تبدلت حالي بعد كفالتي للأيتام - التحرير   ---   دعوة المرأة وقفات تقويمية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   النقلة التربوية للجيل الأول - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   التربية الذاتية - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   اخشى جليس السوء !! - د / عبد العزيز إبراهيم سليم   ---    احترام العاملين باجور منخفضة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   واجبنا اتجاه المربي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الهمز واللمز على المعلمة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   الحلقة والاختبارات - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   تربية الأولاد على الصلاة - أيمن محمد عبد العظيم   ---   عبوس الطفل ... لماذا..؟ وكيف..؟ - علي السيد   ---   ابني تغير - د. عمر المفدى   ---   كرامة المتعلم داخل المدرسة - عادل فتحي عبد الله   ---   طريقة المحاضرة المفترى عليها - د.فايزة فاروق   ---   رؤية في تعليم اللغات - عبدالسلام محمد الكيلاني   ---   رؤية في كيفية إيجاد الدافعية لدى المتعلم - علي السيد   ---   حفل الوفاء حلقات تاج الوقار - التحرير   ---   موقع المسلم في حوار مع د. الدويش - التحرير   ---   سلسلة مهارات المربي (19):مهارات الاتصال بالمتربي - وليد الرفاعي   ---   التربية والمجتمع - محمد الحربي    ---   الدافعية وتنميتها لدى المتعلم - خديجة عبدالرحمن الصغير   ---   سلسلة مهارات المربي (6): بث الثقة - وليد الرفاعي   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   إلى ولدي المبتعث - د.جلال بن عثمان كحيل   ---   الاهتمام بمحضْن الأسرة - وداد إبراهيم البوق   ---   خطر قنوات الشعوذة على الأسرة - د. عفاف حسن مختار   ---   أهمية الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة - د. سميرة حسن أبكر   ---   هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟ - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   أبناؤنا والتقنية - كريم سليمان   ---   علمتنى غزة - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   وقفات مع الفتن - د. / خالد بن عبدالعزيز الباتلي   ---   أخي عبدالعزيز كما عرفته - د. محمد بن عبدالله الدويش   ---   








القائمة البريدية  

الاسم  
 
البريد االإلكتروني  
 
تسجيل إلغاء

    
 
عفوا لا يوجد تصويت حالياً
 



     

لبيك اللهم لبيك

د. محمد بن عبدالله الدويش

 مدخل
 وقفات حول التلبية
 الحج وإبراهيم عليه السلام
 وقفات حول النحر
 وقفات حول محظورات الإحرام
 وقفات حول الدعاء
 وقفات حول الحجر الأسود
 وقفات عامة

مدخل

الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونتوب إليه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، أما بعد:
 فهذه هي أول ليلة من هذا الشهر الحرام - شهر ذي القعدة - ونحن نستقبل جميعا وإياكم موسما عظيما وأياما فاضلة من أيام الله سبحانه وتعالى، تلك الأيام التي فضلها الله عز وجل على سائر الأيام؛ فما من أيام العمل الصالح فيها  أحب إلي الله عز وجل من هذه الأيام العشر من ذي الحجة، وأفضل عمل صالح يؤدى في هذه الأيام هو الحج إلى بيت الله الحرام، ومن ثم أحببت أن نقف في هذه الأمسية وفي هذا الدرس حول بعض المعاني المتعلقة  بهذه الشعيرة العظيمة.
فلا نريد هنا نتحدث عن أحكام الحج وآدابه، ولا ماينبغي أن يفعله الحاج، ولا عن الأخطاء التي يقع فيها الحجاج -وهي جوانب مهمة  ونحتاج إلى الحديث عنها كثيرا- وحين أختار ألا أتحدث عنها فإن هذا لايعني بحال أني أرى أن ما أقوله أولى من ذلك، ولكني أردت أن أطوف وإياكم في هذه الأمسية حول واقع المسلمين الذين يفدون إلى بيت الله الحرام؛ لنأخذ بعض الدروس وبعض الوقفات التي نتأمل فيها واقعنا جميعا، وخاصة واقع أولئك الحجاج الذين يلبون نداء الله عز وجل ويأتون إلى هذا البيت ملبين.

 للأعلى


وقفات حول التلبية

الوقفة الأولى: في التلبية استجابة لله:
ما إن يخلع الحاج ملابسه ويرتدي ملابس الإحرام حتى يجهر بالتلبية: لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك، إنه يعلن استجابته لله عز وجل استجابة بعد استجابة، يعلن استجابته لنداء الله عز وجل ولأمره ويكرر هذا ويصدح به على رؤوس الملأ، ويتعبد إلى الله عز وجل بهذا الذكر.
لكنك حين ترقب حال هذا الذي يلبي ترى له شأناً آخر مع حدود الله عز وجل؛ فهو يتجرأ على أن يتجاوز حدود الله عز وجل ، يتجرأ على أن يخالف أمر الله سبحانه وتعالى؛ فيرى الأمر واضحاً أمامه مما أمر الله عز وجل به وافترضه عليه، ومع ذلك يترك هذا العمل عمداً ، ويرى الأمر مما نهاه الله عز وجل عنه  وحذره منه بأليم العقاب ومع ذلك يتجرأ على مخالفته،فأين تلك الاستجابة التي كان يعلنها وهو يقول لبيك اللهم لبيك ؟ أين ذلك الخضوع الذي لم يكتف بأن يكون سرًا في نفسه بل أعلنه على رؤوس الملأ استجابة لله عز وجل بعد استجابة، وخضوعاً لله سبحانه وتعالى بعد خضوع؟
إنه لو تأمل هذا المعنى لعاد به كثيراً  ولفكر مليًّا وهو يجهر بهذا الدعاء وهذا الذكر، لعادت به الذاكرة إلى حياته تلك التي يسطرها بالصفحات المخالفة لأمر الله عز وجل ، وعلم أن الدافع الذي يدعوه لاستجابة أمر الله عز وجل على رؤوس الخلائق ينبغي أن يدفعه إلى الاستجابة لأوامر الله عز وجل ونواهيه في سائر حياته.

الوقفة الثانية: في التلبية إعلان للتوحيد:
لقد كان أهل الجاهلية يعلنون الشرك االصراح وهم يلبون ويجاهرون به؛ فيقولون في تلبيتهم: لبيك لاشريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك؛ فجاء الإسلام بتلبية التوحيد والإخلاص والبراءة من الشرك؛ إنه إعلان للبراءة من الشرك بكل صوره وأبوابه: من الشرك في ربوبية الله عز وجل؛ فالله سبحانه وتعالى هو وحده المتصف بصفات الجلال والتعظيم؛ فاعتقاد أن أحداً من البشر يشاركه سبحانه وتعالى الخلق أو الرزق، أو أنه يملك الضر والنفع هو إشراك مع الله عز وجل المتفرد بالربوبية.
وكم يتجرأ بعض المسلمين الذين يعلنون هذا الدعاء صباح مساء: لبيك لاشريك لك لبيك، كم يتجرأ هؤلاء على الشرك بالله عز وجل في مقام ربوبيته ؛ فيعطون تفويضاً إلى من يسمونهم بمشائخ الطرق أو غيرهم  في التصرف في الكون، أو يعتقدون أن فلاناً ينفع أو أن فلاناً يضر أو أن فلانا بيده هذا الأمر أو ذلك، أو يعتقدون بأن هناك من يملك التشريع للناس والتحليل والتحريم وهذا كله خرق لسياج التوحيد واستخفاف بالله عز وجل وعظمته وهو القائل :(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلونكم وأن أطعتموهم إنكم لمشركون).
إنها قضية واضحة كل الوضوح لالبس فيها ولاغموض،  ولامجال فيها للمجادلة والمراء، فمن أعطى حق التشريع والإباحة لأحد غير الله فقد خرق سياج التوحيد وأشرك بالله عز وجل في ربوبيته، ويصدق على أولئك قول الله عز وجل :( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم ) ، فما بال هذا الرجل الذي يعلن التلبية يتجرأ في الإشراك بالله عز وجل ومنازعة الله سبحانه في ربوبيته وأمره (ألا له  الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)، وقد قرن الله عز وجل الحكم بشرعه بعبادته وحده فقال :(إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه).
والتوجه لغيره سبحانه بالدعاء وطلب الحاجة إعلان ممن فعل ذلك أنه يجهل قدر الله عز وجل وأنه لا يعظم الله عز وجل حق تعظيمه وهو القائل :(وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) ،وهو القائل :( ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير)، فما بال البعض ممن يعلن البراءة من الشرك هاهنا ويكررها ،ما باله حين يعود إلى بلاده يتوجه إلى غير الله عز وجل فيدعو غير الله عز وجل ويتوجه إلى غيره سبحانه وتعالى.

الوقفة الثالثة: في التلبية إعلان بالانتماء للدين:
من سنن التلبية الجهر بها؛ فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أفضل الحج العج والثج"، والمقصود رفع الصوت بالتلبية وإراقة الدم في سبيل الله عز وجل، حين أحرم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ما بلغوا الروحاء حتى بحت أصواتهم،إنه مشهد جميل وصوت شجي وندي، حين تملأ الميادين والأزقة والطرقات بالتلبية والتوحيد لله عز وجل.
لكنك ترى المسلم الذي يجهر بالتلبية ويعلنها ويكررها ويرفع بها صوته ،تراه حين يعود بعد ذلك إلى بلده يستحي أن يجهر بما ينبغي أن يجهر به؛ فهو يستحي أن يعلن انتمائه الحقيقي وولاءه لدينه، يستحي أن يصلي النافلة –وربما صلاة الجماعة- يستحي أن يترك معاقرة الخمرة ،يستحي أن يفعل ذلك أمام الناس وهو الذي كان يجهر بالتلبية لله عز وجل.
إن هذا الشعور الذي يدفع المسلم للجهر بالتلبية ينبغي أن يدفعه إلى أن يجهر بانتمائه لدينه، وأن يعلنها صريحة واضحة أمام الناس، هاأنا مسلم أدعو الله عز وجل وأدعو إليه وأنتمي لدينه، هاأنا مسلم أتعبد الله عز وجل بفعل ما أمر وأجتنب ما نهى ولو خالف ما عليه الناس.

 للأعلى


الحج وإبراهيم عليه السلام

الحج يربط المسلم ويذكره بنبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم؛ فهو الذي بنى البيت، وهو الذي أذن بالناس فجاءوا رجالا وركبانا، جاءوا على كل ضامر من كل فج عميق يستجيبون لهذا النداء.
وحين يشرب الحاج ماء زمزم يتذكر أنه نبع بين يدي إسماعيل حين تركه الخليل وودعه فنادته أمه قائله: إلى من تتركنا؟ فلا يجيب إبراهيم ولا يلتفت إليها ثم تسأله فتقول:"أالله أمرك بهذا؟" فيقول: نعم فتقول: إنه لا يضيعنا، وتبقى تلك المرأة مع ولدها إسماعيل، وحين يفارقها إبراهيم يرفع يديه إلى السماء ويدعو الله عز وجل :(وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم. ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم) ، وتأتي حين يجوع ولدها ويبكي وتذهب ذات اليمين وذات الشمال، فتصعد الصفا وتصعد المروة.
فيتذكر هذه المعاني وهو يطوف بالبيت، ويصلي خلف المقام، ويسعى بين الصفا والمروة، ويشرب ماء زمزم، وهو ينتقل بين المناسك؛ فيشعر أنه يرتبط ارتباطا وثيقاً بإبراهيم عليه السلام، وهذا يعني أموراً عدة، منها:

أولاً: الولاء لملة إبراهيم:
يشعر المسلم -الذي يلبي نداء الله وأمره بالحج- بالانتماء والولاء لإبراهيم عليه السلام والحنيفية التي جاء بها إبراهيم، وهو الذي دعا الله عز وجل بقوله: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك) ، إن إبراهيم هو الذي سمانا المسلمين من قبل، هو الذي أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده أن ينتسبوا وينتموا إليه، فما بالنا نرى هذا المسلم الذي يأتي إلى البيت حين يعود إلى بلاده يوزع ولاءه ذات اليمين وذات الشمال، فهو تارة ينتمي لاتجاه قومي، وتارة لاتجاه وطني، وتارة ينتمي إلى منهج علماني، وكلها مناهج تعارض الملة الحنيفية التي جاء بها إبراهيم عليه السلام.
إنه الذي كان يطوف بالبيت وكان يصلي خلف المقام وكان يطوف بين الصفا والمروة، هو  الذي لا يستحي الآن أن يعلن بين الناس أنه قومي أو وطني أو علماني، إنه هو الذي يستقبل البيت الذي بناه إبراهيم كل يوم خمس مرات، ويردد في صلاته كما صليت على آل إبراهيم، كما باركت على إبراهيم.
و يأمر الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تجهر بها صريحة وتعلنها واضحة في وجه من يدعوها لمنهج منحرف (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)، ولئن كان الله عز وجل قد أمر المخاطبين بها لأول مرة أن يقولوها في وجه من يدعوهم للنصرانية واليهودية، فالأمة اليوم مدعوة لأن تقولها لكل من يدعوها لمذهب مادي؛ فأمة الإسلام حزب واحد وجماعة واحدة وأمة واحدة، لا يعرف فيها المسلم الولاء إلا لمنهج واضح المعالم ذلك المنهج الذي اختطه إبراهيم عليه السلام (ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين).

ثانياً: البراءة من الشرك:
إن منهج إبراهيم وملة إبراهيم لها معلم بارز وشعار ظاهر بينه الله لورثة إبراهيم؛ فقد اختصم اليهود والنصارى وكل منهم يدعي أنه سائر على منهج إبراهيم فجاء الوحي (ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين) ، إن مجرد نزاع هؤلاء على الانتماء له والإدعاء بالسير وراءه أعظم دليل على سمو الانتماء لهذا النبي الكريم.
وفي سورة الأنعام يقول حين أعلن بطلان ألوهية ما سوى الله (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) ،وفي سورة النحل يصفه الله عز وجل بذلك (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً وما كان من المشركين) ، ثم يأمر الله عز وجل نبيه - والأمر له أمر لأمته من بعده - (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين).
أترى بعد ذلك أن أولئك الذين يصرفون العبادة لغير الله يحق لهم أن ينتسبوا وينتموا لإبراهيم؟
ومع هذا التأكيد لملة إبراهيم فيوحي الله إليه محذراً إياه من الشرك ومبيناً له أن من أهم مقتضيات حج بيت الله الحرام إعلان البراءة من الشرك والخلوص منه ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) ، ثم يخاطب الله عز وجل أمة الإسلام في ثنايا آيات الحج (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) ، وقد أخبر الله عز وجل في كتابه وهو العليم الحكيم أن كثيراً ممن يدعي الإيمان يقع في الشرك فقال :(وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)، فما بال بعض من يحج إلى البيت وينتسب لإبراهيم يقعون في الشرك ويتوجهون لغير الله عز وجل؟ أيظن أولئك أن مجرد الانتساب للإسلام كافٍ لخلاصهم من الشرك وقد قال الله :(وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون )، أيظنون أن مجرد إقرارهم بالإيمان والدين كافٍ وقد أخبر الله عز وجل أن أنبيائه لو أشركوا لحبطت أعمالهم :( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين).
لقد حكى الله عز وجل عن المشركين وهم يتوجهون لأوثانهم بالعبادة قولهم بأنهم ما كانوا يقصدون عبادة تلك الأوثان بل يتخذونها وسيلة وزلفى إلى الله عز وجل :(والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ، فبالله عليكم ما الفرق بين أعرابي كان في ذلك العصر يتوجه إلى حجارة يركع لها ويسجد لها ويرى أنها تقربه إلى الله زلفى، وبين رجل في عصر القرن العشرين في عصر العلم والوعي أصبح يطوف على رفات مضت عليه السنون ويعتقد أن صاحب هذا الضريح أو هذا الرفات يقربه إلى الله زلفى ومنزلة إليه عز وجل؟
إنه الشرك بالله عز وجل الذي جاء هذا الدين لمحوه، وهو الذي أرسل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم لإبطاله والقضاء عليه، فما أجدر المسلم بعد ذلك وقد أجاب نداء إبراهيم فجاء ملبياً، جاء حاجًّا لله عز وجل، ما أجدره أن يحرص على أن يتعلم ملة إبراهيم، وأن يحرص على أن يعرف هذا الطريق وهذه الملة؛ ليبتعد عن موجبات الشرك صغيره وكبيره.

ثالثا: الولاء والبراء:
لقد ورثت الأمة الإسلامية من أبيها إبراهيم عقيدة البراءة من المشركين وعداوتهم (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العدوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ) فقد أعلنها إبراهيم صريحة واضحة: كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء.
وتنزل آيات البراءة من المشركين في موسم الحج، ويرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يقرأها في الموسم ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله) ، فهل يدرك المسلم وهو يلبي نداء إبراهيم أن من واجبه أن يقطع الولاء لكل مشرك وكافر ولو كان أقرب قريب؟ وألا يوالي إلا من كان حنيفا مسلما؟
هل يدرك المسلم وهو يلبي، وهو يستجيب لنداء إبراهيم، ويستقبل البيت الذي بناه إبراهيم خمس مرات هل يدرك أن ملة إبراهيم قائمة على البراءة من كل كافر بالله عز وجل ، ومن كل مشرك أيًّا كان كفره وشركه سواء أكان يهوديًّا أم نصرانيا ، سواء أكان وثنياً أم مرتداً مادام كافرا بالله عز وجل؟

 للأعلى


وقفات حول النحر

النحر من أعظم ما شرع الله عز وجل في هذه العبادة العظيمة في الحج لقولة سبحانه :( ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) ،(ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)، فالنحر عبادة عظيمة لله سبحانه وتعالى ولهذا سمى الله عز وجل هذا اليوم بيوم النحر وهو أفضل أيام الحج، بل وهو أفضل أيام العام وهو يوم الحج الأكبر ، وهو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: " أفضل الأيام يوم النحر " فتسميته بالنحر دليل على عظم هذه العبادة وعلو شأنها ولنا مع النحر وقفات.

الوقفة الأولى: النحر يربي على الامتثال:
النحر يذكر المسلم بإبراهيم عليه السلام حين أمره الله عز وجل بذبح ابنه الذي رزقه الله إياه على حين كبر، وكانت امرأته عاقراً فرزقه الله عز وجل إياه بعد أن يأس من الولد، وحين بلغ معه السعي والسن التي يفرح فيها الوالد بولده ويستبشر به أمره الله عز وجل  أن يقوم بذبح ابنه ، ولو أمر أن يقتله أو يرسله إلى معركة يقتل فيها فقد يهون الأمر عليه، أما أن يمارس هو ذبح ابنه فالابتلاء أعظم ، ويستجيب إبراهيم لأمر الله دون تردد، و يسعى إبراهيم عليه السلام إلى أن يشرك إسماعيل في الابتلاء ، فيعرض عليه الأمر ويستشيره ( يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ) إنه وهو يسأله هذا السؤال لم يكن ليوقف استجابته لأمر الله عز وجل على موافقة إسماعيل ، حاشا وكلا، لكنه يريد أن  يشاركه إسماعيل في الابتلاء وما كان من ابنه إسماعيل إلا أن قال:( باأبت افعل ما تأمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين)وحين استسلم كلٌّ من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لله عز وجل ، ولم يبق بعد ذلك أن تراق تلك النفس ، النفس التي شاء الله عز وجل أن يكون من ذريتها هذه الأمة التي تحج إلى بيت الله عز وجل وتحمل رسالة الله، ويخصها بخاتمة شرائعه (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً) وحين نعود إلى واقع هذا المسلم الذي ينحر الدم لله عزوجل استجابة لأمره تبارك وتعالى وتأسيًّا بإبراهيم ، نراه في الاستجابة لأمر الله عز وجل تراه يبدي العلل والحجج الواهية ويناقش ويبدي ويعيد في تسليمه لأمر الله عز وجل.

الوقفة الثانية : النحر يعد النفوس:
المسلم الذي يقدم القربان لله عز وجل ويتعبد إليه بالنحر يحمل الاستعداد لبذل نفسه وتقديمها قرباناً لله عز وجل (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم  بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهد من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم )، وكم حفظ لنا التاريخ من سير أولئك الذين يحمل أحدهم روحه في كفه ويسير في ميدان الوغى والجهاد، ويتمنى أن يصاب ويقتل ، فهذا أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصيبه السهم وتخرج أمعاؤه ، ويضع الدم على وجهه ويستبشر ويقول فزت ورب الكعبة، ولا غرابة وقد سمعوا النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول :" وددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ) ، إن المسلم الذي ينحر الدم قرباناً لله عز وجل ينبغي أن يكون على أتم الاستعداد أن يقدم رقبته رخيصة لله عز وجل حين يدعو داعي الجهاد في ساحة الوغى .

الوقفة الثالثة : النحر لغير لله شرك:
إذا كان النحر من أفضل أعمال الحج، بل هو ما شرعت المناسك من أجله، وأفضل أيام الحج بل أيام العام هو يوم النحر، إذا كان النحر في هذه المنزلة فهو عبادة عظيمة من أجل العبادات وصرفه لغير الله عز وجل يعني أن هذه عبادة لغير الله وشرك به، ولهذا أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يخلص هذه العبادة (فصل لربك وأنحر ) ، وأمره أن يجهر بها للناس ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين لا شريك له )، ويحذر صلى الله عليه وسلم  أمته من صرف هذه العبادة لغير الله سبحانه، ففي صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه قال حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات" لعن الله من ذبح لغير الله ، لعن الله من لعن والديه ، لعن الله من أوى محدثا ، لعن الله من غير منار الأرض" . بل ويسد النبي صلى الله عليه وسلم أبواب الذبح لغير الهس عز وجل وطرقه، فحين يأتيه رجلاً يستأذنه في الوفاء بنذره وقد نذر أن ينحر إبلاً ببوانة  سأله صلى الله عليه وسلم :أكان فيها عيد من أعياد الجاهلية ؟أو كان فيها وثن من أوثانهم؟ إن هذا كله إقامة للسياج حول هذه العقيدة وحول هذا التقرب إلى الله عز وجل حتى لا يخرق هذا السياج ويتجاوز، فما بالنا نرى المسلم الذي ينحر لله في هذا الموسم ويتقرب له يريق الدماء وينحر القرابين لغير الله فتارة يستجيب لأمر مشعوذ أو ساحر فيذبح طائرًا أو حيواناً يهل به لغير الله، وتارة أخرى يذبح للجن ، وأخرى يذبح أمام حجارة أو رفات قبر، إن هذا المشهد مع ما فيه من خرق لسياج التوحيد ووقوع في  الشرك فهو يحكي نفسية ضعيفة تخاف من الجن وتخشى بطشهم، و تشعر أن كل مافي هذا الكون عدو يكيد لها ويريدها بسوء ، وهو كذلك يحكي صورة من صور الجهل والتخلف، وعدم إدراك الأسباب والمقدمات، فهل نحره لحجارة أو رفات قبر سيدفع عنه ضرًّا أو يجلب له نفعاً؟ إنك لتأسى على واقع هذه الأمة التي حملها الله الرسالة وجعلها خير أمة، واستشهدها على الناس ومع ذلك ترى البعض من المسلمين يعلقون آمالهم بحجارة أو رفات قبر علا عليه الزمان.

الوقفة الرابعة :العبرة بالمضمون:
 يقول الله عز وجل تعقيبا على آيات النحر ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم )، إن القضية ليست بالمظهر وإنما هي بالمضمون ، والمقصود إن هذه اللحوم والدماء لن ينال الله عز وجل منها خيراً، وهو سبحانه المستغني عن خلقه عز وجل وهو سبحانه أغنى عن الشرك وأغنى عن خلقه، وأنَّى له سبحانه وتعالى أن يحتاج أو يفتقر إلى غيره هذا ، وإنك حين تتأمل في واقع المسلمين ترى أن المظهرية قد سيطرت على حياتهم، إنك تراه يقلد ويعتني بأداء الركوع والسجود ولكن جوهر الصلاة وحقيقتها في واد آخر، إنك ترى المظاهر قد أصبحت تخدع المسلمين، و تسيطر على حياتهم فأنت ترى الأستاذ في ميدان التعليم يرى أن نجاحه في أن يكمل هذا الكتاب كله دون أن يترك منه سطرا, أن يكتب كتابة واضحة على السبورة, أن يستعمل وسائل الإيضاح ,أن يعنى بكراسة التحضير ورصد الدرجات ,أما ما وراء ذلك وأهم منه بناء الجيل وإعداده وتعليمه, فهو شأن آخر, أليس هذا مظهر من مظاهر عناية الأمة بالمظهرية وغياب المضمون عنها ؟ إنه سلوك يسيطر على المسلمين في حياتهم كلها ,فكثير ما تخدعهم المظاهر وتغيب عنهم الحقائق.

 للأعلى


وقفات حول محظورات الإحرام

الوقفة الأولى:
حين يلبس الحاج إحرامه ويلبي نداءه لله عز وجل، يلتزم بالامتناع التام عن محظورات الإحرام ,فيتجرد عن المخيط, ويترك الطيب, ويمتنع عن حلق شعره, ويتخلى عن الرفث ومقدمات النكاح,إنه يستجيب لذلك كله دون تردد ، ولا تحدثه نفسه أن يتجاوز هذا المحظور, لكن ما باله في سائر حياته يتجاوز ما حرم الله عليه؟ فالذي حرم على المحرم الطيب هو الذي حرم على المحرم أكل الربا والذي حرم الرفث ومقدمات الجماع هو الذي حرم النظر الحرام على المسلم في كل حين ,والذي نهاه عن لبس المخيط هو الذي نهاه عن لبس الذهب والحرير,إنك لتبحث عن مبرر أو مسوغ لهذا التناقض الذي يعيشه المسلم في سلوكه فلا ترى غير التناقض .

الوقفة الثانية: المحرمة والحجاب:
اعتدت أن ترى المرأة المسلمة  في أسواق المسلمين وأزقتهم وفي مدارسهم وجامعاتهم متبرجة متعطرة قد فتنت بتقليد أعداء الله عز وجل ، بل تحول الأمر إلى أن أصبحت تُعاب حين تتنقب أو ترتدي الحجاب ,لكن المسلمة نفسها والتي رأيتها بالأمس في السوق ,تراها متحجبة حال إحرامها لا يبدو منها إلا جزء من  لباسها أو وجهها أو كفيها ,وهنا يقفز إلى ذهنك سؤال يفرض نفسه :ماذا تغير في واقع هذه المرأة ؟ ولماذا تحجبت الآن وتركت الزينة ؟ هل أكرهها أحد أو ألزمها به ؟ أبداً لقد تحجبت استجابة لأمر الله,ولأن هذا لباس المحرم أليس هذا هو لباس المسلمة في كل حين وفي كل وقت ؟أليس الذي أمرها بهذا اللباس حال إحرمها هو الذي أمرها بالحجاب في سائر أحوالها ؟وأي مبرر لهذا التناقض وأي مسوغ لهذه الازدواجية ؟.

الوقفة الثالثة: بين الصيد ودماء المسلمين:
يمتنع المسلم في الحرم عموما وحال إحرامه عن قتل الصيد, بل عن تنفيره وإثارته,ولا تكاد ترى من يتجرأ على خرق هذا السياج .وهو انضباط محمود ولاشك ,لكن ما بالك ترى المسلم الذي يتورع عن قتل الصيد, بل عن تنفيره وإثارته,ما بالك تراه يريق دم أخيه المسلم ,أو يتسبب في ذلك,كم هي الأنهار جارية من دماء المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله, والبعض منها يسيل بأيدٍ مسلمة فيقتل المسلم أخاه,ويسعى لذلك دون رادع أو وازع ,وهو الذي كان يتورع في الحرم عن تنفير الصيد وإثارته ,إنه يمتنع إلا أن الله عز وجل قد حرم عليه تنفير الصيد وقتله إن الله الذي حرم عليه ذلك هو الذي حرم عليه دم أخيه المسلم, فما باله يسترخص دم أخيه المسلم ,ويستعظم تنفير طائر أو حمامة "وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى والمح إليه ,فسأل أصحابه أي يوم هذا؟ أي شهر هذا ؟ أي بلد هذا ؟ وحين قرر لهم صلى الله عليه وسلم حرمة الشهر واليوم والبلد قال:"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ,كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ,في بلدكم هذا " كم ترى ممن يتجرأ على انتهاك حرمات المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله في إراقة دم المسلم والسعي إلى ذلك أو انتهاك عرضه أو ظلمه في ماله يتجرأ على ذلك وحين يأتي إلى بيت الله الحرام يتورع عن إثارة طائر أو حمامة بل تراه يتقرب ويشتري بماله الطعام إلى هذا الطائر أو ذاك يتقرب إلى الله بإطعام هذا الطائر وينسى أن حرمة دم المسلم أعظم من ذلك كله ينسى أنه كما قال صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل أمرئ مسلم".

 للأعلى


وقفات حول الدعاء

في الحج هناك ترى المسلمين من كان منهم براً ومن كان منهم دون ذلك ,من كان تقياً ومن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً ,ترى الجميع شيباً وشباناً رجلاً ونساء, تراهم قد رفعوا أكف الضراعة إلى الله عز وجل يدعونه ويبتهلون إليه عشية عرفة وعلى الصفاء والمروة وعند الجمرات، تراهم ما بين مستغفر تائب وعائد إلى الله عز وجل ، ما بين نادم وصاحب حاجة سائلاً لمولاه، تراهم قد قطعوا العلائق إلا إلى الله عز وجل, وقد انقطعت آمالهم إلا به سبحانه وتعالى, لكن هذا المسلم الذي يتوجه إلى الله عز وجل ويخلص له ويدعوه ويقطع حبال الرجاء إلا به سبحانه, تراه وقد علق أمله بالمخلوق خوفاً ورجاء, تراه ينطرح ذليلاً بين يدي مخلوق يشعر أن حاجته بيده, وأن مخرجه مرهوناً به فكيف يستبدل الذي أدنى بالذي هو خير, أليس خيرً للمسلم أن يعتز ولا تكون له حاجة إلا  لله سبحانه وتعالى ,وأن يترفع عن استجداء المخلوقين وشعوره أن مصيره بيد فلان أو فلان من الناس.

 للأعلى


وقفات حول الحجر الأسود

حين جاء عمر بن الخطاب وقبل الحجر قال: "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك " إننا مع ذلك مع تلك الشهادة من عمر رضي الله عنه وهو أفضل الأمة بعد خليفة نبيها أبي بكر الصديق رضي الله عنه يٌقّر أن هذا الحجر لا يضر ولا ينفع, فما بالنا نرى المسلمين بعد ذلك يعتقدون أن هذا الحجر أو ذاك قد تعلق مصيرهم به ؟وقد تعلقوا بحديث باطل لا يصح أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به" فإذا كان هذا الحجر وهو في بيت الله حجر لا يضر ولا ينفع, فما بالك بغيره من الحجارة تلك التي صار كثير من هذه الأمة يتبرك بها ويتمسح بها.

ثانياً: أن عمر رضي الله عنه يبين أن الدافع الأول والأخير لتقبيله لهذا الحجر هو أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك, وهذا يرسم لنا منهجاً في اتباع سنته صلى الله عليه وسلم والحرص على التعرف على معالم هديه, وأن نتبع سنته ونقتدي بهدية عليه أفضل الصلاة والتسليم, سواء أعلمنا الحكمة أم لم نعلم,و سواء أظهر لنا المقصود من ذلك أم لم يظهر, فنحن نتعبد الله عز وجل باتباعنا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

 للأعلى


وقفات عامة

ثمة وقفات متفرقة علنا أن تأتي بما يسمح به الوقت منها:

الوقفة الأولى:
الحج يربي على الانضباط إنك حين تتأمل المناسك ترى فيها دقة عجيبة, فأنت ترى المسلم يقف عند هذا المكان من حدود عرفة ,فلو وقف هنا كان داخل عرفة ,ولو تأخر متراً واحداً كان خارج عرفة, ولو وقف هنا نائماً أو صامتا لصح حجه, ولو وقف هناك وصار يدعو ويتضرع لم يصح حجه, ما الفرق بين هذا المكان وذاك؟ تراه يرمي الجمرة الأولى قبل الثانية, وبعدها العقبة، ولو رمى تلك قبل هذه لم تصح ,تراه يبدأ من الصفا وينتهي بالمروة ولو عكس لم يصح له الأمر، هذا اليوم يقف في عرفة، وفي الليل يبيت في مزدلفة، وفي أيام التشريق يكون في منى لو رمى قبل الزوال بدقائق لكان رميه غير صحيح وكانت عبادته غير صحيحة ,ولو رمى بعد الزوال لكان موافقاً للسنة,وهكذا في دفعه من عرفة وفي سائر المناسك تراها منضبطة بمكان أو وقت أو زمان أو هيئة معينة لا تكاد تدرك لها تعليلاً أو تفسيراً فما الفرق بين من يتقدم دقيقة أو أخرى؟إنه الاستسلام والخضوع لله عز وجل, وهكذا ينبغي أن يكون شأن المسلم (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم )، ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما )، إن معنى الإسلام هو الاستسلام لله عز وجل والتسليم له والانقياد لأوامره والانتهاء عن نواهيه، سواء أدرك المسلم حكمة ذلك أم لم يدركها، وهو يقطع أنه ما شرع الله من أمر إلا له حكمة، لكن هذا شيء وكونه يجعل استجابته لهذا الأمر موقوفا على إدراك الحكمة شيء آخر .و هذا يربي المسلم على أن يعنى بوقته وينضبط فيه,فأنت ترى أن دقيقة واحدة تقديما أو تأخيرا قد يتوقف عليها صحة العبادة وبطلانها، ترى دقيقة تقديما أو تأخيراً يتوقف عليها اتباع السنة أو مخالفاتها، إن هذا يربي في المسلم أن يكون منضبطاً في أوقاته وفي مواعيده، وتتأسف حين تتأمل واقع المسلم فتراه نموذجا لإهدار الأوقات وإضاعتها والتفريط في المواعيد وعدم الانضباط فيها، فالوقت هو الحياة، كيف به وهو يعلم أنه سيسأل يوم القيامة عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه.

الوقفة الثانية: الورع المفقود:
ترى الناس في الحج يفدون إلى مراكز الإفتاء، يسأل أحدهم ويستفتي ويتورع عن مسائل دقيقة، وهو على أتم الاستعداد أن يستجيب لما يقال له، فلو أفتي أن عليه أن ينحر دماً لبادر إلى ذلك ولو أفتي أن عليه أن يعيد الطواف لأعاده، لو أفتي أن عليه كذا وكذا لفعل، بل لو أفتي أن عليه أن يعيد الحج من العام القادم لكان على أتم الاستعداد لأن يفعل ذلك،لكن ما بال هذا المسلم تراه وهو يسأل بدقة وربما يتكلف، تراه في حياته بعد ذلك لا يسأل عن أمور دينه ،تراه يضرب خبط عشواء في عبادته وفي معاملته وفي سلوكه فلا يرى دافعاً في نفسه إلى أن يسأل عن صلاته وأحكامها ،إلى أن يسأل عن هذه المعاملة أهي جائزة أم محرمة، وحين ينكر عليه يعتذر بالجهل لو كان جادًّا في التزامه بأمر الله عز وجل لسأل ولبحث عن من يرشده إلى دينه كما سأل هنا.

الوقفة الثالثة: التخلف الحضاري:
حين ترى واقع المسلمين في الحج ترى مظاهر تعكس التخلف الحضاري عندهم فترى من لا يتردد في أن يرمي زجاجة الماء في طريق الناس، ومن لا يتردد في أن يقضي حاجته هنا وهناك، وترى الطرق والأزقة قد علتها القاذورات، وترى الفوضى بين الناس في مرورهم، في ذهابهم، في رمي الجمرات، في الطواف، وترى ازدحام الناس وخصومتهم وعدم انضباطهم، مما يوحي إليك أن الأمة مع أنها تعاني من مظاهر الشرك فهي تعاني من الجهل بالعبادة ومن التجرؤ على حرمات الله إلا أنها مع ذلك تعاني تخلفاً حضارياً، فما أجدر أن تكون هذه الأمة قدوة للناس في كل شؤونها وحياتها، في توحيدها، من اتباع لله عز وجل، في عبادتها، في أخلاقها، في سلوكها، ومع ذلك أيضاً في مظاهر انتظامها ومظاهر النظافة والانتظام والانضباط إنك ترى انعدام مشاعر الأخوة، فترى المسلم يخاصم أخاه لا لشيء إلا لأنه دخل قبله في الطريق أو أنه لم يمكنه من هذا المكان أو ذاك، وكم ترى الخصام في الحج ورفع الأصوات بين المسلمين الذين جاءوا خاضعين لله عز وجل، أليس هذا دليلاً على أن مشاعر الأخوة بين المسلمين بحاجة إلى من يعيد بناءها ؟بحاجة إلى من يركز عليها ويعتني بها ؟صورة أخرى أيضا تراها من واقع المسلمين مما يحكي تخلفهم، كثيرا ما ترى الناس وقد ازدحموا وأصبح يدفع بعضهم بعضا ولا ترى مبرراً لذلك إلا حين ترى من يوزع على الناس زجاجات الماء أو علب المرطبات، وترى الناس يزدحمون على هذا الذي يوزع بالمجان، يحق للإنسان أن يأخذ وهذا ما وزع إلا ليؤخذ، ولكن أليس في هذا دليل على أن هذه الأمة أصبحت يدها سفلى ,أصبح المسلمون دائما لا يعملون، لا يبادرون، إنهم على أتم الاستعداد أن يأخذوا أما أن يعطوا فلا ربما تراه أميًّا لا يقرأ ولا يكتب قد يأخذ كتابا بأي لغة لا يفهمها، وتراه يزاحم لأجل أن يأخذ كوبا من الماء أو يأخذ علبة من المرطبات، ثم مع ذلك لايراعي مشاعر، إخوانه فيأخذكمية كبيرة على حساب ما يحتاج إليه الناس، لقد رأيت مرة سائلا عند المسجد النبوي رأى رجلاً معه زجاجة ماء فأوقفه وقال: هذا من ماء زمزم؟ يريد أن يعطيه إياه لقد بلغ به الكسل واستجداء الناس إلى أن تثقل عليه خطوات والماء قريب منه، فهو ينظر إلى المارين عسى أن يكون ممن يتفضل عليه، وقد امتد هذا إلى الصالحين والأخيار، فتجد الكثير من الشباب على أتم الاستعداد أن يستمع وأن يحضر الدروس والمحاضرات، ولكن أن يقرأ أويبذل جهداً هذا أمر صعب، ترى الناس في الحج يبذلون جهداً مضنياً ويتحملون مشقة عظيمة، والله عز وجل قد امتن على عباده بأن سخر لهم هذه الدواب والأنعام التي تحملهم إلى هذا البلد قال الله عز وجل: (لم تكونوا بلغيه إلا بشق الأنفس )، (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ظامرٍ يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم)، قبل سنوات معدودة كان المسلم بأتي من خراسان ومن أقصى أفريقيا على قدميه، وبدأ مسيره من شهر ذي الحجه، كلما دخل بلداً عمل فيها واكتسب شيئاً من المال، ثم سار حتى وصل إلى مكة من العام القادم وقضى حجه، وعاد بنفس الطريقة، ووصل إلى أهله وقد هل هلال ذي الحجة من العام الذي يليه، ومع ذلك يتعب ويتحمل النصب، وفي هذا الوقت الذي تيسرت فيه الأسباب والوسائل ترى المسلم يوفر من قوته وقوت عياله حتى يجمع قيمة السفر وتكاليفه ثم يقف طوابير طويلة ويتعب وينصب حتى يحصل على تصريح للسفر، ويعطل عمله وأهله وقتاً، ويأتي إلى هذه البلاد، وتراه يسعى في الحر والشمس في كل الأحوال يتحمل ذلك لله عز وجل، لكن أين المسلمون بعد ذلك في سائر عبادتهم ؟إنهم هم الذين ينصبون ويتعبون وينفقون المال لأجل أن يؤدوا هذه الفريضة، هذا أين هم بعد ذلك من بذلهم لله عز وجل في سائر أمورهم، من تعبهم في خدمة دين الله عز وجل وبذلهم له سبحانه؟

الوقفة الخامسة: بذرة خير بحاجة إلى من يستثرها:
ترى الناس في هذا الموسم وترى عجباً ترى ذاك الذي كان يعاقر الخمرة ويتغنى بها، تراه يبكي متضرعاً مقبلاً على الله عز وجل في عرفات، تراه قد تجرد من ثيابه وتخلى عنها لله عز وجل، ترى تلك المرأة السافرة الفاتنة، ترى تلك المرأة المتبرجة والتي كانت تعرض مفاتنها تراها وقد ارتدت الحجاب وأقبلت على الله عز وجل في هذا الموسم، إن هذا مع أنه يحمل مظهراً من مظاهر التناقض والازدواجية مما أشرنا إليه قبل قليل إلا أنه يدل علىأن هؤلاء المسلمين يحملون استعدادا للتسليم لله عز، إن تلك المرأة والتي تتاجر بالسفور وتسعى إليه هاهي تلتزم بالحجاب مع أنها تعيش تناقضاً إلا أنها استجابت لأمر الله عز وجل، و ذاك الذي كان يجتهد في الصد عن سبيل الله صار يتعب ليحج إلى بيت الله، أليس في هذا دليلا أن النفوس مع ما فيها من أمراض تحمل قابلية للخير لو وظفت ولو بذلت واستثمرت لحققت خيراً كثيراً، وإنك ترى مظاهر في الحج تدل على الجهل لكنها تحمل أيضا في طياتها بذرة الخير، ذاك الذي يأتي وصحن البيت قد امتلأ بالطافين فصار يزاحم الناس ليقبل الحجر والآخر في وهج الشمس يصعد على جبل عرفات وهو يظن أن الصعود عليه سنة وهو على أتم الاستعداد أن يتحمل النتائج التي تترتب على ذلك في سبيل أن يصعد إلى هذا الجبل إن هذه المظاهر وغيرها مع ما تحمله من الجهل ومن الإيذاء للناس فهي تدل على أن هذا الرجل يحمل نفسا تتطلع إلى التضحية والبذل، ماذا لو أقنعنا هذا المسلم الذي يزاحم ويتعب وينصب ليقبل الحجر أن جهده في الدعوة لدين الله وهو في بلده خير وأبقى له من هذا الأمر الذي قد يأثم به، إننا نجزم أن هذا المسلم لو كان يحمل هذا الاقتناع أن قيامه بهذا العمل أو ذاك خيرُ له من هذه البدعة وصعوده إلى هذا الجبل أو ذاك، ومن تعريضه نفسه للضر والمرض، ولو أقنعناه بذلك لكان على أتم الاستعداد أن يبذل ولو جزءاً يسيراً من ذلك، وتخيلوا معشر هذه الملايين من الرجال والنساء الذين يفدون إلى بيت الله عز وجل يعلنون الاستجابة لله والتوحيد، يخضعون لأمر الله يسيرون في هذه الليلة وتلك، يسيرون إلى هذا المكان والى ذاك استجابة لأمر الله عز وجل، ماذا لو غُرس عند هذه الأمة حقيقة الإسلام وحقيقة الانتماء للإسلام، وأن هذا الدين الذي يدعوه إلى أن يفد إلى هذه الأماكن، وإلى أن يبذل هذا العمل أو ذاك يدعوه إلى أن يستجيب لأمر الله، إلى أن يبذل لدين الله عز وجل، إنني أجزم أن هؤلاء لو اقتنعوا تمام الاقتناع لوجدنا منهم ألوفا يحملون الكلمة الصادقة يغيرون بها وجه الأرض، إنها خواطر عاجلة لا يجمعها جامع إلا أنها تدور حول الحج إلى بيت الله، حديثا عن أحكام المناسك ولا عن أدبها، ولا استقصاء لأخطاء الناس في ذلك لكني أردت أن ألمح إلى هذه المعاني التي نفتقدها، والتي بحاجة إلى أن نتذكرها، وأن نكتشف أمراضها وأمراض الأمة من خلال هذه المواسم.
أسأل الله عز وجل أن ييسر للحجاج بيت الله عز وجل أمورهم وأن يرزقهم الإخلاص لله عز وجل والتوحيد له والبراءة من التوجه مما سواه والاستسلام له والخضوع له سبحانه وتعالى. هذا والله أعلم وأحكم ورد العلم إليه أسلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آلة وصحبة أجمعين.

 للأعلى

د. محمد بن عبدالله الدويش

                             


جميع الحقوق محفوظة لموقع المربي 1429هـ ©
© All rights reserved to ALMURABBI 2008