تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

حفظ القرآن الكريم / الطبعة الثانية

د. محمد بن عبدالله الدويش

 المقدمة
 لماذا نحفظ القرآن؟
 مجالس حفظ القرآن
 إلى المحاضن التربوية
 الحـفظ بين العزيمة وهم الطريقة
 من سير الحفاظ وأخبارهم
 وصايا لحملة القرآن

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: -
فقد كانت البشرية تعيش في تخبط وتيه وتُوزِّع ولاءاتها بين طواغيت وأصنام، وبين كهان ومشعوذين، قد أسلمت يدها كالأعمى لهؤلاء يقودونها أينما أرادوا وكيفما شاءوا.
فجاء الله تبارك وتعالى بهذا الكتاب هادياً ومبشراً ونذيراً للناس، (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ). [إبراهيم: 1 – 2].
جاء هذا الكتاب المبين فنقل الله به الناس من الجاهلية والشرك إلى الهداية والتوحيد، من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وتحولت تلك الأمة التي تحمله من أمة لا تُذْكر إلا مثالاً على الهمجية والتخلف، إلى أمة تأخذ بزمام البشرية أجمع لتقودها لسعادة الدارين.
وما هي إلا سنوات وانطلق حملة هذا الكتاب يجوبون الديار، ويقطعون الفيافي حاملين رسالة التوحيد ومشعل الهداية للبشرية أجمع، وهاهي قبورهم المتناثرة هنا وهناك تبقى شاهداً على هذه الحقيقة.
ودار الزمان دورته، وأصبح الأمر كما قال الشاعر:
وما فتيء الزمان يدور حتى *** مضى بالمجد قوم آخرونا
وأصبح لا يرى في الركب قومي*** وقد عاشوا أئمته سنينا
وآلمني وآلم كل حر *** سؤال الدهر أين المسلمونا؟
واليوم وقد بدأت بشائر النور تلوح في الأفق، يشعر جيل الصحوة وحاملو الراية أن عنوان فلاحهم، وأمارة استقامة منهجهم، ودليل سيرهم على خطا الرعيل الأول في الإقبال على كتاب الله.
فبدأ الشباب يتوافدون على حفظ القرآن والإقبال على تلاوته وتدبره، وهي خطوة رائدة بإذن الله تحتاج إلى من يدفعها لتبذل المزيد، ولمن يقول لأولئك الذين لما يلحقوا بالقافلة: بادروا ففي الأمر متسع، وهلمّوا قبل أن يفوت الأوان.
وتأتي هذه الرسالة - وهي الرابعة ضمن رسائل للشباب - علها أن تساهم في دفع المسيرة، وتوجيه الشباب نحو مزيد من الإقبال على كتاب الله وتعاهده، وأن تكون معيناً ومثبتاً لأولئك الذين سلكوا هذا الطريق.
وفيها تحدثت عن فوائد حفظ القرآن الكريم، وبعض النماذج من أخبار الحفاظ، وختمتها بوصايا عاجلة لحملة كتاب الله، ولم أتحدث فيها عن طرق الحفظ ووسائله، فهذا الجانب قد تحدث عنه كثير من الكتَّاب.
والله أسأل أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، وأن يبارك في هذا الجهد إنه سميع مجيب،،،

 

محمد بن عبد الله الدويش
الرياض 3/12/1417هـ

 

 للأعلى


لماذا نحفظ القرآن؟

لماذا نحفظ القرآن؟ سؤال لا يطرحه مسلم جاد إلا من باب الرغبة في التعرف على فضائل هذا العمل وآثاره ليزداد رغبة وحماسة؛ ذلك أن قضية فضيلة حفظ القرآن مقررة لدى كل مسلم بداهة، بغض النظر عن موقعه في سلم الثقافة، وعن مدى تدينه واستقامته.
وهاهي محاولة لحشد بعض الفضائل والمزايا لحفظ القرآن الكريم، سواء ما دلت عليها النصوص الشرعية صراحة، أو كان ذلك مما يفهم من عموم النصوص وقواعد الشرع.


1 - حفظ القرآن هو الأصل في تلقيه:
لقد وصف الله تبارك وتعالى هذا القرآن بقوله (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ). (العنكبوت: 49].
وقال تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم - كما في الحديث القدسي - : "إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرأه نائماً ويقظان". [رواه مسلم 2865].
قال النووي: "فمعناه: محفوظ في الصدور لا يتطرق إليه الذهاب بل يبقى على مر الزمان". [صحيح مسلم بشرح النووي 17/ 204].
ومن لطائف الاستدلال في ذلك ما استدل به أبو الفضل الرازي فقال: "ومنها أن الله عز وجل لم ينزله جملة كغيره من الكتب، بل نجوماً متفرقة مرتلة ما بين الآية والآيتين والآيات والسورة والقصة، في مدة زادت على عشرين سنة، إلا ليتلقوه حفظاً، ويستوي في تلقفه في هذه الصورة الكليل والفطن، والبليد والذكي، والفارغ والمشغول، والأمي وغير الأمي، فيكون لمن بعدهم فيهم أسوة في نقل كتاب الله حفظاً ولفظاً قرناً بعد قرن وخلفاً بعد سلف". [فضائل القرآن، لأبي الفضل الرازي، ص 49].

2 - القرآن مصدر التلقي عند الأمة:
القرآن الكريم دستور الأمة، فإليه الحكم والتحاكم، ومنه الاستمداد والتشريع، وما من صغيرة أو كبيرة إلا ونبأها في هذا الكتاب العزيز (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً). [مريم: 64]. وهو مع ذلك الضياء الذي تحمله الأمة لسائر الناس لتؤدي رسالتها، خير أمة أخرجت للناس، شهيدة عليهم في الدنيا والآخرة، فلا يصير المرء مسلماً إلا بالإيقان أنه من عند الله، والخضوع والاستسلام له، فإذا كان هذا شأن القرآن في حياة الأمة، فما بالك بشأن من يحفظه ويعنى به؟.


3 - حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة:
صرح بعض أهل العلم أن حفظ القرآن الكريم واجب على الأمة فإن قام بذلك قوم وإلا سقط الإثم عن الباقين.
قال بدر الدين الزركشي: "قال أصحابنا:  تعلم القرآن فرض كفاية، وكذلك حفظه واجب على الأمة، صرح به الجرجاني في الشافي والعبادي وغيرهما". [البرهان في علوم القرآن 1/ 456].

4 - التأسي بالنبي: صلى الله عليه وسلّم:
لقد جعل الله تبارك وتعالى للأمة في محمد صلى الله عليه وسلّم أسوة حسنة (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً). [الأحزاب: 21].
ويتعبد المسلم لربه تبارك وتعالى في البحث والتعرف على سنة النبي صلى الله عليه وسلّم وعلى ما كان يفعل في أموره وأحواله، ومن ثم التأسي بها واتباعها.
وحفظ كتاب الله تبارك وتعالى فيه من التأسي به صلى الله عليه وسلّم ؛ إذ كان صلى الله عليه وسلّم يحفظه ويديم تلاوته ومعارضة جبريل به، وقد نبه على هذا المعنى أبو الفضل الرازي  المقرئ فقال: "فمنها: ما لزم الأمة من الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلّم في جلي أمر الشرع وخفيه، قولاً وفعلاً، على الوجوب أو الندب إلى أن يقوم دليل على أنه كان - عليه السلام - مخصوصاً به من قوله أو فعله، فلما وجدنا أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان حافظاً بجميع ما نزل عليه من القرآن، ومأموراً بقراءته، حتى أنه - عليه السلام - من شدة تمسكه بحفظه كان يعرض على جبريل - عليهما السلام - في كل سنة مرة واحدة، وفي السنة التي قبض فيها عرض عليه - عليهما السلام - مرتين، وكان يعرض على أصحابه ويعرضون عليه، ويعجل به ليستكثر منه، لئلا ينسى ولحرصه عليه، فنهي عنه بقوله تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً). [طه: 114]. وبقوله عز وجل: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ). [القيامة: 16]. وأمر بالترتيل، وأمن مما كان يصده عن ذلك وهو خشية النسيان والتفلّت منه بقوله تعالى: (سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى). [الأعلى: 6]. علمنا أن الأمة لزم حفظه مع الإمكان وجوباً، إلا عن عذر بين، وإلا فقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة استحباباً وندباً". [فضائل القرآن، لأبي الفضل الرازي 45- 46].
ثم قال: بعد أن ذكر وجوهاً أخرى "غير أني أتقدم عليه بسند ما تقدم من قراءة النبي صلى الله عليه وسلّم وعرضه على غيره، وعرض الصحابة رضي الله عنهم بعضهم على بعض، ففي جميع ذلك مستدل أنه من الله سبحانه وتعالى دعا به إلى حفظه، وعطف على العمل بما فيه، وأن لا يسع أحد أن يتخلف عن حفظه أو تحفظه، وتلاوته على الدوام إلا عن عذر ظاهر". [فضائل القرآن، لأبي الفضل الرازي 50].

5 - حفظ القرآن تأس بالسلف:
حفظ القرآن في مقتبل العمر ومطلع الشباب تأس بالسلف، وسير على جادتهم، وسلوك لهديهم، فقد كانوا يبدأون بحفظ القرآن قبل سائر العلوم، ويعنون به قبل بقية الفنون، وما أن تقرأ في ترجمة أحد أهل العلم إلا وترى في سيرته: "حفظ القرآن الكريم ثم ابتدأ بطلب العلم".
قال أبو الفضل الرازي: "وعلى الحفظ والتحفظ كان الصدر الأول ومن بعدهم، فربما قرأ الأكبر منهم على الأصغر منه سناً وسابقة، فلم يكن الفقهاء منهم ولا المحدثون والوعاظ يتخلفون عن حفظ القرآن والاجتهاد على استظهاره، ولا المقربون منهم على العلم بما لم يسعهم جهله منه، غير أنهم نسبوا إلى ما غلب عليهم من المعرفة بحروفه أو العلم بغيرها، إلى أن خلفهم الخلف الذين مضى ذكرهم، فاتهم من طراتهم وحداثتهم طلب حفظ القرآن وفي أوانه، ولحقهم العجز والبلادة على سنهم، من غير أن كان لهم أنس بتلاوة كتابٍ من ربهم، ولا بلطيف خطابه وشريف عتابه". [فضائل القرآن، لأبي الفضل الرازي 33].
وقال ابن عبد البر: "طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداه مجتهداً زل، فأول العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه..." . [جامع بيان العلم وفضله 2/ 166].
قال محمد بن الفضل بن محمد: سمعت جدي يعني ابن خزيمة يقول: "استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة، فقال: اقرأ القرآن أولاً حتى آذن لك، فاستظهرت القرآن، فقال لي: امكث حتى تصلي بالختمة، ففعلت فلما عيدنا أذن لي".
وقال الإمام النووي: "كان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن يحفظ القرآن". [المجموع 1/ 38].
ويحكي ذلك ابن خلدون فيقول: "اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده، من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات". [مقدمة ابن خلدون 537- 538].
وعد ابن جماعة الأدب الأول من آداب طالب العلم في دروسه: "أن يبتدئ بكتاب الله العزيز، فيتقنه حفظاً، ويجتهد على إتقان تفسيره وسائر علومه؛ فإنه أصل العلوم وأمها وأهمها". [تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم 166- 167].
قال ابن مفلح: "وقال الميموني: سألت أبا عبد الله: أيهما أحب إليك، أبدأ ابني بالقرآن أو بالحديث؟ قال: لا، بالقرآن، قلت: أعلمه كله؟ قال: إلا أن يعسر فتعلمه منه، ثم قال لي: إذا قرأ أولاً تعود القراءة ثم لزمها، وعلى هذا أتباع الإمام أحمد إلى زماننا هذا". [الآداب الشرعية 2/ 35].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأما طلب حفظ القرآن: فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علماً: وهو إما باطل، أو قليل النفع، وهو أيضاً مقدم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن، فإنه أصل علوم الدين، بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدع من الأعاجم وغيرهم حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم: من الكلام، أو الجدال والخلاف، أو الفروع النادرة، والتقليد الذي لا يحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي لا تثبت ولا ينتفع بها، وكثير من الرياضيات التي لا تقوم عليها حجة، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله". [الفتاوى الكبرى 2/ 235].

6 - حفظ القرآن من خصائص هذه الأمة:
حفظ القرآن من خصائص هذه الأمة المحمدية، قال ابن الجزري رحمه الله: "ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة".
وقال أيضاً: " فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرأه بكل حال كما جاء في صفة أمته: ( أناجيلهم في صدورهم ) وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب، ولا يقرؤونه كله إلا نظراً، لاعن ظهر قلب، ولما خص الله تعالى بحفظه من شاء من أهله، أقام له أئمة ثقاة تجردوا لتصحيحه، وبذلوا أنفسهم في إتقانه، وتلقوه من النبي صلى الله عليه وسلّم حرفاً حرفاً، لم يهملوا منه حركة ولا سكوناً، ولا إثباتاً ولا حذفاً، ولا دخل عليهم في شيء منه شك ولا وهم ".
ولا يزال حفظ القرآن شعاراً لهذه الأمة، وشوكة في حلوق أعدائها، تقول المستشرقة لورا فاغليري: "إننا اليوم نجد على الرغم من انحسار موجة الإيمان آلافاً من الناس القادرين على ترديده عن ظهر قلب، وفي مصر وحدها عدد من الحفاظ أكثر من عدد القادرين على تلاوة الأناجيل عن ظهر قلب في أوربا كلها".
ويعترف أحد من حرموا نور القرآن بهذه الميزة والخاصية؛ إذ يقول جيمس منشيز: "لعل القرآن هو أكثر الكتب التي تقرأ في العالم، وهو بكل تأكيد أيسرها حفظاً".

7 - حفظه ميسر للناس كلهم:
يأمل كثير من الناس أن يحقق قدراً من العلم ومستوى من التحصيل، لكن ربما تقف قدراته العقلية عائقاً دون ذلك، أما حفظ القرآن الكريم فله شأن آخر، فكم رأينا مَنْ محدودي الإدراك وضعاف الحفظ استطاعوا حفظ القرآن الكريم، ولذا عدّ النويري ذلك من إعجاز القرآن فقال: "والقرآن قد يسر الله تعالى حفظه على الغلمان في المدة القريبة والنسوان، وقد رأينا مَن حفظه على كبر سنه، وهذا من معجزاته ".
وقال القرطبي - حول قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر). [القمر: 17]:
"أي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟". [الجامع لأحكام القرآن 17/ 134].
وعده بعض أهل العلم وجهاً من وجوه إعجاز القرآن كما قال الماوردي: "الوجه السادس عشر من إعجازه: تيسيره على جميع الألسنة، حتى حفظه الأعجمي الأبكم، ودار به لسان القبطي الألكن، ولا يحفظ غيره من الكتب كحفظه، ولا تجري به ألسنة البكم كجريها به، وما ذلك إلا بخصائص إلهية، فضله بها على سائر كتبه". [أعلام النبوة للماوردي 69. نقلاً عن خصائص القرآن للرومي، ص 162- 163].
قال الرافعي: "إنا لنعرف صبيان المكاتب - وقد كنا منهم - وما يسهل عليه القرآن وإظهاره، ولا يمكنه في أنفسهم حتى يثبتوه إلا نظمه واتساق هذا النظم، ولو هم أخذوا في غيره من فنون المعارف أو مختار الكلام أو نحوه مما يرادون على حفظه، أي ذلك كان لأعياهم وبلغ منهم إلى حد الانقطاع والتخاذل حتى لا يجمعوا منه قدراً في حجم القرآن إن جمعوه إلا وقد استنفدوا من العمر أضعاف ما يقطعونه في حفظ القرآن، على أنهم يبلغون هذا بالعفو والأناة ولا يبلغون مثله من ذلك إلا بالعنت والجهد" . [إعجاز القرآن 242].
"أرأيتم ذلك الصبي يرسله والده إلى الكتاب، لا يعرف للحروف شكلاً، ولا يملك من اللسان العربي إلا كلمات محدودة، يقضي بها الحاجات اليومية لمن هم في مثل سنه، ولا يدرك من المعاني ما وراءها، يرسله والده إلى الكتاب فيقرأ القرآن، ثم ما يلبث إلا زمناً يسيراً، فإذا به قد حفظ القرآن كله، وأجاد تلاوته". [من خصائص القرآن لفهد الرومي 161].
و"تلكم مدارس تحفيظ القرآن في العالم الإسلامي، نشأت منذ نزول القرآن ومازالت، يلتحق بها في كل بلد الآلاف يتلون القرآن، ويحفظون منه ما شاء الله، أرأيتم لو كان في حفظه مشقة، هل سيلتحق بها أحد أو يُلحق ابنه؟".
"أما المتعتع فيه فإنه لا يشكو صعوبة القرآن، وإنما يشكو تقصيره هو، فإذا ما أجاد سوراً منه، انطلق لسانه في السور كلها" [من خصائص القرآن لفهد الرومي 162].
وهذا كله مما يقوي العزيمة ويعلي الهمة للحفظ، ويجعل المرء يتجاوز مخاوف الفشل وعدم بلوغ الغاية.

8 - حفظ القرآن مشروع لا يعرف الفشل:
يمثل الخوف من الفشل عائقاً وحاجزاً يحول بين كثير من الناس وطموحاته، وبقدر سمو همته وعلو طموحه يتبدى له هذا الهاجس، وقد تكون نهاية كثير من مشاريع الناس وطموحاتهم الاصطدام الفعلي بحاجز الفشل وعدم القدرة على تجاوزه، وبغض النظر عن مناقشة النفسية التي يسيطر عليها مثل ذلك الشعور، فإن مشروع حفظ القرآن لا مجال فيه لهذا التفكير، لماذا؟
حين يبدأ الشاب برنامجه الطموح لحفظ القرآن ثم تنقطع نفسه وتنتهي عزيمته قبل النهاية، فهل فشل فعلاً، وقد حفظ بضعة أجزاء؟ إن هذا الجهد لم يذهب سدى، بل هب أنه لم يحفظ شيئاً يذكر، فالوقت الذي بذله في التلاوة والحفظ وحرم نفسه من كثير من شهواتها وملذاتها هو وقت قضاه في طاعة الله تبارك وتعالى، بل وكم آية وسورة رددها تالياً والحرف بعشر حسنات؟

9 - حملة القرآن هم أهل الله:
إن من تمام إكرام الله تبارك وتعالى لحملة كتابه أن جعلهم من أهله وخاصته، وهو وصف وشرف يهون دونه أي شرف يسعى إليه الناس في الدنيا؛ إذ يصبح العبد الفقير الضعيف من أهل لله وخاصته، وأهله وخاصته هم أولى الخلق بالرحمة والعفو والمحبة والقرب والزلفى منه تبارك وتعالى.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: " إن لله أهلين من الناس" قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال: "هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته". [رواه ابن ماجه 215].
فلينتسب كل إنسان لما يحلو له: أهل الدنيا، أهل الثراء، أهل الفن، أهل الرياضة... ولتجُد القواميس بكل وصف وثناء، فهل تأتي بأكمل مما وصف به حملة كتاب الله: (أهل الله وخاصته)؟

10 - تكريم حامل القرآن من إجلال الله:
إكرام حافظ القرآن الكريم من إجلال الله سبحانه، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط". [رواه أبو داود 4843]. وهذا دليل على علو منزلته وعظم شأنه.
ذلك أن من يكرم حامل القرآن فإنه لا يكرمه لأنه فلان أو فلان، إنما لأنه يحمل كلام الله تبارك وتعالى فصار إكرامه إجلالاً لله عز وجل.

11 - حافظ القرآن أولى أن يغبط:
لقد رفع الله بعض الناس في هذه الدار على بعض درجات:
(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ). [الزخرف: 32].
(انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً). [الإسراء: 21].
فجعل تبارك وتعالى من الناس صاحب المال الوفير، وصاحب المكانة العالية بين الناس، وجعل منهم صاحب الجاه والشهرة فيشير الناس لأحدهم ويتطلعون إليه ويغبطونه ويحسدونه على ما هو عليه، ولسان حال كل منهم يقول: "يا ليتني مكانه".
 أما الذي يستحق الغبطة حقاً، ويستحق أن يتبوأ هذه المكانة فهو حامل كتاب الله عز وجل.
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه صلى الله عليه وسلّم قال: "لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار". [رواه البخاري 5025، ومسلم 815].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل". [روا ه البخاري 5026].

12 - حفظه وتعلمه خير من متاع الدنيا:
حين يفرح الناس بالدينار والدرهم، ويحوزونها إلى رحالهم فإن حافظ القرآن وقارئه يظفر بخيرٍ من ذلك وأبقى.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟ قلنا: نعم، قال: فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان". [رواه مسلم 802].
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم ونحن في الصفة فقال: "أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم؟ فقلنا: يا رسول الله، نحب ذلك، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل". [رواه مسلم 803].
ولن تفهم هذا النص حق الفهم إلا حين تدرك أن الإبل كانت آنذاك أنفس المال وأغلاه.
 فما بالك أخي الشاب بمن يتعلم ويحفظ القرآن كله، ويقرأه مراراً، ويحرك قلبه بمواعظه؟ أرأيت أنك أحسنت الاختيار وأصبت الطريق وسلكت الجادة حين ثنيت ركبتك في المسجد تحفظ كتاب الله وتتعلمه، وما أنت عليه لا يقارن بحال بما عليه أترابك من الانصراف للهو أو الدنيا، فالزم غرزك، أو بادر للميدان إن كنت لما تسلكه بعد.

13 - حافظ القرآن هو أولى الناس بالإمامة:
الصلاة عمود الدين وثاني أركان الإسلام، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله، وليس شيء من الأعمال تركه كفر غير الصلاة...الخ فضائلها ومكانتها، ولهذا رأى الصحابة أن تقديم النبي صلى الله عليه وسلّم أبا بكر - رضي الله عنه - في الصلاة رضاً لدينهم، فرضوه لدنياهم.
فمن الذي يقدم فيها لأن يؤم الناس؟ إنه حامل القرآن:
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم". [رواه مسلم 672].
وعن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً، ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه". [رواه مسلم 673].

14 - حافظ القرآن هو أولى الناس بالإمارة:
وكما أن حامل القرآن أولى الناس بالإمامة، فهو أولاهم بالإمارة والولاية، فعن نافع بن عبد الحارث أنه لقي عمر - رضي الله عنه - بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟، قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلّم قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين". [رواه مسلم 817].
لقد كان إدراك الرعيل الأول لمنزلة حامل القرآن دافعاً لهم أن يتجاوزوا المعاني الضيقة التي تكبل الناس فتحول دون بلوغ من يحمل الصفات الخيرة منزلته التي يستحقها.
وأنت حين تسعى لحفظ كتاب الله تبارك وتعالى فليس الذي يدفعك لذلك الحرص على الإمارة والولاية، أو أن تُقدم إماماً للناس، إنما تشعر أن تقديم الشرع لحامل القرآن دليل على فضله ومنزلته، فأنت حينها تقصد هذا الفضل والمنزلة لا ما ينتج عنه من الإمارة أو الولاية ونحوها.

15 - حفظ القرآن مهر للصالحات من المؤمنات:
وحفظ القرآن مهرٌ وأنعم به من مهر فعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلّم امرأة فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً، جلست فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: "هل عندك من شيء؟" فقال: لا والله يا رسول الله، قال: "اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً؟" فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئاً، قال: "انظر ولو خاتماً من حديد" فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري - قال: سهل: ما له رداء - فلها نصفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك شيء؟ فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلّم مولياً، فأمر به فدعي فلما جاء قال: "ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا، عدها. قال: أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم. قال: اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن" [رواه البخاري 5030، ومسلم 1425].
وإن لم تجد من يُزوجك بما معك من القرآن، فلعل سلوكك هذا الطريق يكون مهراً لكاعب لا تشيخ ولا تموت، إليها المنتهى في الجمال، وقد بلغت الغاية ومضرب المثل، لو اطلعت على أهل ا لأرض لملأت ما بينهما ريحاً، فبادر بتقديم مهرها جعلنا الله وإياك من أهل هذا النعيم.

16 - حافظ القرآن يقدم في قبره:
وكما أعلى الله شأن حامله في الدنيا فقد أعلى شأنه في الآخرة، فهو أولى الناس بالتقديم حتى بعد موته، فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلّم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: "أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟". فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد. وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم. [رواه البخاري 1343].
إن تكريم حامل القرآن لم يقف عند هذه الدار بل تجاوزها إلى الدار الباقية، فيقدم في قبره، وهنيئاً له ما يلقاه بعد ذلك.

17 - شفاعته لحامله:
حين تلم بالمرء حاجة من حوائج الدنيا، فتضيق أمامه السبل وتغلق الأبواب في وجهه، فإنه يبحث ويفتش عن فلان أو فلان من الناس ليكون شفيعاً له في حاجته وقاضياً لها.
فما بالك بالحاجة الأم، والقضية الأساس، التي يلقاها العبد أمام الله عز وجل؟
ما بالك بهذه القضية التي يكون المرء فيها رهن عمله وما قدّم، أليس يحتاج فيها إلى الشفاعة؟ فكيف بمن يشفع له القرآن الكريم، بمن تأتي سور القرآن كما قال: صلى الله عليه وسلّم - تُحاج عنه، تحاج عن صاحبها الذي أمضى وقتاً ودهراً من عمره في حفظها وتلاوتها وتعلمها وتعليمها؟
عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار". [رواه ابن حبان].
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرأوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة". [رواه مسلم 804].
وعن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: " يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول: أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك ". [رواه ابن ماجه 3781، والدارمي 3391].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان". [رواه أحمد 6589].

وحيث الفتى يرتاع في ظلماته *** من القبر يلقاه سناً متهللاً
هناك يهنيه مقيلاً وروضة *** ومن أجله في روضة العز يجتلا
يناشد في إرضائه لحبيبه *** وأجدر به سؤلاً إليه موصلاً

18 - القرآن حجة لك أو عليك:
المرء لا يخلو أن يكون القرآن حجة له أو عليه فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها". [رواه مسلم 223].
إن الذي يقضي وقته، ويتخلى عن مشاغله لأجل أن يقضي وقتاً مع كتاب الله سبحانه وتعالى، حفظاً وتلاوة ومدارسة، ثم يصبح هذا الكتاب يتردد على لسانه، فهو يتلو هذا الكتاب قائماً أو قاعداً، ذاهباً أو آتياً أينما حل وحيثما ارتحل، إن مثل هذا المرء حريُُ بأن يكون القرآن حجة له يوم القيامة كما كان شفيعاً له.

19 - استحقاق ظل الله يوم لا ظل إلا ظله:
في يوم القيامة تزداد الأهوال مع الناس ويبلغ الكرب مداه، ومن كروب يوم القيامة ما وصفه صلى الله عليه وسلّم في حديث المقداد بن الأسود - رضي الله عنه -: " تدنى الشمس يوم القيامة من الخلائق حتى تكون منهم كمقدار ميل، قال سليم بن عامر - أحد رواة الحديث - فو الله ما أدري ما يعني بالميل، أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين؟ قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، قال: وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلّم بيده إلى فيه". [رواه مسلم 2864].
وفي هذا الموقف الرهيب يكرم الله سبحانه وتعالى طائفة من عباده فيظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما أخبر صلى الله عليه وسلّم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه". [رواه البخاري 660، ومسلم1031].
فالشاب الذي نشأ في بيوت الله وعلى حفظ كتابه وتدبره من أولى الناس بهذا الوصف (شاب نشأ في عبادة ربه)؛ إذ التعبد لله بتلاوة كتابه وحفظه وتعاهده من أفضل ما يتقرب به العبد إلى مولاه.

20 - حفظ القرآن سبب للنجاة من النار:
إن من أهم ما يسعى إليه المسلم في هذه الحياة أن ينجيه الله من النار، وقد كتب الله تبارك وتعالى لمن حفظ القرآن ألا تحرقه النار، فعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق" [رواه أحمد 4/ 155، والدارمي 3192، وأبو الفضل الرازي في فضائل القرآن 125، والفريابي 2].
وقد فسره بعض أهل العلم بأن المقصود بذلك حافظ القرآن فروى أبو الفضل الرازي عن يزيد بن عمرو، قال: سألت الأصمعي عنه قال: يعني في إنسان، أراد أن من علمه الله القرآن من المسلمين وحفظه إياه لم تحرقه النار يوم القيامة إن ألقي فيها بالذنوب، كما قال: أبو أمامة: "اقرأوا القرآن ولا تغرنكم هذه المصاحف، فإن الله لا يعذب بالنار قلباً وعى القرآن". [فضائل القرآن لأبي الفضل الرازي 155- 156].
وقال: أبو عبيد: "وجه هذا عندنا أن يكون أراد بالإهاب قلب المؤمن وجوفه الذي قد وعى القرآن". [فضائل القرآن لأبي عبيد 23].

21 - رفعة الدرجات في الجنة:
حين يدخل المؤمنون الجنة فإن حافظ القرآن يعلو غيره بدرجاته لتعلو منزلته وترتفع درجته في الآخرة كما ارتفعت في الدنيا.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيقال: اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة". [رواه الترمذي 2915].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "يقال: لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها". [رواه الترمذي 2914].
قال: ابن حجر الهيتمي: "الخبر المذكور خاص بمن يحفظه عن ظهر قلب، لا بمن يقرأ بالمصحف، لأن مجرد القراءة في الخط لا يختلف الناس فيها ولا يتفاوتون قلة وكثرة، وإنما الذي يتفاوتون فيه كذلك هو الحفظ عن ظهر قلب، فلهذا تفاوتت منازلهم في الجنة بحسب تفاوت حفظهم، ومما يؤيد ذلك أيضاً أن حفظ القرآن عن ظهر قلب فرض كفاية على الأمة، ومجرد القراءة في المصحف من غير حفظ لا يسقط بها الطلب، فليس لها كبير فضل كفضل الحفظ، فتعين أنه - أعني الحفظ عن ظهر قلب - هو المراد في الخبر، وهذا ظاهر من لفظ الخبر بأدنى تأمل، وقول الملائكة له: اقرأ وارق صريح في حفظه عن ظهر قلب كما لا يخفى". [الفتاوى الحديثية، ص 156].

22 - حافظه مع السفرة الكرام البررة:
حافظ القرآن مع السفرة الكرام البررة فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: " مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران". [رواه البخاري 4937].
وأولئك السفرة اختارهم الله تبارك وتعالى، وشرفهم بأن تكون بأيديهم الصحف المطهرة (فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ*مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ* بِأَيْدِي سَفَرَةٍ* كِرَامٍ بَرَرَةٍ). [عبس: 13 – 16] .
وما نفتأ نرى الناس اليوم يفتخرون حين ينسبون إلى عظيم من العظماء، أو رجل يحمل الشهرة والاسم اللامع ولو كان ذلك في ميدان الرياضة أو اللهو الباطل، فهنيئاً لهؤلاء ما اختاروه من هوان لأنفسهم، وهنيئاً لحفظة كتاب الله حين اختاروا أن يكونوا مع السفرة الكرام البررة.

23 - الحرف بحسنة والحسنة بعشر:
حافظ القرآن هو أكثر الناس تلاوة لكتاب الله فلن يطيق حفظه إلا بترداده، ولن يثبت له ذلك إلا بمراجعته. ولك أن تقدر أي جزاء وثواب يحصل له حين يجزى بالحرف الواحد حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ويضاعف الله لمن شاء فعن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" . [رواه الترمذي 2910].
وحين يكون الشاب ثانياً ركبته في بيت من بيوت الله ساعة كل يوم أو أكثر، فكم حرف سيقرأه؟ ناهيك عن مراجعته وترداده لما حفظ فيما سوى هذا الوقت.
وإذا أضيف لذلك صلاح النية وصدق العزيمة، والمحبة لكتاب الله، والتأثر بمواعظه، والتأدب بآدابه، ومراعاة أدب التلاوة، فهذه أبواب أخر فيها من الأجر مالا يعلمه إلا الكريم المنان.
فهاهو الميدان للتنافس والتسابق بالخيرات، هذا هو الميدان الحق لا شهوات الدنيا الفانية وحطامها الزائل.

24 - حافظ القرآن يقرأ في كل أحواله:
حافظ القرآن هو الذي يقدر أن يقرأ في كل حال، فهو يقرأ ماشياً، ويقرأ حين يقود سيارته في سفر أو حضر، ويقرأ حين ينتظر أحداً، يقرأ مضطجعاً وقاعداً وقائماً، أما غيره فلا يقرأ إلا حين يتهيأ ويتطهر، ويمسك مصحفه، وله أسوة بنبيه صلى الله عليه وسلّم إذ دخل مكة وهو على دابته يقرأ القرآن.
وقديماً كان آباؤنا يشبهون حافظ القرآن بالمسافر الذي زاده تمر فهو يأكل متى شاء، لا يحتاج إلا لإدخال يده في جرابه، أما غير الحافظ فهو يشبه من زاده دقيق فلابد أن يقف، وينزل عن راحلته، ويعجن، ويجمع الحطب... وذلك أمر يطول.

25 - حفظ القرآن شفاء للصدور:
تزداد شكوى الصالحين اليوم من قسوة القلوب وصدئها، وتكثر التساؤلات عن المعاناة التي يعاني منها الجميع بما فيهم الصالحون، وفي ظل البحث والتساؤل عن الحل والعلاج لن يجد أحد علاجاً غير الإقبال على كتاب الله تبارك وتعالى الذي وصفه من أنزله (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ). [الزمر: 23].
فالانشغال بحفظ القرآن، فيه علاج لصدأ القلوب وقسوتها وزيادة للإيمان قال تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ). [الأنفال: 2]. (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ). [التوبة: 124].

26 - حين يفني المرء شبابه بحفظ كتاب الله:
سيقف كل امرئ طال عمره أو قصر بين يدي ربه ويُسأل ويحاسب، ومن صور الحساب ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلّم بقوله: "لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم". [رواه الترمذي 2416].
وهو موقف يبعث على الوجل والخوف، تتسارع الصور وتتزاحم المواقف في ذهن المرء حين يسمع بهذا الحديث، ويشعر أنه سوف يسأل عن حياته ووقته، ثم يخص الشباب بسؤال آخر، فماذا عساه قائل؟ وبم يجيب؟ وهل سيجد في تاريخه وشبابه ما يسعفه بإجابة تنجيه من هول الموقف؟
فما بالك بمن سيقول: يا رب أفنيت زهرة شبابي وسني عمري ثانٍ ركبتي في أفضل بقاع الأرض إليك، في بيتك حاملاً مصحفي متطهراً، أتلو كلامك وأحفظه، وحين أنهيت حفظه شغلت نفسي بمراجعته وتكراره حتى لا يتفلت مني وأنساه.
وحين يرى ذلك من حرم هذا الفضل فلن يسعه إلا أن يقول: (يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً). [النساء: 73].

27 - حفظ القرآن خير ما تنفق به الأوقات:
حفظ القرآن الكريم استثمار للوقت بما ينفع، وانشغال وانصراف عن القيل والقال، واللغط واللهو، فحين يسابق الناس إلى مجالس اللهو التي ينهشون فيها أعراض الناس، أو يتحدثون عما يهيج الشهوات والغرائز، فالشاب المشتغل بحفظ القرآن له شأن آخر وهم آخر، يا له من بون شاسع بين هؤلاء وأولئك، بل إن المقارنة بين هذين النموذجين غير متكافئة.
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
والنفس أبيه عصية إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، فأولئك الذين شغلوا أنفسهم بحفظ كتاب الله ربما لو تركوا ذلك كان البديل إضاعة الوقت فيما لا ينفع، بل ربما فيما حرم الله تبارك وتعالى.

28 - حفظ القرآن في مقتبل العمر خطوة نحو الاستقامة:
كم نرى ونشاهد في عصرنا الحاضر من فئام من الشباب أعرضوا عن الله، وساروا في طريق الغواية وركبوا جادة الانحراف؟.
 ظاهرة لم تعد مجهولة أو خافية على ذي عين، بل صار الأب يضع يده على قلبه ويرقب ابنه في سائر أحواله، وهو يخشى أن تزل به القدم.
أليس انشغال الشاب بحفظ القرآن مدعاة لحفظه في مقتبل حياته وفترة مراهقته حيث تكثر الصبوة، ويميل الأقران للشهوات؟.
إن الشاب الذي يشغل وقته في مقتبل شبابه بحفظ القرآن، ينصرف عما يعصف بأمثاله من الشهوات والمغريات، فيكون حفظاً لدينه واستقامته، وسائرُ عمره مبناه على هذه البذرة والركيزة.

29 - القرآن كتاب علم وهدى:
والقرآن كتاب علم يحتاجه كل متخصص، فالفقيه يستدل به، وعالم العقيدة يحتج به، ومن يدرس سنن الله في الأمم والتاريخ، ومن يدرس الدعوة، والنحو.. فكل عالم مهما كان علمه لا يستغني عن الاحتجاج بالقرآن والاستشهاد به، ومن ثم فحافظ القرآن لم يحز علماً واحداً بل علوماً عدة في هذا الكتاب العزيز.
أحدهم وهو في قاعة الامتحان ورد إليه سؤال في مادة التاريخ عن أسباب النصر، وكان يحفظ سورة الأنفال فاستحضر الآيات ودوَّن ما استنبطه منها.
والأمر لا يقف عند مجرد إسعاف طالب بالإجابة في قاعة الامتحان، بل من يدرك هذه الفوائد الغزيرة في هذا الموطن يدركها فيما سواه.
ومع التوجه العلمي الذي نراه اليوم - وهو ثمرة من ثمرات الصحوة المباركة - نرى أن هناك خللاً في ترتيب الأولويات عند فئة من الشباب لا يعدون من العلم إلا حفظ المسائل وأقوال الرجال، أما القرآن فتقرأ ألفاظه للتعبد فقط.
وفي حديث حذيفة - رضي الله عنه - قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة وحدثنا عن رفعها...." . [رواه البخاري 7086، ومسلم 143].
وقال ابن عبد البر: "القرآن أصل العلم، فمن حفظه قبل بلوغه، ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب كان له ذلك عوناً كبيراً على مراده منه". [صحيح جامع بيان العلم وفضله 454].

30 - حافظ القرآن لا يعوزه الاستشهاد:
لابد لك أن تقف متحدثاً، أو واعظاً، أو مدرساً، لاسيما وأنك اخترت لنفسك طريق الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فحين تكون حافظاً للقرآن فهو أمامك وبين عينيك تحضرك الأدلة في الترغيب والترهيب، والأحكام والفرائض، والسلوك والآداب، والقصص والعبر، في حين يحتاج غيرك لمراجعة المعاجم، وكتابة الآية، لذا فهو محروم من الاستطراد واقتناص الفوائد الواردة على الذهن، فضلاً عن الارتجال والحديث دون إعداد حين يتطلب الموقف ذلك.
 بل والحافظ حين ينسى الآية وتعزب عن ذاكرته فلا يحتاج إلا دقائق معدودة يراجع فيها المصحف؛ إذ هو يعرف الآية في أي سورة وأي موضع.

31 - حِلَق القرآن ميدان للصحبة الصالحة:
يشعر المرء مهما كان أنه بحاجة إلى صحبة ورفقة، والمسلم الذي يعنيه شأن دينه يدرك تمام الإدراك تلك الضرورة الملحة لاختيار الصحبة الصالحة الذين يأمنهم على دينه، ويرضى أن يحشر معهم يوم القيامة لذا فقد أشار أنصح الخلق صلى الله عليه وسلّم وأعرفهم بالله سبحانه إلى هذا المعنى في أحاديث عدة.
منها قوله: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل". [رواه الترمذي 2378، وأبو داود 4833].
وقوله صلى الله عليه وسلّم "لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي". [رواه أحمد 3/ 38، والترمذي 2395، وأبو داود 4832، والدارمي 1985].
وأخبر صلى الله عليه وسلّم أن حال المرء يوم القيامة مرتبط بحال قرينه فقال: "المرء مع من أحب". [رواه البخاري 6170، ومسلم 2641].
وحافظ القرآن يتيح له درس الحفظ التعرف واللقاء بالصحبة الصالحة ومجالسة أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، فهو من أسعد الناس بفضائل الصحبة الصالحة في الدنيا والآخرة.
بل حين يُكْرِم أصحابه فذلك من إجلال الله، وحين يحبهم فيحبهم لله، وحين يتبرأ الناس يوم القيامة من أخلائهم فهؤلاء أخلاء على سرر متقابلين: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ* يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ). [الزخرف: 67- 68].

32 - التعلق به خطوة للتربية الجادة:
يدرك المربون اليوم الحاجة الملحة للتربية على معالي الأمور، ولتخريج جيل يتمثل المعاني الجادة في حياته، فيدفعهم ذلك الشعور إلى التساؤل عن طريق تحقيق ذلك؟
ولا شك أن الانشغال بحفظ القرآن وثني الركب في حلق المساجد مما يعوِّد الشاب على الجدية ويطرد عنه الكسل والتواني، فيعتاد التحمل والجد؛ إذ هو يجلس في المسجد ساعات لحفظ القرآن يخصص هذا الجزء من وقته كل يوم، ناهيك عما يضحي به مما يتعلق به أترابه الذين يمتِّعون أنفسهم باللهو والعبث والجري وراء متع الدنيا، وذلك كله يخلق نفساً عالية متعلقة بالأمور الجادة.

 للأعلى


مجالس حفظ القرآن

لئن كان الناس يفتخرون بمجالس تصلهم بقوم ذوي شأن لدى الناس، أو تحقق لهم مطالب يسعون إليها، فأولئك الذين يجلسون في مجالس حفظ كتاب الله تبارك وتعالى أولى بذلك وأسعد، ذلك أنهم كما أخبر صلى الله عليه وسلّم: "...وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه". [رواه مسلم 2699].
فهي فضائل أربع يدركها هؤلاء: -
1 - نزول السكينة من الله تبارك وتعالى.
2 - غشيان الرحمة، ورحمة الله قريب من المحسنين ومن عباده الصالحين، وما أفقر العبد لرحمة الله، أليس في دعائه كثيراً ما يقول: يا أرحم الراحمين؟ فهاهو باب الرحمة مفتوح فبادر بولوجه علَّ الله أن يرحمك.
3 - أن تحفهم الملائكة وهم عباد الله المكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
4 - أن يذكرهم الله فيمن عنده، فأين هذا مما يسعى إليه بعض الناس أن يذكره أحد الأكابر أو يثني عليه، فأي فضيلة للعبد أسمى وأعلى من أن يذكره الله تبارك وتعالى فيمن عنده.
وثمة فضائل ومناقب أخرى لهذه المجالس جاءت في سائر النصوص: -
5 - فمنها أن هذه المجالس غالباً ما تكون في بيوت الله تبارك وتعالى، وقد أثنى الله على من يعمرها بالعبادة (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ* لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). [النور: 36 – 38].
وأخبر صلى الله عليه وسلّم عن شأن المساجد فقال: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها". [رواه مسلم 671].
6 - كثيراً ما يجلس القارئ في هذه المجالس بعد أداء الفريضة، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلّم على ذلك وحث عليه، وأخبر أن صاحبه تصلي عليه الملائكة "فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه". [رواه البخاري 647].
7 - وهي مجالس روادها من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، الذين رفع الله شأنهم، وأعلى ذكرهم في الدنيا والآخرة.
8 - ورد فضل الاجتماع على الذكر والعلم، ومن ذلك الحديث الطويل في شأن الملائكة الذين يتتبعون مجالس الذكر.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً وتحميداً، وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها، قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم". [رواه البخاري 6408، ومسلم 2689].
ولاشك أن أفضل الذكر والعلم تلاوة كتاب الله وحفظه والوقوف عند حدوده ومعانيه.
وتأمل كيف غفر الله لهذا الذي لم يكن منهم، إنما جاء لحاجة فجلس، لتجد فيه إجابة على سؤال كثير ممن يشتكي من ضعف النية، أو التقصير، أو أنه يفعل بعض الذنوب في الخلوات، فيدعوه ذلك للتفكير في مفارقة الجلساء الصالحين الأخيار.

 للأعلى


إلى المحاضن التربوية

وبعد هذا السرد لهذه الفوائد التي تتأتى لحافظ القرآن الكريم والمشتغل به نتساءل: أين الشباب عن العناية بهذا القرآن، وأين جيل الصحوة عن حفظه وتدارسه؟
وما حجم حفظ القرآن ضمن برامجنا التربوية؟ أليس أولى من كثير مما ينشغل به الشباب اليوم؟ ولماذا لا يصبح حفظ القرآن والعناية بتعلمه أساس برامجنا ومنطلقها، أما حين يكون جزءاً منها فأحسب أننا لم نقدره حق قدره.
ومع عتبنا على إخواننا الذين يقصرون في هذا الأمر ولا يولونه حق رعايته فإننا نشد بأيدي أولئك الذين جعلوا مبدأ التربية والتوجيه حفظ القرآن الكريم، ونرى أنها بداية بإذن الله تؤذن بالسير على منهج سلف الأمة، إذ كان هذا شأنهم وديدنهم.
وعلى المدى الأوسع حين ننقل الطرف إلى مقاعد الدراسة فإننا نشارك الأديب مصطفى صادق الرافعي شكواه وهمه إذ يقول: "نحن نأسف أشد الأسف وأبلغه بل أحراه أن يكون هماً يعتلج في الصدر ويستوقد في الضلوع إذ نرى نشء هذه الأيام قد انصرفوا عن جمع القرآن واستيعابه وأحكامه قراءةً وتجويداً، فلا يحفظون منه إن حفظوا إلا أجزاء قليلة على أنهم ينسونها بعد ذلك، ثم يشب أحدهم كما يشب قرن الماعز نبت على سواء، ولا يثبت على التواء، ويخرج وقد عق لغته وأنكر قومه، وانسلخ من جلدته واستهان بدينه وخرج من آدابه، ولا يستحي من ذلك أن يقول ها أنذا فاعرفوني". [إعجاز القرآن 243].
وإن مما يبعث على الأسى ويحز في قلب كل مسلم غيور أن نرى فئاماً من خريجي الجامعات، بل وربما حملة الشهادات العليا في العالم الإسلامي اليوم لا يجيدون تلاوة كتاب الله، فضلاً عن حفظ شيء منه، وكم نسبة الذين يتجاوز حفظهم الجزء الأخير من القرآن الكريم في خريجي الجامعات في العالم الإسلامي اليوم؟
أليس من الجدير بالعناية أن يتنادى المربون وأصحاب الشأن في الأمة الإسلامية اليوم إلى كلمة سواء تعيد الاعتبار لكتاب الله عز وجل في برامج التعليم.
فهلا كانت هناك خطوةٌ لتقرير قدر من القرآن على الطلاب والطالبات، وهل كل ما يدرسه أولئك أهم وأحوج من القرآن الكريم؟
ولقد أثبتت الدراسات العلمية المعاصرة أن حفظ القرآن في المراحل الأولية من التعليم له أثره على ملكات ومهارات مهمة يحتاج إليها التلميذ.
ففي دراسة أجراها الدكتور سعد المغامس أظهرت نتائج الدراسة أن تلاوة القرآن الكريم وحفظه ودراسته أسهمت في تنمية مهارات القراءة والكتابة لدى تلاميذ الصف السادس الابتدائي مما مكن التلاميذ في مدارس تحفيظ القرآن الكريم من الحصول على درجات أعلى من متوسط أقرانهم في مدارس التعليم العام، حيث أظهرت الدراسة أنه توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات تلاميذ الصف السادس من مدارس تحفيظ القرآن، ومتوسط درجات تلاميذ مدارس التعليم العام لصالح تلاميذ مدارس تحفيظ القرآن، وذلك من خلال اختبارات القراءة والكتابة التي أعدها الباحث، وكذلك من واقع درجات التلاميذ في سجلات المدارس التي اعتمد عليها في نجاحهم من الصف الخامس إلى الصف السادس". [انظر: التعليم الأساسي ودوره في تنمية المهارات الأساسية لدى التلاميذ، الكتاب السنوي الثالث لجستن 234- 255].
وفي دراسة أخرى أجرتها د. هاتم ياركندي أظهرت نتائج الدراسة: " وجود فروق دالة إحصائياً بين مجموعة طالبات تحفيظ القرآن الكريم، وطالبات الصف الرابع في المدارس العادية في مهارتي القراءة والإملاء لصالح طالبات تحفيظ القرآن الكريم". [المصدر السابق 257- 279].
والمربون اليوم إذ يدعون إلى إعادة الاعتبار لمادة القرآن الكريم فليس ذلك لأنه يزيد من مهارات معينة للتلاميذ، بل لأنه دستور الأمة وأولى ما تعنى بتعلمه وتعليمه.

 للأعلى


الحـفظ بين العزيمة وهم الطريقة

يحرص كثير من الشباب حين يدرك فضل حفظ القرآن على تحقيق هذا الأمر، بل إن المسلم يحمل هذا الشعور ابتداءً دون أن يحدَّث بفضل حفظ القرآن، وما من مسلم أياً كان إلا ويتمنى أن يكون قد حفظ القرآن، بغض النظر عن جدية هذه الأمنية وتفاوتها.
حينها يتساءل الشاب كثيراً: ما الطريقة المثلى لحفظ كتاب الله؟ كيف أحفظ القرآن؟ أريد الحفظ فما السبيل؟... وهي تساؤلات جادة يبحث فيها صاحبها عن إجابة تعينه على بلوغ هذا الهدف وتحقيقه، ويشعر أن إجابة هذا السؤال تحل له اللغز الذي حيره: كيف يحفظ القرآن، فقد سعى وحاول ولكن..؟ ومن ثم يدعوه ذلك إلى التفتيش والسؤال عن طرق الحفظ معتقداً أنه سيجد الإجابة الشافية، وسيجد الحل لهذا اللغز المحير.
إنه ومع التسليم بأن هناك ضوابط مهمة تعين الحافظ على سلوك هذا الطريق، وأن الجهل بها قد يضيف عليه أعباءً من الوقت والجهد، وقد يتسبب ذلك في ضياع جزءٍ من وقته سدى، إلا أن العامل الأساس والأهم ليس هو هذا، وستبقى مسؤولية الجهل والإخلال بها محصورة في دائرة التأخر أو ضعف الحفظ، أما أن تكون هي وحدها التي تملك الحل السحري فهذا أمر لا يمكن.
أرأيت رجلاً يقف أسفل جبل شاهق ويراد منه أن يصعده راجلاً فيتساءل عن الطرق الموصلة إلى القمة، فيُعطى خارطة دقيقة أتراه يستطيع ذلك دون أن يكون لديه همة عالية وعزيمة جادة تدفعه لتحمل المصاعب؟
وحين تقدم قائمة محددة بتكاليف إقامة مشروع اقتصادي وخطوات ذلك، فلن تفيد هذه القائمة من لا يملك القدرة أو الاستعداد للتفرغ لهذا المشروع والقيام به.
كذلك حفظ كتاب الله تبارك وتعالى طريق فيه نوع من الطول والمشقة، ويحتاج ممن يريد سلوكه إلى همة وعزيمة، وجد وتحمل، يحتاج إلى أن يخصص له جزءاً من وقته لا يصرفه لغيره، وأن يعيد ترتيب أولوياته ليكون هذا المشروع في مقدمتها، وأن يعطيه بعد ذلك الفترة الزمنية الكافية.
وهذا لا يعني أن نهمل العناية بالطريقة المناسبة والأسلوب الأمثل، والاستنارة بتجارب الآخرين، لكن ذلك كله إنما يأتي بعد أن يملك المرء النية الصادقة، والعزيمة الجادة، والهمة العالية ويبدأ الخطوات العملية.

 للأعلى


من سير الحفاظ وأخبارهم

يدرك المسلم بفطرته فضل حفظ القرآن وعلو منزلة حامله، وحشد النصوص والفضائل مما يرسخ هذا المعنى ويزيده.
وحين يضاف لذلك النماذج الواقعية العملية تزيد من يقين المرء بقدرته على تحويل هذه المعاني إلى واقع ملموس، وليس أدل على ذلك من عناية القرآن الكريم والسنة النبوية بإيراد القصص والنماذج للاعتبار والاتعاظ والتأسي.
وهذه طائفة يسيرة من سير الحفاظ وأخبارهم علها أن تكون منارة ومثلا يحتذى للجيل.

من أخبار الشباب والغلمان:
كان عمرو بن سلمة - رضي الله عنه - وهو من صغار الصحابة حريصاً على تلقي القرآن، فكان يتلقى الركبان ويسألهم ويستقرئهم حتى فاق قومه أجمع، وأهَّله ذلك لإمامتهم، ولنستمع لذلك من روايته - رضي الله عنه - إذ يقول: "كنا على حاضر فكان الركبان - وقال: إسماعيل مرة: الناس - يمرون بنا راجعين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأدنو منهم فأسمع حتى حفظت قرأناً، وكان الناس ينتظرون بإسلامهم فتح مكة.
فلما فتحت جعل الرجل يأتيه فيقول: يا رسول الله، أنا وافد بني فلان وجئتك بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام قومه فرجع إليهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "قدموا أكثركم قرأناً. قال: فنظروا وإني لعلى حِواء عظيم. [والحِواء: بيوت مجتمعة من الناس على ماء، والجمع أحوية. كما في النهاية 1/ 465]. فما وجدوا فيهم أحداً أكثر قرأناً مني، فقدموني وأنا غلام...". [رواه أحمد 5/ 30 19821].
ويتساءل الشاب اليوم وهو يرى هذا النموذج، فقد كان هذا الصحابي الشاب - رضي الله عنه - حريصاً على حفظ القرآن وتعلمه، ولم يتح له ما أتيح لنا اليوم من وسائل وإمكانات، فليس أمامه حلقة لتحفيظ القرآن، ولا تسجيلات أو مقرئ متفرغ، بل إن القرآن ليس مجموعاً له في مصحف يقرأه ويحفظ منه، ومع ذلك يبلغ هذا المبلغ رضي الله عنه.
ونلمس الحرص نفسه عند زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فيأتي قومُه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم مفاخرين بما حصَّل صاحبهم، يحدثنا عن ذلك فيقول: إن قومه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلّم: "هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة فأعجب ذلك النبي صلى الله عليه وسلّم وقال: يا زيد، تعلم لي كتاب يهود؛ فإني والله ما آمن يهود على كتابي" قال زيد: فتعلمت كتابهم، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب". [رواه البخاري تعليقاً ، وأحمد 5/ 186، 21108].
وآخر أيضاً جاوز العاشرة بقليل وهو البراء بن عازب - رضي الله عنه - يقول: " فلم يقدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى قرأت سوراً من المفصل". [طبقات ابن سعد 4/ 271].
وعبد الصمد بن عبد الرحمن بن أبي رجاء البلوي (ت 619هـ) روى عن أبيه القرآن تلاوة، وسمع منه عدة كتب، ومات أبوه وله نحو من عشر سنين. [معرفة القراء الكبار 2/ 611].
وعلي بن هبة الله الجميزي (ت 649هـ) حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين. [معرفة القراء الكبار 2/ 651].
ومجد الدين أبو البركات ابن تيمية (ت 652هـ) حفظ القرآن وتفقه على عمه الخطيب فخر الدين، ثم رحل في صحبة سيف الدين ابن عمه وهو مراهق. [معرفة القراء الكبار 2/ 653].
زيد بن الحسن تاج الدين الكندي ت(613هـ)، قرأ القرآن تلقيناً على أبي محمد سبط الخياط وله نحو من سبع سنين وهذا نادر - كما قال الذهبي - وأندر منه أنه قرأ بالروايات العشر وهو ابن عشر حجج. [معرفة القراء الكبار 2/ 586- 587، وانظر . [سير أعلام النبلاء 22/ 34- 41].
أبو شامة (ت 665هـ) قرأ القرآن صغيراً، وأكمل القراءات على شيخه السخاوي وعمره سبعة عشر عاماً. [معرفة القراء الكبار 2/ 673].
 أبو بكر بن عمر بن مُشَبَّع المِقصّاتي (ت 713هـ) قرأ القرآن وهو دون العشرين. [معرفة القراء الكبار 2/ 725].
حمزة بن حبيب الإمام  المقرئ (ت 158هـ)، قال عن نفسه: "ولدت سنة ثمانين، وأحكمت القراءة ولي خمس عشرة سنة". [معرفة القراء الكبار 1/ 118].
خلف بن هشام بن ثعلب الإمام الحافظ الحجة شيخ الإسلام (ت 229هـ) خرج من بغداد وعمره (19) عاماً لم يخلف فيها أقرأ منه. [سير أعلام النبلاء 10/ 580].
مكي بن أبي طالب العلامة  المقرئ ولد سنة (355هـ) وقرأ بالقراءات على ابن غلبون سنة (376هـ) . [معرفة القراء الكبار 1/ 395]. أي حين كان عمره (21) سنة.
أبو علي الأهوازي  المقرئ المحدث ولد سنة (362هـ) عني من صغره بالروايات والأداء قرأ لقالون سنة (378هـ) . [معرفة القراء الكبار 1/ 403]. أي حين كان عمره (16) سنة.
أبو بكر النقاش  المقرئ المفسر أحد الأعلام، المولود سنة (266هـ) عني بالقراءات من صغره، فقرأ على الحسن بن عباس بن أبي مهران الرازي سنة (285) . [معرفة القراء الكبار 1/ 294]. وذلك حين كان عمره (19) عاماً.
ومنهم الإمام النووي فقد ذكر عنه شيخه يسين بن يوسف المراكشي قال: رأيت الشيخ وهو ابن عشر سنين بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم ويقرأ القرآن في تلك الحال، قال: فوقع في قلبي محبته، وكان قد جعله أبوه في دكان فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن، قال: فأتيت معلمه فوصيته به، وقلت له: إنه يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم، وينتفع الناس به، فقال لي: أمنجم أنت؟ فقلت: لا وإنما أنطقني الله بذلك، قال: فذكر المعلم ذلك لوالده فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الحلم". [صحيح مسلم بشرح النووي 1/ 74].
وحين يقف الشاب على مثل هذه النماذج تعلو همته وتزداد، ويسعى للتأسي بهم واللحاق بركبهم، ويشعر أنه حين يقبل على كتاب الله تبارك وتعالى كما أقبلوا يقفز حاجز الزمن ليشعر أنه وإياهم في درب واحد؛ فمن أحب قوماً حشر معهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
ويتساءل حينها: أين ما أرى عليه بعض أترابي الذين فتنوا بنجوم اللهو والعبث، وسعوا للتشبث بما هم عليه - مما أنا عليه من التأسي بهؤلاء؟

مع النماذج المعاصرة:
والحديث عن النماذج في العصور السابقة يطول، ولعل الحديث عن بعض النماذج المعاصرة مما يزيد الشباب حماسة بعد ذلك، فيرون أن أترابهم وأقرانهم - الذين يعيشون في العصر الذي يعيشون فيه - قد استطاعوا أن يستظهروا القرآن فيزيدهم بعد ذلك حماسة وثقة بقدرتهم.
فمن المعاصرين الشيخ زيد الفياض رحمه الله، فقد حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، ثم قرأه مرة أخرى حفظاً وهو ابن اثني عشرة سنة. [المجلة العربية، عدد 229، ص 68].
وحين كنت عضواً في لجنةٍ لامتحان الحفاظ في الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم كان ضمن المتقدمين غلام لم يتجاوز العاشرة قد حفظ القرآن كاملاً، فسألته أن يقرأ من مواضع تصعب على الحفاظ فلم يخطئ في حرف واحد، بل كان أحد المتقدمين عمره سبع سنوات قد حفظه كاملاً.
وشاب آخر عمره 12 عاماً يحفظ القرآن الكريم حفظاً متقناً، فهو يحفظ الآية برقمها.
وقد أجرت مجلة الأسرة التي تصدر عن مؤسسة الوقف في هولندا مقابلة مع غلام عمره (8) سنوات فقط يعيش في دولة الأمارات العربية المتحدة أتم حفظ القرآن الكريم كاملاً. [مجلة الأسرة العدد 44، ذو القعدة 1417هـ، ص 36].
واليوم انتشرت بحمد الله حلق تحفيظ القرآن الكريم، وعمت المدن والنواحي، فأخرجت لنا جيلاً من الشباب الحفاظ، بل عدد منهم لم يتجاوز مرحلة التعليم الابتدائي.
وهي نماذج كثيرة تبعث فينا الأمل والشعور بأننا قادرون.

ومن سير الشيوخ عبرة:
وحيث أن حفظ القرآن يبدأ به المرء من الصغر، فقد يرى بعض الشباب أن القطار قد فاته، وأنه قد مضى فترة من عمره دون أن يحفظ، فتبقى سير بعض الشيوخ الذين حفظوا وهم كبار دافعاً لأمثال هؤلاء ألا تنثني عزائمهم.
حين جاء الإسلام، ونزل هذا القرآن كان عمر النبي صلى الله عليه وسلّم (40) سنة، ومن أصحابه - رضي الله عنهم - من كان في سنه، بل من كان أسنّ منه، ومع ذلك حفظ جمع من أولئك القرآن الكريم.
ويحكى عن ابن الجوزي رحمه الله أنه قرأ بالقراءات العشر وهو ابن ثمانين سنة.
ولازلت أذكر شيخاً أعمى لحيته ليس فيها شعرة واحدة سوداء يأتي إلينا في الحلقة - ونحن ندرس القرآن في الصغر - يتوكأ على عصاه، فكان الأستاذ يكلفني أن أُقريء هذا الرجل الأعمى، فكنت أقوم بذلك وشأني شأن الصبيان على كره مني لأن ذلك يأخذ عليّ وقتاً، فكان يحفظ كل يومٍ صفحة كاملة فأقرأها عليه ثم يقرأ خلفي، وما هي إلا فترة يسيرة حتى يحفظ ويتقن هذه الصفحة، ثم يأتي من الغد فلما افتقدته في الحلقة وصار لا يأتي سألت عنه فأُخبرنا أنه قد مات رحمه الله.
إنها صورة من تلك الهمة العالية التي تدفع هذا الشيخ الذي قد هرم ورق عظمه، وصار لا يبصر، تدفعه إلى أن يجاهد ويوفر وقته على حفظ كتاب الله عز وجل وهي تنادي على كثير ممن يّدعي ويتصور أن القطار قد فاته، تنادي: "إن كان هؤلاء يدركون، فأنت أولى أن تدرك وتُحصّل".

من أخبارهم في الإقراء:
أول من سن الحلق للإقراء الصحابي الجليل أبو الدرداء - رضي الله عنه - فعن مسلم بن مشكم قال: قال لي أبو الدرداء: اعدد من في مجلسنا، قالوا: فجاءوا ألفاً وستمائة ونيفاً فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة، فإذا صلى الصبح انفتل وقرأ جزءاً فيحدقون به يسمعون ألفاظه، وكان ابن عامر مقدماً فيهم، فلكل عشرة منهم ملقن فإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء.
وممن كان يعلم القرآن أبو عبد الرحمن السلمي (ت 74هـ) فقد كان يقريء الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة. [سير أعلام النبلاء 4/ 268].
وابن الأخرم (ت 341هـ) كانت له حلقة عظيمة بجامع دمشق يقرؤون عليه من بعد الفجر إلى الظهر.
قال محمد بن علي السلمي: قمت ليلة سحراً لآخذ النوبة على ابن الأخرم، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئاً، وقال: لم تدركني النوبة إلى العصر. [سير أعلام النبلاء 15/ 565].
وأبو منصور البغدادي جلس لتعليم كتاب الله دهراً وتلا عليه أمم وكان يقريء العميان.
وأبو محمد سبط الخياط تخرج عليه خلق وختموا عليه.
وكان لابن مجاهد (ت 324هـ) في حلقته أربعة وثمانون خليفة يأخذون على الناس، وكان في حلقته خمسة عشر رجلاً أضراء يتلقنون لعاصم. [معرفة القراء الكبار 1/ 271].
بكار بن أحمد بن بكار  المقرئ (ت 353هـ) أقرأ القرآن نحواً من ستين سنة. [معرفة القراء الكبار 1/ 306].
سبيع بن المُسلَّم (ت 508هـ) كان يقريء الناس من المسبح إلى قريب الظهر، وأقعد فكان يحمل إلى الجامع. [معرفة القراء الكبار 1/ 463].
محمد بن أبي محمد بن أبي المعالي تصدر للإقراء والتلقين ستين سنة، حتى لقن الأبناء والأحفاد، احتساباً لله تعالى فكان لا يأخذ من أحد شيئاً ويأكل من كسب يمينه. [معرفة القراء الكبار 2/ 569].
وركن الدين إلياس بن علوان (ت 673هـ) ختم عليه أكثر من ألف نفس. [معرفة القراء الكبار 2/ 687].
محمد بن الحسين بن محمد عرف عنه أنه كان يقوم للإقراء من الأذان الأكبر أيضاً.
وغير هؤلاء كثير ممن حفظ التاريخ شيئاً من سيرهم وأخبارهم، وممن دفنت أخبارهم معهم، ولا يضيع ربك أجر من أحسن عملاً.
فما أسعد هؤلاء بالثناء والشهادة من صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلّم"خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وحين يتذكر من يعلم القرآن هذا المعنى، ويقرأ سير أولئك يستهين بما قد تحدثه نفسه به من أن الجلوس لتعليم القرآن وتحفيظه مشغلة للوقت، ويشعر أن ذلك من خير ما تنفق فيه الأوقات، وأن الله سيعوضه بإذنه خيراً مما فاته، ويستهين بما يلقاه من معاناة تعاهد الصبية ورعايتهم.
والتعليم الأتم والأكمل لا يقف عند مجرد الإقراء والحفظ، بل يتجاوز ذلك إلى غرس معاني القرآن في النفوس، وتربية الشباب على حب هذا الكتاب وتعظيمه، وعلى التأدب بآدابه والعمل بما فيه.
إنها رسالة سامية، ومرابطة على ثغر من ثغور الأمة، وخطوة مهمة في إعداد لبنات بناء صرحها الشامخ، فهذه رسالتك يا معلم القرآن، واجعل نصب عينيك وصية الله تبارك وتعالى لنبيه (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا). [طه: 131].

تحمل المشاق:
حين أدرك أولئك علو شأن القرآن، وأن منزلة أهله لا تنال برخيص الثمن، بذلوا قصارى ما يطيقون وتحملوا المشاق، وهذه طائفة من أخبارهم في ذلك:
قال شعبة - أبو بكر بن عياش الراوي عن عاصم -:  "تعلمت من عاصم ولم أتعلم من غيره، ولا قرأت على غيره، واختلفت إليه نحواً من ثلاث سنين، في الحر والشتاء والأمطار". [معرفة القراء الكبار 1/ 138].
وحين جاء ورش - عثمان بن سعيد الإمام المقرئ - إلى نافع من مصر إلى المدينة ليقرأ عليه، وشفع له لديه أحد أصحابه - كما يروي هو - قال، قال لي: نافع: أيمكنك أن تبيت في المسجد؟ قلت: نعم، فبت في المسجد، فلما أن كان الفجر، جاء نافع فقال: الغريب؟ فقلت: ها أنا رحمك الله، قال: أنت أولى بالقراءة. [معرفة القراء الكبار 1/ 154].
كل هذا الجهد الذي بذله الإمام المقرئ رحمه الله من أجل علو الإسناد في القراء سفر وغربة، ومبيت في المسجد.. فأين جيلنا اليوم الذي قد يستكثر خطوات يسيرها، أو بقاء في المسجد، أو تضحية بنوم البكور ويريد مع ذلك أن يحصل ما حصله السابقون، ولسان حاله: -
من لي بمثل سيرك المدلل *** تمشي رويداً وتجي في الأول؟!
والغربة والمبيت بالمسجد ليس أمراً لم يفعله سوى الإمام ورش، بل الإمام المفسر ابن جرير الطبري أقام ببيروت أياماً، منها سبع ليال يبيت في المسجد الجامع بها حتى ختم القرآن بالرواية الشامية تلاوة على العباس بن وليد البيروتي.

مَنْ حفظ في أوقات يسيرة:
أبو وائل شقيق بن سلمة - الإمام الكبير شيخ الكوفة، مخضرم أدرك النبي صلى الله عليه وسلّم ولم يره - تعلم القرآن في شهرين . [سير أعلام النبلاء 4/ 163].
طالب تركي يدرس في الجامعة استطاع أن يحفظ القرآن الكريم في سبعين يوماً فقط!
ويحكي لي أحد المشايخ الحفّاظ الذين يعتنون بحفظ القرآن وتعليمه أن أحد السابقين حفظ القرآن في ثلاثة أشهر، وكيف حفظ؟ ومتى حفظ؟ حفظ وهو يسقي أو يسني كما يعرف ذلك كبار السن فكان معه مصحفه وهو على دابته ذهاباً وإياباً يحفظ، حتى استطاع أن يحفظ القرآن في ثلاثة أشهر.
ويذكر أحد المقرئين أن هناك من الشباب من حفظ القرآن في الإجازة الصيفية وحدها. [كيف تحفظ القرآن الكريم 7].
فهؤلاء - معشر الشباب - سلفكم، وهذه نبذ يسيرة من أخبارهم وأحوالهم، ليكون فيها رد اعتبار في مقابل الزخم الذي يُواجه به الناشئة من أخبار التافهين والساقطين.

 للأعلى


وصايا لحملة القرآن

الوصية الأولى:
ألا سأل أحدكم نفسه هذا السؤال: لماذا أحفظ القرآن؟ ألا إني صحبت قوماً يحفظون فحفظت معهم؟ أم لأني درست في مدرسة تحفيظ القرآن؟ أم ليقال: حافظ؟ أم لأن والدي ألزمني بذلك. فهلا حرصنا على تصحيح النية، واستصحاب الإخلاص لله وحده.
عن إياس بن عامر قال: أخذ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بيدي ثم قال: "إنك إن بقيت سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف، فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدنيا، ومن طلب به أدرك". [أخرجه الدارمي 3329، والآجري 25].

الوصية الثانية:
إن من أعظم حقوق كتاب الله دوام التلاوة، وتكرار القراءة، وكثيراً ما يصف الله عباده المتقين بأنهم يتلون كتابه حق تلاوته:
(إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور). [فاطر: 29].
(لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ). [آل عمران: 113 – 115].

الوصية الثالثة:
لقد ضرب لكم النبي صلى الله عليه وسلّم مثلاً بصاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "تعاهدوا القرآن فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عقلها". [رواه البخاري 5033، ومسلم 791].
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه صلى الله عليه وسلّم قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت". [رواه البخاري 5031، ومسلم 789].
فالله الله في تعاهد ما حفظتموه، وإياكم أن تفرطوا بهذه النعمة التي حباكم الله تبارك وتعالى إياها.
الوصية الرابعة:
لقد قرأتم في كتاب الله: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ). [ص: 29]. (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). [محمد: 24].
فتدبر القرآن والعمل به هو الأساس، وإياكم أن يقف همكم عند مجرد إقامة حروفه.

الوصية الخامسة:
يفتن كثير من الشباب بالشهوات، ويخرون صرعى أمام دواعي الفتنة، والإغراء التي عمت وطمت في هذا العصر، أما أنتم فلكم شأن آخر
أحدهم إن أحس فراغاً صار يفكر في شهوته قد شغلته المجلة الهابطة والفيلم الساقط والنظرة الآثمة، وأنت إن وجدت الفراغ قرأت القرآن، فمصحفك في صدرك تتلوه أينما كنت، وهو تتعلق نفسه بفتاة وربما بغلام، وهذا عنوان موت القلب، وعلامة العطب والخذلان عافانا الله وإياكم، أما أنت فتتعلق همتك، ونفسك للاقتداء بأنبياء الله، ومن قص الله عليك قصتهم في كتابه، وهو يفتن بالغانيات من أبناء الدنيا، أما أنت فقد عقدت العزم على خطبة الحور العين الكواعب الأبكار فتأيمت مما حرم الله عليك لتظفر بها في دار البقاء والنعيم.
فكن أيماً مما سواها فإنها *** لمثلك في جنات عدن تأيم

الوصية السادسة:
لقد رفع الله الناس في هذه الدنيا منازل ورتب:
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ...). [الأنعام: 165].
(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً...). [الزخرف: 32].
وها أنتم ترون الناس حولكم وقد حازوا من الدنيا إلى رحالهم ما حازوا: الشرف، المال، الجاه، التفوق، وأنتم - شأنكم شأن سائر البشر - قد تمتد أعينكم إلى ما هم فيه، لكنكم حين تتذكرن أنكم قرأتم في كتاب الله وصيته لنبيه: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى). [طه: 131]. تزهدون بما هم عليه وترضون بمنزلتكم العالية )أهل الله وخاصته).

الوصية السابعة:
يا أهل الله وخاصته، يا من رفع الله شأنكم وقدركم لقد كان أهل العلم يوصون طلابهم بحفظ ما قال القاضي الجرجاني:
يقولون لي فيك انقباض وإنما *** رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم *** ومن أكرمته عزة النفس أكرما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما *** بدا طمع صيرته لي سلماً
إذا قيل هذا مورد قلت قد أرى *** ولكن نفس الحر تحتمل الضما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي *** لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة *** إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم *** ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان ودنسوا *** محياه بالأطماع حتى تجهما
ألستم يا أهل القرآن أولى بهذا الخطاب؟ وأحق بتلكم الوصية؟. إن هناك من أرخصوا هذه النعمة، واستخفوا بهذه المنزلة.
أترون يا أهل القرآن: أن أولئك الذين سخروا القرآن للقراءة في المآتم، أو الموالد والبدع المحدثة، أترون أولئك عرفوا حق القرآن؟ والآخرون الذين جعلوا من حفظ القرآن فرصة للتكسب والتجارة، وأخذ المبالغ الطائلة على التسجيل والتلاوة، وأولئك الذين جعلوه فرصة للإمامة ببعض العلية وكبار القوم، وصاروا يهينون أنفسهم في مجالس لا يذكر فيها اسم الله إلا قليلاً، ويرون ويسمعون ما يناقض كتاب الله صراحة ومع ذلك لا يحرك فيهم ساكناً أو يثير فيهم غيرة، أو أولئك الذين يحترفون الرقية ليجعلوا من حاجات المرضى وضعف نفوسهم تكأة للثراء وسلماً للشهرة... وغير أولئك كثير أترون هؤلاء عرفوا حق القرآن؟
فأعيذكم بالله يا أهل القرآن أن ترخصوا نفوسكم، وتستبدلوا المكانة التي بوأكم الله إياها بهذه المطامع القريبة.

الوصية الثامنة:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به". [رواه البخاري 5023، ومسلم 792].
وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". [رواه البخاري 7527].
وقال: النووي: "قال القاضي: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها"، فزينوا أصواتكم بالقرآن، وتأسوا بأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.

الوصية التاسعة:
قديماً قيل: " لا يؤخذ القرآن عن مصحفي، ولا العلم عن صحفي". فمن أتم منكم حفظ القرآن، فليتم قراءته على شيخ حافظ متقن، وإن قرأ على من يجيزه بالإسناد إلى من نزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلّم فهو خير وأولى، وهم والحمد لله متوافرون، فاحرصوا حفظكم الله على الإجازة والإسناد فهي سنة ورثها السلف للخلف، والإسناد من خصائص هذه الأمة.
وكما قال: محمد بن المنكدر: "قراءة القرآن سنة يأخذها الأول عن الآخر".
وقال عروة: إنما قراءة القرآن سنة من السنن؛ فاقرأوه كما علمتموه".
وأول ذلك تلقي النبي صلى الله عليه وسلّم من جبريل كما يحدث بذلك ابن عباس - رضي الله عنهما - فيقول: "كان النبي صلى الله عليه وسلّم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلّم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة". [رواه البخاري 1902، ومسلم 2308].
لكن إقامة الحروف، وحسن التلاوة، وتحقيق التجويد تعني معنى آخر غير التكلف المذموم، والتشدق والتنطع، ولذا أوصى أهل العلم سلفاً وخلفاً قارئ القرآن بالبعد عن التكلف، ومجاوزة التنطع.
قال الإمام الذهبي: "فالقراء المجودة فيهم تنطع وتحرير زائد يؤدي إلى أن المجود القارئ يبقى مصروف الهمة إلى مراعاة الحروف، والتنطع في تجويدها بحيث يشغله ذلك عن تدبر معاني كتاب الله تعالى، ويصرفه عن الخشوع في التلاوة لله ويخليه قوي النفس مزدرياً بحفاظ كتاب الله تعالى، ينظر إليهم بعين المقت وأن المسلمين يلحنون". [زغل العلم، ص 25].
وعّد الحافظ ابن القيم رحمه الله من الوسوسة: الوسوسة في مخارج الحروف، ونقل جملة من النقول عن أهل العلم ثم قال: "والمقصود أن الأئمة كرهوا التنطع والغلو في النطق بالحرف، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع والتشدق والوسوسة في إخراج الحروف ليس من سنته". [إغاثة اللهفان 1/ 254].
ولا يقود الفرار من ذلك إلى إهمال التجويد، والعبرة في حد الإتقان وحد التكلف بأهل هذا الفن الذين تلقوه بالإسناد المتصل إلى من قرأه على جبريل عليه السلام.

الوصية العاشرة:
حين يؤم أحدكم المسلمين فأعيذكم بالله أن يكون ممن يحب أن يجتمع الناس عنده ويفدوا إليه، فيدعوه ذلك للعجب والتكلف.
عن معاوية بن قرة قال: سمعت عبد الله بن مغفل رضي الله عنه يقول: "قرأ النبي صلى الله عليه وسلّم عام الفتح في مسيره سورة الفتح على راحلته، وقال: مرة نزلت سورة الفتح وهو في مسير له فجعل يقرأ على راحلته قال: فرجَّع فيها، قال: فقال: معاوية - يعني ابن قرة - لولا أن أكره أن يجتمع الناس علي لحكيت لكم قراءته". [رواه البخاري 4281، ومسلم 794].
 فانظر إلى ورعه رضي الله عنه، وهو يريد أن يحكي لهم قراءة النبي صلى الله عليه وسلّم فكيف بمن يتعمد ذلك؟.
إن من أول الثلاثة الذين يقضى عليهم يوم القيامة "رجل تعلم العلم وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها. قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكن تعلمت ليقال: عالم، وقرأت ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار". [رواه مسلم 1905].
قال: الإمام الآجري رحمه الله: "ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله قد خصه بخير عظيم فليعرف قدر ما خصه الله به، وليقرأ لله لا للمخلوقين، وليحذر من الميل إلى أن يُستمع منه ليحظى به عند السامعين رغبة في الدنيا، والميل إلى حسن الثناء والجاه أبناء الدنيا، والصلات بالملوك دون الصلات بعوام الناس، فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه خفت أن يكون حسن صوته فتنة عليه، وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله عز وجل في السر والعلانية، وكان مراده أن يستمع من القرآن لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم، فيرغبوا فيما رغبهم الله عز وجل، وينتهوا عما نهاهم ممن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته وانتفع به الناس". [أخلاق أهل القرآن، ص 161].

الوصية الحادية عشرة:
حذار من آفة الآفات، ومصيبة المصائب (العجب بالنفس) حين يأتي الشيطان أحدَكم فيقول له قد أتممت حفظ القرآن، فأنت خير من فلان وفلان، وأنت من أهل الله وخاصته، وأنت أولى بالإمامة من زيد، وبالإمارة من عمرو.
فالحذر الحذر يا أهل القرآن من التشبه بمن قال: (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). [ص: 76]. فحقت عليه: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ). [ص: 78].

الوصية الثانية عشرة:
إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الجافي عنه والغالي فيه، فما نصيب أساتذتكم ومشايخكم في القراءة من تقديركم وإجلالكم، فهم من أولى الناس بدعائكم الصالح بظهر الغيب، وثنائكم عليهم، واستغفاركم لهم، وتواصلكم معهم.
ورفاقكم في الدرس القرآني، لهم عليكم حق الإجلال، وحسن المعاملة، والحب في الله، والتآخي من أجله، فاعرفوا لكل ذي حق حقه.

الوصية الثالثة عشرة:
لقد قرأتم في كتاب الله عز وجل قوله عن الجن: (َإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ* قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ* يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ...). [الأحقاف: 29 – 31].
فهلا فعلتم ما فعلوا، وصنعتم ما صنعوا، فأنذرتم ودعوتم، وكنتم مشاعل خير وهدى للناس؟.
ألم تقرأوا في القرآن سير الأنبياء، والدعاة إلى دين الله، ألم تقرأوا في القرآن: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ). [فصلت: 33].
فلكم أقران لم يعرفوا هذا الطريق، ولم يسلكوا هذا السبيل، فهلا أخذتم على أنفسكم أن تأخذوا بأيديهم إلى أن يسلكوا ما سلكتم، ويسيروا مسيركم، فالدال على الخير كفاعله، ومن دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً.

الوصية الرابعة عشرة:
قد يمن الله على بعضكم بعد حفظ القرآن بالتصدي لتدريسه وتحفيظه، فيثني ركبته في بيت من بيوت الله ليعلم الناشئة ويحفظهم، فيشغله ذلك عن كثير مما يتطلع إليه أقرانه، ويأخذ عليه خلاصة وقته وثمرة جهده، فقد تحدثه نفسه أن يبحث له عن موطن، أو أن إنتاجه محدود، أو أن غير هذا المكان أولى به، وقد يرى غيره ممن يسلك مجالات في الدعوة أكثر نتاجاً وألمع بريقاً.
فالله الله في مواطنكم وثغوركم فأنتم على خير عميم، وخيركم من تعلم القرآن وعلمه.
وإياكم أن تسمعوا الصوت النشاز الذي ينادي بفشل المواطن التربوية، ويدعو إلى تجاوزها.

الوصية الخامسة عشرة:
إن مما يعين على دوام التلاوة والتعاهد للقرآن الكريم التمسك بالسنة التي ورثناها عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم وعن خير الناس بعده: تحزيب القرآن، هذه السنة التي جهلها كثير، وهجرها قوم ممن من الله عليهم بحفظ كتابه.
والأصل في هذه السنة حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - ولفظه عند مسلم: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة، قال: فإما ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وإما أرسل لي فأتيته فقال: "ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟. قلت: بلى يا نبي الله، ولم أرد إلا الخير، قال: فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام....
ثم قال: واقرأ القرآن في كل شهر. قال: قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشرين. قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال: "فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك؛ فإن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقا" قال: فشددت فشدد على، قال: وقال لي: النبي صلى الله عليه وسلّم: لعلك يطول بك عمر".
فصرت إلى الذي قال لي: النبي صلى الله عليه وسلّم. فلما كبرت وددت أني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلّم". [وهو حديث طويل مشهور، رواه جمع من الأئمة منهم البخاري في 15، موضعا، ورواه مسلم 1159، وغيرهم].
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل". [رواه مسلم 747].
وعن ابن الهاد قال: "سألني نافع بن جبير بن مطعم فقال لي: في كم تقرأ القرآن؟ فقلت: ما أحزبه، فقال لي نافع: لا تقل ما أحزبه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: قرأت جزءاً من القرآن". [رواه أبو داود 2931، والمروزي في قيام الليل - كما في المختصر- 751].
وعن أوس بن حذيفة الثقفي ولفظه: "قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم في وفد ثقيف فنزّلوا الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلّم بني مالك في قبة له، فكان يأتينا كل ليلة بعد العشاء فيحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش ويقول: ولا سواء كنا مستضعفين مستذلين فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا.
فلما كان ذات ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلت: يا رسول الله، لقد أبطأت علينا الليلة قال: فإنه طرأ علي حزبي من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أتمه.
قال: أوس: فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل". [أخرجه ابن ماجه 5431، وأبو داود 3931، وضعفه بعض أهل العلم، لكن حسنه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء والحافظ ابن حجر كما في الفتوحات لابن علان. وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره محتجا به على أن المفصل يبتدئ من سورة ق. واحتج به شيخ الإسلام ابن تيميه في حديثه عن التحزيب بالسور والأجزاء].
وقد كان السلف من الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم يعتنون بهذه السنة ويحرصون على تطبيقها - ومعظمهم كان يختم في سبع - وقد تواتر ذلك عن السلف رضوان الله عليهم ومما ورد عنهم في ذلك: -
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "إني لأقرأ جزئي أو قالت سبعي وأنا جالسة على فراشي أو على سريري.
وقال: عبد الله - رضي الله عنه -: "لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، اقرأوه في سبع ويحافظ الرجل على حزبه.
وعن خيثمة قال: "دخلت على عبد الله بن عمرو وهو يقرأ في المصحف فقلت له فقال: هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة".
والاستطراد في ذكر الشواهد من أقوالهم وأخبارهم يطول، ومن أراد المزيد فعليه بكتب فضائل القرآن ومصنف ابن أبي شيبة ففيها المزيد.
والسنة أن يكون التحزيب بالسور لا بالأجزاء، وقد ناقش هذه المسألة شيخ الإسلام وأطال في تقريرها. [انظر الفتاوى 13/ 409- 114].

وأخيراً:
لقد دأب السلف رضوان الله عليهم على إيصاء حافظ القرآن، وأنا أذكر لك في هذا المقام بعضاً من درر وصاياهم، وجميل نصحهم، عل الله أن ينفعنا وإياك بذلك.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعجمي والأعرابي، قال: فاستمع فقال: "اقرأوا فكل حسن. سيأتي قوم يقيمونه كما يقيمون القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه". [رواه أحمد 14849، وأبو داود 830، والآجري في أخلاق أهل القرآن 28]. 
وجمع أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - الذين قرأوا القرآن وهم قريب من ثلاثمائة فعظم القرآن وقال: "إن هذا القرآن كائن لكم ذخراً، وكائن عليكم وزراً، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم؛ فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زخ به في قفاه فقذفه في النار". [أخرجه الدارمي 3328، والآجري في فضائل القرآن 3].
وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: "ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له حاجة إلى أحد من الخلق، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه. وقال: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو". [رواه الآجري 37، وأبو نعيم 8/ 92].
وما أجمل وصية الإمام الآجري في كتابه أخلاق أهل القرآن - وهذا الكتاب لا ينبغي لحافظ القرآن أن يتخلف عن قراءته وتمعنه - وهي وصية طويلة أجتزئ منها يسيراً، قال: رحمه الله: " فأول ما ينبغي له أن يستعمل تقوى الله في السر والعلانية باستعمال الورع في مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه، بصيراً بزمانه وفساد أهله، فهو يحذرهم على دينه، مقبلاً على شأنه، مهموماً بإصلاح ما فسد من أمره، حافظاً للسانه مميزاً لكلامه ". [أخلاق أهل القرآن، ص77].
وفيها أيضاً: "إذا درس القرآن فبحضور فهم وعقل، همه إيقاع الفهم لما ألزمه الله من اتباع ما أمر والانتهاء عما نهى، ليس همته متى أختم السورة؟ همته متى أستغني بالله عن غيره؟ متى أكون من المتقين؟ متى أكون من المحسنين؟ متى أكون من المتوكلين؟ متى أكون من الخاشعين؟ متى أكون من الصابرين؟ متى أكون من الصادقين؟ متى أكون من الخائفين؟متى أكون من الراجين؟ متى أزهد في الدنيا؟ متى أرغب في الآخرة؟ متى أتوب من الذنوب؟ متى أعرف النعم المتواترة؟ متى أشكره عليها؟ متى أعقل عن الله الخطاب؟ متى أفقه ما أتلو؟ متى أغلب نفسي على ما تهوى؟ متى أجاهد في الله حق الجهاد؟ متى أحفظ لساني؟ متى أغض طرفي؟ متى أحفظ فرجي متى أستحيي من الله حق الحياء؟...". [أخلاق أهل القرآن، 79].
وأخيراً أخي الكريم هذا جهد المقل، وهذا ما تيسر تسطيره من قلم عبد ضعيف مقصر في حق كتاب الله تبارك وتعالى.
اللهم اجعل هذا الجهد في ميزان حسناتي، وبارك فيه، وارزقني به شفاعة كتابك الكريم، واجعله حجة لي يوم لا ينفع مال ولا بنون.

وصلى الله وسلم على من كان خلقه القرآن.

 

محمد بن عبد الله الدويش
ص ب 52960 الرياض 11573

 

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008