشرعي.
ومنها أن للمرأة خصوصية فطرية، ترتب عليها بعض الخصوصية في الأحكام الشرعية مما تتميز به عن الرجال، وهذه الخصوصية إنما هي في أحوال استثنائية، إذ الأصل العموم، فخطاب الشرع يأتي عاماً يخاطب به الإنس والجن، الرجل والمرأة، الكبير والصغير.
لكن بعضهم يعكس المسألة فيجعل الخصوصية هي الأصل، وتبدو مظاهر هذا الفهم في مطالب كثيرة بتوجيه حديث خاص للمرأة في كل قضية تطرح.
ومن يتأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلّم يرى التوازن في التعامل مع هذه القضية. فهو لا يهمل المرأة بل يوجه لها الخطاب الخاص فيما يخصها، ثم تبقى القاعدة بعد ذلك عموم الخطاب، فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلّم من توجيه وأمر ونهي ووعظ إنما يخاطب به الجميع دون استثناء، وإن كان قد استمعه الرجال، أو ورد بلغة التذكير.
إن هذه النظرة علاوة على خطأ منطلقها، تورث عبئاً لا رصيد له يتضمن مزيداً من المطالبة بعطاء وخطاب خاص يوجه إلى ما لا يدخل ضمن دائرة خصوصيتها، وهي أيضاً تحرم المرأة من كثير مما يطرح في الساحة؛ نظراً لأنها تنتظر الخطاب الخاص في كل قضية.
ويتمثل الشاهد لهذه الحقيقة في تراث الأمة فقد "عرف تراثنا التعامل مع خصوصيات المرأة. فكانت لها بعض الأحكام الفقهية التي قررها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم ودونها علماء المسلمين وجلوها في مؤلفاتهم، كأحكام الطهارة والنكاح والميراث ونحو ذلك، كذلك أحكام الآداب الشرعية مثل اللباس وضوابط العلاقات الاجتماعية التي تكون فيها طرفاً مع آخرين، رجالاً ونساءً وأطفالاً وخدماً ونحو ذلك، وما وراء ذلك من خصوصيات فإن الخطاب الإسلامي كان خطاباً للإنسان بكامله، دون تفرقة بين أجناس أو طبقات أو نساء ورجال". [تجديد الصحوة الإسلامية، لجمال سلطان، ص 79].

 للأعلى


طلب العلم

إنك لست بحاجة إلى مزيد جدل وحوار أو استعراض للأدلة والنصوص لإقناع أحد بأهمية العلم والحاجة إليه، فالجميع يدرك ذلك، والدليل على هذا أنه لا ينسب أحد للجهل إلا اعتبر ذلك ذماً ونقصاً ولو كان هو جاهلاً فعلاً، ولا ينسب أحد للعلم إلا اعتبر ذلك محمدة وثناءً، بل إن العلم أفاد الحيوان البهيم؛ فصيد الكلب المعلم يحل وصيد غير المعلم لا يحل، فإذا كان هذا الشأن في الحيوان، فكيف بالإنسان الذي كرمه الله وأعلى منزلته؟
وحيث كان العلم بهذه المنزلة التي جعلته يفضل على نوافل العبادات، وجعلت فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، فقد كان لنساء الصحابة القدح المعلى وقصب السبق في ذلك، ومن صور عنايتهن بالتعلم ما يلي:

1 - حفظ القرآن:
في وقت لم تكن الوسائل المتاحة أمام الناس تيسر لهم أسباب التعلم، فالقارئ والمتعلم للكتابة فيهم قليل، والمصحف ليس مهيأً مجموعاً للناس يحفظون ويقرؤون منه كما أرادوا، ناهيك عن أجهزة التسجيل التي كسرت حاجز الأمية وأتاحت استماع القرآن لكل الفئات والأعمار، وفي أي وقت يشاء المستمع.
لكن حين تعلو الهمة وترتفع العزيمة تهوي كل تلك الصعاب، وتزول كل تلك العقبات وغيرها، فلنر نموذجاً من عناية فتيات الصحابة بحفظ القرآن الكريم، وكيف يغتنمن الفرصة ويستثمرنها.
فعن بنت لحارثة بن النعمان قالت:" ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلّم يخطب بها كل جمعة قالت: وكان تنورنا وتنور رسول صلى الله عليه وسلّم واحداً". [رواه مسلم 873].
فأين فتياتنا اليوم من الاعتناء بحفظ القرآن الكريم وتعلمه، لاسيما وقد تيسرت السبل، وتعددت الوسائل ولم يبق لأحد عذر في التخلف؟

2 - السؤال عن العلم:
كانت بعض فتيات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم يستثمرن فرصة قربهن من النبي صلى الله عليه وسلّم فيسألن عما يشكل عليهن من أمور الدين، وحين ترى إحداهن أمرًا لا تدرك وجهه ومأخذه تسأله صلى الله عليه وسلّم عنه، وقد نُقلت لنا من عنايتهن - رضوان الله عليهن - بالسؤال أخبار عدة يضيق المقام عن استيعابها، وهذه طائفة منها:
عن فاطمة - رضي الله عنها - قالت: "دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأكل عرقاً، فجاء بلال بالأذان، فقام ليصلي فأخذت بثوبه فقلت: يا أبه، ألا تتوضأ؟ فقال: "مم أتوضأ يا بنية؟" فقلت: مما مست النار، فقال لي: "أوليس أطيب طعامكم ما مسته النار؟". [رواه أحمد 25879].
وحين رأت حفصة - رضي الله عنها - الناس في الحج أحلُّوا ولم يحل صلى الله عليه وسلّم تشوفت إلى معرفة الحكم في ذلك فتوجهت له صلى الله عليه وسلّم بالسؤال، فعن ابن عمر عن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلّم ورضي الله عنها - أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر". [رواه البخاري 1566، ومسلم 1290].
ولإدراكهن - رضوان الله عليهن - أن تلاوة كتاب الله تبارك وتعالى لا يسوغ أن تقف عند مجرد ترداد ألفاظه بل لا بد من التدبر وإدراك المعاني، فقد حفظت لنا السنة مواقف عدة من سؤالهن للنبي صلى الله عليه وسلّم عن معاني ما قد يشكل عليهن من كتاب الله تبارك وتعالى.
فأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - تحكي عن نفسها أنها أول الناس سألت النبي صلى الله عليه وسلّم عن معنى آية من كتاب الله تبارك وتعالى.
فعن مسروق قال كنت متكئاً عند عائشة - رضي الله عنها - فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلّم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئاً فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ). (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى).؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض".
ثم استدلت - رضي الله عنها - على ما تقول بآيات من كتاب الله تدل على علمها وفقهها، فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).؟ أو لم تسمع أن الله يقول (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ).؟ قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ). قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). [رواه مسلم 177].
ومع الأهمية الملحة للسؤال وضرورته نرى أن بعض فتيات المسلمين اليوم يُفَوِّتن على أنفسهن فرصاً نادرة للتعلم والاستزادة؛ إذ قد يوفق الله بعض الفتيات أن تكون بنتاً أو أختاً لأحد طلبة العلم فتكون أقل الناس استفادة منه، ورحم الله عكرمة إذ يقول: "إن أزهد الناس في عالم أهله". [رواه الدارمي 594].
وقد أمر الله تبارك وتعالى من لا يعلم بالسؤال فقال (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).[النحل: 43].
وها هو حبر الأمة ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم. [سير أعلام النبلاء 3/ 344]. ووصفه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بقوله: "ذاكم فتى الكهول، إن له لساناً سؤولاً، وقلباً عقولاً". [رواه الحاكم 3/ 539-540 والطبراني وأبو نعيم].

3 - المراجعة والمناقشة:
والعلم عندهن - رضوان الله عليهن - لم يكن قاصراً على مجرد الحفظ للأخبار والروايات، بل كان مقروناً بالفهم والفقه، ولهذا حين يرد على إحداهن نص تعيه وتفهمه ثم تقوم بربطه بسائر النصوص الشرعية، وحين يبدو لديها لبس أو لا تفهم التوفيق بين هذه النصوص تراجع النبي صلى الله عليه وسلّم وتناقشه في ذلك.
فعن حفصة - رضي الله عنها - قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية" قالت: فقلت: أليس الله عز وجل يقول (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ). قال: فسمعته يقول(ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا). [رواه أحمد 25901، وابن ماجه 4281].
وتحفظ لنا السنة أيضاً موقفاً آخر لأم المؤمنين حفصة - رضي الله عنها - ترى أن ماسمعته منه صلى الله عليه وسلّم قد يتعارض مع قاعدة شرعية مستقرة لديها فتسأله صلى الله عليه وسلّم تجلية هذا الإشكال.
فعنها - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "يأتي جيش من قبل المشرق يريدون رجلاً من أهل مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم فيصيبهم مثل ما أصابهم" فقلت: يارسول الله، فكيف بمن كان منهم مستكرهاً؟ قال: "يصيبهم كلهم ذلك ثم يبعث الله كل امرئ على نيته". [رواه أحمد 25919، والنسائي 2879 مختصراً، وأصله في مسلم 2883، دون موضع الشاهد].
وهذا الفقه منها - رضي الله عنها - لم يكن قاصراً على ما تسمعه من نصوص قولية؛ بل يتجاوز ذلك إلى أن ترقب أفعاله صلى الله عليه وسلّم ثم تسأل عما أشكل عليها.
فعنها - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له وهو على هيئته، ثم عمر بمثل هذه القصة، ثم علي، ثم ناس من أصحابه والنبي صلى الله عليه وسلّم على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن فأذن له فأخذ ثوبه فتجلله، فتحدثوا ثم خرجوا، قلت: يا رسول الله، جاء أبو بكر وعمر وعلي وسائر أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان تجللت بثوبك؟ فقال: "ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة؟". [رواه أحمد 25927].
ولقد كان هذا الفقه لديها - رضي الله عنها - يعطيها زاداً يدفعها إلى أن تصحح ما تراه من أفعال أصحابه صلى الله عليه وسلّم يخالف نصاً ربما لم يبلغهم، أو كان لهم عذر آخر في مخالفته.
فعن نافع قال: لقي ابن عمر - رضي الله عنهما - ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولاً أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله ما أردت من ابن صائد؟ أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "إنما يخرج من غضبة يغضبها"؟.
وتحدثنا صهيرة بنت جعفر عن شيء من علم صفية أم المؤمنين - رضي الله عنها - فعنها قالت: حججنا ثم انصرفنا إلى المدينة فدخلنا على صفية بنت حيي - رضي الله عنها - فوافقنا عندها نسوة من أهل الكوفة فقلن لها: إن شئتن سألتن وسمعنا، وإن شئتن سألنا وسمعتن، فقلنا: سلن فسألن عن أشياء من أمر المرأة وزوجها ومن أمر المحيض، ثم سألن عن نبيذ الجر فقالت: أكثرتم علينا ياأهل العراق في نبيذ الجر، وما على إحداكن أن تطبخ تمرها ثم تدلكه ثم تصفيه فتجعله في سقائها وتوكئ عليه، فإذا طاب شربت وسقت زوجها". [رواه أحمد 26324].
ويستشهد ابن عباس - رضي الله عنهما - في مسألة من مسائل الحج بقول أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - مما يعطي شهادة بسعة علمها وحفظها - رضي الله عنها - .
فعن مجاهد قال قال عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - : أفردوا بالحج، ودعوا قول هذا - يعني ابن عباس - فقال ابن العباس - رضي الله عنهما -: ألا تسأل أمك عن هذا؟، فأرسل إليها فقالت: صدق ابن عباس، خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم حجاجاً فأمرنا فجعلناها عمرة، فحل لنا الحلال حتى سطعت المجامر بين النساء والرجال. [رواه أحمد 26377].

4 - الفقه:
ومع الحفظ والجمع للأخبار كن رضوان الله عليهن أهل فقه وفهم للنصوص، وهذا من علامة الخير كما قال صلى الله عليه وسلّم: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين". [رواه البخاري 71، ومسلم 1037].
وها هي شواهد من فقههن - رضوان الله عليهن - :
عن عروة قال: سألت عائشة - رضي الله عنها - فقلت لها: أرأيتِ قول الله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا). [البقرة: 158] فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت: لاجناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار؛ كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهلَّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله تعالى ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ...). الآية، قالت عائشة - رضي الله عنها -: وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلّم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما...". [رواه البخاري 1643، ومسلم 1277].
ومع عروة في موقف آخر وهو يسأل عائشة عن آية من كتاب الله، فعن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة - رضي الله عنها - عن قول الله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا ). إلى (ورباع). فقالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعد هذه الآية فأنزل الله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ). إلى قوله (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ). والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ). قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ). يعني: هي رغبة أحدكم ليتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن. [رواه البخاري 2494، ومسلم 3018].
ويسألها في موقف ثالث عن آية أخرى، فعن عروة أنه سأل عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي صلى الله عليه وسلّم: أرأيتِ قوله (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا). أو (كُذِّبوا)؟ قالت: بل كذبهم قومهم، فقلت: والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم وما هو بالظن، فقالت: يا عُريَّة، لقد استيقنوا بذلك، قلت: فلعلها أو (كُذِبوا). قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، وأما هذه الآية قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأست ممن كذبهم من قومهم، وظنوا أن أتباعهم كذبوهم، جاءهم نصر الله. [رواه البخاري 3389].
وعن عباد بن عبد الله بن الزبير أن عائشة - رضي الله عنها - أمرت أن يمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها فقالت: ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد. [رواه مسلم 973].
وعن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين، رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله - يعني ابن مسعود - قالت: كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلّم. [رواه مسلم 1099].
إن الحفظ للنصوص أمر لا بد منه، وهو مبدأ العلم وأول خطوة فيه، لكنه ليس الخطوة الأخيرة وليس النهاية بل لا بد من الفقه والفهم، وقد أثنى تبارك وتعالى على أحد أنبيائه وأخبر أنه رُزِق الفهم فقال (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ). ثم يعقب حتى لا يظن أحد أن في ذلك غمطاً لشأن داود - عليهما السلام - فيقول(وَكُلا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا).[الأنبياء: 79].
و يخبر النبي صلى الله عليه وسلّم أن الفقه في الدين دلالة على إرادة الله الخير لعبده فيقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين". [رواه البخاري 71، ومسلم 1037]. وحين كافأ صلى الله عليه وسلّم ابن عباس - رضي الله عنهما - على صنيعه دعا له بهذا الدعاء "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". [رواه البخاري 143، ومسلم 2477].
وجيل صحوتنا المباركة اليوم أحوج ما يكون إلى إدراك هذا المعنى وهو يعيش يقظة علمية مباركة بإذن الله.
إن جمع النصوص في الموضوع الواحد، وإدراك مقاصد التشريع وحكمته، والتعرف على أسباب نزول الآيات والوقائع، كل ذلك مما يعين على الفهم والفقه السليم للنصوص، وهو يحول دون خطأ وخلط أولئك الذين يستدلون بالنصوص على واقعهم الفاسد، ويحول أيضاً دون أولئك الذين تخف لديهم عظمة النص الشرعي وهيبته فيقفزون عليه ويلتفون عليه باسم الفقه والمصالح وتغير الزمان.

 5 - سعة العلم:
لقد بلغ من سعة علم عائشة - رضي الله عنها - أن تكون مرجعاً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم فيسألونها عما أشكل عليهم.
عن أبي بردة عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً. [رواه الترمذي 3883].
ولم يقف علم عائشة - رضي الله عنها - عند فهم كتاب الله، والعلم بأخبار النبي صلى الله عليه وسلّم وسنته، بل تجاوز ذلك إلى مدى يجعل ابن أختها عروة بن الزبير يملكه العجب فيسألها عن ذلك.
فعن هشام بن عروة قال كان عروة يقول لعائشة: يا أمتاه، لا أعجب من فهمك أقول زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبنت أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس (أو ومن أعلم الناس)، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو؟ ومن أين هو؟ قال: فضربت على منكبه وقالت: أي عُريَّة إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يسقم عند آخر عمره (أو في آخر عمره) فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات وكنت أعالجها له فمن ثم. [رواه أحمد 23859].
وبعد فهذه الأخبار غيض من فيض، وقطرة من بحر مما ورد من عناية فتيات الصحابة رضوان الله عليهن بالعلم الذي هو ضرورة ملحة لكل مسلم ومسلمة فى كل زمان ومكان.
ها هي أختي المسلمة نساء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم وعنايتهن بالعلم والفقه في دين الله، فأصبحن قدوة لغيرهن، فحفظ لنا التاريخ مواقف من عناية نساء المسلمات بالعلم والفقه في دين الله.
فمع عناية النبي صلى الله عليه وسلّم بالنساء، ورغم أنهن يحضرن مشاهد العلم والخير، فيشهدن الصلاة معه، ويسمعن القرآن والذكر، ويشهدن العيد حتى ذوات الخدور ويخصهن فيه بخطاب خاص، إلا أن ذلك لم يكن ليشبع تطلعهن ونهمهن بالعلم، فيرين أن الرجال فاقوهن في تحصيل العلم وإدراكه، فيتطلعن إلى مجلس خاص منه صلى الله عليه وسلّم، ويعبرن له عن هذه الرغبة وهذا الطلب.
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلّم: غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: "ما منكن امرأة تُقدِّم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار" فقالت امرأة: واثنتين؟ فقال: "واثنتين". [رواه البخاري 102، ومسلم 2633].
وها هي أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - تشهد بهذه الشهادة لنساء الأنصار إذ تقول: "نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين". [رواه مسلم 332].
ويحفظ لنا التاريخ بين صفحاته صوراً من عناية بعض النساء بالعلم، بل تميزهن به، ومن ذلك ما ذكره الحافظ ابن كثير عن أم زينب فاطمة بنت عباس "وقد كانت تحضر مجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية، فاستفادت منه ذلك وغيره، وقد سمعت الشيخ تقي الدين يثني عليها، ويصفها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيراً من المغني أو أكثره، وأنه كان يستعد لها من كثرة مسائلها، وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها". [البداية والنهاية 14/ 63].
وفى زماننا يتأكد هذا الأمر، إذ على الأمة اليوم أن تستنفر طاقاتها وتستجمع قواها، والنساء جزء له أهمية في هذا الميدان، وثمة أمور عدة تؤكد أهمية العلم والعناية به لدى الفتاة المسلمة اليوم، نعرض بعضاً منها فيما يلي:

الأمر الأول:
حين تحمل المرأة المسلمة زاداً من العلم الشرعي فهو وسيلة بإذن الله لتربية أبنائها وتعاهدهم ورعايتهم، وتعليمهم ما يجهلون من دينهم، وما أجمل أن تعتني الأم بتعليم أولادها أحكام العبادات وآدابها، وتُوقِفَهم على سنة النبي صلى الله عليه وسلّم، فهي تراهم يتطهرون وتراهم يصلون، وتعيش معهم سائر أمور اليوم والليلة.
هي كذلك تمثل مرجعاً مهماً وقريباً لبناتها خاصة في المسائل التي يستحيين من سؤال آبائهن ومعلماتهن، وتكون قلباً مفتوحاً لهن يستمع وينصح ويوجِّه ويعلم.

الأمر الثاني:
تحتاج الفتاة اليوم لرصيد من العلم يكون زاداً يمكن أن تملأ به المجالس بديلاً للهو والحديث غير المفيد، وما أكثر الهموم التي يجب أن تطرح للنقاش والحوار في مجالسنا.

الأمر الثالث:
تحتاج الفتاة أيضاً للعلم حين تكون معلمة، فلا يقف دورها حينئذ عند مجرد قراءة الكتاب المدرسي وسرد ما فيه، بل تصبح مرجعاً لطالباتها، وحين تقدم لهن النصيحة يشعرن أنها تتكلم بعلم لا بمجرد عواطف.
ولئن كانت طبيعة المرأة تحول بينها وبين بعض الفرص للتعلم، فإن التقنية المعاصرة اليوم قد هيأت أسباباً ووسائل كثيرة يمكن أن تستفيد منها الفتاة في تحصيل قدر من العلم ربما كان يصعب عليها فيما سبق.
فالكتب اليوم غدت سهلة وميسرة وفي متناول كل منا، وقلما يخلو منها
بيت أو منزل، والأشرطة المسجلة التي تحوي دروس أهل العلم وأقوالهم وفتاواهم صارت في متناول الجميع، بل إن الفتاة تستطيع الاستماع إليها وهي تقضي ساعات في إعداد الطعام وكيّ الثياب وغير ذلك من الأعمال.. وغير هذه الوسائل كثير. ‏
فما بالنا مع هذه الفرص نرى بعض الفتيات الفاضلات يشتكين من الفراغ ويبحثن عما يقضين به أوقاتهن؟ لذا فهن يمضين أوقاتاً طويلة في قراءة الصحف أو المكالمات الهاتفية مع الصديقات والقريبات.

 للأعلى


العبادة

لقد خلق الله الإنسان، وسخر له ما في السموات والأرض، كل ذلك من أجل تحقيق غاية واحدة ألا وهي عبادته تبارك وتعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ). [الذاريات: 56]، والعبادة هي الغاية التي بعث الرسل لأقوامهم من أجلها، ودار بينهم الصراع والخصومة، وكانت دعوة كل نبي تتلخص في هذه المقولة: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). [هود: 50].
ولئن كان المسلمون جميعاً يشتركون في تحقيق أصل العبادة، إلا أنها تبقى بعد ذلك ميداناً للتفاضل والتنافس، فكلما ازداد المرء من عبادة ربه تبارك وتعالى صار أعلى مرتبة وأسمى شأناً ممن ليس كذلك.
ويحتاج المرء المسلم للاعتناء بالعبادة لأن الإيمان يزيد وينقص، ومن أعظم ما يسهم في زيادته أعمال العبادات.
ويحتاج إليها لأنها زاد للثبات بإذن الله تبارك وتعالى، فالقلوب تتقلب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم، فعن النواس بن سمعان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك"، قال "والميزان بيد الرحمن يرفع أقواماً ويخفض آخرين إلى يوم القيامة". [رواه أحمد 17178، وابن ماجه 199، وقال في الزوائد: إسناده صحيح ورواه وقوام السنة في الحجة 263 وابن أبي عاصم في السنة 219].
وعن سبرة بن فاكهة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه". [رواه ابن أبي عاصم في السنة 220 وقال في المجمع 7/ 211: "رواه الطبراني ورجاله ثقات". وصححه الألباني].
ويصور صلى الله عليه وسلّم شدة تقلب قلب العبد تصويراً دقيقاً يورث لدى المسلم الوجل والخوف والشعور بالحاجة إلى تثبيت الله وعونه، ويفسر له كثيراً من مواقف الانحراف والانتكاس التي يراها، فعن المقداد بن الأسود - رضي الله عنه - أنه قال: لا أقول في رجل خيراً ولا شراً حتى أنظر ما يختم له، يعني بعد شيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلّم قيل: وما سمعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "لقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذا اجتمعت غلياً". [رواه أحمد 6/ 4، والحاكم، وابن مندة في التوحيد 1/ 272، وابن أبي عاصم في السنة 226].
وفي تصوير آخر لحال القلب يقول صلى الله عليه وسلّم: "مثل القلب مثل الريشة تقلبها الريح بفلاة". [رواه أحمد 4/ 219، وابن ماجه 88، وابن أبي عاصم في السنة 228، 227. وانظر: صحيح الجامع].
ويحتاج العبادة من يدعو إلى الله تبارك وتعالى آكد من غيره من الناس لتعينه على الاستمرار وتحمل أعباء الدعوة ومعاناة الناس، لذا فكثيراً ما كان الأمر يرد بها بعد ذكر ما يُواجه به صلى الله عليه وسلّم من صد وإعراض: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءَانَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى). [طه: 130]
ويحتاج إليها لأنها وسيلة لتربية النفس وإصلاحها وتنقيتها من أمراض الشهوات والشبهات.
لذا فقد كان الجيل الأول من نساء الأمة مضرب المثل في ذلك، وقدوة لمن جاء بعدهن.
قالت عائشة - رضي الله عنها -: "ولم أر امرأةً قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثاً وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تَصدَّق به وتقرب به إلى الله تعالى". [رواه البخاري 2442].
ولئن كانت هذه أوصافاً عامة لعبادتهن - رضوان الله عليهن -، فسيرهن وأخبارهن تشهد بقدم صدق وسابقة في أبواب الخير والعبادة، فمع طائفة من أخبارهن في ذلك:

• الصلاة:
الصلاة ثاني أركان الإسلام وأفضلها بعد الشهادتين، لذا فلنوافلها فضل ليس لغيرها.
عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "عليك بكثرة السجود لله؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة" قال: معدان ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. [رواه مسلم 488].
وعن ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه - قال كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: "سل" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: "أو غير ذلك" قلت: هو ذاك، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود". [رواه مسلم 489].
لذا كان لهن - رضوان الله عليهن - عناية بشأن الصلاة واجتهاد فيها.
عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - أنها قالت: فزع النبي صلى الله عليه وسلّم يوم كسفت الشمس فأخذ درعاً حتى أدرك بردائه، فقام بالناس قياماً طويلاً، يقوم ثم يركع، قالت: فجعلت أنظر إلى المرأة التي هي أكبر مني قائمة وإلى المرأة التي هي أسقم مني قائمة فقلت: إني أحق أن أصبر على طول القيام منك. [رواه أحمد 26414].
وعنها - رضي الله عنها - قالت أتيت عائشة - رضي الله عنها - وهي تصلي فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت إلى السماء فإذا الناس قيام فقالت: سبحان الله، قلت: آية؟ فأشارت برأسها أي نعم فقمت حتى تجلاني الغشي، فجعلت أصب على رأسي الماء، فحمد الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلّم وأثنى عليه، ثم قال: "ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي حتى الجنة والنار، فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريب - لا أدري أي ذلك قالت أسماء - من فتنة المسيح الدجال، يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن - لا أدري بأيهما قالت أسماء - فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا، هو محمد ثلاثا فيقال: نم صالحاً، قد علمنا إن كنت لموقناً به، وأما المنافق أو المرتاب - لا أدري أي ذلك قالت أسماء - فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته". [رواه البخاري 86، ومسلم 905].
وكان لعائشة - رضي الله عنها - عناية بالصلاة وهي في بيتها قال القاسم: كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة - رضي الله عنها - فأسلم عليها، فغدوت يوماً، فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ). [الطور 27]. وتدعو وتبكي وترددها، فقمت حتى مللت القيام، فذهبت إلى السوق لحاجتي، ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي تصلي وتبكي. [السمط الثمين 90].
وأم المؤمنين حفصة - رضي الله عنها - يشهد لها جبريل بوحي من السماء بأنها صوامة قوامة.
إن البيوت التي تعمر بالصلاة بيوت يحل فيها الخير والبركة، وتضيق بالشياطين فيتنادون فارين لا مقام لكم.
لذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلّم بإحياء البيوت بالصلاة والذكر فقال صلى الله عليه وسلّم: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً". [رواه البخاري 432، ومسلم 777].
وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته؛ فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً". [رواه مسلم 778].
فما أحوجنا اليوم لأن نملأ بيوتنا ونعمرها بعبادة الله: بالصلاة والصيام، والذكر والتسبيح وتلاوة القرآن الكريم، فيحل فيها الخير والبركة، وتكون مدرسة وقدوة للذرية والأولاد الذين يعيشون فيها.

• الصيام:
إن من رحمة الله تبارك وتعالى وفضله على عباده أن نوَّع لهم أبواب الخير وطرقه، وجعلها مراتب ودرجات، فَلِعُلوِّ شأن الصيام كتبه على الأمم السابقة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). [البقرة: 183]، فثمة صلة وثيقة بين الصيام والتقوى جعلت صيام شهرٍ لله فرضاً على المسلمين أجمع، ثم فُتح الباب بعد ذلك للتطوع والمسابقة في الخيرات.
و يخبرنا صلى الله عليه وسلّم عن عظم منزلة الصوم وعلو درجته فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه". [رواه البخاري 1904، ومسلم 1151].
وحيث تميز الصائمون عن غيرهم بمعاناتهم للجوع والعطش، وهم يرون الناس يتمتعون بلذائذ الطعام والشراب، جازاهم تبارك وتعالى يوم القيامة من جنس عملهم، فأعطوا مزية ليست لغيرهم. فعن سهل - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد". [رواه البخاري 1896، ومسلم 1152].
ولإدراك فتيات الصحابة - رضوان الله عليهن - هذا المعنى كن يجتهدن في الصيام.
فعن جويرية بنت الحارث - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلّم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: "أصمت أمس؟" قالت: لا، قال: "تريدين أن تصومي غداً؟" قالت: لا، قال: "فأفطري". [رواه البخاري 1986].
ولأثر الصيام ودوره في حجب النفس عن الانسياق وراء الشهوات، وإلجامها بلجام التقوى، أرشد النبي صلى الله عليه وسلّم الشباب إليه فقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". [رواه البخاري 5065، ومسلم 1400].
ويتأكد هذا المعنى اليوم في ظل هذا العالم المائج، المليء بما يثير الغرائز والشهوات. فحين يكون للفتاة نصيب من الصيام تعتاد حبس النفس عما تدعو إليه من دواعي الهوى والصبوة، وتشعر بلذة الانتصار وحلاوة العبادة، فتدرك أنها تعيش في عالم آخر غير عالم اللاهين والعابثين، وتنظر من عل لواقع زميلاتها اللاتي يعشن في حياة اللهو والسير وراء الشهوة، حينها تملك عيناً تنظر بها إلى ماوراء هذا العالم الذي يبدو ظاهراً لامعاً براقاً، فترى فيه وحلاً منتناً لا يدرك من عاشه ما فيه من الهوان والنتن لانشغاله بسكر الهوى والهوان، فتحمد الله على الهداية، وتسأله الثبات على دينه.


فانظر بعين الحق وارحمهم بها *** إذ لا ترد مشيئة الديان
لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم *** فالقلب بين أصابع الرحمن

• الذكر والتسبيح:
وكان لهن - رضوان الله عليهن - نصيب من الذكر والتسبيح لله تبارك وتعالى، فهاهي جويرية - رضي الله عنها - تفتتح يومها بالذكر والتسبيح؛ فتجلس ساعات أول النهار لتذكر ربها وتسبحه وتثني عليه.
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن جويرية - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلّم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟" قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته". [رواه مسلم 2726].
إن الذكر عبادة ميسرة لا تفارق صاحبها الذي اعتاد عليها سفراً أو حضراً، ليلاً أو نهاراً، ولهذا أثنى الله تبارك وتعالى على عبادة الصالحين بذلك فقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). [آل عمران: 190- 191].
والأذكار منها ما هو راتب في اليوم والليلة، كأذكار الصباح والمساء والنوم والاستيقاظ… وغيرها، ومنها الذكر المطلق الذي لا يفارق صاحبه. فحين استوصى أحد الصحابة النبيَ صلى الله عليه وسلّم بعمل يتمسك به أوصاه بالذكر، فعن عبد الله بن بسر - رضي الله عنه - أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: "لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله". [رواه الترمذي 3375، وابن ماجه 3793].
إن الذكر رفعة في الدرجات، وحطُّ للأوزار والسيئات، وسبيل لحياة القلب بإذن الله عز وجل، وفوق ذلك كله ذكر الله للذاكر: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ). [البقرة 152]، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم…". [رواه البخاري 4705، ومسلم 2675].
و الذين اعتادت ألسنتهم الذكر ولهجت به هم من أبعد الناس عن الوقوع في الغيبة والنميمة أو الحديث بما لا يليق، فألسنتهم تستثقل الحديث العابث فضلاً عما حرم الله تبارك وتعالى، والله يجزي العبد من جنس عمله فيجازيه على عبادته بحجبه عن المعصية. قال تبارك وتعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)). [الأنفال: 24].
والذكر بعد ذلك كله عون للمرء على مشاق الدنيا ومتاعبها، فهاهو أعلم الخلق بربه يوصي به ابنته وفلذة كبده ومعها صهره وصاحبه الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، ولم يوصهما صلى الله عليه وسلّم به إلا وهو يعلم عظيم أثره.
قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لابن أعبد: ألا أخبرك عني وعن فاطمة - رضي الله عنها - كانت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكانت من أكرم أهله عليه، وكانت زوجتي، فجرت بالرحى حتى أثَّر الرحى بيدها، وأسقت بالقربة حتى أثَّرت القربة بنحرها، وقمَّت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلّم بسبي أو خدم قال: فقلت لها: انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فاسأليه خادماً يقيك حر ما أنت فيه، فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فوجدت عنده خدماً أو خداماً فرجعت ولم تسأله... فذكر الحديث فقال: ألا أدلكِ على ما هو خير لكِ من خادم؟ إذا أويتِ إلى فراشكِ سبحي ثلاثاً وثلاثين، واحمدي ثلاثا وثلاثين، وكبري أربعا وثلاثين" قال: فأخرجت رأسها فقالت: رضيت عن الله ورسوله، مرتين". [رواه أحمد 1315].
ولقد اعتنى علي - رضي الله عنه - بهذه الوصية وبلغت منه مبلغاً؛ إذ حَدَّث عن نفسه فقال - رضي الله عنه - : "فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلّم " قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين". [متفق عليه، والشاهد منه عند مسلم 2727].

 للأعلى


نصرة الدين

إن من تكريم الله تبارك وتعالى للناس أن حمَّلهم مسؤولية نصرة الدين والقيام به، ولو شاء تبارك وتعالى لتحقق ذلك بقدرة خارقة دون أن يكلف الناس بذلك، وهو تبارك وتعالى غني عن خلقه (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ). [محمد: 4].
وحين نهى تبارك وتعالى عباده عن التخلي عن هذا الواجب أو التقصير في القيام به أخبر أن البديل ليس خارقة أو معجزة (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).[محمد: 38].
لذا فقد شعر المسلمون أن على كل فرد منهم حظه من المسؤولية في القيام بنصرة دين الله والذبِّ عنه، وأصبحت قضية الإسلام والمسلمين قضية تشغل الجميع ويعيشها الجميع، وليست خاصة بفئةٍ دون أخرى، وأن اختلاف طبيعة الفرد ودوره لا يلغي واجبه في المشاركة والقيام بالعبء.
ومن ثم كان للنساء دور لا ينكر في نصرة الدين، ففي حادث الهجرة - وهو من أخطر حوادث السيرة وأعمقها أثراً في مسيرة الدعوة الإسلامية - تسجل أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - هذا الموقف الفريد.
لقد بلغت قيمة هذا الموقف أن صارت تعرف بهذا اللقب، وحين عيَّر الجاهلون ابن الزبير بذلك قال مقولته المشهورة:

وعيرني الواشون أني أحبها *** وتلك شكاة زائل عنك عارها

وحين غادر النبي صلى الله عليه وسلّم وصاحبه مكة دخل عليها جدها ليطمئن على أحوالهم فماذا كان منها؟
عن ابن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: "لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم وخرج معه أبو بكر احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، قالت: وانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبت؛ إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً، قالت: فأخذت أحجاراً فتركتها فوضعتها في كوة البيت كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن وفي هذا لكم بلاغ.
قالت: لا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكني قد أردت أن أسكن الشيخ بذلك". [رواه أحمد 26417].
وحين يقرأ المسلم هذا الموقف ويعود إلى واقعه المعاصر ليقارن، يرى هذا البون الشاسع، ويدرك أن ثمة قطيعة هائلة بين الأمة وتاريخها، وأن واقعها يعجز عن الوفاء بكثير من تبجيلها للتاريخ وإعلائها لشأنه، ويطرح المسلم بعد ذلك بجدٍ هذا السؤال: ما قيمة الدين في نفوسنا؟ هاهي فتاة في مقتبل العمر لها مطالب الناس وهمومهم وحاجاتهم، ومع ذلك تتخلى عن مالها وترضى أن تعيش هذه العيشة.
لقد كان بإمكانها أن تطلب من أبيها أن يترك لهم شيئاً من النفقة، وأن تذكِّره بواجبه تجاههم ولن يعيقه ذلك كله عن هجرته أو يصده عنها، لكنها لم تفعل شيئاً من ذلك لأنها تعيش هماً آخر وعالماً آخر، وتدرك أن القضية أكبر من أن تشغل والدها بهذه المطالب.
وحين نورد هذا النموذج وأمثاله للجيل اليوم فإن ذلك ليس دعوة لهم ليضعوا أنفسهم ضمن قائمة الجائعين والمعوزين، ولا ليحكموا على أنفسهم بالفقر وعيشة البؤساء، لكنها دعوة لأن نراجع أنفسنا ونسأل عن قيمة الدين لدينا وعن منزلته في نفوسنا، وما مدى استعدادنا للتضحية في سبيل الله؟ وليكون ذلك خطاباً صريحاً لأولئك الذين يريدون نصرة الدين وهم لا يملكون هذه المعاني، دعوة لهم لأن يحققوها في أنفسهم أو يبحثوا لهم عن طريق آخر غير هذا الطريق الذي لا يسلكه إلا الجادون الأقوياء.
ونلمس في حادث الهجرة أمراً له أهميته ودلالته، فلم تكن قضية أسماء نتاج موقف أملاه مجرد قربها من بيت النبوة حين كانت ابنة الصديق، بل نلمس بعداً آخر مع ذلك في هذه القضية، فحادث الهجرة حادث فريد وخطير وهو يتعلق بمستقبل الدعوة آنذاك، نجد أنه يسهم في هذا العمل فتاة في ريعان الشباب ألا وهي أسماء رضي الله عنها، وشاب تصفه أخته بأنه ثَقِف لقن ألا وهو عبد الله بن أبي بكر، وشاب آخر هو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومع أولئك راعي غنم هو ابن فهيرة، إذاً فقد كانت قضيةً عاشها الجميع، وشاركها المجتمع بكافة فئاته.
وهاهي فاطمة - رضي الله عنها - تسجل موقفاً آخر:
عن عبد الله - رضي الله عنه - قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلّم قائم يصلي عند الكعبة وجمع قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وسلّم ساجداً فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة - رضي الله عنها - وهي جويرية، فأقبلت تسعى وثبت النبي صلى الله عليه وسلّم ساجداً حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الصلاة قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش. ثم سمى: اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد.
قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: وأتبع أصحاب القليب لعنة". [رواه البخاري 520، ومسلم 1794].
وحين أدركن - رضوان الله عليهن - أهمية الجهاد وعلو منزلته ودوره في نصرة الدين، تطلعن أن يضربن من ذلك بسهم، وأن يكون لهن مشاركة في هذا الميدان. فعن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت استأذنت النبي صلى الله عليه وسلّم في الجهاد فقال: "جهادكن الحج". [رواه البخاري 2875].
وعنها - رضي الله عنها - قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلّم: يا رسول الله، ألا نجاهد معك؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لك أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور"، فقالت عائشة: فلا أدع الحج أبداً بعد أن سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم. [رواه أحمد 23976].
وسارت نساء المسلمين بعد ذلك على الطريق نفسه، وأدركن أن مهمتهن لا تقف عند حد المطالب الشخصية، وتنوعت الوسائل والأعمال التي تقوم بها النساء في نصرة الدين.
فها هي أم سليم - رضي الله عنها - تكون سبباً في إسلام أبي طلحة - رضي الله عنه - فعن أنس - رضي الله عنه - قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري وما أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها. قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم الإسلام، فدخل بها فولدت له". [رواه النسائي 3341].
وعن عمران - رضي الله عنه - قال كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلّم وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلى عند المسافر منها…فقال اذهبا فابتغيا الماء فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرنا خلوفاً، قالا لها: انطلقي إذاً، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين فانطلقي، فجاءا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وحدثاه الحديث، قال فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النبي صلى الله عليه وسلّم بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين أو سطيحتين وأوكأ أفواههما وأطلق العزالي، ونودي في الناس اسقوا واستقوا، فسقى من شاء واستقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: "اذهب فأفرغه عليك"، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وأيم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "اجمعوا لها"، فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعاما فجعلوها في ثوب وحملوها على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: "تعلمين ما رزئنا من مائك شيئاً ولكن الله هو الذي أسقانا" فأتت أهلها وقد احتبست عنهم قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه - وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة فرفعتهما إلى السماء تعني السماء والأرض - أو إنه لرسول الله حقاً فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه، فقالت يوماً لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمداً فهل لكم في الإسلام، فأطاعوها فدخلوا في الإسلام". [رواه البخاري 344]. فلقد دخل هؤلاء القوم الإسلام على يد امرأة واحدة.
وقد حفظ التاريخ نماذج من النساء اللاتي كان لهن دور لا ينكر في الدعوة والوعظ لبني جنسهن ومنهن عائشة بنت إبراهيم الواعظة العالمة المسندة، قال ابن السمعاني: "سألت الحافظ إسماعيل، فقال: امرأة صالحة، تعظ النساء". [سير أعلام النبلاء 18/ 302].
وكان لنساء المسلمين عبر التاريخ جهد في تعليم العلم، وتدريس كتاب الله تبارك وتعالى، فهذه فاطمة بنت زعبل قال عنها أبو سعد السمعاني: "امرأة صالحة عالمة تعلم الجواري القرآن، سمعت من عبد الغافر جميع صحيح مسلم، وغريب الحديث للخطابي وغير ذلك". [سير أعلام النبلاء 19/ 625].
وقال عنها الذهبي: "الشيخة العالمة المقرئة الصالحة المعمرة". [المصدر السابق].
وفاطمة بنت الحسين بن الحسن بن فضلوية قال عنها ابن كثير: "وكانت واعظة لها رباط تجتمع فيه الزاهدات". [البداية والنهاية 12/ 212].
وأم زينب فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد البغدادية قال عنها ابن كثير: "وكانت من العالمات الفاضلات، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتقوم على الأحمدية في موآخاتهم النساء والمردان، وتنكر أحوالهم وأحوال أهل البدع وغيرهم، وتفعل من ذلك ما لا يقدر عليه الرجال، وهي التي ختمت نساء كثيراً القرآن، منهم أم زوجتي عائشة بنت صديق، زوجة الشيخ جمال الدين المزي، وهي التي أقرأت ابنتها زوجتي أم الرحيم زينب رحمهن الله وأكرمهن برحمته وجنته آمين". [البداية والنهاية 14/ 63].
وتتساءل الفتاة المسلمة اليوم حين ترى هذه النماذج: وماذا عساها أن تصنع؟ وما الدور الذي يمكن أن تقوم به في نصرة الدين وهي امرأة لها طبيعتها وحياتها الخاصة؟

إنها مجالات وميادين كثيرة، منها:
1 - أن تُعِدُّ أبناءها وتحسن رعايتهم وتغرس هذه المعاني في نفوسهم، وهي حين تصنع ذلك تقوم بجهد يعجز أن يقوم به أو أن يحققه غيرها.
2 - في محيطها وعالمها الخاص وهي تلميذة أو جارة أو قريبة، حين تحمل النصيحة والكلمة الطيبة والدعوة الصادقة فهي تقدم جهداً لا ينكر في نصرة دينها. إن المسلم الغيور اليوم ليدركه الأسى حين يتأمل واقع الفتاة المسلمة التي نشأت في بيت يدين بالإسلام ولكنها تصبح وتمسي فيه على المسلسل الساقط والغناء الماجن، ولا ترى في بيتها إلا اللهو والعبث.
والأمر لا يحتاج إلى مزيد فقه وعلم. [أما التصدر للدعوة فيحتاج لأن يملك صاحبه العلم الذي يؤهله، إنما المقصود هنا الدور الذي يجب أن يؤديه المسلم العادي]. وليس كما نتصوره جهد معقد لا يجيده إلا الخاصة من الناس، بل حين تأخذ الفتاة بيد صاحبتها وزميلتها وتتحدث معها عن خطورة طريق الفساد، وأن الله فتح للمنيبين طريق التوبة، أو حين تأخذ بيديها لتجلس مع صاحباتها الأخيار، أو تشاركهن في نشاط المصلى والجمعية المدرسية لترى نموذجاً من القدوة الحسنة الصالحة، أو حين تخط بيدها رسالة مناصحة لطيفة، أو تهدي لها شريطاً أو كتاباً ينوب عنها في إيصال الرسالة والموعظة، إنها حين تفعل هذا أو ذاك ربما كتب الله على يديها الهداية والصلاح لإحدى زميلاتها، أو على الأقل تكون قد أدت الأمانة وقامت بالواجب.
3 - أو حين تكون معلمة تدرس فتيات المسلمين وتقابلهم صباح مساء، فلها حينذاك دور أيما دور، فكم من فتاة من فتيات المسلمين اليوم قد أصيبت بالغفلة والإعراض، وهي مع ذلك تملك فطرة طيبة صالحة، فحين تسمع كلمة ناصحة تنبئ عن عاطفة صادقة فثمة أمل في تجاوزها هذا المنعطف والمسلك الذي أراده أعداؤها لها.
وكم في مدارسنا اليوم من هؤلاء المعلمات الصالحات، فحين يدركن دورهن ورسالتهن ويقمن بهذا الواجب فإنهن يؤدين دوراً لا ينكر في نصرة الدين، ويسرن على خطى أسماء وعائشة وفاطمة رضوان الله عليهن.
4 - وحين تكون زوجة لرجل أخذ على عاتقه القيام بأعباء الدعوة إلى الله ونصرة الدين، فتكون خير معين وسند له في القيام بعبء الدعوة، فتهيئ له البيت الهادئ المريح، وتعنى بأولاده ورعايتهم، وتقف خلفه مثبتة ومؤيدة وناصرة كما كانت خديجة - رضي الله عنها - تقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم قائلة له: "والله لا يخزيك الله أبداً". [رواه البخاري 3، ومسلم 160].

 للأعلى


تحمل المشاق في سبيل الله

لقد جعل الله في هذه الدنيا مباهج وزينة تأخذ بلب الناس وتفعل فعل السحر في نفوسهم، وتسهم هذه المظاهر الساحرة الفاتنة في بناء المنطلقات والمعايير لدى بعض أهل الدنيا، وتؤدي دورها في ترتيب الأولويات لديهم.
أما الذين منّ الله عليهم بسلامة البصيرة فهم يضعون هذه المباهج موضعها، ويدركون أنها متاع زائل وأن الباقي إنما هو في الدار الآخرة.
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ* قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ). [ آل عمران: 14- 15].
وقد أدرك هؤلاء ببصيرتهم حين استضاءوا بنور الوحي أن حقيقة مباهج الدنيا هي كما أخبر عنها خالقها (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا).[الكهف: 45].
وفي آية أخرى يصفها تبارك وتعالى بقوله (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ). [الحديد: 20].
ولم تكن هذه المعاني لتغيب عن شأن فتيات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، فهاهي نماذج من سيرهن وصفحات من تاريخهن.

مع زوجات صاحب الرسالة:
عن عبيد بن السباق قال: إن جويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلّم أخبرته: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم دخل عليها فقال: هل من طعام؟. قالت: لا والله يا رسول الله، ما عندنا طعام إلا عظم من شاة أعطيته مولاتي من الصدقة، فقال: قربيه فقد بلغت محلها". [رواه مسلم 1073].
ويأمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلّم أن يخير زوجاته بين زينة الحياة الدنيا ومتاعها، وبين البقاء معه صلى الله عليه وسلّم، ذلك أن الرسالة والنبوة تعني تحمل تبعات ومشاق لايطيقها كل الناس، وأولئك اللاتي رضين واخترن العيش في بيت النبوة يدركن تمام الإدراك أن هذا الشرف لا يتهيأ لمن يبحثن عن الشهرة والأضواء.
(يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً). [ الأحزاب: 28]، فيخترن - رضوان الله عليهن - الله ورسوله والدار الآخرة، ويودعن مباهج الدنيا وزخرفها.
وينظرن لغيرهن وهن يتقلبن في النعيم ومتع الدنيا، وهن يسعدن بالعيش مع أزواجهن وأبنائهن، فيدركن أنهن أكثر نعيماً وأهنأ عيشاً، فما هي إلا أيام ويودعن هذه الدار بما فيها ثم يلقين الله بهذا العمل الصالح، وهن ينتظرن وعده تبارك وتعالى (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ). [الحاقة: 24] حينها فماذا تعني متع الدنيا بأسرها؟
وهاهي إحداهن تعبر عن شيء من تلك الحياة التي كانت تعيشها مع النبي صلى الله عليه وسلّم:
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة: ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلّم نار، فقلت: ياخالة، ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلّم جيران من الأنصار كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلّم من ألبانهم فيسقينا. [رواه البخاري 2567، ومسلم 2972].

مع بنت المصطفى وزوج ذي النورين:
وهاهي رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لم تكن فتاة مغمورة، إنما كانت بنت خير البشر صلى الله عليه وسلّم، سليلة بيت النبوة والشرف، ولم تكن زوجة رجل يعيش على هامش الأحداث، إنما كانت زوجة ذي النورين، الذي يكفيه شرفاً وفخراً أن يتزوج اثنتين من بنات المصطفى صلى الله عليه وسلّم، هاهي - رضي الله عنها - تختار الغربة والمشقة فراراً بدينها، فتهاجر إلى الحبشة، إلى بلاد لا تعرف لسان أهلها، وليس لها هناك أنيس ولامعين إلا الله تبارك وتعالى، وهي إذ تفعل ذلك لم تكن فتاة متبلدة المشاعر والأحاسيس، إنما كانت تشعر أن الأمر جد، والقضية تتطلب منها أن تعيش لله وتحتمل المشاق في سبيله.

مع ذات النطاقين:
كم كان حديثاً ممتعاً ما ساقه الأستاذ محمد حسن بريغش وهو يتحدث عن ذات النطاقين [في كتابه: ذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، الجزء الأول]. وهو كتاب جميل وقيم أنصح كل فتاة مسلمة بقراءته]. فلنورد هاهنا شيئاً مما قاله تاركين ما بقي اختصاراً لا زهداً "تزوجت أسماء المسلمة التقية البرة من الزبير بن العوام فارس المسلمين وبطل الزحوف، وانتقلت من بيت أبيها إلى بيتها المتواضع البسيط، ولم تحمل معها أحلام الغانيات المترفات في حياة الرغد وبسطة العيش وزينة الحياة، بل كانت تفكر في مستقبل الإسلام ومصير الدعوة، كانت تدرك أنها وزوجها في معركة مع الجاهلية والشرك، وأنهما في جهاد لا ينقطع حتى تعلو كلمة الله، وتخفق راية التوحيد فوق العالمين، ولا بد لآمال كهذه أن ينقطع لها صاحبها من دون كل الرغبات...
لهذا لم تكن أسماء عبئاً على الزبير في أول الزواج ولا في أي وقت من الأوقات بما لها من مطالب دنيوية ورغبات ذاتية؛ لأنها لم تطلب الدنيا للمتعة، ولم تحرص على أمر يتعارض مع واجباتهما نحو الدعوة وفي تلك المرحلة المهمة، وكذلك لم تطلب من زوجها أن يكون لها وحدها يستجيب لمطالبها ويحقق رغباتها، ويسعى لتوفير السعادة لها - كما تتصورها النساء - حتى ينقطع لها ويقوم على خدمتها.. إنها تقوم بخدمة الزوج وتهيئة كل دواعي رضاه لأن ذلك جزء من واجباتهما نحو الدعوة، وهو على ثغر خارج البيت، وهي على ثغر داخل البيت، وهذه هي القسمة العادلة". [ذات النطاقين 54- 58].

يرحم الله أم إسماعيل:
إن عيش المرأة لقضية الدعوة أمر لم يكن خاصاً بنساء أمة محمد صلى الله عليه وسلّم، فهاهي هاجر عليها السلام يحدثنا عنها صلى الله عليه وسلّم إذ جاء إبراهيم بها وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: أالله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال رب (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ). حتى بلغ (يَشْكُرُونَ). وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؟ فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "فذلك سعي الناس بينهما". فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف، قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عيناً معيناً" قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله. [رواه البخاري 3364].
وعلى مدى تاريخ الإسلام كان لزوجات المصلحين دور لا ينكر في الوقوف معهم ودعم قضيتهم، لقد دفعوا حريتهم ومتاع الدنيا وزخرفها، دفعوا ذلك كله ثمناً يرجون به وجه الله، فتعيش معهم نساؤهم وبناتهم قضيتهم، وتستهين بهذه المشاق حين تعلم أنها في سبيل الله، بل تقف معهم وفي صفهم معينة ومسددة ومثبتة وهي تقول لهم: لا تخافوا علينا فالله يرعانا، وسيروا في طريقكم فنحن معكم، كما قالت خديجة - رضي الله عنها - لصاحب الرسالة: "والله لا يخزيك الله أبداً" ويشعرن حينها أنهن يقمن بدور عظيم، وأن من نعمة الله عليهن أن اقترنَّ بهؤلاء.

 للأعلى


القيام بحق الزوج

إن من سنة الله في الحياة وحكمته في خلقه أن جعل الناس درجات ومنازل، ونهى تبارك وتعالى أن يتطلع كل من الرجال والنساء إلى ما فضل به بعضهم على بعض فقال: ( وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ). [النساء: 32].
وقد جعل الله القوامة والأمر والنهي في بيت الزوجية للزوج، وفرض على الزوجة طاعته في غير معصية الله، بل إنها لا يجوز أن تصوم تطوعاً دون إذنه، أو تُخرج من بيته أو تُدخِلَ فيه من لا يأذن له، ولو أُمِرَ أحدٌ بالسجود لبشر لأُمِرَت المرأة أن تسجد لزوجها.
و المرأة التي تعرف الله تدرك أنه في مقابل هذه المنزلة أجر عظيم للزوجة إن هي أطاعت زوجها وقامت على خدمته ورعاية شأنه، فصيام النفل عمل صالح عظيم لكن حين تتركه طاعة لزوجها ففطرها حينئذ أعظم درجة وأرضى لله عز وجل.
ولهذا ضربت الفتيات المسلمات من الرعيل الأول أروع الأمثلة في القيام بحق الزوج ورعايته.
عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - قالت تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلّم على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوماً والنوى على رأسي فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومعه نفر من الأنصار فدعاني، ثم قال: "إخ إخ" ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلّم أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: "لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني". [رواه البخاري 5224، ومسلم 2182].
وحين تعيش المسلمة هذا الشعور تحس بلون وطعم آخر للحياة؛ فترى أن ما تقوم به وتقاسيه من أعباء المنزل من خدمة وإعداد للطعام ورعاية لشأن منزلها لا يذهب سدى، وأنه ليس قياماً بدور الخادمة، بل هو عبادة لله تبارك وتعالى وسبيل لتحقيق رضاه، لذا فهي تحرص على استحضار النية في كل ما تقوم به وتعانيه.
وتدرك المسلمة العاقلة أن وجود بعض الرجال الذين يسيئون استخدام هذا الحق؛ فيجعلون منه سبيلاً للتسلط على الزوجة واستعبادها وهضم حقوقها لن يلغي الأصل، والشريعة لم تأت بهذه الأحكام لتكون تكأة لأولئك الذين يسيئون استغلال هذه الحقوق، فيستقصون ما لهم ويضيعون ما عليهم.
وحيث أمر الشرع بطاعة الزوج وتوقيره وعظَّم حقوقه، فقد أعلى منزلة أولئك الذين يحسنون لأهلهم، بل إن النبي صلى الله عليه وسلّم يجعل رعاية الأهل معياراً ومقياساً تقاس به خيرية الرجل. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيارهم خيارهم لنسائهم". [رواه أحمد 7354].
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". [رواه الترمذي 3895].
وعلى المرأة المسلمة إن ابتليت بأمثال هؤلاء أن تصبر وتحتسب وستلقى الأجر بإذن الله يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون.

 للأعلى


الولاء والبراء

إن التدين الصادق يفرض على المرء أن تظهر آثاره في جوانب حياته كلها، والتدين الذي لا يظهر أثره على مشاعر الإنسان تدين قاصر.
والمرء يملك مشاعر من الحب والكره، والسخط والرضا، والقبول والرفض، وتتحكم هذه المشاعر في قراراتٍ كثيرة يتخذها في حياته، وأولئك الذين عرفوا حقيقة الدين صارت مشاعرهم وحياتهم بأسرها محكومةً به.
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلّم ذلك شرطاً لحصول لذة الإيمان، فقال: "ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". [رواه البخاري 16، ومسلم 43].
واليوم نرى على جنبات الطريق صرعى وهلكى من جراء جحيم العواطف التي عبثت بهم.
إن الهوى والعشق والغرام يفعل فعله بصاحبه حتى قد ينحر دينه قرباناً لهواه، وهذا أحدهم يعبر عن سكره ومصرعه بقوله:
رهبان مدين والذين عهدتهم يبكون من حذر العذاب قعوداً 

لو يسمعون كما سمعت كلامها ** خروا لـ(عزة) ركعاً وسجوداً.

 [وعزة: اسم محبوبته].
إنها القلوب التي خلت وأصابها الخواء حين حرمت لذة محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم بعد أن استبدلت بذلك الهوى والغرام.
أما فتيات الصحابة - رضوان الله عليهن - فلهن مع ذلك شأن آخر.
تَقْدُم أم أسماء بنت أبي بكر إلى ابنتها - رضي الله عنها - فترى أسماء أن بقاء أمها على الشرك قد يسقط حقها في الصلة؛ فترفض استقبالها حتى تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتستفتيه.
عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: "نعم، صلي أمكِ". [رواه البخاري 2620، ومسلم 1003].
إن هذا السؤال ليس صادراً من قلبٍ قاسٍ عاق، وليس نتاج استثقال البر والصلة، لكنه صادر من تلك المرأة الصالحة - رضي الله عنها - التي ترى صلة الدين فوق كل صلة ورابطته فوق كل رابطة.
إن هذه المواقف تجيب عن لغز محير طالما سيطر على فئاتٍ من فتيات المسلمين اليوم وهنَّ يسألن عن قضية التعلق والغلو فيه، ويبحثن عن الحل والعلاج. وتبقى كثير من النصائح والوصايا في هذا الميدان مجرد مسكناتٍ ومهدئات، أما العلاج الأساس والأهم فهو في تفريغ القلب من التعلق بما سوى الله وامتلاؤه بمحبة الله والتعلق به وحده، حينها يصبح هذا الأمر هو الحاكم والقائد وما سوى ذلك تبع له.
واليوم ونحن نرى هذه المشكلة، ونسمع هذا السؤال يتكرر، نفتش ونبحث في الصفحات اللامعة في التاريخ عن شواهد على هذه المعاناة فلا نرى لها أثراً يذكر.
أفيظن بأن فتيات الرعيل الأول كائن آخر فاقد للمشاعر والأحاسيس، ومتبلد العاطفة؟ أم أنه جيل استعلى على شهواته وانتصر عليها، وامتلأت حياته بمعالي الأمور فلم تجد هذه الخواطر الرديئة في قلوبهن مكانا؟

 للأعلى


الإنفاق  في سبيل الله

إن المال الذي رزقه الله ابن آدم فضل منه تبارك وتعالى، فقد تفضل عليه بالرزق، ثم أمره بالإنفاق وأثابه على ذلك، فهو المتفضل تبارك وتعالى أولاً وآخراً.
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلّم النساء على الإنفاق والبذل. فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمرَّ على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار"، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير…". [رواه البخاري 304، ومسلم 80].
وقد تكون المرأة لا تجد إلا القليل فتحتقره، فينهى صلى الله عليه وسلّم عن ذلك موجهاً الخطاب للنساء فقال: "يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة". [رواه البخاري 2566، ومسلم 1030].
إنه مشهد ناطق بالبذل والجود، وأمارة تأسٍ بالرعيل الأول حين نرى صبيان المسلمين يحملون إلى جيرانهم هدية من أمهاتهم ولو كان شيئاً يسيراً: طبقاً من طعام، أو قليلاً من فاكهة، فتفعل هذه الهدية أضعاف قيمتها من إشاعة روح الود والتراحم والشعور بالجسد الواحد، وفوق ذلك كله ثواب الله عز وجل.
وهاهي عائشة رضي الله عنها تدرك هذا المعنى فلا تجد إلا تمرة واحدة فتتصدق بها تقول - رضي الله عنها - : جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها فسألتني فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئا ثم قامت فخرجت وابنتاها، فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلّم فحدثته حديثها فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار". [رواه البخاري 5995، ومسلم 2629].
وتتطلع أسماء - رضي الله عنها - لتحصيل أجر الصدقة وفضلها لكنها لا تجد ما تتصدق به إلا شيئاً من قوت بيتها، فتسأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك، فعنها - رضي الله عنها - قالت: قلت: يا رسول الله، ما لي مال إلا ما أدخل عليَّ الزبير فأتصدق؟ قال: "تصدقي ولا توعي فيوعى عليك". [رواه البخاري 2590، ومسلم 1029].
[معنى لاتوعي: لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازي بمثل ذلك].
وتُحدِّث - رضي الله عنها - عن نفسها فتقول: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنا أحصي شيئاً وأكيله قال: "يا أسماء، لا تحصي فيحصي الله عليك" قالت: فما أحصيت شيئاً بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم خرج من عندي ولا دخل علي، وما نفد عندي من رزق الله إلا أخلفه الله عز وجل. [رواه أحمد 26430].
وامتازت عائشة - رضي الله عنها - بالبذل والجود والإنفاق، فعن عروة بن الزبير قال: كان عبد الله بن الزبير أحب البشر إلى عائشة بعد النبي صلى الله عليه وسلّم وأبي بكر وكان أبرَّ الناس بها، وكانت لا تمسك شيئاً مما جاءها من رزق الله إلا تصدقت، فقال ابن الزبير: ينبغي أن يؤخذ على يديها، فقالت: أيؤخذ على يدي؟ عليَّ نذر إن كلمته، فاستشفع إليها برجال من قريش وبأخوال رسول الله صلى الله عليه وسلّم خاصة فامتنعت، فقال له الزهريون أخوال النبي صلى الله عليه وسلّم منهم عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، والمسور ابن مخرمة: إذا استأذنا فاقتحم الحجاب ففعل، فأرسل إليها بعشر رقاب فأعتقتهم، ثم لم تزل تعتقهم حتى بلغت أربعين، فقالت: وددت أني جعلت حين حلفت عملاً أعمله فأفرغ منه. [رواه البخاري 3505].
ويقارن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - بين جود عائشة وجود أسماء فيقول:
ما رأيت امرأة قط أجود من عائشة وأسماء، وجودهما مختلف: أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء، حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه، وأما أسماء فكانت لا تدخر شيئاً لغد. [سير أعلام النبلاء 2/ 292].
وكانت أم المؤمنين زينب بنت جحش - رضي الله عنها - جوادة واسعة الإنفاق، شهد لها بذلك أصدق الخلق صلى الله عليه وسلّم ولهذا كانت تسمى - رضي الله عنها - : أم المساكين. عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً"، قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يداً؟ قالت: فكانت أطولنا يداً زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق. [رواه مسلم 2452].
لقد كان ذاك المجتمع مجتمع بذل وصدقة وسخاء، وخاصة في ميدان المرأة. عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم، فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: "تصدقوا تصدقوا تصدقوا" وكان أكثر من يتصدق النساء. [رواه مسلم 889].
وكانت المرأة حين تسمع الترغيب في الصدقة تفكر في الإنفاق فلا ترى أقرب من خاتمها وزينتها فتقدمها لله ورسوله. عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلّم صلى يوم الفطر ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة فجعلن يلقين تلقي المرأة خرصها وسخابها. [رواه البخاري 964، ومسلم 884].

 للأعلى


الهدي والسلوك

يشمل الهدي والسلوك جانباً مهماً من جوانب الشخصية، ولذا فقد عني السلف بتحقيق هذا الأمر، حتى صار قريناً لمسائل العلم الأخرى وأبوابه.
قال ابن سيرين: "كانوا يتعلمون الهَدْيَ كما يتعلمون العلم".
وقال الحسن: "إن كان الرجل ليخرج في أدب واحد السنة والسنتين".
وأوصى حبيب الشهيد وهو من الفقهاء ابنه فقال: "يا بني اصحب الفقهاء وتعلم منهم وخذ من أدبهم؛ فإنه أحب إلي من كثير من الحديث".
ولم تكن هذه الحقيقة غائبة عن الجيل الأول كيف لا وهو جيل القمة والسمو، لذا فقد سطرت فتيات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم صفحات ناصعة في هذا الميدان، ومن صور رعايتهن للهدي والسلوك:

1 - التأسي به صلى الله عليه وسلّم:
عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً - وقال الحسن حديثاً وكلاماً ولم يذكر الحسن السمت والهدي والدل - برسول الله صلى الله عليه وسلّم من فاطمة - رضي الله عنها - كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها. [رواه أبو داود 5217 والترمذي 3872].
لقد كان من تمام تأسي فاطمة - رضي الله عنها - برسول صلى الله عليه وسلّم أن صارت أشبه الناس بهديه، توصف بذلك وتذكر به.
إن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلّم عبادة عظيمة تفتح لصاحبها أبواباً من الخير والعمل الصالح الذي لا يكلفه عنتاً أو مشقة؛ إذ حملت لنا دواوين السنة رصيداً من أخباره وأحواله وهديه صلى الله عليه وسلّم في أمور الحياة كلها: في النوم والاستيقاظ، والمشي والجلوس، ودخول المنزل والخروج منه… إلخ أمور اليوم والليلة، وهي أمور لا بد للمسلم من فعلها، فحين يسعى للتعرف على سننه وأحواله صلى الله عليه وسلّم فيها يصبح في نومه واستيقاظه وطعامه وشرابه وسائر أحواله، بل حتى في قضاء حاجته، يصبح في ذلك كله في عبادة لله تبارك وتعالى، وتأسٍّ بالنبي صلى الله عليه وسلّم دون أن يحتمل مشقة لا يحتملها غيره من الناس.
والتأسي به صلى الله عليه وسلّم يورث محبته التي هي من أعظم أبواب الإيمان، بل من شروطه كما قال صلى الله عليه وسلّم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". [رواه البخاري 15، ومسلم 44]. فهنيئاً لفاطمة رضي الله عنها هذه المنزلة والمكانة، وحري بفتيات المسلمين اليوم أن يسرن على خطاها؛ فمن تشبه بقوم فهو منهم، ومن أحب قوماً حشر معهم.

2 - التقوى وخشية الله:
لا غرو أن نجد ذاك الجيل الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلّم جيل الخشية لله والتقوى.
قال القاسم: كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة - رضي الله عنها - فأسلم عليها، فغدوت يوماً، فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ). (الطور: 27) وتدعو وتبكي وترددها، فقمت حتى مللت القيام، فذهبت إلى السوق لحاجتي، ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي تصلي وتبكي. [السمط الثمين 90].
وكانت أسماء - رضي الله عنها - تخشى شؤم الذنب ووبال المعصية، فكانت تصدع فتضع يدها على رأسها وتقول: "بذنبي وما يغفر الله أكثر"، لقد تلقت هذا الأدب من قوله تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). [الشورى: 30].

3 - الورع:
عن عائشة - رضي الله عنهما - في حديث الإفك: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب ما علمت ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها إلا خيراً قالت: وهي التي كانت تساميني فعصمها الله بالورع. [رواه البخاري 2661، ومسلم 2445].
وتتطلع أسماء - رضي الله عنها - إلى الصدقة، لكنها لا تملك إلا أن تتصدق مما يدخل عليها الزبير فتتورع - رضي الله عنها عن ذلك - فتسأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فتقول: ما لي مال إلا ما أدخل عليَّ الزبير فأتصدق؟ قال: "تصدقي ولا توعي فيوعى عليك". [رواه البخاري 2590، ومسلم 1029].
وتروي لنا الورع والسؤال عن امرأة أخرى تدعوها الغيرة والطبيعة البشرية إلى فعل لكنها تخشى أن يكون مما يغضب الله.
عن أسماء - رضي الله عنها - أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن لي ضرة فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور". [رواه البخاري 5219، ومسلم 2130].
إن الورع حين يستقر في القلوب وتتربى عليه النفوس يختصر خطوات كثيرة ربما كافحنا في اجتيازها وقطعها، فهو الذي يحول دون أن يتسلط الهوى على صاحبه فيتجاوز أمر الله وحدوده، وهو الذي يحول دون القفز على النصوص الشرعية باسم المصلحة ومجاراة الواقع… إلخ هذه الحجج.
وثمة ظواهر تتجدد اليوم في عالم المرأة في صور متسارعة لا تمثل إلا مظاهر للتحرر المبطن، والتجاوزات التي نراها في حجاب المرأة اليوم صورة بعد أخرى ليست إلا نموذجاً من ذلك.
وحين نسعى لمواجهة هذه الصور من التجاوزات بتربية الإيمان والورع في النفوس فهذا أجدى من السعي لاستصدار فتوى في تحريم كل صورة تطرأ من هذه الصور الشاذة؛ إذ يُحَوِّل أولئك الذين يرق دينهم هذه الفتوى إلى مجرد اجتهاد فقهي يقابله غيره، أو يدرجونها ضمن قائمة التشديد في الدين وتحريم مالم يحرمه الشرع، أما النفوس التي تربت على الورع والتقوى فهي تملك حساً مرهفاً يحول بينها وبين الترخص الصادر عن الهوى ومجاراة الواقع، دون أن تحتاج لفتوى تمنعها من ذلك.
والورع والإيمان يجعلان الامتثال صادراً عن اقتناع ومحبة للحكم الشرعي، وإدراك لمقاصد الشرع، وشتان بين سلوك صاحبه وسلوك من يشعر أنه يقاد بسياط الفتوى والمنع والتحريم، ويشعر أنها قيود يتمنى التخفف منها.
فليت الأخوات الداعيات، وليت المهتمين بقضايا المرأة ينطلقون من هذه النقطة ويعنون بهذه القضية: غرس الإيمان والورع في النفوس.

4 - التوبة:
لقد خلق الله تبارك وتعالى الناس وهو أعلم بهم، لذا فقد جاء شرعه عز وجل متَّسقاً مع فطر الناس وطبيعتهم، ومهما بلغ المرء من الصلاح والتقى والخوف منه وخشيته فلا بد أن يلابس الذنب ويقع في المعصية، وقد قال صلى الله عليه وسلّم: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم". [رواه مسلم 2749].
وحين حضرت أبا أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - الوفاة قال: "كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون يغفر لهم". [رواه مسلم 2748 والترمذي 3539].
وقد قال أيضاً صلى الله عليه وسلّم: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون". [رواه الترمذي 2499، وابن ماجه 4251 وأحمد 3/ 198].
لذا فقد كان لفتيات الصحابة - رضوان الله عليهن - مبادرة للتوبة والرجوع إلى الله تبارك وتعالى، كما تحكي عائشة عن زينب - رضي الله عنهما - قالت عائشة: "وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سَوْرة من حِدَّة كانت فيها تسرع منها الفيئة…". [رواه مسلم 2442].
قد يغلب خلق ما على المرء فيوقعه في المحظور أو فيما لا ينبغي فعله، والبشر ليس مطلوب منهم العصمة من الخطأ، إنما الحذر منه والبعد عن أسبابه، وحين تغلبهم نفوسهم فيواقعونه فعليهم سرعة الفيئة والرجوع إلى الله تبارك وتعالى.

5 - حفظ السر:
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلّم فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "مرحبا بابنتي"، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثاً فبَكَتْ، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسرَّ إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن! فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلّم، فسألتها فقالت: أسرَّ إليَّ: "إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي" فبكيت، فقال: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين؟" فضحكت لذلك. [رواه البخاري 3624، ومسلم 2450].
لقد كان من حق عائشة - رضي الله عنها - السعي لمعرفة ما أسره لفاطمة صاحب الرسالة، أما فاطمة - رضي الله عنها - فكانت ترى أنه لا يسوغ لها أن تفشي سره حال حياته صلى الله عليه وسلّم.
إن الفضول قد يدفع بالمرء أحياناً إلى التطلع لمعرفة ما لا يعنيه، وحب الحديث والتشبع بما لم يعط قد يدفعه إلى الحديث عما تطلع إليه وعلمه، وهو مسلك يأباه الأوفياء، وذلك ليس دعوة لأن تعيش الفتاة في صمت مطبق يحول بينها وبين السؤال والتعرف على أحوال الناس، ويمنعها من الحديث والإخبار.
لكن كم هي الأخبار وأسرار البيوت التي كان إفشاء المرأة لها سبباً في فسادٍ عريضٍ لا تستطيع إصلاحه؟ وما أحوج الفتاة إلى أن تضع نصب عينيها دوماً وصية النبي صلى الله عليه وسلّم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت". [رواه البخاري 6018، ومسلم 47].
وثمة مجالات للحديث والحوار والنقاش الجاد المثمر تضيق عنها المجالس مهما طالت يمكن أن تكون بديلاً للثرثرة والحديث اللا مسئول عن أسرار الناس.
أما الفتاة الصالحة المتدينة فيتأكد الأمر في حقها؛ إذ هي قدوة لمن حولها والجميع يرقب تصرفها.

 للأعلى


المناقب

إن من يتأمل صفحات السنة والسيرة النبوية يرى أنها قد ملئت بنماذج من فضائل ومناقب الفتيات المسلمات، ومن ذلك:

1 - تمريض رقية بمنزلة شهود بدر:
لقد أعلى الله منزلة أهل بدر رضي الله عنهم ورفع درجتهم، فهذا الخليفة عثمان - رضي الله عنه - يقول عن تخلفه في بدر: "وأما قوله إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين ماتت وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلّم بسهمي ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلّم بسهمه فقد شهد". [رواه أحمد 492].
لقد كانت غزوة بدر أول مواجهة بين النبي صلى الله عليه وسلّم وقريش، وسماها تبارك وتعالى يوم الفرقان، وسارت بفضائلها الركبان، وقال صلى الله عليه وسلّم عمن شهدها: "لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم". [رواه البخاري 3983، ومسلم 2494].
عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها، قال وكذلك من شهد بدراً من الملائكة. [رواه البخاري 3992].
فها هي منزلة بدر وأهلها، فإذا ضرب لمن مرَّض رقية - رضي الله عنها - بسهم من شهد بدراً وبدرٌ بهذه المنزلة، فهذا شاهد على فضل هذه الصحابية وعلو منزلتها رضوان الله عليها، كيف لا وهي ابنة النبي صلى الله عليه وسلّم؟

2 - ذكره صلى الله عليه وسلّم لحفصة:
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يحدث أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد شهد بدراً وتوفي بالمدينة - قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبوبكر فلم يرجع إلي شيئاً فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضت عليَّ حفصة فلم أرجع إليك، قلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولو تركها لقبلتها. [رواه البخاري 4005].

3 - تزويج الله لزينب بنت جحش:
عن أنس - رضي الله عنه - قال جاء زيد بن حارثة - رضي الله عنه - يشكو فجعل النبي صلى الله عليه وسلّم: "يقول اتق الله، وأمسك عليك زوجك" قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم كاتماً شيئاً لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات، وعن ثابت (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ). [الأحزاب: 37] نزلت في شأن زينب وزيد بن حارثة. [رواه البخاري 742].
إنها منزلة عالية تدركها زينب - رضي الله عنها - تقصر دونها منازل الناس في هذه الدار، فالأمر لم يقف عند مجرد كونها زوجة للنبي صلى الله عليه وسلّم، وهذا وحده شرف ومنزلة لا تدانيها منزلة، بل يأتي هذا التزويج بنص من السماء، ولم يكن هذا الوحي رؤيا منام أو وحياً غير متلو، بل قرآناً يقرؤه المسلمون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قرآناً يتعبدون الله بتلاوته وفيه أن الله زوَّج هذه المرأة الصالحة لنبيه صلى الله عليه وسلّم.

4 - من بركة النساء:
عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلّم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له وكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلّم تستعينه في كتابتها، قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، قال: "فهل لك في خير من ذلك؟" قالت: وما هو يارسول الله؟ قال: "أقضي كتابتك وأتزوجك" قالت: نعم يا رسول الله، قال: "قد فعلت" قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأرسلوا ما بأيديهم قالت فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها. [رواه أحمد 25833، وأبو داود 3931].
وربما صحت الأجسام بالعلل، وقد يكره المرء أمراً يكون خيراً له، لذا فقد كانت هذه الوقعة من أعظم خير نال هؤلاء، فأي كرم وشرف أسمى من أن يكونوا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأولئك الذين سبُوُا فُكَّ أسرُهم وعَتُقوا ببركة هذه المرأة الصالحة، لقد أطلقت سراح مائةٍ من قومها وأعلت شأنهم وذكرهم، ولم يكن هذا بشجاعةٍ أو قوةٍ، بل بفضيلةٍ ربانيةٍ أبقت ذكرهم خالداً إلى قيام الساعة.

5 - من مناقب أم المؤمنين عائشة:
لقد ظفرت عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - بحب صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلّم لها، فهنيئاً لها هذه المنزلة.
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلّم قالت: أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أي بنية ألست تحبين ما أحب؟" فقالت: بلى، قال: "فأحبي هذه" قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلّم فرجعت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقلن لها: ما نراكِ أغنيتِ عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبداً، قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلّم وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثاً وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سَوْرة من حِدَّة كانت فيها تسرع منها الفيئة، قالت: فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ورسول الله صلى الله عليه وسلّم مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقعت بي فاستطالت عليَّ وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها، قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحيت عليها، قالت: فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتبسم "إنها ابنة أبي بكر". [رواه البخاري 2442].
وقد بلغ من منزلة عائشة - رضي الله عنها - أن يقرئها جبريل السلام.
فعنها - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لها: "يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السلام " فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى - تريد النبي صلى الله عليه وسلّم -. [رواه البخاري 3217، ومسلم 2447].


ماذا تعني هذه الفضائل؟
قد تقول القارئة وهي ترى هذه الفضائل وتدرك منزلتها: إنها منازل عالية ورتب سامقة لكن ما شأن إيرادها هنا؟ وأنا أعلم علم اليقين أنها درجات السابقين، وأنها لمن اختارهن تبارك وتعالى، وأنها فضائل جاءت بها نصوص خاصة لهن؟
إن هذه الفضائل تدل على ما بلغ أصحابها من الإيمان والتقوى والصلاح، فالله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب؛ فالتفاضل والتسابق إنما هو بالتقوى والإيمان.
وهي تدل على أن الإيمان يترك أثره العظيم في النفوس، وأنه الدواء الناجع للأدواء التي تعاني منها مجتمعات المسلمين اليوم.
فهاهي هذه المنازل والرتب قد حازها فتيات في ريعان الشباب حين انتصر الإيمان في قلوبهن على الصبوة والهوى.
وهي تطرح هذا النموذج أمام فتيات المسلمين اليوم، لا ليصلن إلى ما وصل إليه أولئك، فهي منزلة اختص الله بها من اصطفاهم من عباده، لكن ليسرن على الطريق، وليسلكن الخطى، وهذه الفضائل تقول للجيل الصاعد من فتياتنا بلسان الحال هاهو الطريق، وهاهنا العظمة، فمن كان متأسياً فليتأس بهؤلاء، ومن كان معجباً فليعجب بهذا الصنف.
فما بال طائفة من فتيات المسلمين يسلكن غير ذات السبيل، ويتخذن قدوتهن من نساء سواقط إنما أبرزهن وأعلى شأنهن الفن الهابط، أو راجت سوقهن في أسواق عرض الأزياء والمتاجرة بالإغراء.
وهي أيضاً تفتح آفاقاً واسعة أمام المسلمات ليكون الحب في الله لا يقف عند الحقبة الحاضرة بل يتخطى هذه الحواجز والحجب، ويدخل هذا الجيل ضمن هؤلاء، حينها تقتصد الفتاة المسلمة في منح إعجابها وحبها لأقرانها، ويعلو أفقها، ويمتد نظرها إلى فضاء أرحب.

 للأعلى


الخاتمة

هذه أختي المسلمة مواقف فتيات في ريعان الشباب، اتبعن طريق الهدى وسلكن درب الرشاد، فقادهن إلى أن فُتحت لهن صفحات رائعة في سجل التاريخ.
إنها مواقف ناطقة بالشهادة على أن هذا الدين يترك أثره العظيم في النفوس، وهي مواقف ناطقة بأن المرأة حين تسلك سبيل الصلاح والتقوى يعلو شأنها وترتفع قيمتها.
فما أحوجنا اليوم إلى أن نعنى بدراسة أخبار ذاك الجيل الأغر والفرط الصالح، وأن نسعى لتطبيق ما تعلمناه من عبر، والاقتداء بما رأيناه من مواقف صالحة، ولئن عجزنا أن نصل إلى ما وصلوا إليه، فلا أقل من محبتهم والتعلق بأخبارهم وسيرهم، لعلنا أن نحظى بوعد النبي صلى الله عليه وسلّم بأن نحشر معهم، كما أخبر صلى الله عليه وسلّم حين سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال: "المرء مع من أحب".
وما أحوج الأمهات والمعلمات والمربيات إلى العناية بتعليم بناتهن سير فتيات الصحابة وأخبارهن، وتقديمهن بديلاً للنماذج السيئة التي تتعلق بها فتيات المسلمين اليوم من القدوات الهابطة.
وما أحوج المتصدرين لمنابر التوجيه والإعلام إلى ذلك؛ علهم أن يقدموا بديلاً لهذا الغثاء الذي يملأ أسماع الناس في وسائل الإعلام اليوم.
اللهم إني أحببت صحابة نبيك صلى الله عليه وسلّم وسعيت في بيان سيرهم لدى الناس، اللهم فاحشرني يوم القيامة مع من أحببت.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008