تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

لا أطعمته

د. محمد بن عبدالله الدويش

إنّ الخطأ قد يصدر من صاحبه نتيجة سوء في السلوك أو قصور في التربية، وقد يكون مؤشراً على خلل في شخصية صاحبه، وهو ما يستوجب تدخل المربي.
لكن؛ هل كل خطأ يجب أن نراه كذلك؟! هل وجود الخطأ يعني دوماً أن نعتقد بوجود خلل، وأنّه مؤشر دال على ذلك؟!
إنّ بعض الأخطاء ينطوي على دوافع مهمّة لا ينبغي تجاهلها، وبغض النظر عن عذرنا لمن وقع في الخطأ أو عدم عذرنا له، فينبغي أن تكون هذه الدوافع هي محور التركيز والعلاج.
حين يسمع صاحب السيارة أصواتاً غريبة تصدر من سيارته فإنّ الذي يدفعه للمبادرة بإصلاحها ليس الانزعاج من الصوت بقدر ما هو شعوره بأن هذا الصوت يعبر عن مشكلة كبيرة تحتاج إلى علاج وإصلاح، وحينها يكون قد اتجه الوجهة الصحيحة في علاجه لأصل المشكلة لا لمظهرها.
وبنفس القدر؛ حين يشتكي الشخص من بثور في وجهه، أو صداع في رأسه فإنه سيتعامل مع هذه الظاهرة على أنها مظهر للمرض لا أنها هي المرض نفسه.
والسلوك الشخصي ليس بشاذ عن هذه القاعدة، وهنا لنا وقفةٌ مع موقف نبوي يتجلى فيه التطبيق لهذا المبدأ التربوي.
عن عباد بن شرحبيل قال: "قدمتُ مع عمومتي المدينة، فدخلت حائطاً من حيطانها ففركت من سنبله فجاء صاحب الحائط فأخذ كسائي وضربني، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعدي عليه، فأرسل إلى الرجل فجاءوا به. فقال: ما حملك على هذا؟! فقال يا رسول الله؛ إنه دخل حائطي فأخذ من سنبله ففركه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما علمته إذ كان جاهلاً ولا أطعمته إذ كان جائعاً. اردد عليه كساءه. وأمر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوسق أو نصف وسق". (رواه أحمد 17067، وأبو داود 2620، والنسائي 5409، وابن ماجه 2298).
وقد دلت رواية أخرى على أن الباعث لهذا الرجل على ماعمل هو شعوره بالجوع والحاجة.
ففي رواية أبي داود في سننه، عن عباد بن شرحبيل قال: "أصابتني سَنَةٌ فدخلت حائطاً من حيطان المدينة ففركت سنبلاً فأكلت وحملت في ثوبي، فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما علمت إذ كان جاهلاً، ولا أطعمت إذ كان جائعاً. أو قال: ساغباً. وأمره فردّ علي ثوبي وأعطاني وسقا أو نصف وسق من طعام".
قال العظيم آبادي في عون المعبود: "(أصابني سَنَةٌ): أي مجاعة وقحط". أ. هـ. (عون المعبود 7/ 205).
وفي رواية ابن ماجه قال: "أصابنا عام مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطا من حيطانها ... ". الحديث.
ودلت هاتان الروايتان –رواية أبي داود وابن ماجة- على أن سبب أخذ صاحب الحائط لكساء عبّاد أنه كان قد وضع بعض الطعام في كسائه.
حين نتأمل هذا الموقف نلمس أمرين في شخصية هذا الرجل:
الأول: أن الذي دفعه لهذا العمل هو الجوع والمسغبة والحاجة.
الثاني: أنه لم يكن يرى في هذا العمل غضاضة أو خطأ، بدليل أنه ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكي ما فعل الرجل به، ولو كان يدرك خطأ فعلته لما اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل ستر على نفسه.
  "قال الخطابي: وفيه أنّه صلى الله عليه وسلم عذره بالجهل حين حمل الطعام ولام صاحب الحائط إذ لم يطعمه إذ كان جائعاً". أ. هـ. (عون المعبود 7/ 205).
لقد كان من حكمة المربي وحُسْنِ تعليمه صلى الله عليه وسلم أنّه قد دعا صاحب البستان وأرشده إلى التعامل مع مصدر الخطأ دون التمحور حول العمل نفسه.
فإن كان الذي دفع الرجل هو الجوع والمسغبة فعليه أن يطعمه بالمعروف، ولا يلجئه للوقوع في الحرام.
إنّ بعضاً مما يدفع الناس للسلوك السيء هو شعورهم بالحاجة، وحين تكون هذه الحاجة مشروعة فينبغي تلبيتها لهم وإشباعها بالطريق المشروع حتى لايلجأوا إلى ممارسة الحرام والوقوع فيه.
قد يلجأ الطفل إلى السرقة من مال الآخرين، سواء من مال والديه، أو مال زملائه في المدرسة، وقد يكون مصدر هذا السلوك سوء التربية والشراهة عند هذا الطفل، لكن قد يكون مصدره الحرمان الذي يشعر به الطفل.
إنّ الطفل لا يدرك حدود الحلال والحرام، بل يسمع من والديه النهي عن ذلك، ولا يدرك مغبة الوقوع في الحرام، وحينها قد تقوده الرغبة في المتعة إلى السرقة من الآخرين.
وحين يكتشف الوالدان هذا السلوك السيء فلابد من المبادرة بعلاجه قبل أن يستفحل، ومن أبجديات وسائل تقويم هذا السلوك وقاية الطفل منه أن يُعطى ما يغنيه وما يشعره بأنه ليس أقل شأناً من زملائه.
ومن ذلك أيضاً: أن يستمع الوالدان لطلباته، فيتجاوبا مع ما يريده حتى يلجأ لهما عند الحاجة بدلاً من اللجوء إلى الأساليب غير المشروعة.
إنّ هؤلاء المحرومين قد ينشأ لديهم سلوكٌ قد يكون أخطر من سرقة دراهم محدودة من زميلِ أو من المنزل، ومن ذلك أنّه قد يجري استغلاله من قبل رفاق السوء، فحين يدركون حاجته للمال وأنه محروم منه فقد يسعون لاستدراجه والتغرير به، وقد يجعلون ما يعطونه إياه ثمناً ومدخلاً للمساومة على عرضه.
إنّ هذا لا يعني أن نعطي الطفل ما يريده بلا حساب، أو أن نستجيب لرغبته دون تردد، بل يجب أن نتزن ونعتدل في ذلك، فنحقق له حاجاتِه حتى لا يقوده الحرمان لأن يُستغلَّ من قِبَلِ الآخرين، أو أن يقع في السلوك السيء.
إنّ الحاجة قد تكون زيارةً أماكن الترفيه، أو اقتناء بعض أدواته، فالأب قد لا يدرك أهميتها لدى طفله، أو قد يرى البعد عنها تورعاً رغم أنه لايوجد فيها ما يقتضي التحريم.
ولا شك أنّ الترفيه يصحبه كثير من التجوّز والوقوع في الحرام، لكنه يبقى حاجة مهمة للنفس، تقول عنه عائشة رضي الله عنها: "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو". ( رواه البخاري 5236، ومسلم 892).
وفي مجال الفتيات نرى أن ما يدفع كثيرا من الفتيات لصحبة أهل السوء وبناء العلاقات مع الشباب هو شعورها بالفراغ العاطفي، وشعورها بالفراغ والمعاناة في منزلها، وهذا وإن لم يكن عذراً لها على هذا الانجراف، لكنّه واقعٌ تعيشه كثيرات، وهو يفرض على الوالدين تلبية هذه الحاجة بالصورة المشروعة.
إنّ النص النبوي الذي وقفنا عنده يدلّ على أنّ مصدر الخطأ قد لا يكون هو الحاجة، بل قد يكون الجهل، وهو ما عبّر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: "ولا علّمته إذ كان جاهلاً".
والتعليم أوسع من المعرفة المجردة بتحريم الشيء أو جوازه، فترسيخ القيم والاتجاهات هو نوع من التعليم، وتنمية الإيمان والخوف من الله عز وجل هو نوع من التعليم، والتذكير بين آونة وأخرى هو نوع من التعليم.
إنّ أولادنا بحاجة إلى التعليم الذي يحميهم من الوقوع في الممارسة الخاطئة، التعليم الذي يرسخ المفهوم لديهم فيفرقون بين حدود الحلال والحرام، والتعليم الذي يخاطب الوجدان والمشاعر كما يخاطب العقول، والتعليم الذي يرشدهم إلى البديل المباح الذي يكون بديلاً لهم عن الوقوع في الحرام.
ومن التعليم المهم الذي يعين أولادنا على تلافي الوقوع في الخطأ أن نعلّمهم كيف يتجاوزون الخطأ؟! وكيف يحمون أنفسهم منه؟! إننا نعلمه كثيراً ضرورة البعد عن صحبة السوء، وهو تعليم له أهميته، لكنّهم يحتاجون مع ذلك أن يتعلموا منّا الوسائل التي تعينهم على التخلّص من كيد أصحاب السوء ومكرهم.
ويحتاجون أن يتعلموا منا أدوات التفكير السليم الذي يعينهم على اكتشاف أخطائهم وتجاوزها، ويعينهم على التعرف عن البدائل، والخروج من المضايق التي ربما قادت بعضهم للوقع في الخطأ.

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008